روايات شيقة
رواية الكوافير المقاتل الفصل العشرين 20 بقلم هناء النمر

رواية الكوافير المقاتل الفصل العشرين 20 بقلم هناء النمر
عاد بعد انتصف الليل بأكثر من الساعة ، كان الصمت والظلام يخيم على القصر بأكمله الا من بعض الاضواء الخافتة المنبعثة من بعض المصابيح الصغيرة المنتشرة داخل مبنى القصر وخارجه ،
كان فى اتجاهه صعودا لغرفته بتباطئ وارهاق حين توقف فى مدخل الدور الثالث وعينيه على بابه ، فكل دور خاص بكل اسرة و مصمم على ان يكون شقة منفصلة ، مقسمة لغرف من الداخل ، كل غرفة مصاحب لها حمامها ، وقد كان الدور الثالث هو الخاص بأسرته ، والده ووالدته وأختيه ميرنا وزينة ،
وبرغم غضبه منها الا انه اراد ان يراها ، فلم يتحمل تركها تبكى بهذا الشكل ، فلم يفعلها من قبل ، لكنه كان يجب ان ينسحب من أمامها ، شعر انه ان بقى قد يؤذيها بسبب غضبه الذى قد يعمى عينيه ويضغط عليها اكثر من مجرد قبضته على زراعها .
دخل من باب الشقة بهدوء كالمتسلل حتى وصل لباب غرفتها ، طرق الباب مرتين ولم يجيبه أحد ، اضطر للدخول وفعلها ،
دارت عينيه فى الظلام فى كل انحاء الغرفة حتى وجدها نائمة فى فراشها بدون غطاء ، ووجهها للناحية الاخرى ،
تنهد طويلا قبل يقترب منها ثم استدار حول الفراش وسحب الغطاء فوقها حتى خسرها ، لم يترك منها مكشوف الا كتفيها ، وجلس بجانبها على حافة الفراش ،
قد كانت مغلقة لعينيها ، لكن واضح تماما انها ليست نائمة من عدم انتظام وقع تنفسها ،
قال وعينيه تتجول فى الغرفة وليس مركزة عليها ،
… متزعليش منى ، انا اسف ، بس كلامك دايقنى اوى …
لم تتحرك ولم تجبه بشئ ، فتابع كلامه قائلا
… تعرفى انى قابلت امجد ده قبل كدة ، كان عملية ابو واحد صاحبى ، من 4 سنين ، كان محترم اوى ، واخلاقه عالية جدا ، بصراحة قدرته وحبيت التعامل معاه ، ولما زينة جاتلى هناك وقالتلى على حكاية الرهان دى ، بعت سألت عليه تانى ، كل الناس بتحترمه وبتشكر فيه جدا ، عشان كدة كبرت دماغى ، قلت ان اللى بتعمليه ده لعب عيال ومسيرك هتفهمى ، لكن اتدايقت اوى عشان انا هنا من كام يوم ومفكرتيش تحكيلى ، قلت يبقى فى حاجة غلط ، وفجأة الاقيكى بتقولى اللى قولتيه ده ، مكنتش قادر اتحكم فى نفسى ياميرنا ، وكان ممكن اعمل واقول اكتر من كدة …
مع اخر كلماته شعر بها تنتفض جراء نحيب مكتوم تحاول ان تخفيه ،
أغمض عينيه وهو كاره ان يستمع لصوت بكائها بهذا الشكل ،
استدار لها ومد يده وسرح بأصابعه فى طيات شعرها يعيده للخلف ليبعده عن وجهها وهو يقول
… خلاص بقى ، انا اخر واحد فى الدنيا ممكن تزعلى منه ، عشان انتى عارفة ومتأكدة انى اكتر واحد بيخاف عليكى …
أخيرا فتحت عينيه وتطلعت له بحزن ، لكنها اعتدلت فجأة لتكون على مقربة بسيطة منه ، يكاد يشعر بأنفاسها تلفح وجهه مما جعله وبحركة غير ارادية منه يعود للخلف بمسافة اكبر مما اقتربتها هى وكأنه يخاف الاقتراب منها ولو للحظة حتى وان كانت اخته ،
