روايات رومانسية
رواية اشلاء القلوب الفصل العاشر 10 بقلم ندي محمود
رواية اشلاء القلوب الفصل العاشر 10 بقلم ندي محمود
(( أشلاء القلوب ))
_ الفصل العاشر _
فتجد ذلك الشبح الذى يخالطها عقلها عنه امامه لا تستطيع القول عنه سوى انه شبح خاص بأخافتها هى ، لفظت حروف اسمه من بين شفتيها المرتجفة بحروف أيضًا خرجت متقطعة ! :
_ أك..ر ..م
لم يمهلها فرصة لتهيئ قلبها الذى سقط بين قدميها للتو من الخوف حيثُ قبض على رسغها يلصقها به محاوطًا خصرها بذراعه ليحنى رأسه نحو اذنها وهو يتعمد اخراج زفيرًا حارًا يضرب فى أذنها ورقبتها كالثلج ، ساكنة تمامًا بين يديه تجاهد فى إلمام شتات شجاعتها القليلة التى تبعثرت للتو .. أغمضت عيناها بخوف وهى تستمع الى همسه فى اذنها كهمس الرعد :
_ لسا مشوفتيش حاجة من اكرم ياملاك ، هدفعك تمن اللى عملتيه معايا دم ، انا حبيت اوريكى بس أن مفيش حاجة تقدر توقف فى طريق اللى عايزه لا أسيد بتاعك ده ولا ريان وادينى دخلت برغم الحراس اللى قاعدين برا دول وانتى بين ايديا دلوقتى واقدر اعمل اللى انا عايزه فيكى ، بلغى البيه أسيد سلامى وقوليلوا أكرم بيسلم عليك ومتنسيش تقوليلى انه بيقولك دورك جاى وانك مش هتقدر تبعده عنى ولا تحمينى منه مهما عملت لانك زى ماشوفتى انا عامل زى عفريت العلبة اللى بيطلع فجأة وفى اى مكان !!
ابعدها عنها لتستقر نظرة منه عليها ساخرة ثُم يرحل مثلما دخل من النافذة ، لتتمكن هى من التقاط الهواء قليلًا التى حبس داخل رئيتها للحظات أوشك على قتلها ،جثت على الارض وتكورت كالجنين منغمسة مع الرياح العاصفة داخلها لتخرج فى هيئة دموع متتابعة لا تتوقف ………………… !!
***
فتحت عيناها ببطء وعندما سمعت همهمات خفيفة بجانبها ، وثبت جالسة وهى ترمقهم بنظرة مرتعدة لتجد زمردة تهتف بقلق وهى تنهض لتجلس بجوراها :
_ اهدى ياملاك ياحبيبتى ، قوليلنا حصل ايه معاكى
وقع نظرها على أُسيد الذى حدقها بنظرة دافئة بها شئ من الانزعاج ، لم تراه منذ أكثر من ثلاث أشهر بدا لها مختلفًا عن اخر مرة رأته فيها لحيته نموت الضعفين وشعره الاسود الكثيف المنظم كأنه ذهب لمصفف الشعر للتو ، بدا أكثر جذابية ووقار لحيته تلك أظهرت رجولته الطاغية أكثر .. لا يوجد أنكار انها أشتاقت له ولصوته الذى كان يخيفها ، لنبرته الغاضبة منها عندما تتمرد عليه ، لنظرته الدافئة وابتسامته ! …………..
رأته وهو يشير لزمردة بالخروج ليخلوا بها بمفردهم ، توترت فى بداية الامر ولكن تحول ذلك التوتر الى خوف عندما وجدته ينهض ويسير نحو النافذة يحدق بالخارج لثوانٍ تلك الثوانٍ مرت كساعات مشحونة بجو من التوتر ، أحدث صمته أضطرابًا بداخلها وأدركت انه لا يبشر بخير ابدًا حدث ماتوقعت عندما رأته يستدير لها ويصيح بعصبية :
_ على كده لو مكنتش زمردة النهردا قالتلى على موضوع اكرم كنتى هتفضلى لغاية امتى مخبية عنى ؟!
أنزوت نظرها عنه فى أسف فأقترب منها وهو يكمل صياحه منفعلًا ، منظرها يثير جنونه ، عيناها المنتفخة من أثر البكاء والهالات السواء اسفل عيناها من عدم النوم وجهها الذى ذهب بريقه ولمعانه ، حقًا كانت فى حالة مزرية :
_ مش شايفة شكلك ازاى ، واكيد طبعًا مش منتظمة فى علاجك ده اذا كنتى بتاخديه اساسًا ، فهمينى ياملاك وادينى سبب واحد يخليكى تخبى عنى حاجة زى كده لمدة اكتر من تلات شهور لغاية ماتوصل حالتك للمنظر ده ، اتكلمى ومتقعديش ساكتة كده لان سكاتك ده بيعفرتنى اكتر !!
هطلت عبراتها لتقول بصوت مرتعش ونبرة لا تحمل الندم :
_ ولو كانت زمردة مقالتش ليك مكنتش هقولك يا أُسيد لا انت ولا ريان ، كفاية اوى اللى حصلكم بسببى ودلوقتى أكرم بيهددنى وبيقولى انه هيأذيكم وبذات انت ، يعنى انا حتى لو فكرت وحبيت اقول لحد فهيكون ريان مش انت .. انا طبيعى قلقانة وخايفة يعملك حاجة فعلًا اقوم اقولك علشان ازيد الطينة بلة !
قاد خطواته نحوها ليهمس امام وجهها بنظرة ارعبتها :
_ ومنظرك ده عاجبك ده لو الوضع ده كان استمر لاسبوع تانى كنت هلاقيكى ميتة انتى يمكن مش مدركة انك مريضة قلب واقل حاجة بتأثر عليكى ، انتى مجنونة وهتجننينى معاكى ! … ملاك علشان نبقى على نور مع بعض يابنت العمة من هنا ورايح مفيش حاجة تخبيها عنى او عن ريان وبذات انا ، ودلوقتى هتقوليلى كل حاجة حصلت معاكى من البداية بالتفصيل عايزة اسمع منك تانى بالتفصيل نهاية باللى حصل معاكى النهردا ده
ترددت كثيرًا قبل أن تتكلم ولكنه ارغمها على الحديث بنظراته الملتهبة التى لم تعهدها من قبل ، لتبدأ بسرد له كل شئ بأدق التفاصيل من البداية نهاية بقدومه الى المنزل اليوم وتهديده المباشر لها ……….. !
نظراته أزدادت حقدًا وغلً ايعقد وثيقة معه تعلن قدوم الحرب لا محال ، ذلك الوغد يجرؤ على تهديده وتحديه فى انه لن ينجح فى حماية ابنة عمته منه ، من الواضح انه عقد الوثيقة مع الشخص الخطأ أعلن تحديه السخيف امام من سيسحقه هو وتحديه ووثيقته وتهديده .. كانت تراقب وقع كلماتها على وجهه الذى تحول الى شعلة نيران متوهجة .. استحوذ عليه الصمت لدقائق طويلة يفكر فى شئ عجزت عن توقعه حتى فهمست بريبة :
_ ساكت ليه يا أُسيد ؟؟!
هب واقفًا ليجيبها بحزم :
_ قومى خدى دش وفوقى وبعدين جهزى شنطتك وانا شوية كده هاجى اخدك انتى وزمردة
لم يعطيها الفرصة لتتحدث حين وجدته أنصرف من امامها كالبرق ، الى ماذا يخطط ياترىَ ؟ ، ماذا سيفعل ؟ ، بماذا يفكر ؟ ، كلها اسئلة دارت فى حلقة واحدة داخل ذهنها تبحث عن اجابه ، حلقة حلزونية متصلة ببعضها كل الاسئلة تؤدى الى نفس الطريق وهو أنه حتمًا مايفكر به ليس بأمرًا هينًا ….. !!!
***
واقفًا امام المرأة يصفصف شعره مُبتسمًا بجذابية سارح فى ملكوته الخاص ، اقتحمت ذلك الملكوت كالعادة أشجان وهى تدلف له وتهتف مبتسمة بخبث :
_ خير مبسوط كده ليه ؟!
نظر الى انعكاس صورتها فى المرأة وهمس بنبرة هادئة :
_ حرام اتبسط يعنى يا امى ؟؟!!
سارت نحوه وهى تغمغم بنعومة وصوت رقيق يحمل الاهتمام :
_ لا طبعًا وهو انا اطول لما اشوف ابنى مبسوط ، بس مش ناوى تتجوز بقى ياريان انت خلاص بقيت 30 سنة يابنى هتقعد لغاية امتى تانى !
ترك الفرشاة من يده وادار جسده ليكون فى مواجهته وقد لاحت على ثغره إبتسامة ماكرة وهو يتمتم :
_ هتجوز يا امى انا كده كده كنت ناوى لما ارجع القاهرة كمان يومين اظبط الموضوع ده ، بس مظنش أن اللى هتجوزها هتكونى مبسوطة بيها ، او هتوافقوا عليها اساسًا لانها ملاك
رأى الصدمة أحتلت وجهها بعد أن نطق اسمها ، رامقة اياه بصمت وكأنها لا تصدق ماتسمعه اذناها الان ، لم يمهلها الفرصة للافاقة من تلك الصدمة حين القمها بصاعقة أشد منها ! :
_ سواء وافقتوا او رفضتوا فأنا هتجوزها
تسارعت انفاسها وأضطربت نفسها ان أتت تلك الفتاة الى ذلك المنزل ورأتها ستفضح كُل شئ ، فهى تعرف شكلها جيدًا عندما حاولت قتلها ! ………………….
***
كان قد حل المساء واعتم الليل وهى منتظرة قدومه كما قال لها ، اراح تفكيرها المستمر به عندما أتصل بها واجابت عليه بتلهف :
_ ايه يا أُسيد انا من بدرى اوى جاهزة ومستنياك ، ليه اتأخرت كده ؟
اتاها صوته صارم وصلب وهو يقول :
_ انزلى ياملاك انا فى مستنيكى فى العربية تحت بس من غير شنطتك !
ضيقت عيناها واصابتها الحيرة لتجيبه بالموافقة وتترك الهاتف وتهبط له .. صعدت بالسيارة بجوراه مسلطة انظارها عليه بحيرة تطلب منه التحدث بسرعة قبل أن يقتلها الفضول ، فتنفس هو الصعداء ماسحًا على وجهه وهو يزفر بتردد بسيط ومن ثُم طفق يقول بصوته الرجولى القوى :
_ انا فكرت فى الموضوع ده من الصبح وحاولت الاقى حل غيره ملقيتش ، ملاك انا عايز احميكى بأى شكل من الاشكال بجد ومش لاقى طريقة اقدر احميكى بيها وانك تكونى قدام عينى دايمًا غير اننا نتجوز .. القرار يرجعلك طبعًا وافقتى او لا دى حاجة ترجعلك انتى انا عرضت عليكى الحل وانتى عليكى تقررى
ماقاله جعلها تفقد حاسة التكلم ، أنعقدت الالسن وسبحت الافكار فى محيط لا نهاية له ، تركها فى نصفه تنظر من كل أتجاه فلا ترىَ سوى الماء ، سعادتها بطلب الزواج مُحيت فورًا من الخوف الذى تملكها ، خوف من كل شئ دائما تحاول الهروب من تلك العائلة ، تجاهد قدر الامكان أن تكون بعيدة عنهم ببلاد وهو يطلب منها الزواج يعنى هذا انها سترتبط بهم للابد ….. !!
رأت نظراته المترقبة وكأنه ينتظر الاجابة منها فأذا بها تجيبه بسؤال أخر فى ريبة :
_ هو انت بتعمل معايا كده ليه بجد عايزة افهم مش معقول كله ده بسبب وصية عمى اكيد فى حاجة تانى !
هز رأسه بالإيجاب وهو ينظر لها مثبتًا نظره فى عيناها قائلًا بهمس جميل :
_ عايز تعرفى بعمل كده ليه ، لانى بحمل نفسى الذنب فى موت عمتى مقدرتش احافظ على الامانة اللى أمنى بابا عليها ، ضيعت وحدة مش عايز أضيع التانية ياملاك .. يمكن انتى مكنتيش تعرفى مدى حبى لعمتى ازاى يعنى انتى اخر حاجة بقيالى منها وعلشان ابقى صريح معاكى اكتر انتى من زمان ياملاك غالية عندى اوى ويمكن بخاف عليكى اكتر مابخاف على نفسى ، بمعنى أصح انتى مكانتك فى قلبى متختلفش عن مكانة أسمى فى حاجة … عرفتى انا بعمل معاكى كده ليه ، دلوقتى هسيبك تطلعى تفكرى فى الموضوع لغاية بكرة الصبح وهتصل بيكى اعرف قرارك ايه وسلميلى على زمردة !
تواثب قلبها بشدة يطرق طبوله ويعلن الاحتفالات بعد أن بدأ يعتقد انه يعشقها ولكن هيهات فقد انهى حديثه بشئ يوضح مكانتها بوضوح ! … اماءت بهدوء فى خجل جلى بعد أن توردت وجنتيها وترجلت من السيارة فورًا لتسرع فى خطاها الى المنزل فى أرتباك ……………..
***
دخلت غرفتها وأغلقت الباب لتجيب على المتصل بضيق :
_ ايوة يا أسلام عايز ايه ؟
وصل لهدفه الاول عندما استجابت لاتصاله المُلح ليجيبها بعشق مزيف ولكنه أستطاع تمثيله بمهارة لاوقاعها فى شبكاه كالفريسة الخرقاء :
_ انا مش عارف هما قالولك ايه خلوكى كده وبذات ابن عمك ده ! ، بس اللى عايزك تعرفيه أن انا فعلًا بحبك ياسارة وانتى عارفة كده وصدقينى بعمل كل مابوسعى علشان لما اجى اتقدملك اهلك يلاقونى مناسب ليكى ويقبلونى
بجفاء تام وغضب :
_ لو بتحبنى بجد اثبتلى ده يا اسلام تعالى واتقدملى انت ايه عرفك يمكن يقبلوك ، ولغاية ماتاجى وتتقدملى ملناش كلام مع بعض !!
بألحاح شديد فى لؤم دفين أردف :
_ طب حتى خلينا نتقابل مرة ، ارجوكِ يا سارة
زفرت بأمتعاض فى نفاذ صبر لتجيبه ببرود مشاعر :
_ انا فى البلد فى يا اسلام مش هقدر اقابلك لما اروح القاهرة نبقى نشوف الموضوع ده .. وسلام بقى !
القت بالهاتف على الفراش وهى تتأفف بخنق جلى ، انتابها شعور دامى داخلها يعاتبها انها حادثته ، مازالت تلح على مراد لتجعل مشاعره تلين بعض الشئ تجاهها ، موجة غضبه العاتية دمرت كل شئ وعندما ذهبت لم تترك اى شئ كما كان ، رسبت العواطف فى الاعماق بينهم .. كانت علاقتهم تتعدى حاجز القرابة لم تكن قرابة فقط بل كانت صداقة بُنيت على أعمدة أن انهارت أنهار معها كل شئ ………….
***
فتحت الباب ودخلت لتغلقه بقوة وتستند بظهرها عليه ، صدرها يعلو ويهبط كـ الذى يركض لساعات بدون توقف ، تتذكر كلماته ، همسه الجميل له ، نظراته الدافئة ، عرضه الذى نزل عليها كالبرق الذى يحرق الاخضر واليابس … رأتها زمردة بذلك الوضع فهرولت نحوها وهى تردف بفزع :
_ بت ياملاك مالك فى ايه ؟؟!
لفظت حروف أسمه من بين شفتيها بأرتجاف :
_ أُسـ..يـ..د !
صاحت فى ريبة شديد :
_ ماله أُسيد !؟
ثبتت نظرها فى عينها وهى تهمس بتوتر :
_ عرض عليا الجواز !!!
سمعت صيحتها المنصدمة وهى تقول بعدم تصديق :
_ جواز ايه ، أُسيد قالك كده مش معقول لا ! ، منظره ميوحيش انه ليه فى الحجات دى !!!
اندفعت تصيح بها فى نفاذ صبر :
_ حجات ايه انتى متخلفة يازمردة ، هو انا بقولك عرض عليا نتجوز عرفى !!
قهقهت بشدة لتسحبها وتجلسها على المقعد الوثير وهى تهتف بفضول كاد يقتلها :
_ لا ده انتى تحكيلى كل حاجة من طقطق لسلام عليكم ، يلا بسرعة اخلصى لاحسن هتشل مكانى من الفضول اخلصى
علت وجه ملاك البريء ابتسامة دافئة عليها لتبدأ بسرد لها ماحدث كما يريح فضولها هذا ! ، فتصمت زمردة لبضعة من الوقت ومن ثُم تجيبها بعد أن تفكرت مليًا :
_ أن جيتى للحق فهو عنده حق ، مفيش حل انك تبقى فى أمان من أكرم الحيوان ده غير لما تبقى معاه دايما وقدام عينه لكن كده هو مهما عمل انتى برضوا اسمك عايشة وحدك وده بيدى فرصة لاكرم اكبر انه يأذيكى بسهولة
همست متبرمة فى عبوس وضيق :
_ ماشى انا معاكى فى الموضوع ده يازمردة ، بس بجد مش عايزة تحصله حاجة وحشة بسببى سواء هو او ريان عايزاهم يبقوا بعاد خالص عن موضوع اكرم ده ، ده غير انتى تخيلى انه يدخل على امه واخته اللى بيكرهونى سم ويقولهم انا وملاك هنتجوز ، انا مش مستعدة للوضع ده ابدًا يازمردة
أنتصبت فى جلستها بوجه مبتهج لتجيبها بعد إن اخذت شهيقًا قوى واخرجته زفيرًا على تمهل ، عارضة سؤالها الجريء فى جدية :
_ هسألك سؤال وتجاوبى عليه ، انتى عايزة أُسيد ولا لا ؟!
رمقتها بطرف عينها فى أضطراب بدأت الان تحس بأن حبها يهفو إليه من تحت غشاء القلق لا تعرف بماذا تجيبها ولكنها حتمًا آثرت الصراحة حيثُ اماءت لها بهدوء فى حياء بسيط فأردفت هى متشجعة بحرارة الحديث :
_بس ملكيش دعوة بقى بمرات عمى او أسمى انتى هتتجوزى أسيد مش هما ، وبصراحة ده فى صالحك ياملاك لانك كده هتكونى فى امان اكتر ، ورغم كده فكرى برضوا مع نفسك وردى عليه بكرة
مطت شفتيها مضمومتين بعدم حيلة من امرها وجهلها بماذا تفعل ، اتوافق ام ترفض ، تلاقى كل من السلاحين فى حرب قادية ، حرب شهدت أجتماع كل من العقل الذى يؤمن بالابتعاد عنهم تمامًا ورفض ذلك العرض السخيف ! ، والقلب الذى يريد قُرب معشوقه يريد أن يشعر بالامان الذى يبحث عنه فى صحراء الظلم منذ سنوات يريد ملاذ يبنى عشه تحت ظله ، شدة الثورة التى تعصف بين ضلوعها تكاد تكسرهم الى أشلاء مثلما تمزق قلبها …….. !!؟
***
تحدثت عبر الهاتف وهى تصيح بمن تحدثه فى لهجة لا تقبل النقاش نبرة لا تحمل مثقال ذرة من المزح :
_ خالد انت هتجبلى قرار ملاك ده بالتفصيل عايشة فين ومع مين وبتعمل ايه
عارضها بهدوء فى خوف :
_ مابلاش يا أشجان هانم انا بفضل اننا نخلينا بعاد عن ملاك الفترة دى
ثارت به كالبركان وهى تصيح بقسوة :
_ ومالك خايف اكده ليه ، متنساش انك مشترك معايا فى كل حاجة من البداية يعنى خلاص طريقنا بقى واحد ومجبور تكمل معايا وانا مش هسيب بنت فردوس دى تخربلى جوازى وتكره ولدى فيا ، هتعرفلى مكانها يا خالد وهتقولى وخلال اليومين الجايين فاهم
مسح على شعره وهو يهتف بخوف جلى فى سخط :
_ يا أشجان هانم افهمينى ارجوكى مهو لو ملاك دى حصلها حاجة انا وانتى هنروح فى داهية مش لوحدى يعنى ، فخلينا بعيد عنها افضل لينا صدقينى !!
حسمت امرها لتجيبه بثقة ممزوجة بلهيب الانتقام :
_ اعمل اللى قولتلك عليه احسلك وملكش دعوة ياخالد ، انا مقولتلك هقلتها انا عايزة عنوانها بس !
لم تمحنه حل اخر سوى القبول بما تريده ليهتف مغلوب على امره منها :
_ تمام يا هانم هعرف واقولك !!
***
تتحسس تلك العلبة الحمراء الصغيرة ، تتساءل أن كان منظر العلبة هكذا فماذا ستحمل بداخلها وبالفعل فتحتها ولم تخطئ ، فقد كان خاتم مرصع بقطع الماظ صغيرة ذو لون ذهبى ، هادى ، كلاسيكى ، من اشتراه لديه ذوق خاص فى أختيار الاشياء .. تحسسته بأناملها فى إبتسامة خبيثة ، ثم وضعته فى الوسطى وهى تحرك يدها فى الهواء تراقب لمعان الالماظ مع الضوء ، وكأن الخاتم ازداد جمالًا فى اصبعها ، ريبة تتجلى فى عينها حين مضت فترة ذهول وهى تفكر ” هل يخطط للتقدم لخطبة فتاة وذلك الخاتم لها ، ترىَ من تلك الفتاة الذى تجعله يشترى خاتم باهظ الثمن هكذا ” … امسكت بهاتفها وأجرت أتصال به فيأتيها صوته الناعس قائلًا :
_ الو يا أسمى فى ايه !؟
هتفت بصوت أشبه بالضحك فى مكر وهى تحرك اصبعها امامها تتفحص الخاتم :
_ حلو اوى الخاتم دى يامروان ! ، تعرف شكله حلو اوى على ايدى .. جايبه لمين بقى يالئيم انت
وثب من فراشه واقفًا وفتح الادراج يبحث عنه فلم يجده ، ضرب على رأسه وهو يلعن ويسب نفسه فيجيبها بمضض :
_ اخدتى الخاتم ازاى يا أسمى
مبتسمة فى لؤم همست بأستمتاع :
_ لما كنا بنتكلم فى الجنينة تحت انت نسيته ومشيت ، بس ايه ده طلعت مريش يامروان لا وكمان زوقك حلو لتكون ناوى تخطب !؟
أتسعت إبتسامته التلقائية ليجلس على الفراش ويردف بنعومة :
_ طاب كويس انه عجبك ، طلاما عجبك يبقى هيعجب اللى اشتريته ليها طبعًا اصلها زيك مبيعجبهاش العجب
فى براءة هتفت ضاحكة :
_ طاب ماتقولى مين دى والخطوبة امتى علشان اجهز نفسى
_ هتعرفى متستعجليش على رزقك وهتجهزى نفسك كمان اصبرى بس ، المهم دلوقتى تشيلى الخاتم ده علشان لما اجى اخده
أنتصبت جالسة وهى تضع ساق فوق الاخرى وتجيبه بغرور :
_ تدفع كام وادهولك !؟
طفق يقول فى تهديد واضح يحمل القليل من المرح :
_ أسمى بلاش تتنصحى عليا بدل ما اقلع اللى فى رجلى واديكى بيه ، يانتنة يلى مستخسرة فيا فنجان القهوة
هاجت بركانيها وثارت لتهتف فى وعيد مغتاظة :
_ انا نتنة ! ، ماشى يامروان ابقى شوف مين هيديك الخاتم بقى علشان تديه لحبيبة القلب ده انا هذلك ذل عليه اصبر عليا
لم تمهله ثانية حتى ليجيبها فأنزل الهاتف من على اذنه وهو يضيق عينيه بدهشة ، فترتسم الابتسامة على ثغره فى عشق ………….. !
***
أستيقظت من نومها فى صباح يحمل الفرج ، يحمل كل شئ جميل بالنسبة لها ، فى كل مرة تقول ستشرق الشمس ولكن يخيب ظنها فى الاخير ولكن تلك المرة تشعر وأن الشمس ستشرق من جديد بالفعل ، ستعيد النور الى داخلها المظلم وقلبها الهالك على أيدى الحيونات المفترسة ، سئمت العيش من كونها ضعيفة دائمًا تضحى بما تحبه لاجل الاخرين او بسبب خوفها منهم ، قررت وحسمت القرار انها ستوافق على عرضه ، تريد قربه ، تريد إن تشعر به بجانبها دومًا ، عندما تلوذ يكون هو اول من تلوذ له ، يكون سندها عمودها الصامد التى تستند عليه فى أوقات انهيارها ، أن كان ترددها لسبب فسيكون لخوفها عليه وليس للخوف من أحد ……….
نهضت من فراشها وذهبت الى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا سامحة للمياء بأنعاشها وازالة ارقها وتعبها … وعند خروجها كان الهاتف يعلن أتصال صاحب الحديث اليوم لتجيبه بخفوت :
_ ايوة يا أُسيد !
بصفاء وعذوبة تمتم :
_ صباح الخير
_ صباح النور
تحولت نبرته الى الجدية البسيطة مغمغمًا بتساءل :
_ فكرت فى اللى قولتلك عليه امبارح بليل ؟
اماءت برأسها وهى تجيبه بحسم أمتزج ببعض الاستحياء :
_ ايوة فكرت ، مـ.. احم ، موافقة يا أُسيد !!!
ارتفعت الابتسامة الى ثغره وكأنه كان على ثقة انها ستوافق واجابها بصوت رجولى قوى :
_ تمام جهزى نفسك يلا علشان هاجى اخدك ونروح نكتب الكتاب وخلى زمردة كمان تجهز
صاحت بصدمة فى توتر :
_ كتب كتاب بسرعة كده يا أُسيد ، وبعدين هو مش موضوع ساهل لازم يكون فى شهود وموضوع كبير
بخشوع تام وإبتسامتها التمستها فى صوته :
_ ولا كبير ولا حاجة ياملاك ، انا مجهز كل حاجة وبعدين اننا نسرع ده فى صالحنا لانى مش ضامن ممكن يعمل ال*** اكرم ده تانى لو أتاخرنا اكتر
هزت رأسها بالموافقة وهى تجيب مجبرة على الموافقة على ذلك الزواج السريع ، مازالت لم تهيء نفسها لمقابلة كل من أسمى وزوجة عمها :
_ تمام يا أُسيد هجهز نفسى وارن عليك !
ضمها كفيها الى صدرها ، تقيس نبضات قلبها المتسارعة ، احيانًا كثيرة يستشعرها عقلها الباطن انها داخل دوامة حُلم لا ينتهى حتى يهلكها ، والأن تحس أن هذا الحُلم غير مساره من اليسار الى اليمين ، من كابوس تحول إلى حُلم تتجسد فيه كُل أشكال السعادة والطمائنينة التى ستحظى بها بقربه ، لا تريد أستباق الاحداث قبل حدوثها ، تود أن تُفاجء بكل حدث جميل سيقابلها فيما بعد ، فى تلك اللحظات لا يمكنها فعل شئ سوى التضرع إلى الله ودعائه ، فلبت ما أمرها به عقلها ورفعت يدها تتضرع بالدعاء إلى الله فى نفس مطمئنة تدعو من صميم قلبها وثقة تامة فى أستجابة خالقها ” يالهى أن كان هذا الزواج شرًا لى فأصرفنى عنه وأن كان خيرًا فأجعل لى منه نصيبًا ، أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالاستجابة ولدى ثقة تامة فى أستجابتك ، أخرجنى من هذا الوحل الذى تلطخت به منذ سنين ، كُن معى ولا تتركنى بمفردى ، انك انت العليم بذات الصدور وماتخفيه الأنفس فى جوفها ” …………
بدأت بالفعل فى أرتداء ملابسها الفضفاضة وتجهيز حقيبة ملابسها وأذا بها تذهب إلى زمردة فى غرفتها فتفيقها من نومها بحرص وحذر ، فتلوح بيدها فى خنق طالبة أن تتركها وشأنها وتجعلها تكُمل نومتها ولكنها وثبت واقفة كالذى لدغته عقرب عندما صكت سمعها كلماتها وهى تقول بهدوء تام :
_ أسيد أتصل بيا وانا قولتله موافقة وقالى هنكتب كتب الكتاب دلوقتى وانا لبست وجهزت نفسى وانتى قومى يلا جهزى نفسك لانى مستحيل اسيبك وحدك مضمنش أكرم ممكن يعمل ايه ؟!
فركت عيناها بعدم أستيعاب هاتفة بذهول :
_ دلوقتى علطول يعنى ، لا لا أُسيد ده مستحيل يكون طبيعى ، ماشى انتى وافقتى وتمام بس مش بالسرعة دى !!!
_ يلا البسى يازمردة مش وقته الكلام ده ، هو يمكن يكون على وصول اساسًا
هزت رأسها مرات متتابعة فى حماس يكاد يصيبها بالجنون وهى تندفع نحو المرحاض لتجهز نفسها وتخرج ترتدى ملابسها ، فتسدير ملاك وتعود الى غُرفتها ، منهم من يصيبها الحماس لحد الجنون ومنهم من أدركها التوتر والارتباك واستدرجها الى متاهة عجزت عن الخروج منها ، عقلها الصغير ذو العقلية الطفولية ألتف حوله التوتر والخجل والارتباك فى لفيف من القيود التى تمنعها عن التفكير بأى شئ وتوقفه عن العمل ……………… !
***
مايقارب الساعة حتى أمرها بالنزول وانه فى انتظارهم بالأسفل ، فعلت ما أمرها به فى طاعة ، أستقلت بالسيارة بجوراه وأتخذت زمردة مقعدًا لها فى الجزء الخلفى للسيارة ، ثُم أنطلق الى مكتب المأذون الذى سيعقد زواجهم ، كان بإنتظارهم هناك مراد يبدو انه سيكون أحد الشاهدين على الزواج ، وسُرعان ما بدأو بأجراءات الزواج وأنتهى كل شئ على سنة الله ونبيه وكما يرضيه لينتهى بقول المأذون مُبتسمًا بصفاء :
_ بارك الله لكم وجمع بينكم فى خير
وتلقوا المباركات من المأذون بصدر رحب ثُم خرجا ، ودّ مراد أن يبارك لاخيه على زواجه ولكنه على أشد العلم بأنه ليس سعيد بهذا الزواج فقد قام به ، حتى تكون فى حمايته ولا يستطيع أحد أذيتها ، مازال لم يتقبل وفاة رفيقة دربه قلبه يزرف الدماء لفراقها كيف له أن يتزوج ويعيش حياة سعيدة ، عكس ما ظهر على وجه ملاك من معالم السعادة التى تحاول اخفائها تحت قناع أن ذلك الزواج لم يكن سوى لحمايتها وانه سينتهى قريبًا …!!
سحب مراد أُسيد من يده إلى زواية بعيدًا عن مسامعهم ليقول بجدية طاغية :
_ مش شايف ان جوازك من غير ما ماما تعرف هيصعب الموضوع وانك تحطها تحت الامر الواقع هيعقد الامور أكتر ، انا الصراحة مش صعبان عليا غير المسكينة ملاك اللى هتتاخد فى الرجلين وسط امك وأسمى
رتب على كتف اخيه بنظرات هادئة وناعمة وهو يقول بنظرة كُلها ثقة :
_ متقلقش انا حاسب حساب كل ده ، ثُم انى مش متجوز ملاك علشان ابهدلها معايا
طالعه بعدم حيلة امتزجت بإبتسامة دافئة ، كانا الفتيات يراقبوا حديثهم وبالاخص زمردة التى كالعادة كانت مراقبتها لهم بدافع الفضول اما ملاك فكان حديثهم المنفرد يزيدها توتر وخوف من القادم ، اعادها الى الواقع صوته وهو يقول مشيرًا لهم بيده :
_ يلا علشان نمشى ؟!
تحركت نحوه بخطواط بطيئة ، أستحوذ على قِسمات وجهها البريئة حالة من الزعر والخوف ، تغير لون وجهها الى الاصفرار فجأة بدأت الرؤية تصبح ضبابية امامها ، دوار شديد راودها لولا استنادها بيدها على الحائط لكانت فى الارض يحاولون افاقتها ، أخفضت رأسهًا ارضًا مغمضة عينها ، ساكنة تمامًا ثابتة فى أرضها منتظرة تحررها من تلك الدوامة التى سببت لها الدوار والأرق .. فتحت عيناها بضعف على صوته التى التسمت فيها نبرة القلق :
_ مالك ياملاك انتى كويسة ، اخدك ونروح للدكتور !؟
هزت رأسها بنفى قاطع مجيبة بصوت مبحوح :
_ لا انا كويسة بس دوخت شوية !
اتاها صوت زمردة الذى لا يختلف عن أسيد زيادة عنه ببعض الغضب :
_ لازم تدوخى مش نايمة على الفجر ومكالتيش حاجة من امبارح ، اقعدى وهروح اجبلك حاجة تاكليها
أحست زمردةبقرصة منها فى ذراعها تحسها على الصمت رامقة اياها بنظرة نارية ترغمها على الصمت فقد فتحت عليها أعاصير غضبه الان بمعرفته عن امتناعها عن الاكل وبالتالى عن تناول الدواء ، رأت فى عينه نظرة متقدة ملتهبة تعرفها جيدًا شعرت بحلقها أصبح مرًا كالعلقم وهى تبتلع ريقها اخيرًا تحدث الاخير بصوت اجشَّ :
_ امشى ياملاك وفى البيت نشوف موضوع الاكل ده !
دقات قلبها تسارعت بخوف من براكينه وبطشه ولكنه لم يمهلها الوقت لتتفرغ إلى نفسها وتشعر بالخوف أكثر ، فأنتفض جسده وكأنها لمست كهرباء وهى واقفة فى وسط الماء حين احاطها بذراعيه من كتفيها يساعدها على السير ، سارت معه على أستحياء تخطف نظرة سريعة إليه فى حبٌ من آن إلى آن حتى توقفا امام السيارة فنظرت الى زمردة قائلة :
_ انتى مجبتيش شنطتك ليه يا زمردة مش هتاجى معانا !!
هزت رأسها نافية بأعتذار مهذب :
_ لا ياملاك مش هاجى اجى ليه اصلا انا هروح البيت اخد شنطتى وهرجع بيتنا !
القت نظرة إلى زوجها نظرة ساخطة وهى تقول له منفعلة :
_ أتكلم معاها انت علشان لو انا اتكلمت هبهدلها فى الشارع
خرج صوته الرجولى فى حزم :
_ مينفعش يازمردة تقعدى وحدك فى الوقت ده بذات قبل كده انتى كنتى بتقعدى وحدك لان مفيش حاجة ممكن تأذيكى لكن دلوقتى فى
هزت كتفيها لاعلى فى عبوس قائلة :
_ عارفة يا أُسيد بس صدقنى مش هرتاح لو قعدت هناك الافضل انى اقعد فى بيتنا متقلقوش عليا
تحدث مراد إليهم فى نبرة رزينة مغمغمًا :
_ خلاص متغطهوش عليها انا هشدد الحراسة قدام بيتهم ومفيش حاجة هتحصل
أندفعت تصيح ملاك بنبرة شبه مُرتفعة فى أستياء :
_ مهو كان فى حراسة برضوا يامراد لما دخل أكرم البيت وهددنى ، أكرم انا عارفة كويس انه مش انا هدفه يعنى مش عايز يأذينى انا عايز يأذى ريان وأُسيد وزمردة
همس لها أُسيد بصرامة فى نظرة مشتعلة أوقعت بقلبها :
_ وطى صوتك ياملاك احنا مش فى البيت
أخذت تغرز الارض بكعب حذائها والنيران تجعل كل خلية يجسدها تغلى فيزداد غليانها حين وجدته يهتف الى مراد قائلًا :
_ خدها وصلها البيت يامراد واعمل اللى قولتلك عليه
فيشير لها مراد بيده نحو السيارة مبتسمًا فتلبى طلبه فى طاعة وتصعد بالمقعد المجاور له فيستقل هو بجوراها وينطلق بها كالسهم بخترق الحشود .. رمقته ملاك شرزًا لتنفجر به فى عصبية :
_ ازاى تخليها تمشى وحديها على أساس انك غصبت عليا ومخلتنيش اقعد فى بيتنا وحدى سبتها ليه ولا هى عادى تحصلها حاجة لكن انا لا
رأت بعيناه نظرة أستقرت مخيفة بل مرعبة فتوقعت سببها من تلك الطريقة التى تاحدثه بها ، التزمت الصمت جاهدة فى عدم أظهار ارتيعادها ليهمس هو بصلابة :
_ مسبتهاش لما تهدى هكلمها واشوف حل معاها ، واخر مرة تتكلمى بالطريقة دى اركبى يلا العربية !
صاحب الحالة المزاجية عاد من جديد ، عادت طريقته التى تجعل منها شخص يخشاه كمن يرى وحشًا امامه ، بدأت تتفهمه قليلًا وعرفت ايضًا انه ، فى الوقت الذى يحادثها بجفاء يكون هناك ما عكر صفوه قبل أن يقابلها فتلتمس له العذر بعض الشئ وتبتعد عنه حتى لا ترى بركان يخرج حممه لتدمر الاخضر واليابس .. صعدت بالسيارة بدون أن تتفوه ببنت شفة …………
ترجلت من السيارة امام منزلها الجديد الذى لن يكون ذو اختلاف عن سابقه فيزداد توترها ورعبها أكثر ، ودت لو تقبض على يده وتتشبت بملابسه تسلب منه بعض القوة ، تمنت عناق دافء منه يعيد له شجاعتها المسلوبة ولكن خجلها كان حاجز كحاجز الماء والنار يمنعها عنه او بالكاد هو الذى يصنع ذلك الحاجز ، خطت عتبة المنزل ودخلت لتقابل أسمى وزوجة عمها كأول مرة قابلتهم بها على تلك العتبة وكأن الايام تعيد نفسها ولكن بظروف أصعب واكثر قسوة ، اتضح ذلك عندما وقفت ليلى تقول مستنكرة :
_ ايه هى الضيفة جات تانى ولا ايه !!
بثبات وصوت قوى أستطرد :
_ مبقتش ضيفة يا امى بقت صاحبة بيت يعنى بقى بيتها !
عادت لسخريتها وهى تقول مبتسمة :
_ ايه لتكون كتبتلها البيت من غير ما نعرف كمان يا أُسيد !؟
أخترق صوته مسامعهم كالرعد ، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالنفخ فى الصور الذى احياهم فى لحظة واماتهم فى لحظة اخرى ، او أشبه بوقف الزمن !! :
_ لا بقت مراتى !
_ يتبع ….
_ الفصل العاشر _
فتجد ذلك الشبح الذى يخالطها عقلها عنه امامه لا تستطيع القول عنه سوى انه شبح خاص بأخافتها هى ، لفظت حروف اسمه من بين شفتيها المرتجفة بحروف أيضًا خرجت متقطعة ! :
_ أك..ر ..م
لم يمهلها فرصة لتهيئ قلبها الذى سقط بين قدميها للتو من الخوف حيثُ قبض على رسغها يلصقها به محاوطًا خصرها بذراعه ليحنى رأسه نحو اذنها وهو يتعمد اخراج زفيرًا حارًا يضرب فى أذنها ورقبتها كالثلج ، ساكنة تمامًا بين يديه تجاهد فى إلمام شتات شجاعتها القليلة التى تبعثرت للتو .. أغمضت عيناها بخوف وهى تستمع الى همسه فى اذنها كهمس الرعد :
_ لسا مشوفتيش حاجة من اكرم ياملاك ، هدفعك تمن اللى عملتيه معايا دم ، انا حبيت اوريكى بس أن مفيش حاجة تقدر توقف فى طريق اللى عايزه لا أسيد بتاعك ده ولا ريان وادينى دخلت برغم الحراس اللى قاعدين برا دول وانتى بين ايديا دلوقتى واقدر اعمل اللى انا عايزه فيكى ، بلغى البيه أسيد سلامى وقوليلوا أكرم بيسلم عليك ومتنسيش تقوليلى انه بيقولك دورك جاى وانك مش هتقدر تبعده عنى ولا تحمينى منه مهما عملت لانك زى ماشوفتى انا عامل زى عفريت العلبة اللى بيطلع فجأة وفى اى مكان !!
ابعدها عنها لتستقر نظرة منه عليها ساخرة ثُم يرحل مثلما دخل من النافذة ، لتتمكن هى من التقاط الهواء قليلًا التى حبس داخل رئيتها للحظات أوشك على قتلها ،جثت على الارض وتكورت كالجنين منغمسة مع الرياح العاصفة داخلها لتخرج فى هيئة دموع متتابعة لا تتوقف ………………… !!
***
فتحت عيناها ببطء وعندما سمعت همهمات خفيفة بجانبها ، وثبت جالسة وهى ترمقهم بنظرة مرتعدة لتجد زمردة تهتف بقلق وهى تنهض لتجلس بجوراها :
_ اهدى ياملاك ياحبيبتى ، قوليلنا حصل ايه معاكى
وقع نظرها على أُسيد الذى حدقها بنظرة دافئة بها شئ من الانزعاج ، لم تراه منذ أكثر من ثلاث أشهر بدا لها مختلفًا عن اخر مرة رأته فيها لحيته نموت الضعفين وشعره الاسود الكثيف المنظم كأنه ذهب لمصفف الشعر للتو ، بدا أكثر جذابية ووقار لحيته تلك أظهرت رجولته الطاغية أكثر .. لا يوجد أنكار انها أشتاقت له ولصوته الذى كان يخيفها ، لنبرته الغاضبة منها عندما تتمرد عليه ، لنظرته الدافئة وابتسامته ! …………..
رأته وهو يشير لزمردة بالخروج ليخلوا بها بمفردهم ، توترت فى بداية الامر ولكن تحول ذلك التوتر الى خوف عندما وجدته ينهض ويسير نحو النافذة يحدق بالخارج لثوانٍ تلك الثوانٍ مرت كساعات مشحونة بجو من التوتر ، أحدث صمته أضطرابًا بداخلها وأدركت انه لا يبشر بخير ابدًا حدث ماتوقعت عندما رأته يستدير لها ويصيح بعصبية :
_ على كده لو مكنتش زمردة النهردا قالتلى على موضوع اكرم كنتى هتفضلى لغاية امتى مخبية عنى ؟!
أنزوت نظرها عنه فى أسف فأقترب منها وهو يكمل صياحه منفعلًا ، منظرها يثير جنونه ، عيناها المنتفخة من أثر البكاء والهالات السواء اسفل عيناها من عدم النوم وجهها الذى ذهب بريقه ولمعانه ، حقًا كانت فى حالة مزرية :
_ مش شايفة شكلك ازاى ، واكيد طبعًا مش منتظمة فى علاجك ده اذا كنتى بتاخديه اساسًا ، فهمينى ياملاك وادينى سبب واحد يخليكى تخبى عنى حاجة زى كده لمدة اكتر من تلات شهور لغاية ماتوصل حالتك للمنظر ده ، اتكلمى ومتقعديش ساكتة كده لان سكاتك ده بيعفرتنى اكتر !!
هطلت عبراتها لتقول بصوت مرتعش ونبرة لا تحمل الندم :
_ ولو كانت زمردة مقالتش ليك مكنتش هقولك يا أُسيد لا انت ولا ريان ، كفاية اوى اللى حصلكم بسببى ودلوقتى أكرم بيهددنى وبيقولى انه هيأذيكم وبذات انت ، يعنى انا حتى لو فكرت وحبيت اقول لحد فهيكون ريان مش انت .. انا طبيعى قلقانة وخايفة يعملك حاجة فعلًا اقوم اقولك علشان ازيد الطينة بلة !
قاد خطواته نحوها ليهمس امام وجهها بنظرة ارعبتها :
_ ومنظرك ده عاجبك ده لو الوضع ده كان استمر لاسبوع تانى كنت هلاقيكى ميتة انتى يمكن مش مدركة انك مريضة قلب واقل حاجة بتأثر عليكى ، انتى مجنونة وهتجننينى معاكى ! … ملاك علشان نبقى على نور مع بعض يابنت العمة من هنا ورايح مفيش حاجة تخبيها عنى او عن ريان وبذات انا ، ودلوقتى هتقوليلى كل حاجة حصلت معاكى من البداية بالتفصيل عايزة اسمع منك تانى بالتفصيل نهاية باللى حصل معاكى النهردا ده
ترددت كثيرًا قبل أن تتكلم ولكنه ارغمها على الحديث بنظراته الملتهبة التى لم تعهدها من قبل ، لتبدأ بسرد له كل شئ بأدق التفاصيل من البداية نهاية بقدومه الى المنزل اليوم وتهديده المباشر لها ……….. !
نظراته أزدادت حقدًا وغلً ايعقد وثيقة معه تعلن قدوم الحرب لا محال ، ذلك الوغد يجرؤ على تهديده وتحديه فى انه لن ينجح فى حماية ابنة عمته منه ، من الواضح انه عقد الوثيقة مع الشخص الخطأ أعلن تحديه السخيف امام من سيسحقه هو وتحديه ووثيقته وتهديده .. كانت تراقب وقع كلماتها على وجهه الذى تحول الى شعلة نيران متوهجة .. استحوذ عليه الصمت لدقائق طويلة يفكر فى شئ عجزت عن توقعه حتى فهمست بريبة :
_ ساكت ليه يا أُسيد ؟؟!
هب واقفًا ليجيبها بحزم :
_ قومى خدى دش وفوقى وبعدين جهزى شنطتك وانا شوية كده هاجى اخدك انتى وزمردة
لم يعطيها الفرصة لتتحدث حين وجدته أنصرف من امامها كالبرق ، الى ماذا يخطط ياترىَ ؟ ، ماذا سيفعل ؟ ، بماذا يفكر ؟ ، كلها اسئلة دارت فى حلقة واحدة داخل ذهنها تبحث عن اجابه ، حلقة حلزونية متصلة ببعضها كل الاسئلة تؤدى الى نفس الطريق وهو أنه حتمًا مايفكر به ليس بأمرًا هينًا ….. !!!
***
واقفًا امام المرأة يصفصف شعره مُبتسمًا بجذابية سارح فى ملكوته الخاص ، اقتحمت ذلك الملكوت كالعادة أشجان وهى تدلف له وتهتف مبتسمة بخبث :
_ خير مبسوط كده ليه ؟!
نظر الى انعكاس صورتها فى المرأة وهمس بنبرة هادئة :
_ حرام اتبسط يعنى يا امى ؟؟!!
سارت نحوه وهى تغمغم بنعومة وصوت رقيق يحمل الاهتمام :
_ لا طبعًا وهو انا اطول لما اشوف ابنى مبسوط ، بس مش ناوى تتجوز بقى ياريان انت خلاص بقيت 30 سنة يابنى هتقعد لغاية امتى تانى !
ترك الفرشاة من يده وادار جسده ليكون فى مواجهته وقد لاحت على ثغره إبتسامة ماكرة وهو يتمتم :
_ هتجوز يا امى انا كده كده كنت ناوى لما ارجع القاهرة كمان يومين اظبط الموضوع ده ، بس مظنش أن اللى هتجوزها هتكونى مبسوطة بيها ، او هتوافقوا عليها اساسًا لانها ملاك
رأى الصدمة أحتلت وجهها بعد أن نطق اسمها ، رامقة اياه بصمت وكأنها لا تصدق ماتسمعه اذناها الان ، لم يمهلها الفرصة للافاقة من تلك الصدمة حين القمها بصاعقة أشد منها ! :
_ سواء وافقتوا او رفضتوا فأنا هتجوزها
تسارعت انفاسها وأضطربت نفسها ان أتت تلك الفتاة الى ذلك المنزل ورأتها ستفضح كُل شئ ، فهى تعرف شكلها جيدًا عندما حاولت قتلها ! ………………….
***
كان قد حل المساء واعتم الليل وهى منتظرة قدومه كما قال لها ، اراح تفكيرها المستمر به عندما أتصل بها واجابت عليه بتلهف :
_ ايه يا أُسيد انا من بدرى اوى جاهزة ومستنياك ، ليه اتأخرت كده ؟
اتاها صوته صارم وصلب وهو يقول :
_ انزلى ياملاك انا فى مستنيكى فى العربية تحت بس من غير شنطتك !
ضيقت عيناها واصابتها الحيرة لتجيبه بالموافقة وتترك الهاتف وتهبط له .. صعدت بالسيارة بجوراه مسلطة انظارها عليه بحيرة تطلب منه التحدث بسرعة قبل أن يقتلها الفضول ، فتنفس هو الصعداء ماسحًا على وجهه وهو يزفر بتردد بسيط ومن ثُم طفق يقول بصوته الرجولى القوى :
_ انا فكرت فى الموضوع ده من الصبح وحاولت الاقى حل غيره ملقيتش ، ملاك انا عايز احميكى بأى شكل من الاشكال بجد ومش لاقى طريقة اقدر احميكى بيها وانك تكونى قدام عينى دايمًا غير اننا نتجوز .. القرار يرجعلك طبعًا وافقتى او لا دى حاجة ترجعلك انتى انا عرضت عليكى الحل وانتى عليكى تقررى
ماقاله جعلها تفقد حاسة التكلم ، أنعقدت الالسن وسبحت الافكار فى محيط لا نهاية له ، تركها فى نصفه تنظر من كل أتجاه فلا ترىَ سوى الماء ، سعادتها بطلب الزواج مُحيت فورًا من الخوف الذى تملكها ، خوف من كل شئ دائما تحاول الهروب من تلك العائلة ، تجاهد قدر الامكان أن تكون بعيدة عنهم ببلاد وهو يطلب منها الزواج يعنى هذا انها سترتبط بهم للابد ….. !!
رأت نظراته المترقبة وكأنه ينتظر الاجابة منها فأذا بها تجيبه بسؤال أخر فى ريبة :
_ هو انت بتعمل معايا كده ليه بجد عايزة افهم مش معقول كله ده بسبب وصية عمى اكيد فى حاجة تانى !
هز رأسه بالإيجاب وهو ينظر لها مثبتًا نظره فى عيناها قائلًا بهمس جميل :
_ عايز تعرفى بعمل كده ليه ، لانى بحمل نفسى الذنب فى موت عمتى مقدرتش احافظ على الامانة اللى أمنى بابا عليها ، ضيعت وحدة مش عايز أضيع التانية ياملاك .. يمكن انتى مكنتيش تعرفى مدى حبى لعمتى ازاى يعنى انتى اخر حاجة بقيالى منها وعلشان ابقى صريح معاكى اكتر انتى من زمان ياملاك غالية عندى اوى ويمكن بخاف عليكى اكتر مابخاف على نفسى ، بمعنى أصح انتى مكانتك فى قلبى متختلفش عن مكانة أسمى فى حاجة … عرفتى انا بعمل معاكى كده ليه ، دلوقتى هسيبك تطلعى تفكرى فى الموضوع لغاية بكرة الصبح وهتصل بيكى اعرف قرارك ايه وسلميلى على زمردة !
تواثب قلبها بشدة يطرق طبوله ويعلن الاحتفالات بعد أن بدأ يعتقد انه يعشقها ولكن هيهات فقد انهى حديثه بشئ يوضح مكانتها بوضوح ! … اماءت بهدوء فى خجل جلى بعد أن توردت وجنتيها وترجلت من السيارة فورًا لتسرع فى خطاها الى المنزل فى أرتباك ……………..
***
دخلت غرفتها وأغلقت الباب لتجيب على المتصل بضيق :
_ ايوة يا أسلام عايز ايه ؟
وصل لهدفه الاول عندما استجابت لاتصاله المُلح ليجيبها بعشق مزيف ولكنه أستطاع تمثيله بمهارة لاوقاعها فى شبكاه كالفريسة الخرقاء :
_ انا مش عارف هما قالولك ايه خلوكى كده وبذات ابن عمك ده ! ، بس اللى عايزك تعرفيه أن انا فعلًا بحبك ياسارة وانتى عارفة كده وصدقينى بعمل كل مابوسعى علشان لما اجى اتقدملك اهلك يلاقونى مناسب ليكى ويقبلونى
بجفاء تام وغضب :
_ لو بتحبنى بجد اثبتلى ده يا اسلام تعالى واتقدملى انت ايه عرفك يمكن يقبلوك ، ولغاية ماتاجى وتتقدملى ملناش كلام مع بعض !!
بألحاح شديد فى لؤم دفين أردف :
_ طب حتى خلينا نتقابل مرة ، ارجوكِ يا سارة
زفرت بأمتعاض فى نفاذ صبر لتجيبه ببرود مشاعر :
_ انا فى البلد فى يا اسلام مش هقدر اقابلك لما اروح القاهرة نبقى نشوف الموضوع ده .. وسلام بقى !
القت بالهاتف على الفراش وهى تتأفف بخنق جلى ، انتابها شعور دامى داخلها يعاتبها انها حادثته ، مازالت تلح على مراد لتجعل مشاعره تلين بعض الشئ تجاهها ، موجة غضبه العاتية دمرت كل شئ وعندما ذهبت لم تترك اى شئ كما كان ، رسبت العواطف فى الاعماق بينهم .. كانت علاقتهم تتعدى حاجز القرابة لم تكن قرابة فقط بل كانت صداقة بُنيت على أعمدة أن انهارت أنهار معها كل شئ ………….
***
فتحت الباب ودخلت لتغلقه بقوة وتستند بظهرها عليه ، صدرها يعلو ويهبط كـ الذى يركض لساعات بدون توقف ، تتذكر كلماته ، همسه الجميل له ، نظراته الدافئة ، عرضه الذى نزل عليها كالبرق الذى يحرق الاخضر واليابس … رأتها زمردة بذلك الوضع فهرولت نحوها وهى تردف بفزع :
_ بت ياملاك مالك فى ايه ؟؟!
لفظت حروف أسمه من بين شفتيها بأرتجاف :
_ أُسـ..يـ..د !
صاحت فى ريبة شديد :
_ ماله أُسيد !؟
ثبتت نظرها فى عينها وهى تهمس بتوتر :
_ عرض عليا الجواز !!!
سمعت صيحتها المنصدمة وهى تقول بعدم تصديق :
_ جواز ايه ، أُسيد قالك كده مش معقول لا ! ، منظره ميوحيش انه ليه فى الحجات دى !!!
اندفعت تصيح بها فى نفاذ صبر :
_ حجات ايه انتى متخلفة يازمردة ، هو انا بقولك عرض عليا نتجوز عرفى !!
قهقهت بشدة لتسحبها وتجلسها على المقعد الوثير وهى تهتف بفضول كاد يقتلها :
_ لا ده انتى تحكيلى كل حاجة من طقطق لسلام عليكم ، يلا بسرعة اخلصى لاحسن هتشل مكانى من الفضول اخلصى
علت وجه ملاك البريء ابتسامة دافئة عليها لتبدأ بسرد لها ماحدث كما يريح فضولها هذا ! ، فتصمت زمردة لبضعة من الوقت ومن ثُم تجيبها بعد أن تفكرت مليًا :
_ أن جيتى للحق فهو عنده حق ، مفيش حل انك تبقى فى أمان من أكرم الحيوان ده غير لما تبقى معاه دايما وقدام عينه لكن كده هو مهما عمل انتى برضوا اسمك عايشة وحدك وده بيدى فرصة لاكرم اكبر انه يأذيكى بسهولة
همست متبرمة فى عبوس وضيق :
_ ماشى انا معاكى فى الموضوع ده يازمردة ، بس بجد مش عايزة تحصله حاجة وحشة بسببى سواء هو او ريان عايزاهم يبقوا بعاد خالص عن موضوع اكرم ده ، ده غير انتى تخيلى انه يدخل على امه واخته اللى بيكرهونى سم ويقولهم انا وملاك هنتجوز ، انا مش مستعدة للوضع ده ابدًا يازمردة
أنتصبت فى جلستها بوجه مبتهج لتجيبها بعد إن اخذت شهيقًا قوى واخرجته زفيرًا على تمهل ، عارضة سؤالها الجريء فى جدية :
_ هسألك سؤال وتجاوبى عليه ، انتى عايزة أُسيد ولا لا ؟!
رمقتها بطرف عينها فى أضطراب بدأت الان تحس بأن حبها يهفو إليه من تحت غشاء القلق لا تعرف بماذا تجيبها ولكنها حتمًا آثرت الصراحة حيثُ اماءت لها بهدوء فى حياء بسيط فأردفت هى متشجعة بحرارة الحديث :
_بس ملكيش دعوة بقى بمرات عمى او أسمى انتى هتتجوزى أسيد مش هما ، وبصراحة ده فى صالحك ياملاك لانك كده هتكونى فى امان اكتر ، ورغم كده فكرى برضوا مع نفسك وردى عليه بكرة
مطت شفتيها مضمومتين بعدم حيلة من امرها وجهلها بماذا تفعل ، اتوافق ام ترفض ، تلاقى كل من السلاحين فى حرب قادية ، حرب شهدت أجتماع كل من العقل الذى يؤمن بالابتعاد عنهم تمامًا ورفض ذلك العرض السخيف ! ، والقلب الذى يريد قُرب معشوقه يريد أن يشعر بالامان الذى يبحث عنه فى صحراء الظلم منذ سنوات يريد ملاذ يبنى عشه تحت ظله ، شدة الثورة التى تعصف بين ضلوعها تكاد تكسرهم الى أشلاء مثلما تمزق قلبها …….. !!؟
***
تحدثت عبر الهاتف وهى تصيح بمن تحدثه فى لهجة لا تقبل النقاش نبرة لا تحمل مثقال ذرة من المزح :
_ خالد انت هتجبلى قرار ملاك ده بالتفصيل عايشة فين ومع مين وبتعمل ايه
عارضها بهدوء فى خوف :
_ مابلاش يا أشجان هانم انا بفضل اننا نخلينا بعاد عن ملاك الفترة دى
ثارت به كالبركان وهى تصيح بقسوة :
_ ومالك خايف اكده ليه ، متنساش انك مشترك معايا فى كل حاجة من البداية يعنى خلاص طريقنا بقى واحد ومجبور تكمل معايا وانا مش هسيب بنت فردوس دى تخربلى جوازى وتكره ولدى فيا ، هتعرفلى مكانها يا خالد وهتقولى وخلال اليومين الجايين فاهم
مسح على شعره وهو يهتف بخوف جلى فى سخط :
_ يا أشجان هانم افهمينى ارجوكى مهو لو ملاك دى حصلها حاجة انا وانتى هنروح فى داهية مش لوحدى يعنى ، فخلينا بعيد عنها افضل لينا صدقينى !!
حسمت امرها لتجيبه بثقة ممزوجة بلهيب الانتقام :
_ اعمل اللى قولتلك عليه احسلك وملكش دعوة ياخالد ، انا مقولتلك هقلتها انا عايزة عنوانها بس !
لم تمحنه حل اخر سوى القبول بما تريده ليهتف مغلوب على امره منها :
_ تمام يا هانم هعرف واقولك !!
***
تتحسس تلك العلبة الحمراء الصغيرة ، تتساءل أن كان منظر العلبة هكذا فماذا ستحمل بداخلها وبالفعل فتحتها ولم تخطئ ، فقد كان خاتم مرصع بقطع الماظ صغيرة ذو لون ذهبى ، هادى ، كلاسيكى ، من اشتراه لديه ذوق خاص فى أختيار الاشياء .. تحسسته بأناملها فى إبتسامة خبيثة ، ثم وضعته فى الوسطى وهى تحرك يدها فى الهواء تراقب لمعان الالماظ مع الضوء ، وكأن الخاتم ازداد جمالًا فى اصبعها ، ريبة تتجلى فى عينها حين مضت فترة ذهول وهى تفكر ” هل يخطط للتقدم لخطبة فتاة وذلك الخاتم لها ، ترىَ من تلك الفتاة الذى تجعله يشترى خاتم باهظ الثمن هكذا ” … امسكت بهاتفها وأجرت أتصال به فيأتيها صوته الناعس قائلًا :
_ الو يا أسمى فى ايه !؟
هتفت بصوت أشبه بالضحك فى مكر وهى تحرك اصبعها امامها تتفحص الخاتم :
_ حلو اوى الخاتم دى يامروان ! ، تعرف شكله حلو اوى على ايدى .. جايبه لمين بقى يالئيم انت
وثب من فراشه واقفًا وفتح الادراج يبحث عنه فلم يجده ، ضرب على رأسه وهو يلعن ويسب نفسه فيجيبها بمضض :
_ اخدتى الخاتم ازاى يا أسمى
مبتسمة فى لؤم همست بأستمتاع :
_ لما كنا بنتكلم فى الجنينة تحت انت نسيته ومشيت ، بس ايه ده طلعت مريش يامروان لا وكمان زوقك حلو لتكون ناوى تخطب !؟
أتسعت إبتسامته التلقائية ليجلس على الفراش ويردف بنعومة :
_ طاب كويس انه عجبك ، طلاما عجبك يبقى هيعجب اللى اشتريته ليها طبعًا اصلها زيك مبيعجبهاش العجب
فى براءة هتفت ضاحكة :
_ طاب ماتقولى مين دى والخطوبة امتى علشان اجهز نفسى
_ هتعرفى متستعجليش على رزقك وهتجهزى نفسك كمان اصبرى بس ، المهم دلوقتى تشيلى الخاتم ده علشان لما اجى اخده
أنتصبت جالسة وهى تضع ساق فوق الاخرى وتجيبه بغرور :
_ تدفع كام وادهولك !؟
طفق يقول فى تهديد واضح يحمل القليل من المرح :
_ أسمى بلاش تتنصحى عليا بدل ما اقلع اللى فى رجلى واديكى بيه ، يانتنة يلى مستخسرة فيا فنجان القهوة
هاجت بركانيها وثارت لتهتف فى وعيد مغتاظة :
_ انا نتنة ! ، ماشى يامروان ابقى شوف مين هيديك الخاتم بقى علشان تديه لحبيبة القلب ده انا هذلك ذل عليه اصبر عليا
لم تمهله ثانية حتى ليجيبها فأنزل الهاتف من على اذنه وهو يضيق عينيه بدهشة ، فترتسم الابتسامة على ثغره فى عشق ………….. !
***
أستيقظت من نومها فى صباح يحمل الفرج ، يحمل كل شئ جميل بالنسبة لها ، فى كل مرة تقول ستشرق الشمس ولكن يخيب ظنها فى الاخير ولكن تلك المرة تشعر وأن الشمس ستشرق من جديد بالفعل ، ستعيد النور الى داخلها المظلم وقلبها الهالك على أيدى الحيونات المفترسة ، سئمت العيش من كونها ضعيفة دائمًا تضحى بما تحبه لاجل الاخرين او بسبب خوفها منهم ، قررت وحسمت القرار انها ستوافق على عرضه ، تريد قربه ، تريد إن تشعر به بجانبها دومًا ، عندما تلوذ يكون هو اول من تلوذ له ، يكون سندها عمودها الصامد التى تستند عليه فى أوقات انهيارها ، أن كان ترددها لسبب فسيكون لخوفها عليه وليس للخوف من أحد ……….
نهضت من فراشها وذهبت الى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا سامحة للمياء بأنعاشها وازالة ارقها وتعبها … وعند خروجها كان الهاتف يعلن أتصال صاحب الحديث اليوم لتجيبه بخفوت :
_ ايوة يا أُسيد !
بصفاء وعذوبة تمتم :
_ صباح الخير
_ صباح النور
تحولت نبرته الى الجدية البسيطة مغمغمًا بتساءل :
_ فكرت فى اللى قولتلك عليه امبارح بليل ؟
اماءت برأسها وهى تجيبه بحسم أمتزج ببعض الاستحياء :
_ ايوة فكرت ، مـ.. احم ، موافقة يا أُسيد !!!
ارتفعت الابتسامة الى ثغره وكأنه كان على ثقة انها ستوافق واجابها بصوت رجولى قوى :
_ تمام جهزى نفسك يلا علشان هاجى اخدك ونروح نكتب الكتاب وخلى زمردة كمان تجهز
صاحت بصدمة فى توتر :
_ كتب كتاب بسرعة كده يا أُسيد ، وبعدين هو مش موضوع ساهل لازم يكون فى شهود وموضوع كبير
بخشوع تام وإبتسامتها التمستها فى صوته :
_ ولا كبير ولا حاجة ياملاك ، انا مجهز كل حاجة وبعدين اننا نسرع ده فى صالحنا لانى مش ضامن ممكن يعمل ال*** اكرم ده تانى لو أتاخرنا اكتر
هزت رأسها بالموافقة وهى تجيب مجبرة على الموافقة على ذلك الزواج السريع ، مازالت لم تهيء نفسها لمقابلة كل من أسمى وزوجة عمها :
_ تمام يا أُسيد هجهز نفسى وارن عليك !
ضمها كفيها الى صدرها ، تقيس نبضات قلبها المتسارعة ، احيانًا كثيرة يستشعرها عقلها الباطن انها داخل دوامة حُلم لا ينتهى حتى يهلكها ، والأن تحس أن هذا الحُلم غير مساره من اليسار الى اليمين ، من كابوس تحول إلى حُلم تتجسد فيه كُل أشكال السعادة والطمائنينة التى ستحظى بها بقربه ، لا تريد أستباق الاحداث قبل حدوثها ، تود أن تُفاجء بكل حدث جميل سيقابلها فيما بعد ، فى تلك اللحظات لا يمكنها فعل شئ سوى التضرع إلى الله ودعائه ، فلبت ما أمرها به عقلها ورفعت يدها تتضرع بالدعاء إلى الله فى نفس مطمئنة تدعو من صميم قلبها وثقة تامة فى أستجابة خالقها ” يالهى أن كان هذا الزواج شرًا لى فأصرفنى عنه وأن كان خيرًا فأجعل لى منه نصيبًا ، أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالاستجابة ولدى ثقة تامة فى أستجابتك ، أخرجنى من هذا الوحل الذى تلطخت به منذ سنين ، كُن معى ولا تتركنى بمفردى ، انك انت العليم بذات الصدور وماتخفيه الأنفس فى جوفها ” …………
بدأت بالفعل فى أرتداء ملابسها الفضفاضة وتجهيز حقيبة ملابسها وأذا بها تذهب إلى زمردة فى غرفتها فتفيقها من نومها بحرص وحذر ، فتلوح بيدها فى خنق طالبة أن تتركها وشأنها وتجعلها تكُمل نومتها ولكنها وثبت واقفة كالذى لدغته عقرب عندما صكت سمعها كلماتها وهى تقول بهدوء تام :
_ أسيد أتصل بيا وانا قولتله موافقة وقالى هنكتب كتب الكتاب دلوقتى وانا لبست وجهزت نفسى وانتى قومى يلا جهزى نفسك لانى مستحيل اسيبك وحدك مضمنش أكرم ممكن يعمل ايه ؟!
فركت عيناها بعدم أستيعاب هاتفة بذهول :
_ دلوقتى علطول يعنى ، لا لا أُسيد ده مستحيل يكون طبيعى ، ماشى انتى وافقتى وتمام بس مش بالسرعة دى !!!
_ يلا البسى يازمردة مش وقته الكلام ده ، هو يمكن يكون على وصول اساسًا
هزت رأسها مرات متتابعة فى حماس يكاد يصيبها بالجنون وهى تندفع نحو المرحاض لتجهز نفسها وتخرج ترتدى ملابسها ، فتسدير ملاك وتعود الى غُرفتها ، منهم من يصيبها الحماس لحد الجنون ومنهم من أدركها التوتر والارتباك واستدرجها الى متاهة عجزت عن الخروج منها ، عقلها الصغير ذو العقلية الطفولية ألتف حوله التوتر والخجل والارتباك فى لفيف من القيود التى تمنعها عن التفكير بأى شئ وتوقفه عن العمل ……………… !
***
مايقارب الساعة حتى أمرها بالنزول وانه فى انتظارهم بالأسفل ، فعلت ما أمرها به فى طاعة ، أستقلت بالسيارة بجوراه وأتخذت زمردة مقعدًا لها فى الجزء الخلفى للسيارة ، ثُم أنطلق الى مكتب المأذون الذى سيعقد زواجهم ، كان بإنتظارهم هناك مراد يبدو انه سيكون أحد الشاهدين على الزواج ، وسُرعان ما بدأو بأجراءات الزواج وأنتهى كل شئ على سنة الله ونبيه وكما يرضيه لينتهى بقول المأذون مُبتسمًا بصفاء :
_ بارك الله لكم وجمع بينكم فى خير
وتلقوا المباركات من المأذون بصدر رحب ثُم خرجا ، ودّ مراد أن يبارك لاخيه على زواجه ولكنه على أشد العلم بأنه ليس سعيد بهذا الزواج فقد قام به ، حتى تكون فى حمايته ولا يستطيع أحد أذيتها ، مازال لم يتقبل وفاة رفيقة دربه قلبه يزرف الدماء لفراقها كيف له أن يتزوج ويعيش حياة سعيدة ، عكس ما ظهر على وجه ملاك من معالم السعادة التى تحاول اخفائها تحت قناع أن ذلك الزواج لم يكن سوى لحمايتها وانه سينتهى قريبًا …!!
سحب مراد أُسيد من يده إلى زواية بعيدًا عن مسامعهم ليقول بجدية طاغية :
_ مش شايف ان جوازك من غير ما ماما تعرف هيصعب الموضوع وانك تحطها تحت الامر الواقع هيعقد الامور أكتر ، انا الصراحة مش صعبان عليا غير المسكينة ملاك اللى هتتاخد فى الرجلين وسط امك وأسمى
رتب على كتف اخيه بنظرات هادئة وناعمة وهو يقول بنظرة كُلها ثقة :
_ متقلقش انا حاسب حساب كل ده ، ثُم انى مش متجوز ملاك علشان ابهدلها معايا
طالعه بعدم حيلة امتزجت بإبتسامة دافئة ، كانا الفتيات يراقبوا حديثهم وبالاخص زمردة التى كالعادة كانت مراقبتها لهم بدافع الفضول اما ملاك فكان حديثهم المنفرد يزيدها توتر وخوف من القادم ، اعادها الى الواقع صوته وهو يقول مشيرًا لهم بيده :
_ يلا علشان نمشى ؟!
تحركت نحوه بخطواط بطيئة ، أستحوذ على قِسمات وجهها البريئة حالة من الزعر والخوف ، تغير لون وجهها الى الاصفرار فجأة بدأت الرؤية تصبح ضبابية امامها ، دوار شديد راودها لولا استنادها بيدها على الحائط لكانت فى الارض يحاولون افاقتها ، أخفضت رأسهًا ارضًا مغمضة عينها ، ساكنة تمامًا ثابتة فى أرضها منتظرة تحررها من تلك الدوامة التى سببت لها الدوار والأرق .. فتحت عيناها بضعف على صوته التى التسمت فيها نبرة القلق :
_ مالك ياملاك انتى كويسة ، اخدك ونروح للدكتور !؟
هزت رأسها بنفى قاطع مجيبة بصوت مبحوح :
_ لا انا كويسة بس دوخت شوية !
اتاها صوت زمردة الذى لا يختلف عن أسيد زيادة عنه ببعض الغضب :
_ لازم تدوخى مش نايمة على الفجر ومكالتيش حاجة من امبارح ، اقعدى وهروح اجبلك حاجة تاكليها
أحست زمردةبقرصة منها فى ذراعها تحسها على الصمت رامقة اياها بنظرة نارية ترغمها على الصمت فقد فتحت عليها أعاصير غضبه الان بمعرفته عن امتناعها عن الاكل وبالتالى عن تناول الدواء ، رأت فى عينه نظرة متقدة ملتهبة تعرفها جيدًا شعرت بحلقها أصبح مرًا كالعلقم وهى تبتلع ريقها اخيرًا تحدث الاخير بصوت اجشَّ :
_ امشى ياملاك وفى البيت نشوف موضوع الاكل ده !
دقات قلبها تسارعت بخوف من براكينه وبطشه ولكنه لم يمهلها الوقت لتتفرغ إلى نفسها وتشعر بالخوف أكثر ، فأنتفض جسده وكأنها لمست كهرباء وهى واقفة فى وسط الماء حين احاطها بذراعيه من كتفيها يساعدها على السير ، سارت معه على أستحياء تخطف نظرة سريعة إليه فى حبٌ من آن إلى آن حتى توقفا امام السيارة فنظرت الى زمردة قائلة :
_ انتى مجبتيش شنطتك ليه يا زمردة مش هتاجى معانا !!
هزت رأسها نافية بأعتذار مهذب :
_ لا ياملاك مش هاجى اجى ليه اصلا انا هروح البيت اخد شنطتى وهرجع بيتنا !
القت نظرة إلى زوجها نظرة ساخطة وهى تقول له منفعلة :
_ أتكلم معاها انت علشان لو انا اتكلمت هبهدلها فى الشارع
خرج صوته الرجولى فى حزم :
_ مينفعش يازمردة تقعدى وحدك فى الوقت ده بذات قبل كده انتى كنتى بتقعدى وحدك لان مفيش حاجة ممكن تأذيكى لكن دلوقتى فى
هزت كتفيها لاعلى فى عبوس قائلة :
_ عارفة يا أُسيد بس صدقنى مش هرتاح لو قعدت هناك الافضل انى اقعد فى بيتنا متقلقوش عليا
تحدث مراد إليهم فى نبرة رزينة مغمغمًا :
_ خلاص متغطهوش عليها انا هشدد الحراسة قدام بيتهم ومفيش حاجة هتحصل
أندفعت تصيح ملاك بنبرة شبه مُرتفعة فى أستياء :
_ مهو كان فى حراسة برضوا يامراد لما دخل أكرم البيت وهددنى ، أكرم انا عارفة كويس انه مش انا هدفه يعنى مش عايز يأذينى انا عايز يأذى ريان وأُسيد وزمردة
همس لها أُسيد بصرامة فى نظرة مشتعلة أوقعت بقلبها :
_ وطى صوتك ياملاك احنا مش فى البيت
أخذت تغرز الارض بكعب حذائها والنيران تجعل كل خلية يجسدها تغلى فيزداد غليانها حين وجدته يهتف الى مراد قائلًا :
_ خدها وصلها البيت يامراد واعمل اللى قولتلك عليه
فيشير لها مراد بيده نحو السيارة مبتسمًا فتلبى طلبه فى طاعة وتصعد بالمقعد المجاور له فيستقل هو بجوراها وينطلق بها كالسهم بخترق الحشود .. رمقته ملاك شرزًا لتنفجر به فى عصبية :
_ ازاى تخليها تمشى وحديها على أساس انك غصبت عليا ومخلتنيش اقعد فى بيتنا وحدى سبتها ليه ولا هى عادى تحصلها حاجة لكن انا لا
رأت بعيناه نظرة أستقرت مخيفة بل مرعبة فتوقعت سببها من تلك الطريقة التى تاحدثه بها ، التزمت الصمت جاهدة فى عدم أظهار ارتيعادها ليهمس هو بصلابة :
_ مسبتهاش لما تهدى هكلمها واشوف حل معاها ، واخر مرة تتكلمى بالطريقة دى اركبى يلا العربية !
صاحب الحالة المزاجية عاد من جديد ، عادت طريقته التى تجعل منها شخص يخشاه كمن يرى وحشًا امامه ، بدأت تتفهمه قليلًا وعرفت ايضًا انه ، فى الوقت الذى يحادثها بجفاء يكون هناك ما عكر صفوه قبل أن يقابلها فتلتمس له العذر بعض الشئ وتبتعد عنه حتى لا ترى بركان يخرج حممه لتدمر الاخضر واليابس .. صعدت بالسيارة بدون أن تتفوه ببنت شفة …………
ترجلت من السيارة امام منزلها الجديد الذى لن يكون ذو اختلاف عن سابقه فيزداد توترها ورعبها أكثر ، ودت لو تقبض على يده وتتشبت بملابسه تسلب منه بعض القوة ، تمنت عناق دافء منه يعيد له شجاعتها المسلوبة ولكن خجلها كان حاجز كحاجز الماء والنار يمنعها عنه او بالكاد هو الذى يصنع ذلك الحاجز ، خطت عتبة المنزل ودخلت لتقابل أسمى وزوجة عمها كأول مرة قابلتهم بها على تلك العتبة وكأن الايام تعيد نفسها ولكن بظروف أصعب واكثر قسوة ، اتضح ذلك عندما وقفت ليلى تقول مستنكرة :
_ ايه هى الضيفة جات تانى ولا ايه !!
بثبات وصوت قوى أستطرد :
_ مبقتش ضيفة يا امى بقت صاحبة بيت يعنى بقى بيتها !
عادت لسخريتها وهى تقول مبتسمة :
_ ايه لتكون كتبتلها البيت من غير ما نعرف كمان يا أُسيد !؟
أخترق صوته مسامعهم كالرعد ، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالنفخ فى الصور الذى احياهم فى لحظة واماتهم فى لحظة اخرى ، او أشبه بوقف الزمن !! :
_ لا بقت مراتى !
_ يتبع ….


