روايات رومانسية

رواية انذار بالعشق الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم مريم غريب

رواية انذار بالعشق الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم مريم غريب  

 

( 25 )

_ حيلة ! _

ظهروا تباعا ، عند باب القفص الكبير الصدئ … كانت الظلمة شديدة هنا ، موحشة ، و الضباب يهبط من السماء كثيفا

لكنها إستطاعت رؤية واحدهم الأخر بمنتهي الوضوح …

سار “صلاح” في المقدمة ، يليه “عمر” .. يليه المدعو “عوني”

كانت ترجف من الخوف و هي تحاول نزع القيود عن رقبتها و يديها ، بينما إستمروا في الإقتراب منها علي نفس الوتيرة المتناغمة

الثلاثة يحدقون فيها بنظرات دموية محضة ، و كانت أعينهم سوداء كليا تستعر بالرغبة .. الرغبة في الفتك بها ، إلي أن كسر “عمر” قانون السيادة هذا و قفز متقدما “صلاح” و هو يزمجر بوحشية

كان التحدي واضح جدا بينهما ، و لوهلة بديا أنهما نسيا وجود “عوني” .. و هذا ما ظنته “ساره” ظنت أنهما علي وشك عراك محتدم ….

حتي رأتهم ، ثلاثتهم ، يقذفون بأنفسهم نحوها و كلا منهم ينشب أظافره في جزء منها

“صلاح” يريدها … “عمر” يريدها … “عوني” يريدها

و فجأة ، تتمزق “ساره” إلي أشلاء …..

-آااااااااااااااااااااه ! .. صرخت “ساره” بأعلي صوتها و هي تقفز مستيقظة من سريرها

يا له من كابوس !!

هل كانت تحلم بهذا فعلا ؟؟؟

-سـاره ! .. هتف “صلاح” واثبا من فراشه إلي فراشها

إلتفتت إليه مشوشة ، كان وجهه الناعس ملتاعا ، لكنه سرعان ما تخلص من آثار نومه كلها و أمسك بكتفيها متسائلا بصوت متحشرج :

-فيكي إيـه يابت ؟ مالك بتصرخي ليـه ؟؟

إبتعلت “ساره” ريقها و هي ترمقه بنظرات مضطربة ، كانت هذه أول مرة يتحدث إليها منذ مشاجرتهما الأخيرة .. قبل يومان ، عندما رفضت قبول هداياه و خاطبته بإسلوب فظ للغاية ….

-آ أنا . كنت بحلم يا صلاح ! .. تمتمت “ساره” بصوت ضعيف و ندت عنها تنهيدة حارة متقطعة

طالعها “صلاح” بنظرات عابسة و قال بجفاف :

-كده ! طيب إبقي إتغطي كويس من هنا و رايح بقي .. و غمغم و هو يقوم من جانبها :

-وقعتي قلبي جتك داهية !

إبتسمت “ساره” رغما عنها و قد طرح عقلها تلقائيا المقارنة بين “صلاح” في الكابوس و “صلاح” الذي تراه الآن ، لا يمكن أن يجمع شخصا بين كل هذه الصفات بنفسه في آن واحد

و لكن بإمكان “صلاح” أن يكون خليطا من كل ذلك بنفس الوقت ، قاسي و حنون ، غليظ و لطيف ، خطير و نبيل .. إنه شئ عجيب طبعا ، إنما جيد ، جيد جدا …

-علي فكرة أنا خارجة إنهاردة ! .. قالتها “ساره” من مكانها مطرقة الرأس

أخذت تمسد علي اللحاف الثقيل بكفها متحاشية النظر إلي أخيها …

بينما توقف “صلاح” قبل أن يبلغ عتبة المرحاض تماما ، رجع خطوة للوراء و إستدار نحوها قائلا بلهجة مستهجنة :

-نعم ! خارجة إنهاردة إزاي يعني و علي فين سيادتك ؟؟

ساره بنبرة باردة :

-حاسة إني تعبانة شوية . هيام هتعدي عليا الضهر كده و هاتوديني للدكتورة

عبس “صلاح” مرددا بدهشة :

-دكتورة ! دكتورة إيه و ليه ؟!

زفرت “ساره” بسأم و تطلعت إليه قائلة :

-دكتورة نسا يا صلاح . و لا إنت ناسي إني بقيت واحدة ست مش بنت ؟!