لم تلاحظ رد فعله على اقترابها وقالت بعدما تحول نحيبها الى ما يشبه البكاء
… انا ، انا يازين ، انا هسوأ سمعة العيلة ، انا هأكد الكلام اللى بيقولوه الناس عنا ، من امتى وانت شايفنى كدة ؟
قال بحنان … انا عمرى ما شفتك كدة اصلا …
… لأ ، اللى فى قلبك طلع ، ولا يمكن عشان انا أجرأ واحدة فيهم في الكلام ، حتى انت يازين …
أحاط وجهها بكفيه وقال … ابدا والله العظيم ، انا ممكن اشك فيهم كلهم ، حتى زينة اللى بتخاف تهش دبانة تقف على وشها ، لكن انتى لأ ، مستحيل اشك فيكى او فى اخلاقك ، متبقيش عبيطة ، دا انا اللى مربيكى ياميرنا …
شعرت بالسعادة من كلامه ، فهى تعلم تماما حقيقة ما يقول ،
تحول صوتها لما يشبه المزاح وهى تقول
…انت هتغنى ، انا بينى وبينك سنة ونص بس ، هتعملى فيها بابا …
كانت ابتسامته حانية وهو يمسح دموع عينيها بأطراف أصابعه وقال
… هتفضلى طول عمرك بنتى قبل ما تكونى اختى ، المهم ، انا عاملك مفاجأة عشان اصالحك بيها …
قالت بفرح طفولى … مفاجأة ايه ؟
وقف وهو يقول بمزاح … مش هقولك ، كلميهم فى شغلك بكرة عشان مش هتروحى ، عندنا مشوار مهم ، انا وانتى وزينة …
… هنروح فين ؟
قبلها من رأسها واستدار ليخرج وهو يقول
.. بكرة هتعرفى ، متنسيش تغسلى وشك قبل ما تنامى ….
ابتسمت وضغطت بأسنانها على شفتها السفلى وهى تخفى وجهها بالغطاء ، قد كانت متأكدة انه لن يتحمل بكائها او حزنها ، حتى وان كانت هى المخطئة ، فدائما ما كان صاحب قلبا طيبا وحنونا خاصة معها هى .
………………………………………………………………………….
قال بتشكك … عايز تقول انى عرفنى انا شخصيا ؟
أجابه رامى … للأسف ياأمجد ، ومادام عرفك ، يبقى عرف عنك كل حاجة ، والخوف دلوقتى ليحاول ينتقم للانت عملته فيه ، واحنا اصلا لحد دلوقتى منعرفش مين بيحاول وراك بقاله فترة …
استدار امجد واتجه لسيارته وسند عليها بظهره وسأله
… ومتعرفش عرفنى اذاى ؟
قال مباشرة … معلومة متعمدة …
… يعنى ايه ؟
… تعرف شريف الهمشرى …
… مش بتاع قضية السلاح فى سينا …
… بالظبط ، ده كان اكتر واحد بيساعد سيمون فى مصر ، وده ظهر بعد ما انت سيبت القضية بفترة ، المعلومة المتعمدة بقى جاية منه …
… يعنى من الاخر كدة بيسلم سيمون …
… بالظبط …
… تفتكر اخره ايه ؟
… انه يحاول يقتلك مثلا …
حرك امجد رأسه يمينا ويسارا وهو يقول … مفتكرش …
.. امال تفتكر هيعمل ايه ؟
… معرفش ، بس أعتقد انه هيحاول يرضى الغرور اللى جواه وزى ما انا مقتلتوش ، لكن عملت اللى يوجعه ويضيع هيبته ، هيحاول يعمل كدة معايا …
… زى ايه مثلا ؟
… مش متأكد ، محتاج افكر ، وعشان افكر محتاج ارتاح ، لانى فعلا تعبان اوى وبقالى 3 ايام منمتش ، والصداع هيفرتك دماغى …
… تمام ، بس ركز ارجوك ، بقالنا فترة كدة شايفين ان فى ناس بدأت تقلب وراك …
… طبيعى انه هيبعت اللى يقلبوا ورايا ..
… لأ ، ده من قبل اخر عملية دى ، و مش عارفين مين وليه ، حتى اخرهم واحد سأل عليك ، والغريب انه كان مش بيدور عليك انت ، كان بيسأل على أمجد عياش ..
