روايات عراقية
رواية السطار كامله وحصريه بقلم ماربين محمد

رواية السطار كامله وحصريه بقلم ماربين محمد
( ﷽ )
.
.
،
ملاحظة مهمّة – يُرجى القراءة بتمعّن ⚠️
أولاً : هذه الرواية غير مخصّصة لجميع الفئات العمرية ، لأنها تتضمّن مشاهد تعذيب مُجسّدة بتفاصيل دقيقة وصادمة، تشمل أساليب التعذيب الجسدي والنفسي دون تلطيف أو اختصار .
ما ستقرأه هنا ليس إيحاءً ، بل تصوير قاسٍ لما يحدث في الظل كما هو بلا أقنعة .
13
ثانيًا : تنبيه بالغ الأهمية
إذا كان إيمانكِ هشًّا، أو يحمل داخله أسئلة لم تُحسَم بعد، توقّفي هنا.
هذه الرواية لا تُقرأ على الهامش، ولا تُستهلك فصلًا ثم تُنسى … هي رحلة مظلمة لا تنتهي إلا عند آخر سطر.
ستواجهين شخصيّات مُصابة بأمراض نفسية متجذّرة في الماضي، عقولٌ تشكّلت على القسوة،
وفلسفات مشوّهة تبرّر الألم، وتُعيد تعريف الخير والشر بمنطقٍ مريض… لكنه مُقنع حدّ الخطورة.
6
ما يُقال هنا ليس دعوة ولا تبريرًا،
بل كشفٌ عارٍ لما يصنعه الألم حين يُترك بلا علاج.
لا تحكمي على أي شخصية
قبل أن تنكشفي على قصّتها كاملة،
13
ثالثًا : تنبيه حاسم
إذا كنتِ من القرّاء العجولين وتبحثين عن القصة كاملة في أوّل بارتين فهذه الرواية ليست لكِ يا عزيزتي.
هنا لا تُكشَف الحقائق دفعةً واحدة ولا تُمنَح الإجابات بلا ثمن. الأحداث تُكتَب وفق تسلسلها الزمني الحقيقي،
كما عاشها أبطالها… ببطء، بثقل، وبجراح تتراكم.
كل مشهد له وقته وكل حقيقة لا تظهر إلا حين يحين أوانها .
رابعًا : بخصوص مواعيد النشر ، أعلم أن موعد التنزيل مهمّ لكم، لكنه بالنسبة لي أكثر أهمية وكما أوضحت سابقًا، فهذه القصة تعود إلى سنوات الاحتلال وأبطالها لم يعودوا في بدايات أعمارهم البطلة اليوم في عقدها الثالث ، لديها دوام ومسؤوليات وحياة لا تتوقّف عند الرواية.
لذلك، ستأتيكم الأحداث بحسب المساحة الزمنية المتاحة لها، لا على إيقاع الاستعجال، بل على إيقاع الصدق.
13
اخترت نشرها مع بداية العام
لأنني كنت أعلم منذ البداية أنها رواية تُكتب على مهل…
وقد تتأخر، لكنها لن تُفرّط بعمقها ..
خامسًا: إن كنتِ من محبّي النهايات الوردية، حيث يصل الجميع إلى خاتمة مثالية خالية من الخسائر والندوب، فهذه القصة لن تكون لكِ أيضاً .
هي لا تعدكِ بالراحة ولا تمنحكِ عزاءً سهلاً، لأنها لم تُكتب لتُرضي ذائقتك، بل كُتبت لتكشف حقيقةٍ أُخفيت طويلًا ، هنا لا ينتصر الجميع ولا تُجبر الحياة على أن تكون عادلة…
فهذه حكاية وُلدت من واقعٍ صلب وخرجت كما هو: قاسيًا، ناقصًا، وصادقًا حتى الألم .
73
أعلم أن مجرّد ذكر هذا قد يدفع الكثيرين لترك القراءة،
وأتفهم ذلك … لكن من يختار البقاء، فهو لا يبحث عن قصة سريعة، بل عن حقيقة تُروى كما حدثت .
رواية : السطار
بقلم : ماربين محمد
.
البداية ..
2026/1/9
117
00:00
لم يعرف التاريخ أي بقعة على وجه الأرض مثل العراق.
مهد الحضارات الأولى في العالم وأقدمها، ومع ذلك… بلد يُحير العقول . أتعرف لماذا؟
لأنه الوطن الوحيد في العالم الذي يُعلمك الشعور بالحرمان،
وبالألم وبالأشتياق… قبل أن يمنحك العطاء .
وهو أيضًا الوطن الوحيد الذي يمنحك العزاء قبل الفرح.
حسناً… وعندما تتهيأ لكل أنواع الفقدان وجروح الحياة،
يضربك ضربته القاضية، كأنه لم يكتفِ بما ابتلاك به،
ويريد المزيد:
المزيد من الجثث، المزيد من الحروب، والمزيد من القلوب التي أُهلكت بالفراق.
6
أتعرف ما أعجوبة أرضه أيضًا؟!
أنه لا يعرف كلمة استسلام…
كأنما خُلق فقط ليقاوم، ليصمد، ليظل صامدًا رغم كل الألم .
13
_____________________________
جُومانا …
75
قلّبت نفسي عالظهري وفتحت عيوني عالسگف وجريت حسرة طويلة ..
كل يومية أگعد على صوت الطلقات رمي بين قوات الاحتلال وجماعات المسلّحة ومرات القوات الأمنية ، أصوات انخبصت براسي بس وجعها واحد .
باوعت عالساعة جانت بستة الصبح.
گعدت توضّيت وصليت الفجر أخاف إذا عفت الصلاة أعوف وياها آخر شي يربطني بنفسي ..
بدّلت هدومي المدرسة ورتّبت شعري گدام المراية .
گدام الناس أني طالبة عادية…
أضحك بوگت الضحك وأسكت بوگت السكوت وأعرف شلون أوزن كلماتي حتى ما تفضحني .
بس بگلبي فراغ چبير …
فراغ .. مو حفرة حتى ينردم ولا جرح حتى يلتئم .
مثل فد غرفة ظلمة انسد بابها من زمان وكلما أحاول أفوتلها أضيع بالزايد .
هذا مو حزن وبس ..
هذا تعب مزمن ثِگل بالصدر ووجع ماله اسم.
أيام أحس نفسي عايشة بنص جسمي والنص الثاني عفته بمكان ثاني وگف يم لحظة وحدة وما تحرّك وراها .
1
أفكاري تلتف عليّ وتلح بأسئلة مالها جواب:
– لعد ليش عايشة لحد هسة ؟
بس بنفس الوگت تعودت على هالفراغ .
صار جزء مني مثل ، فد مرض صامت ما يبيّن للناس بس ينهش بيا شويه شويه ويمكن أخطر شي بيّة ؟ هو إني صرت أعرفه وأتعايش وياه ..
طلعت من الغرفة .. صرت أدّور على أبويه ما شفته ، مبين ما رجع للبيت البارحة.
أفتريت بالغرف وحدة وحدة مو لأن دا أدور عليه بس لأن رجلي تعودت تمشي تدور عليه چنت أفتر مثل جثّة تمشي بلا روح مثل حياطين البيت باردة وقاسية .
البيت بلا أبو يشبه صدر بلا نَفَس ماكو صوت وماكو حضور .
نسيت شلون يكون إحساس الدفو ،دفو العيلة وإحساس اللمّة .
مو فد شغلات چبيرة .. هي سوالف بسيطة مثل صوت مفتاح بالباب أو واحد يسألچ : رجعتي؟ إجيتي ..
هالشغلات الصغيرة هي اللي تنطي الواحد قيمته تخلي يحس إنه مو وحده بهالدنيا .
3
لهذا ..
تعودت أگعد وحدي آكل وحدي وكبرت وحدي …
انتظرت لحد ما صار وگت الدوام طلعت من البيت وبعد ما مشيت خطوتين التفت وراية من سمعت صوت إيناس:
— جُومانا …
– شبيچ تصيحين من الصبح؟!
— وگفي دقيقة .
گالتها ورجعت فاتت للبيت وشوية طلعت وهي تلبس چنطتها حچت : لعد ليش ما دگيتي الباب ؟
– حسبالي مثل كل مرة أمچ ما راح تقبل تجين للمدرسة علمود صوت الرمي الصارت الصبح .
إيناس : صح بالبداية ما رضت بس من لحيت عليها انجبرت وقبلت لأن لازم نخلص المناهج وإحنا لسه كلشي ما ماخذين ، كل يومين لو عطلة لو منع تجوال .
صرنا نمشي بالطريق مسافة .. فجأة وگفت بمكاني لمن طاحت عيني على دبابة أمريكية .
أكرههم … وأكره كل واحد لابس زي عسكري أو ينتمي لهالسلك .
تسمرت بمكاني ..
نزل واحد منهم من الدبابة وعدّل سلاحه ع چتفه حسّ بية من جنت أباوعله .. لهذا ثبت عيونه بعيني هو جان ملثم ولابس خوذة بس عيونه مبينة .
ضل يباوعلي بتمعّن وأني هم ما نزلت عيني ولا كسرتها ..
گلبي دگ بسرعة ونفسي مخنوگ بس الكره جان أقوى من الخوف .
قبضت إيدي بقوة لدرجة حسّيت أظافري نبتت بلحمي .. لو بس عندي القوة چنت أمسحهم من وجه الأرض .
تقرّب خطوة وبنفس اللحظة انتبهت عالنفسي من إيناس سحبتني من إيدي وجرتني وياها لحد ما عبرنا الشارع .
گال بنبرة مخبوطة بين العصبية والخوف :
— ولچ والله بالله راح تجيبين أجلنا !
غلست على حچيها…
أحس نار شاعلة بصدري ..
أكرهم هالكره ما إجه فجأة انولد بگلبي بليلة ظلمة ، ليلة ما بيها ولا ذرة رحمة .
چنت طفلة سبع سنين .. أرجف أترجّى، أبچي ..
گلت: يا رب ساعدني…
بس ما إجاني الجواب ولا أحد سمع بچيي ولا صوتي .
من ذاك اليوم…
انكسر فد شي بية وما رجع .. صرت أؤمن إنو الدعاء بعد ما يفيد وإنو رب العالمين يمكن بعد ما راح يباوعلي أبد ولا يريد يساعدني ..
2
ومن وگتها ..
ما شفت شي غير الدم گدام عيوني وما حفظت غير لونه وما فهمت غير معنى واحد ” الموت “
الموت هو الشي الوحيد اللي چان صادق وياية .
إحنا انخلقنا بس حتى نموت والباقي جذبة نتعلّم نعيش بيها لحد ما يجي دورنا .
أول ما عبرنا الشارع .. چنت شارده بأفكاري گعدت على صوتها :
— بس إن شاء الله ما يصير شي ويأجّلون المدرسة هالسنة …
رديت ببرود:
– بعد أكثر من هذا شتريدين يصير؟
وما چنت أدري إنو ورا هالجملة اللي گلتها ..
العيشة اللي جنت عايشتها جانت أهون بألف مرة من اللي جان ينتظرني .
1
إيناس : بس الله يستر ..
قربنا من المدرسة رجعت شفت سياراتهم بهاللحظة صدى صوت أبويه رجع يدوّي براسي :
— انتبهي … ما الهم أمان هذوله هم الإرهاب الحقيقيين هذوله اللي سلبوا حياتنا منّا وكل واحد لابس هالزي اعرفي إنّه هو الحرامي الحقيقي .
جريت حسرة طويلة ودخلنا المدرسة ..
أول ثلاث دروس فضت طبيعي بس جنت صافنة بأفكاري طول الوقت وما مركزة بشي .
فجأة .. المكان كله انگلب صوت قوي دوّى ، حسّيت الطنين فات بأذني دفعة وحدة ، فد صوت عالي خلاني ما أميز شي گبالي ..
كلشي حواليّ اهتز عبالك زلزال .. الأرض أهتزّت ويا الصوت .
ثواني وما أدري شنو الصار بالضبط بس بقى ذاك الطنين بأذني يوجع راسي حسّيت نفسي ضايعة مو مستوعبة وين أني ولا شنو دا يصير ؟
ورا شوية صحيت على روحي ولگيت نفسي مكورة جسمي جوّه الرحلة بدون ما أحس شلون وصلت لهالحالة.
إيدي الاثنين حاطتهم على أذني ضاغطة بقوة عبالك دا أحاول أحمي نفسي من شي أكبر . جنت أتنفس بصعوبة وگلبي دا يدك بسرعة .
كلشي صار بلحظة، بس أثرها ظل لأن هذا مو مجرد صوت… هذا انفجار ..
مرة لخ انفجرت عبوة ناسفة قريبة من المكان.
هالمرة من شدّة قربها كل الحياطين اهتزّت والجام كله تكسرّ .
ولأني چنت گاعدة من جهة الحايط ما تأذيت بالگزاز ..
بس البنات… أصواتهن بدة تعلى وحدة تصيح من الوجع ووحدة تبچي وهي واگعة وكل ثانية تمر الأصوات تزيد بالزايد .
المكان نگلب فوضى كل وحدة بحالها الكل يصيح ويريد بس يگوم يركض يطلع من الصف وكل وحدة صارت بس تفكر بنفسها بهاللحظة .
إلا أني .. چنت ساكتة ومكورة نفسي جوة الرحلة ، بس أضم بجسمي وأحاول أستوعب اللي دا يصير .
ما فات خمس دقايق وبدينا نسمع صوات الرمى ، اشتباك بين الاحتلال و المسلحين بهاللحظة صياح البنات صار أعلى والخوف صار أثگل بگلبي ..
چنت أشوفهن يطلعن من الصف وحدة ورا الثانية وأني ضليت بمكاني بلا أي حركة ، ما أدري شدا يصير ؟
بهاللحظة شهگت شهگة عالية وإذا بإيد قوية تمتد إليّ لزمتني من زندي بقوة ورفعتني من جوه الرحلة وگفتني على حيلي وأني بعدني مو مستوعبة ؟
توسّعت عيوني على الشخص .. مو مصدّكة هو جاي لهنا بهالوگت ! ظل واكف كبالي لحظة يتأمّلني ووجهه شاحب.
مد إيده بسرعة كأنه مستعجل وخايف ..
وعينه تدور بوجهي مدّ إيده بشعري من فوگ راسي، ويتفحّص بفروة راسي يدور على دم أو جرح ..
قرّب أكثر مني وحط وجهي بين إيديه لفه شويّة لليمنة ولليسرى يتأكد ما صايرلي شي ..
أباوعله بلا أي حركة .. ما أگدر أتحرك ولا أگدر أحچي
، بعدها نزلت إيده على چتافي ، سحبها على ظهري ومرّرها ع طول ظهري يشوف إذا أكو جرح ..
إيده وصلت لبطني و أول ما نزلت لفخذي بهاللحظة كأنّو رأسي صحى وجسمي انتفض وبكل قوة العندي دفعت إيده لورا .
صرخت بوجهه ودا أضربه على وجهه وجتفه إيدي وجعتني من ملابسه العسكرية الثخينة والدرع اللابسه بس ما حسّيت بالوجع بگد ما حسّيت بالغضب الي بگلبي .
– عـوفني .. شجاي تسويه؟
طلعت صوتي بصعوبة وأرجف من الموقف ..
باوعلي بنظرة باردة كأنه مو مهتم لشي ولا شايف الخراب اللي حوالينه هالبرود هو اللي خوّفني أكثر .
دار بعينه يدور على شي وبلمح البصر شال جنطتي .
توسّعت عيوني وگلت بگلبي :
– شلون عرفها؟ شلون ميّزها من بين الكل ؟
3
ما خلّاني أصفن هوايه لأن بإيده الثانية لزمني من زندي، عصره بقوة بس كتمت الوجع بگلبي أدري هو قاصد يوجعني بهالطريقة .
3
وصار يجرّني وياه بسرعة ..
طلعنا من الصف وإحنا نمشي بالممر حسّيت نفسي دخلت بغير عالم .. صوت البچي والصياح تارس المكان، أصوات عالية مخبوطة وحدة تصيح وحدة تبچي .
أباوع لليمنة ولليسرى … طالبات دمهن ينزف من راسهن وحدة لزمة گصتها والدم ينكط من بين أصابعها وحدة واگعة بالگاع .
أكو اللي تستنجد وأكو اللي وجهها كله دم وملامحها ما تنعرف من كثر الغبرة والدم وهدومهن ما تعرفين دمهم لو دم غيرهم .
چنت أباوعلهم بملامح جامدة إحساسي فارغة تمامًا، فد فراغ مو طبيعي لا وجع ولا خوف ولا صدمة ولا حتى رغبة إليّة أهچ .
جنت أدري ديصير شي غلط بس ماكو أي ردّة فعل.
چنت أباوع عالدم عالواگعين على إللي يستنجدون…
حتى الخوف ما چنت أحسه بس هذا الخَدَر الثقيل اللي أعرفه كلش زين … الخَدَر اللي يطلع فجأة ويخلّيني أعيش بلا روح لحد ما هو يقرر يروح چنت موجودة جسد ، بس نفسيًا؟
منفصلة وغايبة عن الدنيا وعبالك هالشي مو أول مرة يصير إليّ .
طلعنا لبرا…
أهالي البيوت القريبة من المدرسة اجوا يركضون وأني جنت أحاول أفلّت نفسي من إيده بس ما كدرت ..
فتح باب سيارته العسكرية چنت أريد أطفر منه بس ما لحگت
دفعني جوّه السيارة وسدّ الباب بوجهي بقوة .
أوّل ما صعد طلع سريع وعدّلت گعدتي من سياقته المتهورة .
حسّيت نفسي راح أنفجر من القهر والعصبية ..
بهاللحظة لزم حنچي بقوة وعصره بين إيديه وصوته طلع أمر :
— تنفّسي ..
2
جنت حاطة چنطتي على صدري وحاضنتها وكاتمة نفسي ردت أخنگ روحي وأموت من القهر ..
من شافني ما دا أجر نَفَس عصر حنچي بقوة أكبر، هالمرة حسّيت عظامي تكسرت من الوجع ما تحمّلت، صرخت وجريت نفس طويل وبنفس اللحظة ضربني راشدي على وجهي وهو يگول :
— هالحركات السخيفة بعد لا تسويهن كدامي .
15
بعدها لزمني من ربطة شعري وسحب راسي ليورة بعنف حسيت راح يشلع شعري .. جنت كاتمة وجعي أصك على سنوني حتى ما أطلع صوت ، بس هو ما رحمني . فجأة سحب راسي ليكدام وإيده بعدها بشعري وصوته طلع بنبرة تخوّف :
— وين حجابچ بله ؟ شنو هالشعر الطالع ؟
9
گالها وقرب وجهه منّي أكثر :
— والله قَسماً بالله المرة الثانية إذا أشوفچ بلاياها لأخلّيچ عِبرة لمن اعتبر گدام الكل ..
دفع راسي ليوره بقوة هالمرة ما تحمّلت .. صرخت بصوت عالي من الوجع .
گمت أضربه على جتفه ردت أوجّعه ولو شويّة مثل ما وجعني
بس جان مثل الحايط ولا عبالك حسّ أو اهتم حتى بنص نظرة .
بديت أسبّه بأي شي يجي على لساني وهو ساكت ولا معبرني .
لمن وصلني لراس فرعنا وگف السيارة بدون ما يحچي أو يلتفت عليَّ ظلّ ينتظرني أنزل .
لزمت جنطتي قبل لا أفتح الباب انداريت عليه.. باوعتله نظرة أخيرة وگتله بهدوء :
— ديربالك تموت .. حافظ على روحك .
5
باوعلي بنظراته الباردة ينتظرني أكمل .. ما نزلت عيني منه وگلت كل كلمة محسوبة :
– لأن موتك راح يكون على إيدي … أني اللي راح أطلع روحك .
28
گتله هيچ وبقيت أنتظر يرد عليّ بس ما نطق بحرف ..
شدّيت على چنطتي ونزَلت من السيارة وبكل القوة اللي بقت بيّه رگعت الباب بوجهه بعد ما رجعت خطوة ليوره شخط السيارة وراح بسرعة ومن العصبية تفلت وراه .. همست بقهر :
— والله لأخلّيك تشتهي الموت .
5
ما چنت أدري بهالحچي مو بس شيّعت جنازته ..
أني حفرت قبره بإيدي وخليته واگف على حافته لا خليته يموت ولا خليته يعيش علّگته بنص الطريق حتى يتعذّب بكل نَفَس يأخذه وكل دگة گلب يدگها .
5
ولو أظل أترجّى منه المغفرة طول عمري ما راح تمسح اللي سويته لأن بعض الذنوب ما تنغفر .. تنكتب عالروح وتصير صوت ما يسكت .
راح تعرفون شنو خذيت منه غير العمر والأمان وراح تعرفون شنو سويت بهالإيدين إللي تلطخت بالدم خلّيته لليوم عايش بوجع ماله علاج ولا يعرف شنو الراحه .
21
رجعت للبيت وأحس وجع جسمي دا يطلع بية شويّة شويّة،
كأنو الوجع جان نايم وهسه گام يتذكّرني ..
الانفجار وگعني جوّه الرحلة والمشاهد دا ترجع براسي
متگطّعة الاصوات … الغبرة … الدم …
دورت ع أبويه بالبيت وما لگيته بعده ما راجع ..
بدّلت هدومي ورحت أشوف الماي بلكي حار ، كالعادة … باردة مبين الوطنية بعده ما جاية ..
طلعت قوري الماي الچبير ترسته وحطيته عالطباخ حتى يحمى وأسبح بلكي أرتاح شويه من هالوجع .
طلعت للحوش من سمعت صوت الباب وأول ما فتحته إيناس اندفعت عليّ لزمتني من إيديّه الاثنين بعدها بهدوم المدرسة ومبينة توّها واصلة نَفَسها مگطوع وعيونها مليانة فزع گالت وهي تضغط على إيدي ، صوتها يرجف :
— ولججججج متت من الخوف عليچ! دورت عليچ بالمدرسة كلها وما لگيتچ .. شلون تطلعين وحدچ وما تكوليلـي؟
– ما رجعت وحدي .
إيناس شدّت إيدي أكثر :
— لعد أبوچ رجّعچ؟
هزّيت راسي ..
– لا.
إيناس :
— لعد شلون جيتي؟ المدرسة مگلوبة گلب ؟
بلعت ريگي الكلام طلعت من حلگي عبالك جرح :
— الخاين والحقير .. ذاك الجاسوس رجّعني .
توسّعت عيونها لأن عرفت منو أقصده بدون ما أكمّل ، كملت عني : ابن عمـچ ؟
23
– إي… هو اللي ما يتسمّى .
جانت تريد تحچي هواي وتسألني بس ما لحگت.
أمها صاحت عليها حتى تفوت للبيت بسرعة ترخّصت منّي :
— على غير وگت نكمّل حچينا .
رجعت سديت الباب وفتّت لجوه خذيت هدومي ورحت للحمام،
رجعت أخذت الماي سبحت وخلصت طلعت أدور على شي آكله،
ما لگيت شي ، جبت شويّة تمن وسويته وسويت زلاطة وياها ..
أول ما صبيته حتى آكل .. انفتح الباب ودخل أبويه بسرعة گمت وگفت كدامه ..
سألته بسرعة :
– هاي وين چنت من البارحة؟ مو مبين ؟
ردّ بهدوء متعب :
— چنت بغير محافظة عد واحد من ربعي وصار منع تجوال واليوم الصبح يلا انفتح الطريق .
حچيت بغَصة :
– بس أني وحدي بالبيت شلون تعوفني هيچ وحدي ؟ ما تخاف عليّ ؟
باوعلي من فوگ ليجوه بنظرة ما مفهومة وردّ ببرود :
— بعدچ عايشة .
37
كالها وعبرني ولا عبالك جنت على حافة الموت لو أني وحدي بالبيت .. دخل لغرفته وسدّ الباب وراه .
گعدت بمكاني أخذت خاشوكة تمن وحطّيتها بحلگي وبنفس الوگت نزلت دموعي وياها والغصّة وگفت ببلعومي لا گدرت أبلع ولا گدرت أبچي بصوت بس حسّيت شي جوّه صدري يخنگني .
2
ورا شويّة طلع مبدّل هدومه إجه گعد گمت جبتله ماعون وخاشوكة أول لگمة حطّها بحلگه گتله :
– اليوم صار انفجار قريب من مدرستنا .
ضلّ ياكل بلا ما يرفع راسه ولا تغيّر شي بملامحه ، كمّلت :
– هوايه طالبات تأذّن .
بقى على حاله هالبرود وجعني أكثر من أي كلمة لا سأل عنّي ولا شصار بية كأنّي مو موجودة ..
على عناد گلته :
– ابن أخوك هو اللي وصلني .
بس نطقت هالحچي ذبّ الخاشوكة من إيده قبل ما ألحگ أستوعب هجم عليّ سحلني من شعري بقوّة وخلى راسي يرجع ليورة وهو يصرخ بوجهي :
— أنــي مــو نبهتچ ما تحچين وياهم؟!
إيدي على إيده حتى أخلّيه يعوف شعري. حچيت بين وجعي،
صوتي متگطع :
— والله … ولله هو غصبني أصعد بالسيارة .
ما سمعني ولا راد يسمع وكلماته نزلت عبالك سچين بصدري :
— تموتين نفسچ ولا تذلّين روحچ وتصعدين وياهم!
كالها ودفعني عالكاونتر ، بلكوة لزمت نفسي حتى ما أوگع ..
حچيت :
– حاولت والله العظيم حاولت بس هو ما أنطاني مجال .
بهالحچي رفع إيده يريد يضربني راشدي ، غريزياً رفعت إيديّ الاثنين كدام وجهي أحمي نفسي .. بس ما ضرب وگف .. و رجع خطوة ليوره .
گال بنبرة مليانة غصّة ووجع سنين مكتومة جواته:
— همه … همه اللي هجموا بيتنا همه اللي موتوا أمچ همه اللي خلّوچ تصيرين بلا أم ..
7
سكت لحظة وكمل وصدره يصعد وينزل جان يتنفس بصعوبة :
— همه سبب دمار حياتنا .. لهذا أحذرچ تتقربين منهم إذا شفتيهم شردي بعيد .
گعدت بالگاع وگمت أبچي لأن كل كلمة كالها حقيقة… همّه الحرموني من أمي ، كمّل يحچي :
— لا تنغشّين بأي واحد لابس هالبدلة لا عبالج أمان تره همه الإرهاب وهمه دمار هالبلد لا تثقين بيهم، همه السبب بكل شي صار من أصغرهم لأكبرهم كلهم مجرمين وخونه ، يحچون بالشرف ومن ورا ينتهكون الشرف يحچون بالأمن وبالخفايا همه سبب الخراب يحچون بالمرجله بس والله ما بيهم نفر شريف .
9
حچيت وگلامي يطلع متقطّعة :
– والله… والله ما نسيت العهد و راح أضَل ثابتة عليه وإذا صارتلي الفرصة أهدم حياتهم فوگ بعض ما أقصر ..
بس اليوم… من صار الانفجار… هو لزمني وغصبني أستقوى عليّ حتى أصعد بالسيارة ما كدرت والله ما كدرت لو چنت موجود لو إجيت ، جان ما استرجى يقترب مني .
بسرعة إجه يمي لزم حنچي بكل قوّته غصبني أباوع بعينه ونطق بنبرة تهديد :
– تكتلين نفسچ بذيچ اللحظة ولا تخلينه يتقرّب منچ ولا تخلّينهم يتفضلون عليچ ويساعدوچ منو ما يكون بهالسلك … لا تاخذين أي مساعدة منهم ..
خلي هالوصية بعقلچ مثل العهد .. أوصيچ… إذا بيوم وگفتي گبالهم و ردتي مساعدة ! الموت أهونلچ من تذلين نفسچ بين إيديهم .
– والله أحلفك بالله … هالشي بعد ما يتكرر وإذا تكرر فالموت دربي .
ردّ بقسوة :
— خلي صورة أمچ وهي تموت كدام عيونچ، كل ما تنسين .
10
– ما ناسية .. ولا راح أنسى .
الأب:
— هذا اللي أريده.. أريدچ ما تنسين شي أبد، واعرفي إن كل واحد بهالسلك مجرم بايع شرفه وكرامته.
– أدري بهالشي والله أدري وما يحتاج تذكرني بيه كل يوم.
بس من گلت هالحچي، تركني ومشى خطوتين ليورة، وگف شوية وبعدين رجع مرة لخ وگعد يمي.. سحبني وضمني لحضنه. ضليت متصنمة ما متعودة.. هو نادرًا ما يحضني ومن يسويها أستغرب أحسها فد شي غريب ، هو قاسي إي.. بس بگلبه شايل حمل چبير ووجع ما يعرف شلون يطلعه .
چان يمسح على شعري وحچى بهدوء :
—- أريدچ قوية وأبد لا تضعفين گدام أحد ، لا تخلين بشر يشوف دموعچ وإياچ تشفقين على أحد ولا ترحمين أحد مثل ما محد رحم بيچ أنتِ هم لا ترحمين.. خلي گلبچ ميت وإذا اضطريتي لطخي إيدچ بالدم ولا تباوعين بعين رحمة على أي واحد وخلي هالحچي ببالچ “هالدنيا ما بيها ذرة رحمة ولا تنتظرين شي من أحد”.
7
لفيت إيدي حول ظهره وضميت نفسي إله أكثر. هالحچي مو أول مرة أسمعه.كبرت وهو ينزرع بداخلي كلمة كلمة لحد ما حفظته مثل اسمي كل يوم أعيده بيني وبين نفسي همة عجنوا طينتي بإيدهم وهمة اللي خلوني أطلع بهالشكل اللي أني عليه اليوم .
ورا شوية طلع من المطبخ وراح لغرفته بدون ما يلتفت وأني مكورة نفسي ضميت رجليّة لصدري وحطيت راسي عليهن ..
رجعتلي مشاهد ذاك اليوم قبل عشر سنين..
شخص لابس زي عسكري.. حسبته الأمان ، عبالي رحمة نازلة من السما بس طلع شيطان. شوية شوية چان يسحب روح أمي گدام عيوني مو دفعة وحدة.. لا، على أقل من مهله وأمي تباوعلي عيونها مفتوحة عالوسع نظرتها جانت تصيح باسمي .
ذاك الزي بعده محفور بعيني وذيچ العيون بعدها تلاحگني بكل ليلة. من ذاك اليوم عرفت “الأمان چان جذبة والشيطان چان لابس زي عسكري”
4
لا.. مو أني اللي أنسى ذاك اليوم.
مو أني اللي أنسى شلون حرموني من أمي مو أني اللي أنسى شلون عشت كل هالسنين بدونها وشلون تعذبت.. لاااا.. ما أنسى ذاك الزي. من ذاك اليوم أي واحد يلبسه يرجعلي نفس المشاهد نفس الصوت، نفس الرعب نفس العيون .
وراها بيومين رجعت للمدرسة. أغلب البنات بعدهن ما داومن، منهن من الخوف ومنهن بسبب الإصابات، لهذا صرنا ناخذ بس ثلاث دروس ونطلع من وقت.
رجعت للبيت، جسمي ثگيل ما أدري شبية . أول ما بدلت هدومي ذبيت روحي بالفراش ونمت.
على جية المغرب گعدت سويت عشا وصحت لأبوية. تعشينا سوة وكالعادة رجع ينبهني أهتم بدراستي وبنفسي. حسيت يمكن راح يطلع من البيت، فگتله :
– اليوم راح تطلع؟
الأب:
— لا… ما راح أطلع.
بس گالها ارتحت.
خلصت مواعين العشا انطفت الكهرباء، علگت اللمبة وگعدت أدرس لحد ما تعبت. فرشت فراشي بالصالة، لأنها قريبة من غرفة أبوية حتى لو هو مو بالبيت، أتخيل وية نفسي إنه نايم بالغرفة.. بهالطريقة أحس بالأمان.
صح.. ما يحچي وياي هوايه وأغلب المرات عصبي، بس مرات من أكون نايمة أحس بيه يجي يم راسي، يمسح على شعري ودايمًا يحرص إنو أغراضي كاملة وما ينقصني أي شي.
حتى الشغلات اللي تخص البنات.. چان مهتم بيها بدون ما يحچي ولا يبيّن .
5
أذكر أول مرة تجيني الدورة.. چنت ما فاهمة شي ولا أدري شديصير چنت جاهلة بكل شي عبالي راح أموت وأني أشوف الدم ينزل مني چنت مرعوبة..
ضليت أبچي وخايفة ومخبوصة. رحت لأبوية وأني أبچي وأگله : “راح أموت.. الدم دينزل مني”
5
بالبداية انصدم شفت الصدمة بوجهه واضحة. بس بسرعة افتهم وحاول يحچي ما عرف شلون يشرحلي، بس ظل يهديني ويگول:
— ما بيچ شي… هذا شي طبيعي لا تخافين.
رجع گالي : فوتي للحمام وانتظريني ..
ورا شوية، شفت عمتي دخلت عليّ بالحمام. من وجهها مبين إنه هو حچالها كل شي وهي اللي سبحتني وفهمتني كل شي يخص العادة وبدون ما تخوفني. بهاللحظة فهمت.. هو يمكن ما يعرف يعبر عن حبه بالكلمات بس يعرف شلون يحميني ويخليني مرتاحة.
ومن ذاك اليوم، كل شهر هو يشتريلي أغراضي وحتى هدومي بنفسه بدون ما أطلب وكل أسبوع يخلي مصروفي جوه مخدتي لأن أغلب المرات ما يرجع للبيت ومن جان ما يرجع چنت أروح لبيت عمتي القريبة علينا بس من صرت بصف رابع إعدادي بطلت أروح .. لأن حتى رجلها ووِلدها صاروا من السلك العسكري وصرت أكرهم همَّ هماتين .
3
چنت أتلوى بفراشي أحس نفسي مخنوگة..
غمضت عيوني وطلعت صورة أمي گدامي وهي گاعدة تعلمني شلون أصلي.. بعمر ست سنين بدت تحفظني الآيات وتعيدهن عليّ وتگول: من تخلصين صلاتچ.. ادعي بأي شي يجي ببالچ والله يحققه لچ .
بس هي ما چانت تدري إنها غلطانة… إي غلطت.. لأن مو كل شي نريده يصير.
بذاك اليوم دعيت من كل گلبي: يا رب ساعدني لا تاخذ أمي مني .. بس ما ساعدني ولا سمعني .
من ذاك اليوم أيقنت إن ماكو شي يتحقق بالدعاء، يا ناخذ الحاجة بالگوة يا نخليها تروح من حالها…
11
بلكوة نمت… ما أدري شگد مر وكت بس حسيت بفد شي بارد يطخ خدي. چنت بين الوعي واللاوعي أحاول أفتح عيوني.. مرة لخ حسيت شي لمس خدي هالمرة فزيت وفتحت عيوني عالوسع.
چانت ظلمة بس شفت فوگ راسي خيال طويل.. بإيده سلاح يضرب بخفة على خدي يريد يگعدني. قبل لا أستوعب شي وگع گلبي بين رجلية من سمعت صوت أبوية.. يصيح من الوجع عبالك واحد واگع عليه ودا يضربه .
كل شي صار بنفس الثانية… السلاح على خدي، صرخة أبوية والظلمة. حسيت روحي تنسحب مني. بلا وعي فزيت من مكاني نار بگلبي ، سبقت عقلي ردت أركض لغرفته وأصيح عليه بس قبل ما أوصل للباب، حسيت بإيد قوية لزمتني من زندي تعصره وتسحبني ليورة.
حاولت أفلّت وصوت أبوية من جوة الغرفة يتلوى بالوجع.. وأني أصيح بأعلى صوتي عليه ومن جهة ثانية أضرب بهذا الماسك زندي أحاول أخلص نفسي منه بأي طريقة.. أعض، أدفع، أضرب كل شي صار غريزة بذيچ الثانية.
چان جندي أمريكي وهسه يلا عقلي استوعب منو هذولة.. الرهبة والموقف خربطوا الصور بعيني ما عرفت چم واحد بالضبط بس أكيد مو أقل من ستة، وأصوات أجهزتهم تخبص.
2
حسيت رجليّة بعد ما تشيلني كل ما أسمع صوت أبوية وهو يتعذب اسودت الدنيا بعيني ووگعت على ركبي. العسكري بعده لزمني من زندي وأني أبچي وأصرخ على أبوية.. من اليأس رفعت راسي وبنبرة متوسلة صحت:
– يا رب.. يا رب.. بس هالمرة.. بس هالمرة ساعدني، بس هالمرة يا رب، لا تفجعني بأبوية، لا تاخذه مني .
بهاللحظة حسيت الدنيا كلها سكتت ، لـمن دوّى بالبيت صوت ثلاث طلقات ورا بعض. حسيتهم انغرزوا بگلبي قبل لا يوصلون لسمعي.
3
صرت أتنفس بثگل.. من شافني الجندي ما دا أتحرك، ترك إيدي ومشى صوب الغرفة.. گمت أزحف بالگاع، لحد ما وصلت گدام الباب… ومن بين رجليهم شفت أبوية..
بهاللحظة وگف الزمن.. ذاك المنظر ضل معلگ براسي مو يوم ولا شهر ظل معلگ لليوم.. وراح يظل محفور لحد آخر نفس بية وبأبشع صورة ممكن إنسان يشوفها. بهاللحظة عرفت إن الحرب ما تاخذ ناس بس ، الحرب تاخذ كل شي ، تاخذ الصوت والحركة والروح شوية شوية.
جثة أبوية چانت ممدودة بنص الغرفة غارگ بدمه.. عيونه مفتوحة عالوسع كأنه يريد يحچي بس ما لحگ، أو يمكن ينتظرني..
13
ما گدرت أتحرك ولا أنفاسي چانت تطلع مضبوطة، عيوني بعينه ثابتة أگول يمكن هسه يرمش.. هسه يحرك عيونه ، شفايفي تتحرك بس الحچي ما يطلع، انتظرته دقيقة دقيقتين.. بس ما صار أي شي. من لحظتها بعد ما عرفت شصار.
1
.
.
.
من ذاك اليوم .. هالحياة ما ردتها ولا رايدة أگضيها.
أعيش وأني نص واعية ونص فاقدة أفتح عيوني الدنيا گدامي مغوشة الوجوه ما بيها ملامح والأصوات بعيدة.. أرجع أغمض بسرعة بلكي تطلع هالروح من صدري وأخلص.
ردت أرتاح من هالوجع اللي چلب بگلبي من شفت أبوية ينكتل گدام عيني وأني ما سويت شي غير الصياح.. اللي أعرفه إنو ما ضل شي يشبهني.
6
ما أذكر بالضبط شگد ضليت بهالحالة… ثلاثة أيام؟ يمكن أكثر. محبوسة بغرفة صغيرة، بيها سدية مستشفى وكلشي أبيض ومشكلين بيدي الكانونة.
كل مرة أحاول أگعد، ترجع ذاكرتي لذيچ الليلة بكل ثگلها وأرجع أهستر وأصيح بصوت عالي.. وأحس معدتي راح تنفجر من الوجع وأتقيأ وما يطلع غير المي اللي شربته.
دايخة طول الوقت ما بية حيل حتى أرفع راسي. أحاول أگعد بمكاني تفوت الممرضة تضربني إبرة وأرجع أتمدد بفراشي.. ما تطلع مني ولا حركة كأني جسم بلا روح حتى دمعة وحدة ما تنزل.
الحياة بوگتها ما أخذت روحي.. فهمت إني إذا ما متت بهالظروف، يعني هالروح العنيدة اللي بية راح تضل محبوسة بهالجسد لعمر طويل .
ما أدري چم يوم مرت وأني بهالحالة الوكت يمر وأني ما أحس بيه. باليوم اللي صرت بيه شوية أحسن، حولوني لغرفة ثانية.. چانت غرفة تحقيقات. هنا عرفت إني صرت بين إيدين قوات الاحتلال وهمة بذيچ الليلة أخذوني وياهم.
چنت وحدي بالغرفة ما عندي حيل أوگف على رجليّة.. تمددت بالگاع وضميت رجليّة لصدري وحضنت نفسي، وگمت أبچي..
ردت أبچي قبل لا يفوت أحد ويشوفني ضعيفة أكثر. بهاللحظة عرفت إني وحدي وما ضل لي أحد بهالدنيا غير نفسي.
كأنهم قاصدين يخلوني هنا ومحد يفوت عندي ، كأنهم يريدوني أتخبل بروحي ، الوحدة موتتني وحتى الهوا خنگني خنگ ..
2
چنت عطشانة هواية وميتة من الجوع أحس صارلي دهر ما ماكلة شي.
فزيت من صفنتي من انفتح الباب فاتت عسكرية أمريكية.. إجت لزمتني وتگعدني ، ضربتها على إيدها حتى تبتعد وما تلمسني بس ما چان عندي حيل. رجعت لزمتني من زندي بقوة ورفعتني وگعدتني ع الكرسي گبال الميز ومدت إيدها تنطيني بطل مي .
بللت شفتي چنت ميتة عطش وأريد أخلصه للبطل كله، بس شي بگلبي كسرني ومنعني.. لا، مستحيل أشرب من إيدهم لو أموت جوع وعطش ولا آخذ منهم شربة مي.
رفعت راسي باوعتلها چانت بشرتها بيضة وشعرها أصفر وعيونها خضر الصراحة أول مرة أشوف وحدة بهيچ مواصفات گدامي چانت كلش حلوة بس ملامحها جامدة وباردة.
وراها فات عسكري، مبين عليه ضابط بشرته سودة وطوله وضخامته تخوف ودخل وياه واحد ثاني مبين أستاذ جامعي ملامحه عربية.. گعدوا گبالي، والضابط بالبداية حچى وية البنية بالإنجليزي.
چنت أباوعلهم وما فاهمة شي.. كل ثانية تمر المشهد يتوضح گدامي أكثر. شلون وگعت هالوگعة؟ عقلي لسه يرفض يستوعب إني هسه بغرفة استجواب أمريكية ومن جهة ثانية الموت حيكون مصيري.
دوم چنت أتمنى الموت بس ما أدري ليش هسه من حسيت روحي قريبة منه.. خفت ؟
بهاللحظة انفتحت عليّ بواب جهنم دفعة وحدة وما چنت أدري إن اللي ديصير وياي هو بس البداية.. بداية لأشياء أفضع من كل شي خطر ببالي.
بلعت ريگي بالگوة وأمسح عرق گصتي من شدة الخوف والرهبة ، أول مرة بحياتي أشوف عسكر گدامي بهالقرب فشلون إذا اللي گدامي ضباط أمريكان؟
من چنت أشوف دباباتهم بالشارع چنت أموت منهم .. وهسه؟ همة گاعدين گبالي يباوعون عليّ بنظرة تمعن وتفحص ، چنت أرجف مو بس جسمي ، أحس حتى عظامي جوة جلدي ترجف من الخوف ، كلمة “خوف” ؟ فعلاً قليلة كلش عالموقف اللي چنت بيه .
أصلاً ما أدري ليش لسه أني عايشة ولا ليش ما فقدت وعيي بس الشي الوحيد اللي ضليت متمسكة بيه.. هو الدعاء. إي.. چنت أدعي بگلبي “إنو الله ياخذ روحي بهالثانية” بس بنفس الوقت .. أدري إنو هالشي ما راح يتحقق .
رفعت راسي وعيوني مغوشة من الدموع على صوت واحد منهم نطق بالإنجليزي صوته خشن يضرب بأعصابي.. كلشي ما فهمت منه رجعت باوعت عالمترجم اللي گاعد يمنا مسحت دموعي بإيد ترجف، لما گال:
— أحچي كل شي بالتفصيل حتى ما تشوفين طرق ثانية للتعذيب.
شهگت من الخوف وكلامه يتردد براسي “طرق ثانية للتعذيب”؟! يعني أكثر من هذا شراح يسوون بية؟
جفلت بمكاني على صوت ضربة قوية نزلت عالميز، چان الضابط الأمريكي يأمر المترجم يكمل وياي الاستجواب.. المترجم بحدة:
— أحچي ولا تظلين ساكتة ابدي بأسماء ربع أبوچ وبأي وقت چانوا يجمعون بالبيت؟
طلعت صوتي متلعثم وبنبرة متوسلة:
– والله ما أعرف شي والله والله العظيم بشنو تريد أحلفلك؟ ما أعرف شي.
الضابط تبسم بسخرية.. بهاللحظة فهمت إنه يفتهم عليّ لأن ورا هالحچي هو نطق بالعربي الثقيل. حسيت طبلة أذني راح تنفجر من اللي سمعته وفتحت عيوني عالوسعة من الصدمة والرهبة كل شي حواليّة صار ضباب.. بنبرة باردة وهادئة نطقها:
— عجيب.. والدچ إرهابي وعنده فرقة خاصة وما تعرفين شي؟
4
بديت أتنفس بصعوبة صدري يوجعني وجسمي كله مهدود. رفعت صوتي عليهم وصحت بوجوهم:
– لااا… لااا! چذب! ماكو إرهابي هنا غيركم! أنتم اللي گتلتوه وتريدون تلبسوه تهمة إرهاب! الله ياخذكم… الله ياخذكم يا چلاب.
1
صرخت بآخر كلمة وحسيت صوتي يطلع من حلگي ممزوج بغيض ووجع.. وگفت على طولي بصعوبة ركبي ترجف وكأن كل وزن الدنيا نازل عليّ. حسيت الگاع گامت تفتر بية وكلشي گدامي يغوش شوية شوية السواد أكل المكان.
وبين هالضجيج اللي براسي چنت أشوفهم.. ملامحهم هادئة ولا عبالك صار شي نظراتهم باردة ، ولا حتى رمشة تعاطف يباوعون عليّ كأني فد شي روتيني يصير كل يوم. وأني؟ حسيت راح أنفجر… مو من العصبية بس .. من الظلم.
رجعت فقدت الوعي ومن يومها صارت هاي حالتي.. كل يوم ياخذوني لغرفة التحقيق ومن أشوفهم أهستر، وهم ولا عبالهم يظلون گاعدين بملامح جامدة كأنهم مستمتعين بتعذيبي بهالطريقة.
چنت أفقد عقلي كل ما يگولولي “إن أبوية يشتغل بتهريب السلاح ويتعامل وية فرقة”ولازم أنطي كل أسماء ربع أبوية اللي أعرفهم أو على الأقل أنطيهم العناوين.
بهاليومين عشت جحيم بهالغرفة صح ما چانوا يعذبوني جسدياً ، بس بكلامهم هذا على أبوية چنت أريد أطلع روحهم .
أبوية موظف بسيط شعده وية جماعة مسلحين؟ هو حتى ما عنده ربع هواية وعلاقاته كلش محدودة من البيت للشغل ومن الشغل للبيت.
باليوم الثالث رجعوا دخلوني للغرفة چنت محضرة نفسي لنفس الأسئلة: أبوچ إرهابي؟ ربعه منو؟ العناوين وين؟
چنت أحسهم يعرفون كل شي عن أبوية وربعه بس يريدون يلعبون وياي حرب نفسية وهذا چان هدفهم من البداية.
ولأني چنت بعدني قاصر (تحت السن القانوني)، يمكن لهالسبب ما استعملوا وياي طرق التعذيب الجسدية.. بس النفسية؟ چانت كافية حتى تخليني أتخبل.
أو بالبداية هيچ عبالي.. بس بعدين افتهمت كل شي. (هو) بنفسه خاطر بكلشي علمودي حتى ما تنمد إيد عليّ خاطر بحياته وباع نفسه حتى يخلصني من هنا.
بهاللحظة وگفت بمكاني مصدومة.. لما انفتح الباب دفعة وحدة.. وفات هو.. بخطوات ثابتة وهادئة بس كلها هيبة.
لابس البدلة العسكرية.. ورتبته تلمع تحت الضو، ملامحه جامدة.. بس عيونه؟ چانت تتفحص المكان بثانية لأن ماكو فد تفصيل يفوته.
رجعت ليورة لحد ما لزگ ظهري بالحايط ودموعي نزلت وحدها لأن هسه وگعت وگعة الما بعدها وگعة ، اللي شفته قبل ولا شي گدام اللي راح أشوفه هسه وية هالبني آدم.
طول عمري چنت أطفر منه والهروب رجعني لنقطة الصفر.. بس هالمرة وگعت أسيرة بين إيديه ومن هاللحظة مستحيل أگدر أتحرر منه.
كل شي بدا يتربط ببعضه.. وأني متأكدة إنه ورا سالفة اتهام أبوية وهو السبب الحقيقي بمقتل أبوية.
3
بلعت ريگي وأحس روحي ترجف من الخوف وبصعوبة نطقت أسم هالخاين والجاسوس وهو يباوعلي بملامحه الباردة اللي ما تنعرف هي هدوء لو عصبية: عقيــد ..
8
.
.
.
” ليس عليك أن تكوني لطيفة معي .. لأنك على أي حال ، ستكونين أول ما سأنساه “
” ميليسا دا كوستا “
4
يتبع …