أحمـّر وجهه من شدة الحرج و قال بصوت أجش :

-مش ناسي . بس إنتي دلوقتي مش متجوزة هتروحيلها ليه بقي مش فاهم !!

ساره بإنفعال :

-بقولك تعبانة و طبيعي مش عارفة من إيه بالظبط هاروحلها بقي عشان هي تقولي السبب

أسكتها “صلاح” بإشارة من يده و هو يقول بإقتضاب :

-خلاص خلاص .. روحي . بس إبقي علي إتصال معايا . و لو إحتاجتي حاجة كلميني هكون عندك في خمس دقايق !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كان شعور الإنتصار يملؤه .. و هو يقف الآن أمام المرآة ، يتأنق بأفخم الثياب و يضع اللمسات الأخيرة علي إطلالته الساحرة التي عمد إليها خصيصا ليزيد من دفاعاته أمامها

حتي لا يبقي أمامها خيارا سوي النزول عند رغبته ، و قبول جميع طلباته … و لكن ماذا يتوقع منها أن تفعل غير ذلك ؟ ألم تبادر هي من قبله ؟ ألم تتصل به الليلة الماضية بنفسها ؟ بلي فعلت .. و هي من حددت الموعد ليتقابلا اليوم و يتفقا علي كل شئ

لم يشأ أن يشعرها بأنه تغلب عليها ، كما من المفترض أن تعرف .. شخصا بمكانته و مركزه الإجتماعي و نفوذه و الأهم من كل ذلك ، ثرائه اللامحدود

حتما تكون حمقاء من ترفضه ، حتي لو كان أخيه يغدق عليها أموالا وفيرة و هدايا ثمينة ، لكنه يبقي هو الأفضل في كل الأحوال ، فهو يعدها _ بالزواج _ و هذا وعد لن يجرؤ “زياد” علي أن يقطعه لها ، و لا شك أنها ذكية أيضا ، إختارت من رجحت كفته بنظرها ….

سمع “عمر” قرعا علي باب غرفته ، عندما كان يجمع متعلقاته الخفيفة من أجل الذهاب .. رفع رأسه ناظرا بإتجاه الباب و هو يهتف :

-إدخل !

ليظهر والده في اللحظة التالية …

كان في حلة العمل ، إستنتج “عمر” أنه ربما عاد إلي البيت لتوه

إبتسم “نصر” له ، ليرد “عمر” الإبتسامة قائلا :

-صباح الخير يا بابا

نصر الدين و هو يمشي صوبه :

-صباح النور يا عمر .. إيه إنت خارج و لا إيه ؟!

-أيوه . عندي مشوار مهم

-مواعد العروسة مش كده ؟ .. و غمز له

عمر و هو يضحك :

-آه . رايح أقابلها فعلا

-إممم الله يسهلك ياعم . طيب مش هتعرفني عليها بقي ؟ أنا مارضتش أتكلم كتير قدام إخواتك و قلت أجي أسألك بنفسي

تنهد “عمر” و قال بفتور :

-ماتقلقش يا بابا . أنا مش هعمل حاجة من وراك .. إطمن

هز “نصر” رأسه يائسا و قال :

-طيب علي الأقل قولي بنت مين ؟ يابني أنا مش عايز غير مصلحتك و سعادتك . عايزك أحسن واحد في الدنيا

عمر بسخرية :

-هي لازم تكون بنت بارم ديله يعني عشان تشرف ؟!

إنفجر “نصر” ضاحكا و هو يرد عليه :

-لأ . لأ يا عمر باشا مش لازم تبقي بنت بارم ديله و لا حاجة .. و ما لبث أن هدأ و أكمل بجدية :

-بس أنا مش هقبل ليك بواحدة أقل من مستواك . إنت إبن نصر الدين الراوي .. و خليك عارف إن إمكانياتك عالية أوي . بص لنفسك في المراية و إنت تعرف إخواتك و كل إللي حواليك بغيروا منك ليه . إنت معاك كل حاجة تكبرك علي الكل يا عمر . حتي لو كنت صغير سنا . فاهمني ؟

نظر له “عمر” مليا ، ثم قال بهدوء :

-فاهم . بس مش الجواز إللي هايزودني .. و أتمني تكون إنت إللي فاهم يا بابا إن جه الوقت عشان أختار الشئ إللي يرضيني و يريحني . مش مهم رضا حد تاني غيري

وضع “نصر” يده علي كتف إبنه و قال بلطف :