اندهش امجد واعتدل اثناء حديثه … عياش ! ليه ؟ مين يعرفه اساسا ؟
… ملحقناش نعرف ، اللى سأل مرجعش تانى ، غير ان اللى كان بيسأل اصلا كان بطريقة عشوائية جدا ، ميقولش ابدا انه حد محترف …
… تقصد ايه ؟
… ممكن يكون حد من اهله او زمايله وبيسأل عادى ؟
.. اهل ايه وزمايل ايه ، أمجد عياش ده كان مقطوع ، لا اهل ولا حتى عمل اى صداقة او علاقة مع حد …
وعند كلمة علاقة ، صعدت سلمى فورا على سطح افكاره ، ثم قطع شروده رامى وهو يقول
.. مش مهم كل ده دلوقتي ، احنا مش ساكتين ، وفى فريق كامل دلوقتى بيشتغل على حكاية سيمون دى ، المهم دلوقتى انك لازم تبدأ تاخد بالك من نفسك أكتر من كدة وكويس ان انت اصلا ملكش اى نقط ضعف حقيقية يضغط عليك بيها ..
ضربت الصاعقة رأس امجد وهو يفكر فى نقاط ضعفه التى قد يضغط بيها سيمون عليه لينتقم منه من خلالها ولم يمر بخاطره لحظتها الا عدد قليل جدا يعد على أصابع يده الواحدة .
………………………………………………………………………….
….. صباح الخير يادكتور …
… قولى مساء الخير يانهال ، الساعة 12 ، كنتى فين حضرتك ، مقابلتنيش ليه ؟
.. متأسفة يادكتور ، حالة تعبت فجأة ومعاها بقالى شوية ، ودكتور ابراهيم بيشيك حالات العمليات ..
… يعنى جاهزين ؟
… حالة واحدة ، اوضة 24 ، لكن 30 هى اللى تعبت ، هى دلوقتى فى السونار ، وحضرتك لازم تشوفها بنفسك وتقرر اذا كانت هتدخل ولا لأ …
… طيب ، دخلى 24 لحد ما اغير هدومى …
… حاضر يادكتور ، بس فى حاجة تانية …
رفع جاكت البدلة بغضب فى مكانه المخصصص وقال
… فى ايه تانى ؟
… دكتورة جيلان هى اللى هتشتغل معانا الحالات انهارضة …
… نعم ، مين اللى قال الكلام ده ، دى مبتفهمش تحت رجليها ، هى مش ناقصة مصايب ، انا محتاج الحالة بتفضل اكتر من خمس ساعات متخضرة …
… عشان كدة قلت اقول لحضرتك الاول ، انا لقيتها داخلة وبتغير هدومها وبتقول ان دكتور سعيد هو اللى كلمها وطلب منها تشيل مكانه …
… طيب ، روحى انتى ، انا هتصرف ، ومتدخليش الحالة الا لما اقولك ..
اكمل تغيير ملابسه ثم جلس على مكتبه واتصل اولا بدكتور شاهر ، يطلب منه طبيب تخدير اخر غير دكتورة جيلان وبأسرع وقت ممكن ، ثم اتصل بقسم الجراحة العامة يسأل عن دكتور حاتم وحين وصل اليه
… ايوة حاتم ، قافل تيليفونك ليه ياعم ، بحاول كلمك من بدرى …
.. معلش ياأمجد ، فصل منى فى العمليات ولسة شاحنه ومشغله دلوقتى ، انا سألت عليك الصبح ، قالولك ؟
.. لأ لسة انا لسة واصل دلوقتى ، البنت عاملة ايه ؟
… سيلا ؟
.. هو فى غيرها تبعى عندك ؟
… ولا أى حاجة …
… يعنى ايه ؟
… كل نتايج التحاليل والاشعة كويسة ، مفيش اى حاجة خالص ، حتى مفيش اى دليل على وجود اى اكزيما (مرض جلدى ) …
… واشمعنى الاكزيما بالذات ؟
… ماهى فى history (تاريخ مرضى ) بتاعها ، كانت عندها وهى 6 سنبن واتعالجت منها كويس …
… والنسبة برده لسة زى ما هى ؟
… ويمكن اعلى كمان ..
… والحل ؟
… لسة معرفش ، انا عملتلها عرض باطنة وجلدية وهنشوف …
… تمام ، هخلص شغل واعدى عليها …
… اوكى ، تشرف …
… سلام …
… سلام …
سند رأسه بيده وهو يزفر من ألم رأسه الذى لم يتركه حتى بعد ان نام لمدة اربع ساعات متواصلة ، فى نفس الوقت الذى دخل فيه العامل يحمل قهوته ثم خرج بعد ان شكره امجد ،
رفع هاتفه الخاص واتصل بنهال وقال لها
… دكتورة جيلان عندك .؟
… لا يادكتور ، جالها تيليفون وبعدها مشيت من غير ما تكلم حد …
دخل زياد ابن عمه بعد ان طرق طرقتين على الباب ، اشار له امجد بيده ليدخل وأكمل مكالمته قائلا
… طيب ، فى دكتور تانى هيبعته دكتور شاهر ، اول ما يوصل دخلى الحالة وكلمينى …
… حاضر يادكتور …
اغلق الهاتف والتفت لزياد الذى مازال يقف قريبا من الباب وهو مفتوح ،
وقف امجد واستدار حول المكتب متجها ناحية زياد وهو يقول
… اهلا يازياد ، واقف عندك ليه ، ادخل ، بس انا مش فاضى كتير …
ثم سلم عليه باليد فقال زياد
… من امتى وانت فاضى اساسا ، عموما انا مش هاخد من وقتك كتير ، معايا ضيف ، كان عايز يقابلك واول ما عرف انى ابن عمك ، طلب منى اكون وسيط …
عقد امجد حاجبيه بتساؤل وهو مبتسم وقال .. مين …
خرج زياد من باب المكتب واشار لشخص يقف فى الخارج ليظهر من خلف الباب ، فتى صغير وسيم جدا ، لا يتعدى الخامسة عشر من عمره ، يبدو كشاب صغير فى قميصه الابيض الضيق يعلوه جاكت اسود وبنطاله الاسود الجينز .
لم يعلم امجد ما خالجه فى هذه اللحظة ، شعور غريب يسبه قبضة القلب او نغزة بسيطة وكأنك رأيت شخصا تخافه فجأة .
مد الفتى يده ليسلم عليه وهو يقول … أنا إيان ، أخو سيلا ..
مد امجد يده فقط وسلم عليه كما انه لم يرفع عينيه من عليه ولو للحظة دون ان ينطق بكلمة حتى زاد الصمت المتبادل حتى قطعه زياد بالتعريف وهو يشير للفتى قائلا
… إيان عدلى الجيار …
………………………………………………………………………….
رفعت زينة صوتها بغضب وكانها على وشك الصراخ وهى تقول
… انا زهقت بقى يازين ، من ساعة ونص وانت رابط عنينا بالشكل ده ، انا حتى مش شايفة الطريق …
ضحك زين وقال … ما هى دى الفكرة يازكية ، لو شفتى الطريق ، هتعرفى احنا رايحين فين وهتحرقى المفاجأة …
عادت بظهرها للخلف وسندت على ظهر الكرسى بتأفف ثم قالت
… فاضل قد ايه طيب ؟
… متقلقيش مش كتير …
ثم رفع عينيه للمرآه أمامه للجالسة فى الخلف معصبة العينين وتستند برأسها للكرسى وتتظاهر بالنوم ، وفى الحقيقة كانت تفكر فى يوم أمس الذى قد يبقى عالقا بذاكرتها طوال حياتها ،
وهى تسأل نفسها سلسال من الأسئلة لا ينفك عن عقلها ، أولها وأهمها ، لماذا لم تعيش الاحساس الصحيح لقبلتها الاولى ، الاحساس الذى تتحدث عنه كل الفتايات ، والذى تنتظره كل من لم تجربه بعد ، تنتظر القبلة وتنتظر احساسها ، وقد انتظرتها طويلا هى ايضا ، وقد حاولت بشتى الطرق ان تتجنيها مع من لا يستحق ، اما الان ، هو امجد ، امجد ابو النصر بنفسه ، من تحلم به كل من تقترب منه من الفتايات ، كما انها تعتقد ان قبلته كانت اكثر من جيدة ، فلم لم تشعر بها بشكل جيد ، لماذا شعرت بالذنب بهذا الشكل بعدها ، لماذا لم تحلم بها عندما نامت ، كل ما حلمت به هو زين وانه لم يسامحها عما فعلت واخبرته به ، لماذا ، لماذا ؟
يتبع
كان فى اتجاهه صعودا لغرفته بتباطئ وارهاق حين توقف فى مدخل الدور الثالث وعينيه على بابه ، فكل دور خاص بكل اسرة و مصمم على ان يكون شقة منفصلة ، مقسمة لغرف من الداخل ، كل غرفة مصاحب لها حمامها ، وقد كان الدور الثالث هو الخاص بأسرته ، والده ووالدته وأختيه ميرنا وزينة ،
وبرغم غضبه منها الا انه اراد ان يراها ، فلم يتحمل تركها تبكى بهذا الشكل ، فلم يفعلها من قبل ، لكنه كان يجب ان ينسحب من أمامها ، شعر انه ان بقى قد يؤذيها بسبب غضبه الذى قد يعمى عينيه ويضغط عليها اكثر من مجرد قبضته على زراعها .
دخل من باب الشقة بهدوء كالمتسلل حتى وصل لباب غرفتها ، طرق الباب مرتين ولم يجيبه أحد ، اضطر للدخول وفعلها ،
دارت عينيه فى الظلام فى كل انحاء الغرفة حتى وجدها نائمة فى فراشها بدون غطاء ، ووجهها للناحية الاخرى ،
تنهد طويلا قبل يقترب منها ثم استدار حول الفراش وسحب الغطاء فوقها حتى خسرها ، لم يترك منها مكشوف الا كتفيها ، وجلس بجانبها على حافة الفراش ،
قد كانت مغلقة لعينيها ، لكن واضح تماما انها ليست نائمة من عدم انتظام وقع تنفسها ،
قال وعينيه تتجول فى الغرفة وليس مركزة عليها ،
… متزعليش منى ، انا اسف ، بس كلامك دايقنى اوى …
لم تتحرك ولم تجبه بشئ ، فتابع كلامه قائلا
… تعرفى انى قابلت امجد ده قبل كدة ، كان عملية ابو واحد صاحبى ، من 4 سنين ، كان محترم اوى ، واخلاقه عالية جدا ، بصراحة قدرته وحبيت التعامل معاه ، ولما زينة جاتلى هناك وقالتلى على حكاية الرهان دى ، بعت سألت عليه تانى ، كل الناس بتحترمه وبتشكر فيه جدا ، عشان كدة كبرت دماغى ، قلت ان اللى بتعمليه ده لعب عيال ومسيرك هتفهمى ، لكن اتدايقت اوى عشان انا هنا من كام يوم ومفكرتيش تحكيلى ، قلت يبقى فى حاجة غلط ، وفجأة الاقيكى بتقولى اللى قولتيه ده ، مكنتش قادر اتحكم فى نفسى ياميرنا ، وكان ممكن اعمل واقول اكتر من كدة …
مع اخر كلماته شعر بها تنتفض جراء نحيب مكتوم تحاول ان تخفيه ،
أغمض عينيه وهو كاره ان يستمع لصوت بكائها بهذا الشكل ،
استدار لها ومد يده وسرح بأصابعه فى طيات شعرها يعيده للخلف ليبعده عن وجهها وهو يقول
… خلاص بقى ، انا اخر واحد فى الدنيا ممكن تزعلى منه ، عشان انتى عارفة ومتأكدة انى اكتر واحد بيخاف عليكى …
أخيرا فتحت عينيه وتطلعت له بحزن ، لكنها اعتدلت فجأة لتكون على مقربة بسيطة منه ، يكاد يشعر بأنفاسها تلفح وجهه مما جعله وبحركة غير ارادية منه يعود للخلف بمسافة اكبر مما اقتربتها هى وكأنه يخاف الاقتراب منها ولو للحظة حتى وان كانت اخته ،
لم تلاحظ رد فعله على اقترابها وقالت بعدما تحول نحيبها الى ما يشبه البكاء
… انا ، انا يازين ، انا هسوأ سمعة العيلة ، انا هأكد الكلام اللى بيقولوه الناس عنا ، من امتى وانت شايفنى كدة ؟
قال بحنان … انا عمرى ما شفتك كدة اصلا …
… لأ ، اللى فى قلبك طلع ، ولا يمكن عشان انا أجرأ واحدة فيهم في الكلام ، حتى انت يازين …
أحاط وجهها بكفيه وقال … ابدا والله العظيم ، انا ممكن اشك فيهم كلهم ، حتى زينة اللى بتخاف تهش دبانة تقف على وشها ، لكن انتى لأ ، مستحيل اشك فيكى او فى اخلاقك ، متبقيش عبيطة ، دا انا اللى مربيكى ياميرنا …
شعرت بالسعادة من كلامه ، فهى تعلم تماما حقيقة ما يقول ،
تحول صوتها لما يشبه المزاح وهى تقول
…انت هتغنى ، انا بينى وبينك سنة ونص بس ، هتعملى فيها بابا …
كانت ابتسامته حانية وهو يمسح دموع عينيها بأطراف أصابعه وقال
… هتفضلى طول عمرك بنتى قبل ما تكونى اختى ، المهم ، انا عاملك مفاجأة عشان اصالحك بيها …
قالت بفرح طفولى … مفاجأة ايه ؟
وقف وهو يقول بمزاح … مش هقولك ، كلميهم فى شغلك بكرة عشان مش هتروحى ، عندنا مشوار مهم ، انا وانتى وزينة …
… هنروح فين ؟
قبلها من رأسها واستدار ليخرج وهو يقول
.. بكرة هتعرفى ، متنسيش تغسلى وشك قبل ما تنامى ….
ابتسمت وضغطت بأسنانها على شفتها السفلى وهى تخفى وجهها بالغطاء ، قد كانت متأكدة انه لن يتحمل بكائها او حزنها ، حتى وان كانت هى المخطئة ، فدائما ما كان صاحب قلبا طيبا وحنونا خاصة معها هى .
………………………………………………………………………….
قال بتشكك … عايز تقول انى عرفنى انا شخصيا ؟
أجابه رامى … للأسف ياأمجد ، ومادام عرفك ، يبقى عرف عنك كل حاجة ، والخوف دلوقتى ليحاول ينتقم للانت عملته فيه ، واحنا اصلا لحد دلوقتى منعرفش مين بيحاول وراك بقاله فترة …
استدار امجد واتجه لسيارته وسند عليها بظهره وسأله
… ومتعرفش عرفنى اذاى ؟
قال مباشرة … معلومة متعمدة …
… يعنى ايه ؟
… تعرف شريف الهمشرى …
… مش بتاع قضية السلاح فى سينا …
… بالظبط ، ده كان اكتر واحد بيساعد سيمون فى مصر ، وده ظهر بعد ما انت سيبت القضية بفترة ، المعلومة المتعمدة بقى جاية منه …
… يعنى من الاخر كدة بيسلم سيمون …
… بالظبط …
… تفتكر اخره ايه ؟
… انه يحاول يقتلك مثلا …
حرك امجد رأسه يمينا ويسارا وهو يقول … مفتكرش …
.. امال تفتكر هيعمل ايه ؟
… معرفش ، بس أعتقد انه هيحاول يرضى الغرور اللى جواه وزى ما انا مقتلتوش ، لكن عملت اللى يوجعه ويضيع هيبته ، هيحاول يعمل كدة معايا …
… زى ايه مثلا ؟
… مش متأكد ، محتاج افكر ، وعشان افكر محتاج ارتاح ، لانى فعلا تعبان اوى وبقالى 3 ايام منمتش ، والصداع هيفرتك دماغى …
… تمام ، بس ركز ارجوك ، بقالنا فترة كدة شايفين ان فى ناس بدأت تقلب وراك …
… طبيعى انه هيبعت اللى يقلبوا ورايا ..
… لأ ، ده من قبل اخر عملية دى ، و مش عارفين مين وليه ، حتى اخرهم واحد سأل عليك ، والغريب انه كان مش بيدور عليك انت ، كان بيسأل على أمجد عياش ..
اندهش امجد واعتدل اثناء حديثه … عياش ! ليه ؟ مين يعرفه اساسا ؟
… ملحقناش نعرف ، اللى سأل مرجعش تانى ، غير ان اللى كان بيسأل اصلا كان بطريقة عشوائية جدا ، ميقولش ابدا انه حد محترف …
… تقصد ايه ؟
… ممكن يكون حد من اهله او زمايله وبيسأل عادى ؟
.. اهل ايه وزمايل ايه ، أمجد عياش ده كان مقطوع ، لا اهل ولا حتى عمل اى صداقة او علاقة مع حد …
وعند كلمة علاقة ، صعدت سلمى فورا على سطح افكاره ، ثم قطع شروده رامى وهو يقول
.. مش مهم كل ده دلوقتي ، احنا مش ساكتين ، وفى فريق كامل دلوقتى بيشتغل على حكاية سيمون دى ، المهم دلوقتى انك لازم تبدأ تاخد بالك من نفسك أكتر من كدة وكويس ان انت اصلا ملكش اى نقط ضعف حقيقية يضغط عليك بيها ..
ضربت الصاعقة رأس امجد وهو يفكر فى نقاط ضعفه التى قد يضغط بيها سيمون عليه لينتقم منه من خلالها ولم يمر بخاطره لحظتها الا عدد قليل جدا يعد على أصابع يده الواحدة .
………………………………………………………………………….
….. صباح الخير يادكتور …
… قولى مساء الخير يانهال ، الساعة 12 ، كنتى فين حضرتك ، مقابلتنيش ليه ؟
.. متأسفة يادكتور ، حالة تعبت فجأة ومعاها بقالى شوية ، ودكتور ابراهيم بيشيك حالات العمليات ..
… يعنى جاهزين ؟
… حالة واحدة ، اوضة 24 ، لكن 30 هى اللى تعبت ، هى دلوقتى فى السونار ، وحضرتك لازم تشوفها بنفسك وتقرر اذا كانت هتدخل ولا لأ …
… طيب ، دخلى 24 لحد ما اغير هدومى …
… حاضر يادكتور ، بس فى حاجة تانية …
رفع جاكت البدلة بغضب فى مكانه المخصصص وقال
… فى ايه تانى ؟
… دكتورة جيلان هى اللى هتشتغل معانا الحالات انهارضة …
… نعم ، مين اللى قال الكلام ده ، دى مبتفهمش تحت رجليها ، هى مش ناقصة مصايب ، انا محتاج الحالة بتفضل اكتر من خمس ساعات متخضرة …
… عشان كدة قلت اقول لحضرتك الاول ، انا لقيتها داخلة وبتغير هدومها وبتقول ان دكتور سعيد هو اللى كلمها وطلب منها تشيل مكانه …
… طيب ، روحى انتى ، انا هتصرف ، ومتدخليش الحالة الا لما اقولك ..
اكمل تغيير ملابسه ثم جلس على مكتبه واتصل اولا بدكتور شاهر ، يطلب منه طبيب تخدير اخر غير دكتورة جيلان وبأسرع وقت ممكن ، ثم اتصل بقسم الجراحة العامة يسأل عن دكتور حاتم وحين وصل اليه
… ايوة حاتم ، قافل تيليفونك ليه ياعم ، بحاول كلمك من بدرى …
.. معلش ياأمجد ، فصل منى فى العمليات ولسة شاحنه ومشغله دلوقتى ، انا سألت عليك الصبح ، قالولك ؟
.. لأ لسة انا لسة واصل دلوقتى ، البنت عاملة ايه ؟
… سيلا ؟
.. هو فى غيرها تبعى عندك ؟
… ولا أى حاجة …
… يعنى ايه ؟
… كل نتايج التحاليل والاشعة كويسة ، مفيش اى حاجة خالص ، حتى مفيش اى دليل على وجود اى اكزيما (مرض جلدى ) …
… واشمعنى الاكزيما بالذات ؟
… ماهى فى history (تاريخ مرضى ) بتاعها ، كانت عندها وهى 6 سنبن واتعالجت منها كويس …
… والنسبة برده لسة زى ما هى ؟
… ويمكن اعلى كمان ..
… والحل ؟
… لسة معرفش ، انا عملتلها عرض باطنة وجلدية وهنشوف …
… تمام ، هخلص شغل واعدى عليها …
… اوكى ، تشرف …
… سلام …
… سلام …
سند رأسه بيده وهو يزفر من ألم رأسه الذى لم يتركه حتى بعد ان نام لمدة اربع ساعات متواصلة ، فى نفس الوقت الذى دخل فيه العامل يحمل قهوته ثم خرج بعد ان شكره امجد ،
رفع هاتفه الخاص واتصل بنهال وقال لها
… دكتورة جيلان عندك .؟
… لا يادكتور ، جالها تيليفون وبعدها مشيت من غير ما تكلم حد …
دخل زياد ابن عمه بعد ان طرق طرقتين على الباب ، اشار له امجد بيده ليدخل وأكمل مكالمته قائلا
… طيب ، فى دكتور تانى هيبعته دكتور شاهر ، اول ما يوصل دخلى الحالة وكلمينى …
… حاضر يادكتور …
اغلق الهاتف والتفت لزياد الذى مازال يقف قريبا من الباب وهو مفتوح ،
وقف امجد واستدار حول المكتب متجها ناحية زياد وهو يقول
… اهلا يازياد ، واقف عندك ليه ، ادخل ، بس انا مش فاضى كتير …
ثم سلم عليه باليد فقال زياد
… من امتى وانت فاضى اساسا ، عموما انا مش هاخد من وقتك كتير ، معايا ضيف ، كان عايز يقابلك واول ما عرف انى ابن عمك ، طلب منى اكون وسيط …
عقد امجد حاجبيه بتساؤل وهو مبتسم وقال .. مين …
خرج زياد من باب المكتب واشار لشخص يقف فى الخارج ليظهر من خلف الباب ، فتى صغير وسيم جدا ، لا يتعدى الخامسة عشر من عمره ، يبدو كشاب صغير فى قميصه الابيض الضيق يعلوه جاكت اسود وبنطاله الاسود الجينز .
لم يعلم امجد ما خالجه فى هذه اللحظة ، شعور غريب يسبه قبضة القلب او نغزة بسيطة وكأنك رأيت شخصا تخافه فجأة .
مد الفتى يده ليسلم عليه وهو يقول … أنا إيان ، أخو سيلا ..
مد امجد يده فقط وسلم عليه كما انه لم يرفع عينيه من عليه ولو للحظة دون ان ينطق بكلمة حتى زاد الصمت المتبادل حتى قطعه زياد بالتعريف وهو يشير للفتى قائلا
… إيان عدلى الجيار …
………………………………………………………………………….
رفعت زينة صوتها بغضب وكانها على وشك الصراخ وهى تقول
… انا زهقت بقى يازين ، من ساعة ونص وانت رابط عنينا بالشكل ده ، انا حتى مش شايفة الطريق …
ضحك زين وقال … ما هى دى الفكرة يازكية ، لو شفتى الطريق ، هتعرفى احنا رايحين فين وهتحرقى المفاجأة …
عادت بظهرها للخلف وسندت على ظهر الكرسى بتأفف ثم قالت
… فاضل قد ايه طيب ؟
… متقلقيش مش كتير …
ثم رفع عينيه للمرآه أمامه للجالسة فى الخلف معصبة العينين وتستند برأسها للكرسى وتتظاهر بالنوم ، وفى الحقيقة كانت تفكر فى يوم أمس الذى قد يبقى عالقا بذاكرتها طوال حياتها ،
وهى تسأل نفسها سلسال من الأسئلة لا ينفك عن عقلها ، أولها وأهمها ، لماذا لم تعيش الاحساس الصحيح لقبلتها الاولى ، الاحساس الذى تتحدث عنه كل الفتايات ، والذى تنتظره كل من لم تجربه بعد ، تنتظر القبلة وتنتظر احساسها ، وقد انتظرتها طويلا هى ايضا ، وقد حاولت بشتى الطرق ان تتجنيها مع من لا يستحق ، اما الان ، هو امجد ، امجد ابو النصر بنفسه ، من تحلم به كل من تقترب منه من الفتايات ، كما انها تعتقد ان قبلته كانت اكثر من جيدة ، فلم لم تشعر بها بشكل جيد ، لماذا شعرت بالذنب بهذا الشكل بعدها ، لماذا لم تحلم بها عندما نامت ، كل ما حلمت به هو زين وانه لم يسامحها عما فعلت واخبرته به ، لماذا ، لماذا ؟
يتبع
