روايات شيقة
رواية الكوافير المقاتل الفصل العاشر 10 بقلم هناء النمر

رواية الكوافير المقاتل الفصل العاشر 10 بقلم هناء النمر
وقفت ملك أمام المرآه بعد أن أغلقت على نفسها الباب فى الحمام خاص بالضيوف المتصل بالغرفة التى تم تقديم العشاء فيها ،
وقفت تتأمل ملامح وجهها خوفا من أن يظهر الغضب والحزن الذى تحمله داخلها بعد ما فعلته ميرنا بها .
الآن لن تستطيع ابدا الهجوم عليها ثانيا بعد أن قالتها ميرنا أمام الجميع ،
إنها تهاجمها فقط بسبب أخوها زين الذى تركها مرتين .
زين الشاذلى ،، الاسم الذى لم ولن تنساه ابدا ، ولا تعلم لما ؟ هل بسبب اهانتها بهجره لها من أجل فتاة أخرى ، فقيرة ، لا تقارن بها ،
أم لن تنساه بسبب أنها قد تكون أحبته فعلا ، رغم أنه كان واضحا تماما معها من البداية ، خاصة فى المرة الثانية حين وضح تماما وقالها مباشرة انه لا يحبه وان زواجه بها من أجل ارتباط مصالح العائلتين فقط ، وهى لم تمانع ابدا ، المهم انها أرادت امتلاكه فقط .
زين الشاذلى ،، الابن الوحيد فى عائلة الشاذلى مع الفتايات التسع ، والوريث الوحيد لاسم العائلة وشركتى الاستثمار المعروفة ،
الوسيم صاحب الملامح الأوروبية التى تشبه والدته وبريهان ابنة عمه ، والبقية ذات ملامح مصرية عربية .
كان قد تركها للمرة الأولى ايام الجامعة وأنهى علاقته بها نهائيا بعد أن تعرف على زميلة لها كانت تعمل لدى والده كسكرتيرة فى مكتبه من أجل تحسين دخلها والإنفاق على دراستها .
جملة لن تنساها ابدا ، كلمات خرجت من فمه ، تبدوا فى ظاهرها عادية لكن بالنسبة لها كانت كنصل سكين يقطع قلبها :
… انا اسف ياملك ، متزعليش منى أرجوكى ، انا حاولت والله لكن مش قادر ، مش قادر ارتبط بيكى اكتر من كدة ، قلبى مش ملكى ، أرجوكى سامحينى ، أن شاء الله تقابلى اللى احسن منى ، سلام ….
و المرة الثانية كانت بعد الأولى بثلاث سنوات حين حضر والده وطلب يدها رسميا من والدها له ، ووافقت رغم أنها تعلم أنه مجبر عليها وأن والده قد ارغمه على ترك فتاته الفقيرة وصمم على تزويجه بها هى ، ولكنها لم تهتم ، لم تهتم بقلبه القابع داخله أخرى ، لم تهتم بإجباره عليها وعينيه المشبعة بغضب وحقد دائم ، لم تهتم بقوله لها صريحة ، وأنه لن يستطيع ابدا ان يحبها ، كل ما أرادته واهتمت بالحصول عليه هو عودته كإعادة لكرامتها التى أهدرت فى المرة الأولى ،
ليفاجئها هو وللمرة الثانية ، قبل ارتداء خاتم الخطوبة رسميا ، بنفس الجملة الأولى التى لم تكن رحلت من ذهنها ،
ثم رحل زين دون عودة ، ولم يظهر من وقتها حتى الآن ، حيث قال الجميع أنه يعيش فى جنيف ويعمل فى أحد الشركات هناك وقد وصل لمكانة جيدة ،
كل ما كانت تعلمه ومع مرور الوقت تأكدت منه تماما ، أن ميرنا قد كانت المحرض والمشجع الوحيد لأخوها على إتباع مشاعره وتركها هى ، رغم أن ميرنا كانت تعد صغيرة فى مثل هذا الوقت فهى تصغرها وزين بأكثر من سنتين ، لهذا لم تنسى لها هذا حتى الآن حتى بعد مرور سنوات .
بكل هذا كانت غاصت ملك بين أمواج ذكرياتها للحظات وحين عادت اقسمت وهى تعيد تجديد زينة وجهها أنها لن تمرر ما قامت به ميرنا ابدا ، وأنها سوف ترد الصاع ثلاثة إن لم يكن عشرة ، لكنها تحتاج لبعض الذكاء لتفعل ذلك ، فقد أصبح الأمر مكشوفا أمام الجميع ولن تستطيع المجاهرة بعداوة ميرنا بعد الآن .
…………………………………………………………………..
كانت قد غادرت الواقع لبضع لحظات مغمضة العينين ، جالسة على حافة رخامية عالية تطل على منظر رائع فى الحديقة ، لتعيش داخل عالم خاص بها ، لا يشاركها فيه أحد ، تعيد فيه ما فعلت فى شتى المواقف التى عاشتها ، تراجع تصرفاتها وردود افعالها ، أحيانا تمدح نفسها على ما فعلت وأحيان أخرى تندم وتنهر نفسها ،
أما هو ، فبعد ان تأملها طويلا ، يعجبه سكونها بهذا الشكل ، تبدوا أليفة ومسالمة وهى هكذا ، قرر محادثتها لتنتفض هى حين سمعت صوته يقول
… مش برد شوية عليكى كدة ؟
اعتدلت وأخذت تعدل هندامها الذى تخيلت أن بضع لحظات من الخيال قد أثرت فيه ،قالت … أوقات الطاقة اللى جواك بتسيطر على جسمك كله ، وتخليك مش حاسس بدرجة الحرارة اللى برة جسمك ، حر أو برد …
إقترب وجلس بالقرب منها بعد ترك لها مسافة معينة وهو يقول
… وانتى جواكى طاقة مدفياكى ؟
… تفتكر ايه بعد اللى حصل جوا ده ؟
ابتسم وهو يقول وهو ينظر لها … انتى مجنونة وجريئة اوى ياميرنا …
.. ودى ميزة ولا عيب ؟
… مش عارف ، كل صفة فيهم فى حد زاتها كويسة ، لكن الاتنين مع بعض يتجمعوا فى واحدة زييك ، كدة خطر اوى …
سكتت لثوانى وهى تحاول التمعن فى وجهه لتصل لما يقصد بما قال
ثم سألته … تقصد إيه بواحدة زييى ؟
هذه المرة ظهرت ضحكته واضحة وهو يقول
… يعنى مش فارق معاكى الخطر ، اللى فارق واحدة زييك …
… لأ ، كلمة واحدة زييك لما تقولها ، معناها رأيك فيا ، واكيد يهمنى أعرفه …
اختفت ابتسامته وهو يسألها … يفرق معاكى رأيى ؟
قالت بثقة وبلهجة جادة .. أكيد ، وياريت تقولهولى ..
تأملها لثانية وقد شابت ملامحه نظرة حزينة رمقها بها ، لم تفهم ميرنا ماهيتها ثم فاجأها بسؤاله … عشان الرهان ؟
فى هذه اللحظة كان الصمت متبادل بينهما دون أن تحيد عينا أحدهما عن عيني الآخر ،
لكل منهم ما دار بعقله ، كل ما جال بخاطرها أنها قد بدأت تخطو بالفعل فى طريقه لكن بالطريقة الخطأ ، أو أنها بالفعل اخطارت مالا يحمد عقباه ، شيئا لم تعى أنها بالفعل غير قادرة عليه ،
أما هو قد كان يفكر فى البداية الخاطئة التى تمت بينهما ، والتى لولاها ولولا إمرأته الراحلة ، قد كان لجلستهم هذه مسمى آخر ،
إمرأته الراحلة ، سيدرا ، حبيبته الغامضة ، عندما ظهرت فى عقله وهو يرتحل فى بين ملامح ميرنا ، شعر وكأنه يرتكب خطيئة بينة ،
بقلبه امرأة ، وأمام عينيه الآن وبعقله امرأة أخرى ،
أغلق عينيه ، ووقف فجأة ، لتقف هى تباعا دون أن تنطق بكلمة واحدة رغم أنها حاولت ، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة كرد لسؤاله ، والحزن الذى تراه فى عينيه الآن ، وإن لم تكن تكذب نفسها عندما شعرت أنها قد رأت لمحات ندم وألم ظهرت فجأة فى عينيه ،
حاول أن يجبر نفسه على الابتسام لتظهر ابتسامة فارغة بدون معنى وهو يقول … تصبحى على خير ياميرنا ؟
وابتعد خطوتين لتستوقفه قائلة بلهجة راجية .. استنى شوية ، لسة بدرى ..
قال وابتسامته الفارغة رحلت وحل مكانها ابتسامة حانية لكن حزينة
… ده مش مكانى ياميرنا ، انا جاى هنا من باب الواجب بس ، اشوفك بكرة ، سلام …
واستدار وتابع طريقه للداخل ، وعادت هى لتجلس ف نفس المكان وعينيها تتأمل الحديقة من جديد ،
شق طريقه وسط الجميع ليصل لعدلى واستأذنه الانصراف ، رغم تصميم عدلى إلا أن رغبة أمجد طغت على كلامه ،
لتشاهده وهو يخرج من باب القصر حتى وصل لسيارته التى أتى بها أحدهم وأوقفها أمامه مباشرة ،
ورغم أنه قد لمحها بجانب وجهه وهى تتابعه من أعلى إلا أنه لم يرفع عينيه اليها واستقل سيارته وانطلق بها .
………………………………………………………………..
طوال الطريق وهو سارد تماما ، قد اجتاح عقله وقلبه سيل من الأفكار والمشاعر المتضاربة لتدخله فى دوامة من التوهان والضياع ،
أسئلة فى منتهى الصعوبة بدون أية أجوبة تتابع داخله ، واحدة تلو الأخرى
: لما كل هذا الحزن على إمرأة يشعر فى قرارة نفسه أنها لن تعود ؟
فلماذا لا يتخطى هذه المرحلة ، ويدفنها فى أعماقه ليبدأ حياة جديدة كما يفعل باقى البشر ؟
ماذا يمنعه من الارتباط بأنثى أخرى ؟
هو رجل ككل الرجال ، أحيانا يجتاح جسده طوفان من الرغبات البشرية والتى قد تسيطر عليه فى بعض الأحيان رغم محاولاته السيطرة عليها بالهروب أو حتى الرياضة العنيفة أو … الخ
لكن لماذا كل هذا العذاب وهى لن تعود ؟
وإلى متى ؟ وهل سيكمل حياته هكذا ؟ وإلى ماذا سيصل ؟
وأهم سؤال ، لماذا الآن بالذات هذا الطوفان من التمرد على امر قد عاش عليه منذ سنوات طويلة ؟
هل هى ميرنا ؟ هل لمست قلبه ؟ لكن كيف ومتى وهى لم تفعل أى شئ تحاول به التقرب منه ؟
ما هو المختلف بها عن الباقيات لتؤثر فيه هكذا وتجعله يتمرد على ما قد تعود عليه وانتهى الأمر ؟
أصبح لا يعلم أى شئ نهائيا ، تاه عقله وقلبه فى دروب كثيرة ، ولم يعد قادرا على الاختيار بين أي منها ، ويبدوا انه وفى النهاية كما تعود سيختار الطريق الآمن منهم ، الابتعاد والهروب ، عن كل منهما .
أجبرته إشارة التوقف المرورية على الوقوف ، أسند رأسه لرأس الكرسى من خلفه وهو يتأمل المارة من أمام سيارته وبعض السيارات الأخرى ،
أغلق عينيه يحاول الخروج من الدوامة التى أدخل فيها رغما عنه ، لتركز حاسته السمعية أكثر على موسيقى صادرة من أحد السيارات بجانب سيارته ،أنصت أكثر لما يسمع من باب الهروب مما يفكر به ، ليجد نفسه يستمع لأحد الأصوات الرجولية التى لا يميزها جيدا ، فهو ليس من مستمعى الموسيقى الحديثة ، القديم هو الأفضل والأكثر امتاعا بالنسبة له ،
كان الصوت حنون وهادئ وهو يغنى
وحشتنى ، ارجعلى يلا وضمنى ، وحشتنى
ايوة افتكرتك وافتكرت ليالى فرحى ،،
لما ابتديت بعنيك أحس بطعم جرحى ،،
وحشتنى ،،
بعدك حاولت كتير أعيش
وانساك لكن مبتتنسيش ،، دا أنا روحى فيك
حاولت من جوايا أشيلك ، كل الأماكن بتناديلك ،، مشتاقة ليك
معرفش ليه الأيام بتعمل ليه كدة ، دايما نهاية الحب …….
ثم انقطع الصوت ولم يكمل غناء بسبب فتح الإشارة التى تبعتها حركة السيارة الصادر منها الصوت ،
ارتفع بوق السيارة من خلفه لينبهه ويخرجه من حالة الزهول التى دخلها بسبب كلمات اغنية مجهولة ، لا يعرف اسمها ولا حتى اسم مغنيها .
تحرك بالسيارة وهو يقسم بينه وبين نفسه أنه لو لم يكن متأكدا انه لا اجد نهائيا يعلم بأمر دواخله وبأمر فتاته المجهولة ، ليقول أن كل ما يحدث له مقصود مائة بالمائة ،
فهذه اول مرة يستمع لمثل هذه الكلمات ، أول مرة يسمع هذه الأغنية ، ولا تأتيه ليستمع لها إلا فى هذا الوقت وهو على أعتاب دوامة ستغرقه ، بل غرق فيها بالفعل .
ركن سيارته على جانب الطريق ، شد رباط عنقه وفكه ( جرافته ) ليساعد صدره على استنشاق أنفاس أكثر لعله يهدأ لكن هيهات ثم هيهات ،
وكأن الهواء يدخل صدره يشقه نصفين .
هى دائما هكذا ، وكأنها رحلت وتركت طيفها ليحرس ذكراها داخله ، كلما يحاول التخلص منها ، يجد كافة ما حوله يقف ضده ويشدد على وجودها .
تمالك نفسه جاهدا بعدما قرر أن يضع نهاية لهذا العذاب ، سلبا أو إيجابا ، لابد أن ينتهى ، لينتبه لحياته ومستقبله أكثر من ذلك ،
لكن الأهم الآن ، يجب أن يفهم ماهيته وما موقف الجيش منه ، هل سيبقى هكذا أم سيعلن انفصاله واكتفائه بالطب ، أم سيتم ضمه من جديد ،
فقد استبعد عن النشاط الفعلى منذ خمسة سنوات حتى الآن ، والأمر الوحيد الذى تلقاه هو أن يبنى حياة كاملة اجتماعية ومادية بعيدا عنهم دون أن يخبروه بإنفصاله ،
إذن فالآن يجب أن يقرر كيف سيتحرك ، لكن بعد أن ينتهى من الأمر الذى كلف به ، بعدها له الحق أن يسأل .
………………………………………………………………………
جلست أمام المرآه وهى تضع الكريمات الليلية الخاصة ببشرتها ، ثم وقفت واستدارت لتتأمل قدها الذى قد أنفقت عليه الكثير لتقلل من آثار الزمن عليه ،
واتجهت صوب الفراش خلف الستار المشدود لتجده خالى ،
أخذت تدور بعينيها فى جوانب الغرفة تبحث عنه ولم تجده ، لمحت باب الشرفة مفتوح ،اتجهت صوبه لتجد عبد الرحمن جالسا وحده شاردا تماما وكأنه ليس موجودا فى الواقع .
عادت وارتدت روبها الحريرى واغلقته برباط من الامام ، ثم خرجت للشرفة ، جلست قبالته وهى تناديه دون جدوى وكأنه لم يسمعها من الاساس ،
… عبد الرحمن ، عبد الرحمن ، رد عليا …
اعتدل متفاجئا من وجودها … ايه ، فى ايه ، عايزة ايه ؟
..ايه هو إللى عايزة ايه ، انت سرحان فى ايه من بدرى ، من ساعة ما رجعنا وانت كدة ، مع انك كنت كويس فى العشا يعنى …
لم يهتم بما قالت بل سألها مباشرة … أنتى ايه رأيك فى اللى عملته ميرنا ياصفية …
اعتدلت صفية فى جلستها وابتسمت وهى تقول … ميرنا ، الله ينور ، طلعت بت بجد ، مش عايزة اقولك كانوا بيقولو ايه هناك ، البت شرفتنا ودافعت عننا بكلامها بجد …
كانت نظرته خاوية إلا من بعض الامتعاض والضيق الظاهر حين قال
.. هو ده كل اللى فهمتيه من اللى حصل أنها دافعت عننا ؟
…وهو فى ايه تانى ؟ دا احنا كنا هنتفضح لو معرفتش ترد على قليلة الأدب اللى اسمها ملك دى ..
تأملها مطولا وهو يحييى نفسه على قدرتها على تحمل هذه المرأة وسطحيتها وتفاهتها طوال هذه السنوات ،
لم يجيبها بشئ ، وقف وعاد للغرفة وهى خلفه ، تصورت أنه سوف يتوجه للفراش ولكنها وجدته يتجه ناحية باب الغرفة ، فسألته
… انت رايح فين دلوقتى ، الساعة داخلة على واحدة ؟
… نازل تحت …
ثم قال بسخرية واضحة … نامى انتى عشان بشرتك متتعبش …
خرج هو ، وتوجهت هى للفراش ممتعضة من أسلوبه الدائم مشوبا بالتقريع على اهتمامها بنفسها ، وهى تقول بلهجة ساخرة وهى تحرك اكتافها
… لازم يعنى أبقى وحشة عشان اعجبك ، كفاية عليكوا البومة مرات اخوك ، بقت عاملة زى البقرة اللى سارحة فى البيت ، لأ وايه ، بيقولولها ياحاجة ، الحاجة راحت ، الحاجة جت …
……………………………………………………………….
لمح نور غرفة المكتب مضاءا من خلال زجاج الباب ، طرق الباب ثم دخل ، وجد أخوه عبد الله يجلس على المكتب يراجع بعض الأوراق ،
… مساء الخير يا عبدالله …
أجابه بإبتسامة حانية … أهلا ياعبدالله الرحمن ، منمتش ليه ، احنا محتاحينك بدرى فى الشغل بكرة …
تنهد عبد الرحمن وهو يجلس على أحد الكراسى المريحة المقابلة للمكتب
ثم قال … تعبان والله ياأخويا ، ومش عارف اعمل ايه ؟
ظهر القلق على وجه عبدالله ، وقام من على مكتبه وتوجه ناحية أخوه وهو يقول .. ايه ، مالك ؟ السكر على تانى ؟ اجبلك دكتور ؟
… لا ، مش السكر ، ولا حتى يمكن يعلا من الخنقة اللى انا فيها دى ….
جلس عبد الله بجانب أخوه الأكبر وهو يقول
.. سلامتك ياحاج ، قوللى بس مالك ، فى ايه ؟
التفت له عبد الرحمن له وهو يقول
.. يعنى انت مسمعتش عن اللى حصل فى العشا انهارضة ..
عندما وجد عبدالرحمن ملامح عبد الله قد تغيرت والتفت للناحية الأخرى ، فهم انه قد علم بما حدث ، بل وشعر بما يشعر به أخوه الآن ،
فتابع عبد الرحمن كلامه دون أن ينتظر رد عبدالله قائلا
.. شفت وصلنا لايه ؟
قال عبدالله بحزن … أاه ، الناس كانت تخاف اصلا تقول الكلام ، شوية وبقوا يقولوه من ورانا ، ودلوقتى فى وشنا ، عينى عينك كدة …
فقال عبد الرحمن … عارف ، على قد ما كنت فرحان باللى عملته البت ، بس كنت هتجنن من الحكاية دى اصلا ، مشفتهاش وهى واقفة ترد ياعبدالله ، حاجة تفرح ، تحسس الواحد انه ربى بجد …
ثم اخفض رأسه بحزن وقال … فكرتنى بيه …
شعر عبدالله بما يفكر فيه أخوه وما يحمله فى قلبه من هم وحزن من فراق ابنه الوحيد ، فرغم انه ابن أخيه وليس ابنه وأنه لم ينجب صبيا رغم أنه قد تمنى ، إلا أن زين بالنسبة كان أكثر من ابن قد انجبه .
… عندك حق ياعبدالرحمن ، كان له شمخة تخوف ، مكانش حد يقدر يقول حاجة متعجبهوش ، كان بيرد ومبيهابش حد ، ومحدش يعرف يكلمه أو يرد قصاده ..
ثم سكت لثانية ، بعدها وضع كف يده على كتف أخيه بحنان وهو يقول
… روح رجعه ياعبدالرحمن ، روحله وطيب خاطره ورجعه بيته تانى ، مبقاش فى العمر قد اللى راح ياأخويا ، ودول 8 بنات ،رجعه يبقى سندهم فى الدنيا دى ، ويمكن ربنا يرزقه بعيل يشيل اسمك واسم العيلة ….
كان ينتظر كل كلمة من فم أخوه رغم أنها تدوى داخله طوال الوقت ، وكأنه كان يحتاج أن يسمعها من أحد آخر خاصة من أخوه وشريكه الوحيد بعد وفاة ثالثهم ظاهر ( والد سيرين )
فقال بأمل يشوبه رهبة … تفتكر هيوافق يرجع بعد اللى حصل ؟
ابتسم عبدالله وقال … مش هنسيبه غير لما يوافق ويرجع معانا …
قال عبد الرحمن بفرحة ودهشة .. معانا ! انت هتيجى معايا ؟
… طبعا ، زين ده ابنى زى ما هو ابنك بالظبط ، ولا ايه ؟
……………………………………………………………………
ارتدت بيجامتها القطنية الزرقاء التى تعشقها والتى تتكون من شورت قصير وبودى بحمالات رفيعة ،
جلست على حافة الفراش وهى تمسك بهاتفها القديم فى يدها ، قرأت الخاطرة التى أرسلها لها مرات عديدة ،وهى تحاول وتحاول كتابة خاطرة جديدة ترسلها له ،
لا ، لن أفعل هذا بكى صغيرتى
ليس هذا حتى و إن كنت لا أدرى
فأنت أضعف من هذا ولا تعلمى
فإبتعدى عنى وعن نارى فراشتى
أو ستحرق نارى قلبكى وتتألمى
ماذا ستكتب بعد كلام مثل هذا ؟ ما هو الرد المناسب ؟
التشجيع أكثر ، أم الرفض ، أم التأنيب ، أم التحية ؟
فكرت كثيرا وكثيرا ، تكتب ثم تمسح ثم تعيد الكتابة ، وهكذا ،
المشكلة أنها لم تكن فى مزاج مناسب للكتابة ، رغم أن ما حدث فى العشاء وما قاله له كان بالنسبة لها خطوة إيجابية تجاه ما تريد ، بل كان دليلا واضحا أنها فى الطريق الصحيح ، إلا أنها لا تعلم لم تشعر بهذا الإحساس من الحيرة والقلق والضيق فى ذات الوقت .
اعتدلت وأغلقت الهاتف وأخفته تحت الوسادة بسرعة البرق حين فتح الباب ودخلت زينة بعد طرقة واحدة دون أن تنتظر الإجابة .
… لسة صاحية ، مش عندك شغل بكرة ؟
… خلاص كنت هنام ، وانتى صاحية ليه ؟
جلست بجانبها على الفراش قائلة … حاولت انام ومعرفتش ؟
أخفت ميرنا عينيها عن زينة وهى تقف وتبتعد عنها وهى تقول
.. ليه ؟ايه اللى شاغلك ؟
قالت وهى تدور مع ميرنا بعينيها … نفس اللى شاغلك ياميرو …
توقفت مكانها مع جملة زينة لكن تداركت نفسها بسرعة وتحركت لتكمل طريقها ناحية الثلاجة الصغيرة ، فتحتها وأخذت زجاجتى عصير ، أغلقت الثلاجة ، وعادت للفراش ، أعطت إحداهما لزينة وهى تقول
… وهو ايه اللى شاغلنى يازىزى. ..
.. بلاش نلف وندور على بعض ياميرنا ، انا عارفة أن فى حاجات كتير بتحصل وحاجات اكتر بتعمليها ، وفى نفس الوقت مش عايزة تقوليلى. ..
أدارت غطاء زجاجة العصير لتفتحها وهى تقول … زى ايه يامزة ؟
قالت زينة برجاء … بلاش الأسئلة الكتير دى ياميرنا وقوليلى ايه اللى بيحصل ، بتعملى ايه من ورايا ؟
ارتشفت ميرنا نصف زجاجة العصير مرة واحدة كأنها تستعد بشربها لما ستقوله ثم قالت
… ولو قلتلك أن مفيش حاجة بتحصل ، هتصدقينى ؟
أجابتها زينة بسرعة … لأ طبعا مش هصدقك …
ثم قالت برجاء … عشان خاطري ياميرنا ، قوليلى …
اشفقت عليها من القلق الذى يعتمر صدرها ، فقررت أن تعطيها ما يكفيها لتهدأ نفسها فقط فقالت
… والله العظيم يازينة ما فى حاجة بتحصل خالص ..
… طول الأيام اللى فاتت …
.. ايوة ، كل الحكاية انى بحاول أقضى وقت كفاية ، منى اظبط نفسى فى الشغل ، ومنى ادرسه واعرف ايه نظامه بالظبط …
.. وعرفتى حاجة ؟
… مش بالظبط ، بس عارفة ، بتهيئلى فى حاجة تانية خالص فى الحكاية دى …
اقتربت منها زينة بشغف متسائلة
… تقصدى ايه ؟
… أقصد ان فى فى حياته حد …
… واحدة ست يعنى ؟
… أمال راجل ، ما تفوقى يازينة …
… مقصدش ، يعنى انتى قصدك أن فى واحدة فى حياته ؟
وقفت ميرنا وتحركت بعيدا عن الفراش وهى تقول … أو كان …
قامت زينة من خلفها و الفضول يغمرها وهى تسأل
… تقصدى كان بيحب قبل كدة يعنى ؟
… مش عارفة يازينة ، بس انا سمعت مرة ذياد بيتكلم عن واحدة عايشة معاه ، وقبلها سأله كان بايت فين ، حسسنى انه مقضيها ، فى نفس الوقت انا شايفة غير كدة خالص ..
اقتربت منها زينة أكثر وهى تسأل … بس انتى بتقولى انه كان بيحب …
التفتت ميرنا للناحية الأخرى وهى تقول
… دى مجرد فكرة يازينة ، حاسة أن فى حاجة دافنها جواه ، محدش يعرف عنها حاجة غيره هو وبس …
دارت زينة حولها لتواجهها وهى تسأل … حاجة إيه ؟
لكن ميرنا لم تجيبها ، فقد شردت فى شيئا ما ، قد واتتها فكرة فجأة عن محتوى الرسالة التى سترسلها ، لكن ما فكرت فيه قد يحتاج لمساحة أكبر من التى تتيحه لها رسالة نصية عبر الهاتف ، فماذا ستفعل ؟
عادت زينة تشدد على سؤالها قائلة
… جاوبينى ياميرنا ، حاجة ايه …
حاولت ميرنا إنهاء هذا الحوار لتنفذ ما فكرت فيه للتو بقولها
… معرفش يازينة ، معرفش ، قلتلك دى مجرد فكرة ، مش متأكدة منها ، يلا روحى نامى بقى وسيبينى انام عشان شغلى …
… يعنى مش هتقوليلى برده …
… أما يبقى فى حاجة هقولك ، يلا بقى ، تصبحى على خير …
واتجهت للفراش ، رفعت الغطاء وانزوت تحته تاركة زينة تقف فى منتصف الغرفة ، تنهدت زينة بقلة حيلة وقالت وهى فى طريقها للخارج
… وانتى من اهله …
اعتدلت ميرنا بعدما سمعت صوت إغلاق الباب ، والتقطتت الكمبيوتر المحمول الخاص بها ،
فتحته وبدأت فى عمل حساب جديد بإسم مستعار أسمته ،، مستجدية للحب ،،
فتحت خانة البريد الاليكترونى ، وكتبت فيها بريده الالكترونى الذى أخذته من محمود اليوم ،
ثم انتقلت لخانة المحتوى ، كتبت أولا
فكرت كتير اوى انهارضة هبعتلك ايه واكلمك فى ايه ، ملقتش احسن من إحساس جوايا اتكون عنك ، وعشان مش هينفع رسالة ، فعملت ايميل ، وبجد متمناش ان الإحساس ده يكون حقيقى
والابيات دى منى ليك ، يارب تكون فى مكانها ،
سألتهم عن قلبك ولم أجد من يجيبنى
قلت راجية لما كل هذا الصمت الحزين
أجيبونى بالله عليكم ،، هل أحبنى ؟؟
أم أننى مجرد سلوى لهجر دفين
سألت عنك كل من إقترب منك
وأجابنى الجميع بأنه قلب سجين
سجين لعشق ضاع من سنين
عشق أعطاه عمرين على عمره
عشق يعيش فى ماضيه الحنين
فسألت نفسى …..
هل سأستطيع على ما تحمله بقلبك
أن اعطيك قلبى وهو مجرد جنين
جنينى الذى حافظت عليه من غدر السنين ،
الآن أسألك بعدما سألتهم وسألت نفسى
هل هو حب موجود ام مجرد هجر ورحيل
إن كان حب فقل لى ، ولك ولها السلامة
وان كان هجر ، فبحق قلبك وقلبى العليل
أفق وعش الحياة أيها الطائر الحزين
فأنا وانت ضعنا وعن الطريق تائهين
لن يعود الحب ولن نكون أبدا عائدين
لم يبقى لى ولك شيئا هنا فلنرحل معا
وسيتذكرنا الزمان بالراحلين الضائعين
أنهت ما كتبت ثم ضغطت على ،، إرسال ،،
ليتجمد جسد أمجد تماما وتنعقد ما بين حاجبيه حين يقرأ هذه الأبيات عن طريق هاتفه الذى أعطى إشارة وصول الايميل وهو فى غرفة العابه الرياضية ووسيلته الدائمة فى تخفيف غضبه ،
الآن قد تخطى الموقف مرحلة الحيرة ، وصل لمراحل أخرى تماما أخطر ،
من يعرف بأمر حبه القديم ، لا يوجد أحد ، لا أحد ابدا ،
من هى التى تعلم بأمره لتسأله عنه ؟
ويكفيه أنها حولت الأمر لحساب شبكى ، وهو المفتاح الذى سيصل به لها ،
ثم واتته فكرة مفاجئة ، هو نفسه قد اعتبرها فكرة غبية جدا إلى حد البلاهة ،
فكرة أن يكون المرسل هو احد اعدائه ويتلاعب به بهذا الشكل ،
أو ان تكون المرسلة هى نفسها راحلته ،، سيدرا ،،
يتبع
وقفت تتأمل ملامح وجهها خوفا من أن يظهر الغضب والحزن الذى تحمله داخلها بعد ما فعلته ميرنا بها .
الآن لن تستطيع ابدا الهجوم عليها ثانيا بعد أن قالتها ميرنا أمام الجميع ،
إنها تهاجمها فقط بسبب أخوها زين الذى تركها مرتين .
زين الشاذلى ،، الاسم الذى لم ولن تنساه ابدا ، ولا تعلم لما ؟ هل بسبب اهانتها بهجره لها من أجل فتاة أخرى ، فقيرة ، لا تقارن بها ،
أم لن تنساه بسبب أنها قد تكون أحبته فعلا ، رغم أنه كان واضحا تماما معها من البداية ، خاصة فى المرة الثانية حين وضح تماما وقالها مباشرة انه لا يحبه وان زواجه بها من أجل ارتباط مصالح العائلتين فقط ، وهى لم تمانع ابدا ، المهم انها أرادت امتلاكه فقط .
زين الشاذلى ،، الابن الوحيد فى عائلة الشاذلى مع الفتايات التسع ، والوريث الوحيد لاسم العائلة وشركتى الاستثمار المعروفة ،
الوسيم صاحب الملامح الأوروبية التى تشبه والدته وبريهان ابنة عمه ، والبقية ذات ملامح مصرية عربية .
كان قد تركها للمرة الأولى ايام الجامعة وأنهى علاقته بها نهائيا بعد أن تعرف على زميلة لها كانت تعمل لدى والده كسكرتيرة فى مكتبه من أجل تحسين دخلها والإنفاق على دراستها .
جملة لن تنساها ابدا ، كلمات خرجت من فمه ، تبدوا فى ظاهرها عادية لكن بالنسبة لها كانت كنصل سكين يقطع قلبها :
… انا اسف ياملك ، متزعليش منى أرجوكى ، انا حاولت والله لكن مش قادر ، مش قادر ارتبط بيكى اكتر من كدة ، قلبى مش ملكى ، أرجوكى سامحينى ، أن شاء الله تقابلى اللى احسن منى ، سلام ….
و المرة الثانية كانت بعد الأولى بثلاث سنوات حين حضر والده وطلب يدها رسميا من والدها له ، ووافقت رغم أنها تعلم أنه مجبر عليها وأن والده قد ارغمه على ترك فتاته الفقيرة وصمم على تزويجه بها هى ، ولكنها لم تهتم ، لم تهتم بقلبه القابع داخله أخرى ، لم تهتم بإجباره عليها وعينيه المشبعة بغضب وحقد دائم ، لم تهتم بقوله لها صريحة ، وأنه لن يستطيع ابدا ان يحبها ، كل ما أرادته واهتمت بالحصول عليه هو عودته كإعادة لكرامتها التى أهدرت فى المرة الأولى ،
ليفاجئها هو وللمرة الثانية ، قبل ارتداء خاتم الخطوبة رسميا ، بنفس الجملة الأولى التى لم تكن رحلت من ذهنها ،
ثم رحل زين دون عودة ، ولم يظهر من وقتها حتى الآن ، حيث قال الجميع أنه يعيش فى جنيف ويعمل فى أحد الشركات هناك وقد وصل لمكانة جيدة ،
كل ما كانت تعلمه ومع مرور الوقت تأكدت منه تماما ، أن ميرنا قد كانت المحرض والمشجع الوحيد لأخوها على إتباع مشاعره وتركها هى ، رغم أن ميرنا كانت تعد صغيرة فى مثل هذا الوقت فهى تصغرها وزين بأكثر من سنتين ، لهذا لم تنسى لها هذا حتى الآن حتى بعد مرور سنوات .
بكل هذا كانت غاصت ملك بين أمواج ذكرياتها للحظات وحين عادت اقسمت وهى تعيد تجديد زينة وجهها أنها لن تمرر ما قامت به ميرنا ابدا ، وأنها سوف ترد الصاع ثلاثة إن لم يكن عشرة ، لكنها تحتاج لبعض الذكاء لتفعل ذلك ، فقد أصبح الأمر مكشوفا أمام الجميع ولن تستطيع المجاهرة بعداوة ميرنا بعد الآن .
…………………………………………………………………..
كانت قد غادرت الواقع لبضع لحظات مغمضة العينين ، جالسة على حافة رخامية عالية تطل على منظر رائع فى الحديقة ، لتعيش داخل عالم خاص بها ، لا يشاركها فيه أحد ، تعيد فيه ما فعلت فى شتى المواقف التى عاشتها ، تراجع تصرفاتها وردود افعالها ، أحيانا تمدح نفسها على ما فعلت وأحيان أخرى تندم وتنهر نفسها ،
أما هو ، فبعد ان تأملها طويلا ، يعجبه سكونها بهذا الشكل ، تبدوا أليفة ومسالمة وهى هكذا ، قرر محادثتها لتنتفض هى حين سمعت صوته يقول
… مش برد شوية عليكى كدة ؟
اعتدلت وأخذت تعدل هندامها الذى تخيلت أن بضع لحظات من الخيال قد أثرت فيه ،قالت … أوقات الطاقة اللى جواك بتسيطر على جسمك كله ، وتخليك مش حاسس بدرجة الحرارة اللى برة جسمك ، حر أو برد …
إقترب وجلس بالقرب منها بعد ترك لها مسافة معينة وهو يقول
… وانتى جواكى طاقة مدفياكى ؟
… تفتكر ايه بعد اللى حصل جوا ده ؟
ابتسم وهو يقول وهو ينظر لها … انتى مجنونة وجريئة اوى ياميرنا …
.. ودى ميزة ولا عيب ؟
… مش عارف ، كل صفة فيهم فى حد زاتها كويسة ، لكن الاتنين مع بعض يتجمعوا فى واحدة زييك ، كدة خطر اوى …
سكتت لثوانى وهى تحاول التمعن فى وجهه لتصل لما يقصد بما قال
ثم سألته … تقصد إيه بواحدة زييى ؟
هذه المرة ظهرت ضحكته واضحة وهو يقول
… يعنى مش فارق معاكى الخطر ، اللى فارق واحدة زييك …
… لأ ، كلمة واحدة زييك لما تقولها ، معناها رأيك فيا ، واكيد يهمنى أعرفه …
اختفت ابتسامته وهو يسألها … يفرق معاكى رأيى ؟
قالت بثقة وبلهجة جادة .. أكيد ، وياريت تقولهولى ..
تأملها لثانية وقد شابت ملامحه نظرة حزينة رمقها بها ، لم تفهم ميرنا ماهيتها ثم فاجأها بسؤاله … عشان الرهان ؟
فى هذه اللحظة كان الصمت متبادل بينهما دون أن تحيد عينا أحدهما عن عيني الآخر ،
لكل منهم ما دار بعقله ، كل ما جال بخاطرها أنها قد بدأت تخطو بالفعل فى طريقه لكن بالطريقة الخطأ ، أو أنها بالفعل اخطارت مالا يحمد عقباه ، شيئا لم تعى أنها بالفعل غير قادرة عليه ،
أما هو قد كان يفكر فى البداية الخاطئة التى تمت بينهما ، والتى لولاها ولولا إمرأته الراحلة ، قد كان لجلستهم هذه مسمى آخر ،
إمرأته الراحلة ، سيدرا ، حبيبته الغامضة ، عندما ظهرت فى عقله وهو يرتحل فى بين ملامح ميرنا ، شعر وكأنه يرتكب خطيئة بينة ،
بقلبه امرأة ، وأمام عينيه الآن وبعقله امرأة أخرى ،
أغلق عينيه ، ووقف فجأة ، لتقف هى تباعا دون أن تنطق بكلمة واحدة رغم أنها حاولت ، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة كرد لسؤاله ، والحزن الذى تراه فى عينيه الآن ، وإن لم تكن تكذب نفسها عندما شعرت أنها قد رأت لمحات ندم وألم ظهرت فجأة فى عينيه ،
حاول أن يجبر نفسه على الابتسام لتظهر ابتسامة فارغة بدون معنى وهو يقول … تصبحى على خير ياميرنا ؟
وابتعد خطوتين لتستوقفه قائلة بلهجة راجية .. استنى شوية ، لسة بدرى ..
قال وابتسامته الفارغة رحلت وحل مكانها ابتسامة حانية لكن حزينة
… ده مش مكانى ياميرنا ، انا جاى هنا من باب الواجب بس ، اشوفك بكرة ، سلام …
واستدار وتابع طريقه للداخل ، وعادت هى لتجلس ف نفس المكان وعينيها تتأمل الحديقة من جديد ،
شق طريقه وسط الجميع ليصل لعدلى واستأذنه الانصراف ، رغم تصميم عدلى إلا أن رغبة أمجد طغت على كلامه ،
لتشاهده وهو يخرج من باب القصر حتى وصل لسيارته التى أتى بها أحدهم وأوقفها أمامه مباشرة ،
ورغم أنه قد لمحها بجانب وجهه وهى تتابعه من أعلى إلا أنه لم يرفع عينيه اليها واستقل سيارته وانطلق بها .
………………………………………………………………..
طوال الطريق وهو سارد تماما ، قد اجتاح عقله وقلبه سيل من الأفكار والمشاعر المتضاربة لتدخله فى دوامة من التوهان والضياع ،
أسئلة فى منتهى الصعوبة بدون أية أجوبة تتابع داخله ، واحدة تلو الأخرى
: لما كل هذا الحزن على إمرأة يشعر فى قرارة نفسه أنها لن تعود ؟
فلماذا لا يتخطى هذه المرحلة ، ويدفنها فى أعماقه ليبدأ حياة جديدة كما يفعل باقى البشر ؟
ماذا يمنعه من الارتباط بأنثى أخرى ؟
هو رجل ككل الرجال ، أحيانا يجتاح جسده طوفان من الرغبات البشرية والتى قد تسيطر عليه فى بعض الأحيان رغم محاولاته السيطرة عليها بالهروب أو حتى الرياضة العنيفة أو … الخ
لكن لماذا كل هذا العذاب وهى لن تعود ؟
وإلى متى ؟ وهل سيكمل حياته هكذا ؟ وإلى ماذا سيصل ؟
وأهم سؤال ، لماذا الآن بالذات هذا الطوفان من التمرد على امر قد عاش عليه منذ سنوات طويلة ؟
هل هى ميرنا ؟ هل لمست قلبه ؟ لكن كيف ومتى وهى لم تفعل أى شئ تحاول به التقرب منه ؟
ما هو المختلف بها عن الباقيات لتؤثر فيه هكذا وتجعله يتمرد على ما قد تعود عليه وانتهى الأمر ؟
أصبح لا يعلم أى شئ نهائيا ، تاه عقله وقلبه فى دروب كثيرة ، ولم يعد قادرا على الاختيار بين أي منها ، ويبدوا انه وفى النهاية كما تعود سيختار الطريق الآمن منهم ، الابتعاد والهروب ، عن كل منهما .
أجبرته إشارة التوقف المرورية على الوقوف ، أسند رأسه لرأس الكرسى من خلفه وهو يتأمل المارة من أمام سيارته وبعض السيارات الأخرى ،
أغلق عينيه يحاول الخروج من الدوامة التى أدخل فيها رغما عنه ، لتركز حاسته السمعية أكثر على موسيقى صادرة من أحد السيارات بجانب سيارته ،أنصت أكثر لما يسمع من باب الهروب مما يفكر به ، ليجد نفسه يستمع لأحد الأصوات الرجولية التى لا يميزها جيدا ، فهو ليس من مستمعى الموسيقى الحديثة ، القديم هو الأفضل والأكثر امتاعا بالنسبة له ،
كان الصوت حنون وهادئ وهو يغنى
وحشتنى ، ارجعلى يلا وضمنى ، وحشتنى
ايوة افتكرتك وافتكرت ليالى فرحى ،،
لما ابتديت بعنيك أحس بطعم جرحى ،،
وحشتنى ،،
بعدك حاولت كتير أعيش
وانساك لكن مبتتنسيش ،، دا أنا روحى فيك
حاولت من جوايا أشيلك ، كل الأماكن بتناديلك ،، مشتاقة ليك
معرفش ليه الأيام بتعمل ليه كدة ، دايما نهاية الحب …….
ثم انقطع الصوت ولم يكمل غناء بسبب فتح الإشارة التى تبعتها حركة السيارة الصادر منها الصوت ،
ارتفع بوق السيارة من خلفه لينبهه ويخرجه من حالة الزهول التى دخلها بسبب كلمات اغنية مجهولة ، لا يعرف اسمها ولا حتى اسم مغنيها .
تحرك بالسيارة وهو يقسم بينه وبين نفسه أنه لو لم يكن متأكدا انه لا اجد نهائيا يعلم بأمر دواخله وبأمر فتاته المجهولة ، ليقول أن كل ما يحدث له مقصود مائة بالمائة ،
فهذه اول مرة يستمع لمثل هذه الكلمات ، أول مرة يسمع هذه الأغنية ، ولا تأتيه ليستمع لها إلا فى هذا الوقت وهو على أعتاب دوامة ستغرقه ، بل غرق فيها بالفعل .
ركن سيارته على جانب الطريق ، شد رباط عنقه وفكه ( جرافته ) ليساعد صدره على استنشاق أنفاس أكثر لعله يهدأ لكن هيهات ثم هيهات ،
وكأن الهواء يدخل صدره يشقه نصفين .
هى دائما هكذا ، وكأنها رحلت وتركت طيفها ليحرس ذكراها داخله ، كلما يحاول التخلص منها ، يجد كافة ما حوله يقف ضده ويشدد على وجودها .
تمالك نفسه جاهدا بعدما قرر أن يضع نهاية لهذا العذاب ، سلبا أو إيجابا ، لابد أن ينتهى ، لينتبه لحياته ومستقبله أكثر من ذلك ،
لكن الأهم الآن ، يجب أن يفهم ماهيته وما موقف الجيش منه ، هل سيبقى هكذا أم سيعلن انفصاله واكتفائه بالطب ، أم سيتم ضمه من جديد ،
فقد استبعد عن النشاط الفعلى منذ خمسة سنوات حتى الآن ، والأمر الوحيد الذى تلقاه هو أن يبنى حياة كاملة اجتماعية ومادية بعيدا عنهم دون أن يخبروه بإنفصاله ،
إذن فالآن يجب أن يقرر كيف سيتحرك ، لكن بعد أن ينتهى من الأمر الذى كلف به ، بعدها له الحق أن يسأل .
………………………………………………………………………
جلست أمام المرآه وهى تضع الكريمات الليلية الخاصة ببشرتها ، ثم وقفت واستدارت لتتأمل قدها الذى قد أنفقت عليه الكثير لتقلل من آثار الزمن عليه ،
واتجهت صوب الفراش خلف الستار المشدود لتجده خالى ،
أخذت تدور بعينيها فى جوانب الغرفة تبحث عنه ولم تجده ، لمحت باب الشرفة مفتوح ،اتجهت صوبه لتجد عبد الرحمن جالسا وحده شاردا تماما وكأنه ليس موجودا فى الواقع .
عادت وارتدت روبها الحريرى واغلقته برباط من الامام ، ثم خرجت للشرفة ، جلست قبالته وهى تناديه دون جدوى وكأنه لم يسمعها من الاساس ،
… عبد الرحمن ، عبد الرحمن ، رد عليا …
اعتدل متفاجئا من وجودها … ايه ، فى ايه ، عايزة ايه ؟
..ايه هو إللى عايزة ايه ، انت سرحان فى ايه من بدرى ، من ساعة ما رجعنا وانت كدة ، مع انك كنت كويس فى العشا يعنى …
لم يهتم بما قالت بل سألها مباشرة … أنتى ايه رأيك فى اللى عملته ميرنا ياصفية …
اعتدلت صفية فى جلستها وابتسمت وهى تقول … ميرنا ، الله ينور ، طلعت بت بجد ، مش عايزة اقولك كانوا بيقولو ايه هناك ، البت شرفتنا ودافعت عننا بكلامها بجد …
كانت نظرته خاوية إلا من بعض الامتعاض والضيق الظاهر حين قال
.. هو ده كل اللى فهمتيه من اللى حصل أنها دافعت عننا ؟
…وهو فى ايه تانى ؟ دا احنا كنا هنتفضح لو معرفتش ترد على قليلة الأدب اللى اسمها ملك دى ..
تأملها مطولا وهو يحييى نفسه على قدرتها على تحمل هذه المرأة وسطحيتها وتفاهتها طوال هذه السنوات ،
لم يجيبها بشئ ، وقف وعاد للغرفة وهى خلفه ، تصورت أنه سوف يتوجه للفراش ولكنها وجدته يتجه ناحية باب الغرفة ، فسألته
… انت رايح فين دلوقتى ، الساعة داخلة على واحدة ؟
… نازل تحت …
ثم قال بسخرية واضحة … نامى انتى عشان بشرتك متتعبش …
خرج هو ، وتوجهت هى للفراش ممتعضة من أسلوبه الدائم مشوبا بالتقريع على اهتمامها بنفسها ، وهى تقول بلهجة ساخرة وهى تحرك اكتافها
… لازم يعنى أبقى وحشة عشان اعجبك ، كفاية عليكوا البومة مرات اخوك ، بقت عاملة زى البقرة اللى سارحة فى البيت ، لأ وايه ، بيقولولها ياحاجة ، الحاجة راحت ، الحاجة جت …
……………………………………………………………….
لمح نور غرفة المكتب مضاءا من خلال زجاج الباب ، طرق الباب ثم دخل ، وجد أخوه عبد الله يجلس على المكتب يراجع بعض الأوراق ،
… مساء الخير يا عبدالله …
أجابه بإبتسامة حانية … أهلا ياعبدالله الرحمن ، منمتش ليه ، احنا محتاحينك بدرى فى الشغل بكرة …
تنهد عبد الرحمن وهو يجلس على أحد الكراسى المريحة المقابلة للمكتب
ثم قال … تعبان والله ياأخويا ، ومش عارف اعمل ايه ؟
ظهر القلق على وجه عبدالله ، وقام من على مكتبه وتوجه ناحية أخوه وهو يقول .. ايه ، مالك ؟ السكر على تانى ؟ اجبلك دكتور ؟
… لا ، مش السكر ، ولا حتى يمكن يعلا من الخنقة اللى انا فيها دى ….
جلس عبد الله بجانب أخوه الأكبر وهو يقول
.. سلامتك ياحاج ، قوللى بس مالك ، فى ايه ؟
التفت له عبد الرحمن له وهو يقول
.. يعنى انت مسمعتش عن اللى حصل فى العشا انهارضة ..
عندما وجد عبدالرحمن ملامح عبد الله قد تغيرت والتفت للناحية الأخرى ، فهم انه قد علم بما حدث ، بل وشعر بما يشعر به أخوه الآن ،
فتابع عبد الرحمن كلامه دون أن ينتظر رد عبدالله قائلا
.. شفت وصلنا لايه ؟
قال عبدالله بحزن … أاه ، الناس كانت تخاف اصلا تقول الكلام ، شوية وبقوا يقولوه من ورانا ، ودلوقتى فى وشنا ، عينى عينك كدة …
فقال عبد الرحمن … عارف ، على قد ما كنت فرحان باللى عملته البت ، بس كنت هتجنن من الحكاية دى اصلا ، مشفتهاش وهى واقفة ترد ياعبدالله ، حاجة تفرح ، تحسس الواحد انه ربى بجد …
ثم اخفض رأسه بحزن وقال … فكرتنى بيه …
شعر عبدالله بما يفكر فيه أخوه وما يحمله فى قلبه من هم وحزن من فراق ابنه الوحيد ، فرغم انه ابن أخيه وليس ابنه وأنه لم ينجب صبيا رغم أنه قد تمنى ، إلا أن زين بالنسبة كان أكثر من ابن قد انجبه .
… عندك حق ياعبدالرحمن ، كان له شمخة تخوف ، مكانش حد يقدر يقول حاجة متعجبهوش ، كان بيرد ومبيهابش حد ، ومحدش يعرف يكلمه أو يرد قصاده ..
ثم سكت لثانية ، بعدها وضع كف يده على كتف أخيه بحنان وهو يقول
… روح رجعه ياعبدالرحمن ، روحله وطيب خاطره ورجعه بيته تانى ، مبقاش فى العمر قد اللى راح ياأخويا ، ودول 8 بنات ،رجعه يبقى سندهم فى الدنيا دى ، ويمكن ربنا يرزقه بعيل يشيل اسمك واسم العيلة ….
كان ينتظر كل كلمة من فم أخوه رغم أنها تدوى داخله طوال الوقت ، وكأنه كان يحتاج أن يسمعها من أحد آخر خاصة من أخوه وشريكه الوحيد بعد وفاة ثالثهم ظاهر ( والد سيرين )
فقال بأمل يشوبه رهبة … تفتكر هيوافق يرجع بعد اللى حصل ؟
ابتسم عبدالله وقال … مش هنسيبه غير لما يوافق ويرجع معانا …
قال عبد الرحمن بفرحة ودهشة .. معانا ! انت هتيجى معايا ؟
… طبعا ، زين ده ابنى زى ما هو ابنك بالظبط ، ولا ايه ؟
……………………………………………………………………
ارتدت بيجامتها القطنية الزرقاء التى تعشقها والتى تتكون من شورت قصير وبودى بحمالات رفيعة ،
جلست على حافة الفراش وهى تمسك بهاتفها القديم فى يدها ، قرأت الخاطرة التى أرسلها لها مرات عديدة ،وهى تحاول وتحاول كتابة خاطرة جديدة ترسلها له ،
لا ، لن أفعل هذا بكى صغيرتى
ليس هذا حتى و إن كنت لا أدرى
فأنت أضعف من هذا ولا تعلمى
فإبتعدى عنى وعن نارى فراشتى
أو ستحرق نارى قلبكى وتتألمى
ماذا ستكتب بعد كلام مثل هذا ؟ ما هو الرد المناسب ؟
التشجيع أكثر ، أم الرفض ، أم التأنيب ، أم التحية ؟
فكرت كثيرا وكثيرا ، تكتب ثم تمسح ثم تعيد الكتابة ، وهكذا ،
المشكلة أنها لم تكن فى مزاج مناسب للكتابة ، رغم أن ما حدث فى العشاء وما قاله له كان بالنسبة لها خطوة إيجابية تجاه ما تريد ، بل كان دليلا واضحا أنها فى الطريق الصحيح ، إلا أنها لا تعلم لم تشعر بهذا الإحساس من الحيرة والقلق والضيق فى ذات الوقت .
اعتدلت وأغلقت الهاتف وأخفته تحت الوسادة بسرعة البرق حين فتح الباب ودخلت زينة بعد طرقة واحدة دون أن تنتظر الإجابة .
… لسة صاحية ، مش عندك شغل بكرة ؟
… خلاص كنت هنام ، وانتى صاحية ليه ؟
جلست بجانبها على الفراش قائلة … حاولت انام ومعرفتش ؟
أخفت ميرنا عينيها عن زينة وهى تقف وتبتعد عنها وهى تقول
.. ليه ؟ايه اللى شاغلك ؟
قالت وهى تدور مع ميرنا بعينيها … نفس اللى شاغلك ياميرو …
توقفت مكانها مع جملة زينة لكن تداركت نفسها بسرعة وتحركت لتكمل طريقها ناحية الثلاجة الصغيرة ، فتحتها وأخذت زجاجتى عصير ، أغلقت الثلاجة ، وعادت للفراش ، أعطت إحداهما لزينة وهى تقول
… وهو ايه اللى شاغلنى يازىزى. ..
.. بلاش نلف وندور على بعض ياميرنا ، انا عارفة أن فى حاجات كتير بتحصل وحاجات اكتر بتعمليها ، وفى نفس الوقت مش عايزة تقوليلى. ..
أدارت غطاء زجاجة العصير لتفتحها وهى تقول … زى ايه يامزة ؟
قالت زينة برجاء … بلاش الأسئلة الكتير دى ياميرنا وقوليلى ايه اللى بيحصل ، بتعملى ايه من ورايا ؟
ارتشفت ميرنا نصف زجاجة العصير مرة واحدة كأنها تستعد بشربها لما ستقوله ثم قالت
… ولو قلتلك أن مفيش حاجة بتحصل ، هتصدقينى ؟
أجابتها زينة بسرعة … لأ طبعا مش هصدقك …
ثم قالت برجاء … عشان خاطري ياميرنا ، قوليلى …
اشفقت عليها من القلق الذى يعتمر صدرها ، فقررت أن تعطيها ما يكفيها لتهدأ نفسها فقط فقالت
… والله العظيم يازينة ما فى حاجة بتحصل خالص ..
… طول الأيام اللى فاتت …
.. ايوة ، كل الحكاية انى بحاول أقضى وقت كفاية ، منى اظبط نفسى فى الشغل ، ومنى ادرسه واعرف ايه نظامه بالظبط …
.. وعرفتى حاجة ؟
… مش بالظبط ، بس عارفة ، بتهيئلى فى حاجة تانية خالص فى الحكاية دى …
اقتربت منها زينة بشغف متسائلة
… تقصدى ايه ؟
… أقصد ان فى فى حياته حد …
… واحدة ست يعنى ؟
… أمال راجل ، ما تفوقى يازينة …
… مقصدش ، يعنى انتى قصدك أن فى واحدة فى حياته ؟
وقفت ميرنا وتحركت بعيدا عن الفراش وهى تقول … أو كان …
قامت زينة من خلفها و الفضول يغمرها وهى تسأل
… تقصدى كان بيحب قبل كدة يعنى ؟
… مش عارفة يازينة ، بس انا سمعت مرة ذياد بيتكلم عن واحدة عايشة معاه ، وقبلها سأله كان بايت فين ، حسسنى انه مقضيها ، فى نفس الوقت انا شايفة غير كدة خالص ..
اقتربت منها زينة أكثر وهى تسأل … بس انتى بتقولى انه كان بيحب …
التفتت ميرنا للناحية الأخرى وهى تقول
… دى مجرد فكرة يازينة ، حاسة أن فى حاجة دافنها جواه ، محدش يعرف عنها حاجة غيره هو وبس …
دارت زينة حولها لتواجهها وهى تسأل … حاجة إيه ؟
لكن ميرنا لم تجيبها ، فقد شردت فى شيئا ما ، قد واتتها فكرة فجأة عن محتوى الرسالة التى سترسلها ، لكن ما فكرت فيه قد يحتاج لمساحة أكبر من التى تتيحه لها رسالة نصية عبر الهاتف ، فماذا ستفعل ؟
عادت زينة تشدد على سؤالها قائلة
… جاوبينى ياميرنا ، حاجة ايه …
حاولت ميرنا إنهاء هذا الحوار لتنفذ ما فكرت فيه للتو بقولها
… معرفش يازينة ، معرفش ، قلتلك دى مجرد فكرة ، مش متأكدة منها ، يلا روحى نامى بقى وسيبينى انام عشان شغلى …
… يعنى مش هتقوليلى برده …
… أما يبقى فى حاجة هقولك ، يلا بقى ، تصبحى على خير …
واتجهت للفراش ، رفعت الغطاء وانزوت تحته تاركة زينة تقف فى منتصف الغرفة ، تنهدت زينة بقلة حيلة وقالت وهى فى طريقها للخارج
… وانتى من اهله …
اعتدلت ميرنا بعدما سمعت صوت إغلاق الباب ، والتقطتت الكمبيوتر المحمول الخاص بها ،
فتحته وبدأت فى عمل حساب جديد بإسم مستعار أسمته ،، مستجدية للحب ،،
فتحت خانة البريد الاليكترونى ، وكتبت فيها بريده الالكترونى الذى أخذته من محمود اليوم ،
ثم انتقلت لخانة المحتوى ، كتبت أولا
فكرت كتير اوى انهارضة هبعتلك ايه واكلمك فى ايه ، ملقتش احسن من إحساس جوايا اتكون عنك ، وعشان مش هينفع رسالة ، فعملت ايميل ، وبجد متمناش ان الإحساس ده يكون حقيقى
والابيات دى منى ليك ، يارب تكون فى مكانها ،
سألتهم عن قلبك ولم أجد من يجيبنى
قلت راجية لما كل هذا الصمت الحزين
أجيبونى بالله عليكم ،، هل أحبنى ؟؟
أم أننى مجرد سلوى لهجر دفين
سألت عنك كل من إقترب منك
وأجابنى الجميع بأنه قلب سجين
سجين لعشق ضاع من سنين
عشق أعطاه عمرين على عمره
عشق يعيش فى ماضيه الحنين
فسألت نفسى …..
هل سأستطيع على ما تحمله بقلبك
أن اعطيك قلبى وهو مجرد جنين
جنينى الذى حافظت عليه من غدر السنين ،
الآن أسألك بعدما سألتهم وسألت نفسى
هل هو حب موجود ام مجرد هجر ورحيل
إن كان حب فقل لى ، ولك ولها السلامة
وان كان هجر ، فبحق قلبك وقلبى العليل
أفق وعش الحياة أيها الطائر الحزين
فأنا وانت ضعنا وعن الطريق تائهين
لن يعود الحب ولن نكون أبدا عائدين
لم يبقى لى ولك شيئا هنا فلنرحل معا
وسيتذكرنا الزمان بالراحلين الضائعين
أنهت ما كتبت ثم ضغطت على ،، إرسال ،،
ليتجمد جسد أمجد تماما وتنعقد ما بين حاجبيه حين يقرأ هذه الأبيات عن طريق هاتفه الذى أعطى إشارة وصول الايميل وهو فى غرفة العابه الرياضية ووسيلته الدائمة فى تخفيف غضبه ،
الآن قد تخطى الموقف مرحلة الحيرة ، وصل لمراحل أخرى تماما أخطر ،
من يعرف بأمر حبه القديم ، لا يوجد أحد ، لا أحد ابدا ،
من هى التى تعلم بأمره لتسأله عنه ؟
ويكفيه أنها حولت الأمر لحساب شبكى ، وهو المفتاح الذى سيصل به لها ،
ثم واتته فكرة مفاجئة ، هو نفسه قد اعتبرها فكرة غبية جدا إلى حد البلاهة ،
فكرة أن يكون المرسل هو احد اعدائه ويتلاعب به بهذا الشكل ،
أو ان تكون المرسلة هى نفسها راحلته ،، سيدرا ،،
يتبع