-و أنا يهمني رضاك . و عارف إن من حقك تختار .. بس طلبي الوحيد إنك تدور علي مصلحتك منغير ما تكون في غشاوة علي عنيك . عايزك تفكر كويس يا عمر عشان ترتاح . عمرك ما هترتاح لو كان إللي بيحركك حاجة غير إرادتك

عمر مبتسما بغرور :

-ماتقلقش يا بابا . أنا عارف أنا بعمل إيه كويس .. و بكره هتشوف بنفسك … ثم ربت علي يده المتموضعة علي كتفه مكملا :

-يلا بقي أنا همشي دلوقتي . أشوفك بليل .. و مضي بإتجاه الباب

نصر الدين رافعا نبرته بحدة متكلفة :

-طيب ماتنساش إجتماع بكره في فندق Allies . كفاياك دلع و هروب من الشغل بقي

كبت “عمر” ضحكته و هو يقول :

-حاضر . مش هنسي .. باي !

و رحل ….

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

تحت سماء المدينة ، ظهرا … مشت “هيام” بجوار “ساره” علي الرصيف الجانبي

كانت تعلم أن صديقتها لديها موعد عند الطبيبة النسائية ، لكن بدا لها أن الطريق المكتظ بالمتاجر و المطاعم الفاخرة لا يمت للمراكز الطبية بصلة

نفذ صبرها في هذه اللحظة و أمسكت بذراع “ساره” صائحة :

-الصراحة أنا مش فهماكي . بقالنا ساعة ماشيين علي رجلينا و كل ما أسألك علي إسم الضاكتورة إللي هنروحلها أو حتي مكان العيادة تقوليلي بعدين . بعدين إيه يا ساره إنتي بتسرحي بيا ! في إيه ياختي ؟؟!!

هدأتها “ساره” بحليمية :

-إيه يا هيام . بالراحة شوية مالك بس ؟

هيام عابسة بحنق :

-إنتي سحباني وراكي علي فين يا ساره ؟ أنا ماعنديش مشكلة أروح معاكي في أي حتة بس أكون عارفة راسي من رجلي . جو الأفلام ده مابحبوش

ضحكت “ساره” و قالت :

-يابنتي مافيش أفلام و لا حاجة . إنتي مش عايزة تصبري ليه ؟ أنا هفهمك كل حاجة بس إستني شوية

هيام بعناد :

-لأ ماستناش فهميني دلوقتي . مش المفروض إنك تعبانة و رايحة للضاكتورة ؟!

إبتسمت “ساره” قائلة بصوتها الرقيق :

-و الله هقولك كل حاجة . و مش هاوديكي في حتة علي فكرة . إحنا خلاص وصلنا أصلا

هيام بتساؤل :

-وصلنا فين يا حبيبتي ؟

ساره و هي تشير بإصبعها نحو المطعم النيلي :

-أهو . هو ده المكان

نظرت “هيام” حيث أشارت ، ثم نظرت لها ثانيةً و قالت ببلاهة :

-و ده إسمه إيه ده إن شاء الله !!

ضحكت “ساره” مجددا و هي تقول :

-تعالي و أنا أقولك ! .. و مضتا معا صوب المطعم

جلستا إلي طاولة محاذية للنهر ، طلبت “ساره” مشروبا لصديقتها ، ثم نظرت لها مبتدئة حديثها بجدية تامة :

-أنا مش تعبانة و لا حاجة يا هيام . أنا أضطريت أقول كده بس عشان أقنع صلاح بخروجي . و لأني عارفة إنك فاشلة في الكدب أضطريت أكدب عليكي إنتي كمان لا لسانك يزلف بكلمة كده و لا كده

هيام بغيظ :

-طيب بتكدبي علي أخوكي عشان تخرجي . كدبتي عليا أنا ليه ؟ ده علي أساس إني بشوف خلقته هو راخر . ياختي من ساعة ما مشيتوا مع بعض و هو بقي عامل زي القمر يطلع في الشهر مرة

-طيب ممكن تهدي بس ! .. غمغمت “ساره” ماسكة نفسها عن الضحك

لتقول “هيام” من بين أسنانها :

-ده إنتي كمان مستفزة و الله .. إنطقي يابت جايبانا هنا ليه ؟؟

-هقولك أهو و الله .. ثم تنفست بعمق و أعلنت لها :

-عايزة أعرفك علي الراجل إللي هتجوزه !

يتبـــع …



السادس والعشرين من هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى