روايات رومانسية
رواية اشلاء القلوب الفصل الثامن عشر 18 بقلم ندي محمود
رواية اشلاء القلوب الفصل الثامن عشر 18 بقلم ندي محمود
( أشلاء القلوب ))
_ الفصل الثامن عشر _
توسلات ورجاء في بداية الأمر أن يبتعد عنها ويتركها وسرعان ما تحولت تلك التوسلات إلي صرخات كتمها هو بأحد الأقمشه يكبل يدها ، تتلوي كالثعبان وتصرخ باكية في محاولة لأصدار أي صوت ولكن دون فائدة تارة تصرخ بأسم أخيها وتارة بأبيها وتارة بمراد وهي لا حول لها ولا قوة ، لينتهي الأمر بانتهاك أعز ماتملك وسط محاولتها الفاشلة أن تنقذ نفسها من هذا الذئب ولكن في النهاية فشلت وانتهكت عذريتها ومعها انتهت هي ليس في حياتها فقط بل قتلت روحها ولم تعد موجودة إن بقت ستبقي جسد هامد بدون روح .. أخطأت حين وثقت به وخانت ثقة أهلها بها تعلم هذا ولكن لماذا يعاقبها الله بهذا العقاب القاسي سيكون أهون إن كان عرف أخيها وأبيها الأمر كانت ستتحمل عقابهم القاسي لو كانت تعرف إن هذا ماسيحدث لكانت اختارت أن يخبر أخيها على أن تأتي له ، ولكن ماذا يفيد الندم الآن فقد انتهي كل شئ .. فهي أشبه بزهرة أقتطفها أحدهم من بين بستان الزهور الزاهية والجميلة التي تنضج بالنمو والنشاط وبمجرد أصدار صوت قطفها من جذرها انتهت حياتها معها وذبلت بعد ساعات معدودة . بدأت تفقد وعيها تدريجيًا وغفيت عن العالم المحيط تمامًا ….
***
يجتمعون في المنزل ، يسير ريان يمينًا ويسارًا ويفرك يديه بتوتر ومراد يقف يستند على أحد الأركان يفكر بتدبر هل يعقل أن يكون ذلك الحيوان أصابها بمكروه ، أقسم على أنه سيقبض روحه بين يديه إن كان فعل لها شئ ، وليلى وأسمى يجلسون يتابعونهم بتوتر مماثل لهم حتى خرج صوت ريان صارخًا :
_ أيوة يعني غارت فين ومش بترد على الموبايل وحياة أمي ياسارة بس ترجعي لأكون مربيكي على طلوعك آخر الليل كدا !!
_ أهدي ياريان إن شاء الله تكون بخير هي أول مرة تعملها أكيد هي راجعة في الطريق دلوقتي
هتفت بها ليلى في محاولة من تهدئة روعه ، ولقد طرقت العاصفة المدمرة أبوابهم عند رنين هاتف مراد فأخرجه وأجاب متلهفًا لربما تكون اتصلت من رقم غريب :
_ ألو مين معايا ؟
تجمدت دمائه حين سمع صوت رجولي يقول شبه ضاحكًا :
_ ياااه السؤال ده سمعته إمتي قبل كدا ، أه أفتكرت لما كلمتني وسألتك مين معايا قولتلي سارة فاكر وأنا دلوقتي هقولك سارة معاك ، أه صحيح كمان أنت كنت بتقول هتاجي تعزي وتعمل الواجب طاب تعالي بقي مستنيك وهبعتلك العنوان في رسالة
أنزل الهاتف من على أذنه يجاهد في ضبط نفسه ، قلبه سيقفز من موضعه مربعًا عن خوفه الجلي ، لا يمكن أن يكون قتلها ! ، يقسم أنه سيقتله بأبشع الطرق .. ثوانٍ ووصلت الرسالة فأنطلق إلي الخارج يركض وتبعه ريان الذي يصيح عليه يحاول فهم أي شئ منه ولكنه يلتزم الصمت ويلهث أنفاسه المتسارعة من الرعب . أنطلقا بالسيارة نحو ذلك المنزل الذي أرسل عنوانه ، كان هو أول من يترجل ويركض إلي داخل المنزل ذات الطابق الأرضي .. كان آخر من ذهب ترك الباب مفتوح قليلًا ففتحه بترقب ودلف دفعه ريان عن طريقه واندفع يبحث في الغرف وهو يكاد يفقد عقله والآن فقده حقًا حين رأها في أحدي الغرف ملقية على الفراش ملابسها العلوية شبه ممزقة بل ممزقة بالفعل غارقة في دمائها وفاقدة الوعي ، يقف كالصنم أن قرصه ثعبان لن يشعر به فصدمته أكبر من أن تجعله يشعر بتلك القرصة وهذا الألم الذي لا يعد شيئًا أمام مايراه من وضع شقيقته الآن . لحقه مراد الذي بمجرد وقوع نظره على المشهد لم يتحمله عقله وقلبه فأشاح بوجهه فورًا بل أستدار كليًا يدفن وجهه بين ثنايا قبضتيه بخزي ، رفع رأسه واستند بقبضة يده على الحائط ويطرق رأسه أرضًا ، قلبه تمزق على زهرته التي لطالما أحبها وعشقها ليس كابنة عم فقط بل كأخت وصديقة وكل شئ ، ” ماذا فعل بكِ ذاك القذر ، لم يقتلك فعليًا وقتلك معنويًا ، أقسم لكِ أن أجعلك ترينه أمامك وهو يتعذب ويدفع جزاء ما فعله معكِ دمًا ” .. سمع صوت ريان الذي اقترب منها وفي شبه عين دامعة ملس على شعرها يقول بصوت يغالبه البكاء على حبيبته وشقيقته :
_ سارة ياحبيبتي ردي عليا ، سارة قوليلي مين عمل كدا !
حجب الآخر دمعة كادت أن تفر من بين نقلتيه بضربه للحائط بقدمه ويديه يخرج به شحنة غضبه مصدرًا معهم صرخة مدوية لعجزه عن فعل أي شئ ، وماذا سيفعل فقد انتهى الأمر ! . لفها ريان جيدًا بملائة نظيفة جلبها من الخزانة ولف حجابها على شعرها يحملها على ذراعيه ويتجه بها إلي الخارج بدون أن يراه أحدًا من المارة ووضعها في المقعد الخلفي وصعدا بالسيارة قائلًا بصوت مبحوح وهو يصدر شنة بسيطة من أنفه أثر الدموع التي هطلت منه :
_ هنروح المستشفى يلا !
صرخ به مراد منفعلًا في صياح هادر :
_ مستشفى أيه يا ريان أنت مجنون هنوديها بالمنظر ده إزاي ، هنروح البيت ونجبلها الدكتور هناك
رأى أن رأيه صحيحًا لا يجوز أخذها المستشفى بهذا الوضع فوافق قراره صائحًا به بجنون :
_ بسرعة يامراد أنا مش عايز أتأخر ، لو مش هتسوق بسرعة سيبني أنا أسوق
لم يجيبه فقط حرك محرك السيارة وأنطلق بها يخترق الحشود يكاد يكسر إشارات المرور بدون وعي منه … !!
***
ساعات قليلة وكان قد استيقظ من نومه على أثر صوت رنين الهاتف المزعج بالنسبة له ، فقد قطعه عنه نومه المريح وراحته ، نظر إلي زوجته التي مازالت نائمة على وضيعها على صدره .. تأفف بقوة من أصرار ذلك المتصل السمج وأبعد زوجته عنه بحرص شديد جدًا حتى لا يؤلمها ويسبب له الألم ، وأسند رأسها على الوسادة بأريخية وهو يبقيها بوضعية مريحة لها ، ثُم أجاب على الهاتف بدون أن ينظر للمتصل هاتفًا بصيق :
_ ألو
أتاه صوت شقيقته المرتجف ببكاء هادر تقول :
_ أُسيد تعالَ بسرعة !
أصابته بالرعب عند سمعاه لصوتها وبكائها ، أصبح يتساءل إن حدث شئ لأحد ، صوت بداخله يسأل الله أن لا يكون هناك شئ سيئ ومن ثُم خرج صوته قلقلًا :
_ في أيه يا أسمى أنتوا كويسين حد حصله حاجة ؟ ، ماما كويسة ؟
بصوت متشنج ومرتعش تجيب وقد زاد نحيبها أكثر :
_ لا مش كويسين ، في مصيبة حصلت .. تعالَ بسرعة أنا وماما مش قادرين لا على مراد ولا ريان أنا مش هعرف أقولك حاجة على الفون تعالَ وهتفهم !
لم تمهله الثوانٍ حتى ليجيب فقد أنهت الاتصال ، نظر هو إلى زوجته النائمة كيف له أن يتركها في مثل هذا الوضع ويذهب يخشى أن يصيبها أذى وهو غير موجود ، ويتضح أن الأمر شديد الخطورة في المنزل ولا يمكنه التأخير عنه .. ماذا حدث ياترى ؟ ، يا الله ألا يحق له أن يقضي أيام قليلة براحة وينعم بها بالسعادة مع زوجته ، زفر يستغفر ربه ثُم أقترب منها وانحني يطبع قبلته الرقيقة على وجنتها ، ثُم أسرع في ارتداء ملابسه وترك على باب الغرفة رجُلان من خواصه المقربين وأوصاهم أن ينتبهوا جيدًا عليها إلى حين عودته وأقسم أن حدث شئ لها سينهيهم جميعًا ..!
***
كان ريان ينتفض من الغضب بالأخص بعد ما أخبرهم الطبيب بوضعها وأنها تعرضت لنزيف حاد يكاد أن يوصلها لفراش الموت ودخولها في صدمة عصبية تمنعها عن التكلم حتي ، وتتخذ أسنى مجلسًا لها تبكي بحرقة وألم على صديقة عمرها وابنة عمها المسكينة وتشاركها ليلى البكاء على تلك الزهرة التي دهس عليها كلاب الشوراع ونجسوها ، أما مراد فمن ينظر إلى وجهه يُقذف الرعب في وجهه ، الدماء تكاد تنبجي من وجهه ، نزل البرق على كل مهو مثمر بداخله وأحرقه ، يمتم بداخله حتى يوشك على الانفجار من أقل شئ .. صوتًا ملتهب يتحدث داخله قائلًا ” أُقسم بالله أن أجعلك تتمني الموت ولن أنواله لك وبعد أن أجعلك تعيش ماجعلت تللك المسكينة تعيشه سأقبض روحك بيدي ” ، وجدوا ريان يصرخ كالمجنون يحدث مراد قائلًا :
_ وين الرقم اللي كلمك منه ال ***** يامراد ، وحياة أمي لأخد روحي بأيدي
لم يرفع نظره له فقد اكتفي بهمسه الهادئ على عكس ما بداخله من الدمار :
_ هتعمل أيه يعني هتحاول توصله من الرقم ، مش هتعرف ولا هتقدر لأنه عمل المكالمة قبل مايطلع وساب التلفون في البيت
ثُم أخرج له الهاتف يقلبه أمام وجهه بأعين متقدة كلها ذكاء ويكمل قائلًا :
_ وللأسف عمل حركة أكتر من الغباء ، ده يمكن لو كان أخده كان يمكن ينقذ نفسه لكن أنه يسيبه علشان يوقع تحت إيدي ده بحد ذاته غباء ، ميعرفش إني هوصله بكل سهولة من خلال التلفون ده !
_ واحنا هنقعد ساكتين كدا خلينا نروح نبلغ عنه ويتحاكم من غير مشاكل
رمق ريان زوجة عمه بنارية على ماتهتفت به ، ماحدث ليس بقضية قتل ، أو سرقة ، أو خطف بل هي قضية شرف ولكنها يبدو أنها نسيت عاداتهم ، فهذا لا يوجد لديه حل سوي القتل كحروب ” التار ” التي تستمر بين العائلات لسنين .. لن تخمد نار أي منهم إلا بأخذ روحه على ما ارتكبه مع ابنتهم ، سيأخذ حق شقيقته بيده لن يتركه ينعم بآخر أيامه براحة ، ارتكب أكبر جريمة وفعل الأكثر منها حين فكر بالأعتداء على حفيدة عائلة الصاوي ” أحد عائلات الصعيد المعروفة ” سيدفع الثمن روحه . هتف بهدوء يسبق العاصفة مغمغمًا :
_ في الموضوع ده بذات يامرات عمي الشرطة ملهاش دخل ، تبقي تتصلي بيهم عاد بعد وقوع الجريمة علشان ياجوا ياخدوا القاتل بإذن الله ، الشرف زي التار عندينا وأظن فهمتيني
انفتح الباب وظهر من وراءه أُسيد الذي حملق بالجميع ينقل نظره بينهم بذهول من مناظؤهم المزرية ، الجميع بخير ماذا يوجد إذا ؟! ، تمتم بتساءل :
_ في أيه مالكم حاصل أيه ؟؟!
تبادلت أسمى النظرات مع أمها يتخذون القرار حول من ستخبره فنهضت أسمى بعد لحظات طويلة وأشارت لأخيها أن يتبعها بمكتبه ، ألقى نظرة أخيرة عليهم جميعًا كيف هو وجه ريان محتقن بالدماء والدماء تجمعت في مقلتيه ومراد الذي كان حاله أكثر منه ، أنتابه الفضول ولكنه تبع شقيقته إلي المكتب ودخل فقابل الدموع التي سالت على وجنتيها تهتف ببكاء تقص عليه الأمر منذ بدايته :
_ سارة كانت تعرف واحد وبتكلمه وبتقابله كمان والمشكلة اللي حصلت بينها وبين مراد كانت بسبب ده أنه شافها وهي بتكلمه والنهردا راحتله البيت معرفش إزاي أقنعها توافق إنها تروحله الشقة ولما راحت حصل اللي حصل هناك واعتدي عليها وجبنالها الدكتور هنا وقال أنها دخلت في صدمة صعبة جدًا وحصل معاها نزيف حاد كان ممكن يوصلها للوفاة وريان ومراد مصممين أنهم يقتلوا اللي عمل كدا ومفيش واحد منهم مقتنع بأننا نفتح قضية في المحكمة ويتعاقب ، ولما راحوا هناك ملقهوش طبعًا !
مسح على شعره وأذناه لا يصدق ما يسمعه ، نزف قلبه الدماء عليها فهي بمثابة شقيقته له ، كيف يحدث هذا وكيف تنجرف تحت هذا السيل المميت ، كيف لطخت نفسها في هذا الوحل .. ولكنها لم تفعل هذا إلا لسبب قوي لا يعرفه أحد ، غليت عروق دمه وصاح بصيحة جهورية :
_ يعني أيه ملقتهوش هينفد بعملته مثلًا ، هيروح منينا فين مسيرنا هنلاقيه !
هرولت أسمى نحوه تقول متوسلة في بكاء جلي ورعب :
_ أبوس إيدك بلاش إنت كمان يا أُسيد أنا متصلة بيك وجيباك علشان تهديهم مش تسخنهم ، وطلعوا موضوع القتل ده من دماغكم أبوس إيدك !
أرتج المنزل بصراخ جعلهم ينتفضون نفضًا ، وتعرفوا عليه بمجرد سماعهم له ، يبدو أنها اسايقظت وبدأت بنوبة الصراخ تخرج شحنة الصراخ التي أكتظت بداخلها ولم تنقذها حين حدث هذا فقد كتم صراخها وجعلها بلا صوت ، ركض ريان إلى أعلى تبعته أسمى وبقى البقية بأسفل ، يوشك مراد على الانفجار لرؤيته لها في تلك الحالة ولا يستطيع أن يكون بجوارها الآن شعر بمدى حبه لها وأدرك أن غضبه ما كان إلا بدافع الغيرة القاتلة …
كانت داخل حالة مزرية تصرخ وتلقي كل ما تقابله أمامها على الأرض ، صراخ أمتزج بعَبرات مؤلمة تخرج من صميم قلبها ، هرول وهم بضمها ليهدأها ، وكالذي مست الكهرباء انتفضت للوراء تصرخ بهم ببكاء :
_ محدش يقربلي أبعدوا عني ، حراااام عليكم
تقدم خطوة للأمام في ترقب هامسًا بحنو ونظرة دافئة محبة تحمل بداخلها نفس الألم الذى بداخل عيناها :
_ سارة ياحبيبتي أنا ريان أخوكي مفيش حد هيقربلك تاني خلاص ، وهاخدلك حقك من اللي عمل كدا صدقيني قدام عينك
لا تدرك أي شئ وكأن صنف الرجال كله أصبح أمامها كالوحوش المفترسة ، حتى وإن كان هذا الرجل أبيها أو أخيها ، فواحد منهم سلب منها أعز ما تملك دون رحمة وشفقة ، كالذئاب الجائعة التي تفتش في الليل عن وجبة غذاء تشبعها وكانت هي أفضل وجبة غذاء لهم ، أنتزعوها من بين بساتين الورود وألقوها في الشوراع يدهس عليه حميع المارة ، قتلت معنويًا قبل جسديًا وما أشده شعور ، كل أحلام الفتيات الجميلة عن الزواج وفستان الزفاف ورجل يحبها ويحفظها ، أن ترى الحميع يباركها على الزواج ويهنئها ، أن ترى الحب والعشق في عيني زوجها ، باتت كلها أحلام مدفونة معها أسفل التراب يدعس عليها المارة بقسوة كما يدعسون عليها .. حرمها من أجمل فرحة تنتظرها أي فتاة فمن ذا الذي سيقبل الزواج من فتاة تعرضت للأغتضاب وكانت مِلك لغيره قبله ! … هم بالاقتراب منها ثانيًا يستعطفها أن تجعله يعانقها ويخفف عنها ولكنها دخلت في نوبة صراخ عنيفة تهتف من بين صراخها :
_ أبعدوا عني ، أطلع برا محدش يقربلي !
اقتربت أسمى منه ورتبت على كتفه قائلة برزانة ورقة يخالطها صوت باكي :
_ أطلع ياريان مش هتفهمك دلوقتي أنا فاهمة هي بتبصلك إزاي لما تهدي شوية أبقى أتكلم معاها ، روح وأنا هقعد معاها !
ألقى نظرة متحسرة ينازعها الحزن والتجلد عليها ومن ثُم أمتثل لأمر أسمى بهدوء وغادر فاقتربت هي منها بحذر هامسة بأعين دامعة :
_ سارة أهدي علشان خاطري
هدأت ثورتها بمجرد خروج ذلك الرجل ، تدعي أخيها الذي يعشقها أكثر من أي شئ ويخاف عليها برجل ! ، ولكنه التمس لها العذر في وضعها هذا . قادت أسمى خطواتها البطيئة نحوها ومن ثُم عانقتها وتنفجر في نوبة البكاء العنيفة معها ……
***
فتحت عيناها مش إشراقة يوم جديد فتنظر بجانبها لم تجده كما كان مساءًا ، تنام على صدره وتشعر بأنفاسه الدافئة وهو يعبث بخصلات شعرها ويوزع قبلاته عليه ، ظنت أنه دخل الحمام فصاحت منادية عليه لم تجد رد منه ، تعجبت بشدة وقلقت أين ذهب وتركها بمفردها هنا ، لفت انتباهها طرق الباب الذي جعلها تسر لعودته ولكن حين سمعت صوت الطارق يقول :
_ ملاك هانم !
جذبت حجابها فورًا ولفته على شعرها ثُم سمحت له بالدخول ، فيظهر من خلف الباب رجل قوي البنية أشبه بمن يتغزون على المصارعة صباحًا و مساءًا ، جذعت من منظره كطفل صغير حين يرى شخص غريب وهتفت بخوف بسيط :
_ إنت مين ؟!
_ أُسيد بيه طلع بليل وكان مستعجل جدًا وخلانا نوقف على الباب برا نحرصك طول الليل وهو جاي دلوقتي متقلقيش
زاغت نظراتها بعيد عنه تفكر بتدبر ماذا حدث جعله يخرج في آخر الليل هكذا فهو لم يفعلها معها مُطلقًا منذ زواجهم لأبد أن الأمر خطير جدًا ، دعت ربها أن تكون الأمور على ما يرام وعادت بنظرها للرجل تهز رأسها بتفهم فغادر وأغلق الباب كما كان ، دقائق ودلف الكبيب الخاص بها ليفحصها قائلًا بوجه بشوش :
_ عاملة أيه دلوقتي يا مدام ملاك
_ كويسة أوي الحمدلله يادكتور
نقل نظره في الغرفة يقول باستغراب مبتسمًا في مزاح :
_ طاب كويس جدًا الحمدلله ، أيه هو أُسيد بيه زهق منك بسرعة كدا ولا أيه ؟!
ضحكت بخفة تجيب بمرح على مزاحه اللطيف :
_ وهو يقدر طيب استنى بس يادكتور هو يرجع وأتفرج !
قهقه بقوة في عذوبة وصدق نية ، كان الطبيب لا يتخطى الثلاثين من عمره ولكن معاملته معها منذ البداية أشبه بمعاملة أخ لشقيقته ، وهي كذلك ولكن هناك من لا يعترف بهذا وإن رأى هذا المشهد سينفجر ويخرج شحنة سخطه بها ، وبالفعل يأتي في الوقت الغير مناسب لتتهجم ملامحه وتتحول للاستياء فورًا عندما رأى مزاحهم وضحكهم كأن أحدهم ألقى نكتة ، اربكتها نظرته النارية ومحت الابتسامة من على وجهها وبالأخص حين تحدث إلى الطبيب بحدة :
_ خير يادكتور أيه وضعها دلوقتي ؟
_ كويسة جدًا أوي كمان ولو حابين تخرجوا كمان تقدروا تخرجوا بكرة بس يكون في إتهمام بصحتها ووضعها علشان متتعبش
_ مينفعش نخرج النهردا طيب ؟
رمقته بدهشة فما سبب رغبته في الخروج سريعًا هكذا ، وبدأت تقلق بالفعل بشأن خروجه في المساء بدون أن يخبرها وأحست بأن هناك خطب حدث فعلًا ، أجابه الطبيب بأسف :
_ للأسف صعب جدًا العملية اللي كلعت منها مش قليلة ولازم تقعد فترة طويلة كمان تحت المراقبة بس بما إن وضعها كويس فأنا قولت ممكن تطلع بكرة بشرط الأهتمام ، ولو طلعت النهردا منضمنش ممكن يحصل أيه !؟
هتف بخشوع في صدق وصوت رجولي حازم :
_ متقلقش يادكتور هتكون كويسة وهنهتم بكل حاجة وهيكون في دكتور كل يوم بياجي يطمن على وضعها وبمجرد ماتبقى كويسة وتقدر تتحرك كويس هناجي هنا نكمل المتابعة
نظر لها نظرة مترددة ثم عاد إليه يهتف باستسلام :
_ طيب بس يكون في أهتمام شديد علشان وضعها ميسوءش أكتر
اماء له بموافقة ، ثُم غادر الطبيب فحدق بزوجته في غيظ فهمت هي جيدًا من ماذا غيظه ولكن الأمر لا يتوقف على هذا أيضًا فهناك شئ يجعله بهذا الوضع ، أطالت النظر إليه تستوجبه بنظراتها ” ماذا بك ” ، يعلم أنه ليس بشى يستدعي الجدال ولكنه وجد شى يخرج به حممه البركانية قبل أن تدمره :
_ أيه الضحك والصعصعة ده ، ناقص تجيبوا وتشربوا شاي كمان مع بعض لو اللي حصل ده أتكرر تاني مش هيحصل طيب ياملاك هانم فاهمة !
قالت بريبة من أمره وحيرة :
_ في أيه يا أُسيد مفيش حاجة حصلت ده احنا كنا بنتكلم عنك حتى يعني مش في حاجة تستحق العصبية دي ، أهدى كدا إنت مالك ؟
مسح على شعره نزولًا إلى وجهه يتأفف بقوة ثُك يأخذ مجلسًا له على أحد المقاعد ويبدأ بسرد التفاصيل لها وفور انتهاءه كانت عَبراتها أتخذت السماح فهبطت كالشلال ، تشهق بصدمة مع كل كلمة تسمعها منه لينتهى الأمر بوضعها لكفها على فمها تمنع صوت نحيبها قائلة :
_ ياحبيبتي ياسارة ربنا ينتقم منه يارب على اللي عمله معاكي .. أنا عايزة أروح خدني البيت يا أُسيد مش هرتاح غير لم أشوفها
_ طيب يلا قومي ألبسي هدومك وهنروح نقعد اليومين دول في البيت هناك أساسًا لإني مش هقدر أسيبهم
أماءت فورًا بموافقة بدون أدنى أعتراض ، فهذا رأيها أيضًا أن يكونوا بجانبهم في محنة مثل هذه وحتى إن كان يريد أن يبقزا بمنزلهم كانت سترفض وستفضل البقاء معها لتحاول التخفيف عنها قليلًا فلأبد أنها داخل صدمة قوية ، تشفق وقلبها يؤلمها ويتمزق عليها تلك المسكينة التي سلب منها أعز شئ بعد مافعله بها ، فهي كانت متزوجة من أكرم وكانت ترى معاملته القذرة لها كيف وكانت لا تتحملها برغم من أنه زوجها وتشعر بالأهانة منها ، فماذا هي وضعها الآن ؟! ……..
***
أجابت زمردة على الهاتف بخنق ، كان الرقم لا تعرفه ولكنه يصر على الاتصال فاضطرت للإجابة عليه :
_ ألو مين معايا ؟
_ أنا أكرم يازمردة !
جمدت عروق دمائها وشحب وجهها وجحظت عيناها بمجرد نطقه لاسمه وسرعان نا أحابت منفعلة :
_ إنت ليك عين تتصل ياحيوان ياقذر بعد اللي عملته عايز أيه ؟
غمغم ضاحكًا باستفزاز ، ياله من عديم أحساس ، انعدم لديه مفهوم الرجولة بكل معانيه فهتف بنبرة شيطانية :
_ بالمختصر المفيد كده عايزك تخليلي ملاك تقابلني بأي طريقة هي بمعني أصح أنا هخطفها وأبتز بيها أُسيد الصاوي ، وأنتي هتعملي كده غصب عنك وإلا إنت عارفة هيحصل أيه وأكيد مش هتحبذي إن مروان يعرف بالسر اللي مخبياه عن الكل وميعرفهوش غير إنتي ومراد ، وأياكي تحاولي تضحكي عليا وتروحي تقولي لأُسيد لأني هعرف
شعرت ببرودة أطراف جسدها والكلام وقف في حلقها لا يخرج منه صوت ، سيكشف ما عزمت على إخفاءه طول الفترة الماضية ويبتزها يمن أختها فملاك أكثر من شقيقتها ولا تستطيع أذيتها ، صاحت به في غيظ وازدراء :
_ إنت واحد قذر ومتتصلش عليا تاني أحسلك فاهم أنا مش ملاك اللي هتخاف منك وتعمل اللي تقولها عليه أو تقدر تبتزها ، أنسى يا أكرم وخليك بعيد عني وعن ملاك بدل ما أنهيك أنا !
***
وصل كل من أشجان وثروت ومحمد إلى القاهرة وبمجرد دخولها المنزل صاحت ببكاء على ابنتها واندفعت لغرفتها بأعلى فوجدتها نائمة في فراشها تتكور حول نفسها وتهلوس ببعض الكلمات كالأتي ” حرام عليك يا أسلام ، أبعد عني ، أنا عملتلك أيه علشان تعمل فيا كدا ” تقدمته وجلست بجوراها واضعة كفها على كتفها فتنتفض هي جالسة وعندنا رأت أمها والدموع تملأ عيناها ارتمت داخل أحضانها تبكي بحرقة قائلة :
_ مبقليش حاجة أحافظ عليها خلاص يا أمي ، عمل فيا كده ليه أنا أذيته في أيه ده أنا كنت لغاية أمبارح مستعدة أوافق عليه لو جه واتقدملي ، يعمل فيا كده ليه ياريته كان قتلني وريحني أحسن !
حاوطت وجهها بين كفيها تقول ببكاء حار وصوت متشنج :
_ بعد الشر عنك يابتي متقوليش كده ، ربنا مش هيسيبلك حقك ربنا ياخده يارب وينتقم منه وإخوكي وأبوكي مش هيسيبوا حقك يروح كده .. خليكي قوية كده ومتضعفيش غير لما تاخدي حقك منه وتشوفيه قدام وهو بيتعذب على اللي عمله فيكي ياحبيبتي
لا تعي ماتقوله أمها قط هي فقط تخرج مابداخلها من ألم فتستكمل بكائها وحديثها المر على القلوب وهي لا تثبت نظرها عليها :
_ أنا أنتهيت خلاص ، حلمي زي أي بنت إنها تتجوز وتلبس الفستان الأبيض وتفرح انتهي معايا ، هو أنا عملت أيه في حياتي علشان ربنا يعاقبني العقاب القاسي ده
أجهشت أشحان بالبكاء تقول بصوت مرتجف :
_ متقوليش إكده ده إنتي هتتجوزي وتعيشي حياتك ياحبيبتي إنتي معملتيش حاجة غلط وربنا عمره مابيرضى بالظلم وهياخدلك حقك ويعوضك
لسوء الحظ إن مراد كان مارًا بالصدفة من أمام غرفتها وسمع الحديث منذ البداية ، وكأن أحدهم أحضر خنجر مسموم وطعنه به في ثنايا قلبه وتركه ينزف ، ليته أدرك حبه منذ البداية لكان تزوجها ولم يتردد وكان لم يحدث هذا ، فكانت ستثق به أكثر وستقول له ولكنها الآن اختارت أن تسير وحدها بدونه وهي أفضل من يعلم إنها إن أخبرته لم يتأخر عنها ولن يتركها بمفردها بالرغم من أنه ليس لديه ذنب ولكنه يحمل نفسه الذنب الأكبر ، لعله إن كان جعلها تثق به أكثر لم تكن لتخبي عنه شئ كهذا وتذهب من دون علم أحد ، لملم أشلاء قلبه ورحل قبل أن تذرف عينه الدمع …. !
***
ارتفع ضوء القمر في السماء ولم تستطع الخروج ملاك من المستشفي بسرعة لتأخير إجراءات الخروج فقضوا النهار ينهوها حتى أتى المساء وعادوا إلى المنزل ، كانت ستذهب لرؤية سارة والأطمئنان عليها ولكنهم أخبروها أنها نائمة ، فأجلت رؤيتها لصباج غد ، وتسندت على ذراع زوجها إلى غرفته بأعلى ، كان المنزل هادئ كأنه خالي من البشر ولم يسكنه سوى الأشباح ، يحفه الحزن والكأبة من كل مكان مخيف بعض الشئ عن أول مرة دخلته وخرجت منه … دخلت الغُرفة وجالت بخاطرها ما حدث معها عندما دخلت ذلك المنزل بصفتها زوجته وما تلقته من كلام يسم البدن علي ألسنة أسمى وليلى ، ستتحمل اليومين القادمين فيه بسبب سارة ومن ثُم ستعود لمنزلها ، أنتشلها قائلًا بخشونة :
_ ملاك إنتي كويسة ، تعبتي ولا أيه ؟!
هزت رأسها بالنفي قائلة في رقة :
_ لا كويسة متقلقش ، أفتكرت حاجة بس
هم بأن يساعدها بالتسطح على الفراش فقالت فى خجل بسيط وهي تطرق أرضًا :
_ لا أنا هروح أغير هدومي في الحمام الأول
_ طيب مش ههتعوزي مساعدة لأنه صعب تغيري وحدك ؟
قالها بحسن نية في رغبة منه لمساعدتها حقًا وليس شيئًا آخر ولكنها أحمر وجهها وأصبح كالبندورة وهي تقول بخفوت مرتبك :
_ لا شكرًا ، بعدين أنا غيرت وحدي الصبح في المستشفي يا أُسيد مش هتفرق الصبح من دلوقتي يعني
هز رأسه بإيجاب فطالعته بابتسامة وذهبت إلى المرحاض تبدل ملابسها وعند خروجها وجدت على الفراش صينية تحمل فوقها طعامها اللازم والمفيد وتجده يهتف وهو يبدل ملابسه :
_ يلا كلي ياملاك علشان تاخدي العلاج وترتاحي ومتتحركيش من السرير غير للضرورة مفهوووم
اقتربت منه ووقفت خلفه لثوانٍ تحملق به بحزن وثُم تحركت لتقف في مواجهته وتقبض على كفه تقول برجاء :
_ طيب مش هتاكل معايا ، لازم تاكل يا أُسيد علشان خاطري كُلّ أي حاجة بسيطة لكن متقعدش من غير أكل كده
_ مليش نفس يا ملاك كلي إنتي !
نفيت تمامًا فكرة تناولها الطعام بدونه وأقسمت أنها لن تضع لقمة داخل فمه إلا عندما يشاركها الطعام وأن لم يفعل ستبقى بدون طعام مثله حتى يأكل ، رمقها هو بغضب زائف وضيق وأضطر لتناول القليل من الكعام معها حتى يرضيها ويقنعها ، وكانت هي تتابعه بحبٌ ولكنها تشفق عليه ولا يطاوعها قلبها أن تراه هكذا وتقف صامتة تشاهده بهذا الأسى والشجن ولكنع سبقها في الحديث حين قال وهو يدقق نظره في عيناها :
_ إنتي كنتي عارفة بموضوع أسلام ده مش كده !؟
هتفت بأسف وندم شديد :
_ أيوة وياريتني ما سكت وكنت قولت لريان ، إنت عارف من غير ما حد يقولي أيه السبب اللي خلاها تروحله أنا عارفة وهو أكيد أنه ابتزها بإنه هيقول لريان وخالي وطبعًا هي أضطرت تروح من الخوف ، يعني لو كنت قولت لريان كان زمانها مش هتخاف من حاجة ومكنتش هتروحله ، هي مش غلطانة وحدها احنا كلنا غلطانين معاها يا أُسيد
ترك الطعام من يده و أصدر تأففًا قوي ثُم نهض وجلس على الأريكة ودفن وجهه بين كفيه ، لا زال قلبه ينزف حزنًا وأسفًا عليها ، فصعب عليها أن لا تنهض وتحاول التخفيف عنه ، فنهضت بصعوبة وسارت ببطء نحوه فالطبيب حذرها من السير مسرعة وجلست بجوراه ، وكأن خجلها محي وزال ولم تعد تخجل من لمسه كما كانت تخجل سابقًا ، مدت يدها وملست على شعره هامسة بصوت أنوثي رقيق وحاني :
_ متديقش نفسك أرجوك يا أُسيد ، إنت عارف أنا مبحبش أشوفك مدايق لأي سبب كان
رفع وجهه عن كفيه وطالعه بدفء ثُم جذبها لصدره مقبلًا شعرها بنعومة ليقول شبه مازحًا في ابتسامة ضعيفة :
_ ولما مبتحبيش تشوفيني مدايق ياملاك ليه لما أكون متعصب منك مش بتاجي تصالحيني زي كده وتقولي الكلمتين دول
قالت مبتسمة بصفاء في خفوت :
_ لا لو سمحت متخلطش الأمور ببعض ده حاجة وده حاجة !
سكنت وهدأت وهي تشعر بصدره الدافء ويده تتحرك صعودًا ونزلًا على ذراعها وأنفاسه الدافئة تلفح شعرها الحريري ، برغم من غضبه وضيقه الذي يستحوذه لم يحرمها من حصتها اليومية من مزاحه وصدره الحاني الذي يضمها إليه يشعره دائمًا بوجوده معها طوال الوقت ، لم يتركها تضع رأسها على الوسادة حزينة لأنه حزين أو بسبب انفعال قاسي منه عليها ، فقد أقسم أن يعوضها عن كل شئ ويعاملها كأميرة تعيش في قصر أبيها الملك ، نعم فهو ليس زوجها فقط بل أبيها وأخيها وكل شئ … أما هي ففضلت أن تستمر في ذلك الوضع دون أن تقطع شعورها بالراحة داخل أحضانه ….. !
***
انتابه شعور بالقلق عليها فغادر غرفته وذهب نحو غرفتها ، وقف للحظات أمام الباب يسمع إن كان هناك أحدًا أو لا ، تردد كثيرًا قبل أن يفتح الباب ويدخل لرؤيته يخشى أن يصيبها بالزعر حين تراه ، وبعد تساءولات دامت للحظات منه حول الدخول أم لا فقرر وحسم أمره وفتح الباب بحذر ونظر من خلاله فوجدها نائمة في فراشها ولحسن الحظ أنها ترتدي حجابها وتنام به ، أطمئن قلبه أنها بخير ولكن دفعه قلبه يطلب منه الدخول ويتأملها عن قرب ، فلم يتردد في أن يرد قلبه خائبًا ودلف له مقتربًا منها ، ثُم جثي أمام الفراش يتأمل محياها ووجها الشاحب وعيناها المنتفختان من أثر البكاء ، أنطفأ بريق وجهها الجميل ، شغرت بعَبرة تجمعت في مقلتيه وأوشكت على السقوط فطفق يهمس بعتاب شديد في صوت يشوبه الألم :
_ ليه عملتي كده يا سارة حرام عليكي ، عملتي في نفسك كده ليه قالك أيه خلاكي تروحليه ، إزاي تعملي كده هو ده وعدك ليا إنك مش هتكلميه تاني ولا تشوفيه مهما حصل ، مش إنتي برضوا اللي قعدتي تقوليلي مش هخبي عنك حاجة تاني يامراد صدقني ومش هشوفه ومش هكلمه ومعرفش أيه وخلفتي كل وعودك ، الأول خبيتي عني وروحتي من غير نا تقوليلي مع إنك عارفة إني عمري ما كنت هسييك في موقف زي ده والتاني كلمتيه والتالت روحتيله بنفسك ، طاب قوليلي دلوقتي أنا أزعل منك ولا عليكي ، وحتى لو زعلت منك خليكي عارفة إني عمري ماهسيبك وهفضل دايما معاكي ويومين بالكتير هاخدك علشان تشوفي ال **** ده قدامك وأنا وأخوكي بناخدلك حقك منه ، يمكن إنتي خلفتي بوعودك معايا بس أنا مش هخلف أبدًا !
برغم علمه بأنها لم تسمعه ولكنه أصر على قول مافي قلبه لعلَ نيرانه تهدأ قليلًا ويرتاح حين يُخرج ماتحجر به قلبه ، أعطاها وعد وحتى إن لم تسمعه أنه سيأخذها لتراه وهو يتعذب أمامها خلال يومين ولم يخلفه مطلقًا ، ولكن ما أدراه أنها لم تسمعه فقد كانت تسمع كل كلمة تفوه بها وبقيت ساكنة لا تصدر أي ردة فعل ودموعها تجمعت في مقلتيها تخشى هبوطهما وهو أمامها ، لم يخطأ في أي كلمة قالها فهي خالفت جميع الوعود التي عاهدته عليها ، لعلَ أنها إن أخبرته بما هددها به لما كان هذا سيحدث .. سمعت صوت الباب يغلق فعلمت أنه خرج وفتحت عيناها الممتلئة وأطلقت العنان لهم تفجرهم كاشلال مياه وهي تشهق باكية تعتذر منه بتكرار قولها ” أنا أسفة ” …
***
ساعات قليلة وحتى من لم يغرق في النوم بَعدْ غرق ، استيقظت ملاك ونهضت بصعوبة ، ثُم وضعت حجابها على رأسها وغادرت الغرفة متجهة نحو المطبخ لتشرب كوب ماء فقد جف حلقها ، نزلت الدرج ببطء شديد وحذر حتى انتهي وسارت قاصدة المطبخ ببطء مماثل لنزولها الدرج وكانت الصدمة كافية لجعلها تتصلب بأرضها كالصنم حين رأت أشجان ……………..
_ يتبع ………
_ الفصل الثامن عشر _
توسلات ورجاء في بداية الأمر أن يبتعد عنها ويتركها وسرعان ما تحولت تلك التوسلات إلي صرخات كتمها هو بأحد الأقمشه يكبل يدها ، تتلوي كالثعبان وتصرخ باكية في محاولة لأصدار أي صوت ولكن دون فائدة تارة تصرخ بأسم أخيها وتارة بأبيها وتارة بمراد وهي لا حول لها ولا قوة ، لينتهي الأمر بانتهاك أعز ماتملك وسط محاولتها الفاشلة أن تنقذ نفسها من هذا الذئب ولكن في النهاية فشلت وانتهكت عذريتها ومعها انتهت هي ليس في حياتها فقط بل قتلت روحها ولم تعد موجودة إن بقت ستبقي جسد هامد بدون روح .. أخطأت حين وثقت به وخانت ثقة أهلها بها تعلم هذا ولكن لماذا يعاقبها الله بهذا العقاب القاسي سيكون أهون إن كان عرف أخيها وأبيها الأمر كانت ستتحمل عقابهم القاسي لو كانت تعرف إن هذا ماسيحدث لكانت اختارت أن يخبر أخيها على أن تأتي له ، ولكن ماذا يفيد الندم الآن فقد انتهي كل شئ .. فهي أشبه بزهرة أقتطفها أحدهم من بين بستان الزهور الزاهية والجميلة التي تنضج بالنمو والنشاط وبمجرد أصدار صوت قطفها من جذرها انتهت حياتها معها وذبلت بعد ساعات معدودة . بدأت تفقد وعيها تدريجيًا وغفيت عن العالم المحيط تمامًا ….
***
يجتمعون في المنزل ، يسير ريان يمينًا ويسارًا ويفرك يديه بتوتر ومراد يقف يستند على أحد الأركان يفكر بتدبر هل يعقل أن يكون ذلك الحيوان أصابها بمكروه ، أقسم على أنه سيقبض روحه بين يديه إن كان فعل لها شئ ، وليلى وأسمى يجلسون يتابعونهم بتوتر مماثل لهم حتى خرج صوت ريان صارخًا :
_ أيوة يعني غارت فين ومش بترد على الموبايل وحياة أمي ياسارة بس ترجعي لأكون مربيكي على طلوعك آخر الليل كدا !!
_ أهدي ياريان إن شاء الله تكون بخير هي أول مرة تعملها أكيد هي راجعة في الطريق دلوقتي
هتفت بها ليلى في محاولة من تهدئة روعه ، ولقد طرقت العاصفة المدمرة أبوابهم عند رنين هاتف مراد فأخرجه وأجاب متلهفًا لربما تكون اتصلت من رقم غريب :
_ ألو مين معايا ؟
تجمدت دمائه حين سمع صوت رجولي يقول شبه ضاحكًا :
_ ياااه السؤال ده سمعته إمتي قبل كدا ، أه أفتكرت لما كلمتني وسألتك مين معايا قولتلي سارة فاكر وأنا دلوقتي هقولك سارة معاك ، أه صحيح كمان أنت كنت بتقول هتاجي تعزي وتعمل الواجب طاب تعالي بقي مستنيك وهبعتلك العنوان في رسالة
أنزل الهاتف من على أذنه يجاهد في ضبط نفسه ، قلبه سيقفز من موضعه مربعًا عن خوفه الجلي ، لا يمكن أن يكون قتلها ! ، يقسم أنه سيقتله بأبشع الطرق .. ثوانٍ ووصلت الرسالة فأنطلق إلي الخارج يركض وتبعه ريان الذي يصيح عليه يحاول فهم أي شئ منه ولكنه يلتزم الصمت ويلهث أنفاسه المتسارعة من الرعب . أنطلقا بالسيارة نحو ذلك المنزل الذي أرسل عنوانه ، كان هو أول من يترجل ويركض إلي داخل المنزل ذات الطابق الأرضي .. كان آخر من ذهب ترك الباب مفتوح قليلًا ففتحه بترقب ودلف دفعه ريان عن طريقه واندفع يبحث في الغرف وهو يكاد يفقد عقله والآن فقده حقًا حين رأها في أحدي الغرف ملقية على الفراش ملابسها العلوية شبه ممزقة بل ممزقة بالفعل غارقة في دمائها وفاقدة الوعي ، يقف كالصنم أن قرصه ثعبان لن يشعر به فصدمته أكبر من أن تجعله يشعر بتلك القرصة وهذا الألم الذي لا يعد شيئًا أمام مايراه من وضع شقيقته الآن . لحقه مراد الذي بمجرد وقوع نظره على المشهد لم يتحمله عقله وقلبه فأشاح بوجهه فورًا بل أستدار كليًا يدفن وجهه بين ثنايا قبضتيه بخزي ، رفع رأسه واستند بقبضة يده على الحائط ويطرق رأسه أرضًا ، قلبه تمزق على زهرته التي لطالما أحبها وعشقها ليس كابنة عم فقط بل كأخت وصديقة وكل شئ ، ” ماذا فعل بكِ ذاك القذر ، لم يقتلك فعليًا وقتلك معنويًا ، أقسم لكِ أن أجعلك ترينه أمامك وهو يتعذب ويدفع جزاء ما فعله معكِ دمًا ” .. سمع صوت ريان الذي اقترب منها وفي شبه عين دامعة ملس على شعرها يقول بصوت يغالبه البكاء على حبيبته وشقيقته :
_ سارة ياحبيبتي ردي عليا ، سارة قوليلي مين عمل كدا !
حجب الآخر دمعة كادت أن تفر من بين نقلتيه بضربه للحائط بقدمه ويديه يخرج به شحنة غضبه مصدرًا معهم صرخة مدوية لعجزه عن فعل أي شئ ، وماذا سيفعل فقد انتهى الأمر ! . لفها ريان جيدًا بملائة نظيفة جلبها من الخزانة ولف حجابها على شعرها يحملها على ذراعيه ويتجه بها إلي الخارج بدون أن يراه أحدًا من المارة ووضعها في المقعد الخلفي وصعدا بالسيارة قائلًا بصوت مبحوح وهو يصدر شنة بسيطة من أنفه أثر الدموع التي هطلت منه :
_ هنروح المستشفى يلا !
صرخ به مراد منفعلًا في صياح هادر :
_ مستشفى أيه يا ريان أنت مجنون هنوديها بالمنظر ده إزاي ، هنروح البيت ونجبلها الدكتور هناك
رأى أن رأيه صحيحًا لا يجوز أخذها المستشفى بهذا الوضع فوافق قراره صائحًا به بجنون :
_ بسرعة يامراد أنا مش عايز أتأخر ، لو مش هتسوق بسرعة سيبني أنا أسوق
لم يجيبه فقط حرك محرك السيارة وأنطلق بها يخترق الحشود يكاد يكسر إشارات المرور بدون وعي منه … !!
***
ساعات قليلة وكان قد استيقظ من نومه على أثر صوت رنين الهاتف المزعج بالنسبة له ، فقد قطعه عنه نومه المريح وراحته ، نظر إلي زوجته التي مازالت نائمة على وضيعها على صدره .. تأفف بقوة من أصرار ذلك المتصل السمج وأبعد زوجته عنه بحرص شديد جدًا حتى لا يؤلمها ويسبب له الألم ، وأسند رأسها على الوسادة بأريخية وهو يبقيها بوضعية مريحة لها ، ثُم أجاب على الهاتف بدون أن ينظر للمتصل هاتفًا بصيق :
_ ألو
أتاه صوت شقيقته المرتجف ببكاء هادر تقول :
_ أُسيد تعالَ بسرعة !
أصابته بالرعب عند سمعاه لصوتها وبكائها ، أصبح يتساءل إن حدث شئ لأحد ، صوت بداخله يسأل الله أن لا يكون هناك شئ سيئ ومن ثُم خرج صوته قلقلًا :
_ في أيه يا أسمى أنتوا كويسين حد حصله حاجة ؟ ، ماما كويسة ؟
بصوت متشنج ومرتعش تجيب وقد زاد نحيبها أكثر :
_ لا مش كويسين ، في مصيبة حصلت .. تعالَ بسرعة أنا وماما مش قادرين لا على مراد ولا ريان أنا مش هعرف أقولك حاجة على الفون تعالَ وهتفهم !
لم تمهله الثوانٍ حتى ليجيب فقد أنهت الاتصال ، نظر هو إلى زوجته النائمة كيف له أن يتركها في مثل هذا الوضع ويذهب يخشى أن يصيبها أذى وهو غير موجود ، ويتضح أن الأمر شديد الخطورة في المنزل ولا يمكنه التأخير عنه .. ماذا حدث ياترى ؟ ، يا الله ألا يحق له أن يقضي أيام قليلة براحة وينعم بها بالسعادة مع زوجته ، زفر يستغفر ربه ثُم أقترب منها وانحني يطبع قبلته الرقيقة على وجنتها ، ثُم أسرع في ارتداء ملابسه وترك على باب الغرفة رجُلان من خواصه المقربين وأوصاهم أن ينتبهوا جيدًا عليها إلى حين عودته وأقسم أن حدث شئ لها سينهيهم جميعًا ..!
***
كان ريان ينتفض من الغضب بالأخص بعد ما أخبرهم الطبيب بوضعها وأنها تعرضت لنزيف حاد يكاد أن يوصلها لفراش الموت ودخولها في صدمة عصبية تمنعها عن التكلم حتي ، وتتخذ أسنى مجلسًا لها تبكي بحرقة وألم على صديقة عمرها وابنة عمها المسكينة وتشاركها ليلى البكاء على تلك الزهرة التي دهس عليها كلاب الشوراع ونجسوها ، أما مراد فمن ينظر إلى وجهه يُقذف الرعب في وجهه ، الدماء تكاد تنبجي من وجهه ، نزل البرق على كل مهو مثمر بداخله وأحرقه ، يمتم بداخله حتى يوشك على الانفجار من أقل شئ .. صوتًا ملتهب يتحدث داخله قائلًا ” أُقسم بالله أن أجعلك تتمني الموت ولن أنواله لك وبعد أن أجعلك تعيش ماجعلت تللك المسكينة تعيشه سأقبض روحك بيدي ” ، وجدوا ريان يصرخ كالمجنون يحدث مراد قائلًا :
_ وين الرقم اللي كلمك منه ال ***** يامراد ، وحياة أمي لأخد روحي بأيدي
لم يرفع نظره له فقد اكتفي بهمسه الهادئ على عكس ما بداخله من الدمار :
_ هتعمل أيه يعني هتحاول توصله من الرقم ، مش هتعرف ولا هتقدر لأنه عمل المكالمة قبل مايطلع وساب التلفون في البيت
ثُم أخرج له الهاتف يقلبه أمام وجهه بأعين متقدة كلها ذكاء ويكمل قائلًا :
_ وللأسف عمل حركة أكتر من الغباء ، ده يمكن لو كان أخده كان يمكن ينقذ نفسه لكن أنه يسيبه علشان يوقع تحت إيدي ده بحد ذاته غباء ، ميعرفش إني هوصله بكل سهولة من خلال التلفون ده !
_ واحنا هنقعد ساكتين كدا خلينا نروح نبلغ عنه ويتحاكم من غير مشاكل
رمق ريان زوجة عمه بنارية على ماتهتفت به ، ماحدث ليس بقضية قتل ، أو سرقة ، أو خطف بل هي قضية شرف ولكنها يبدو أنها نسيت عاداتهم ، فهذا لا يوجد لديه حل سوي القتل كحروب ” التار ” التي تستمر بين العائلات لسنين .. لن تخمد نار أي منهم إلا بأخذ روحه على ما ارتكبه مع ابنتهم ، سيأخذ حق شقيقته بيده لن يتركه ينعم بآخر أيامه براحة ، ارتكب أكبر جريمة وفعل الأكثر منها حين فكر بالأعتداء على حفيدة عائلة الصاوي ” أحد عائلات الصعيد المعروفة ” سيدفع الثمن روحه . هتف بهدوء يسبق العاصفة مغمغمًا :
_ في الموضوع ده بذات يامرات عمي الشرطة ملهاش دخل ، تبقي تتصلي بيهم عاد بعد وقوع الجريمة علشان ياجوا ياخدوا القاتل بإذن الله ، الشرف زي التار عندينا وأظن فهمتيني
انفتح الباب وظهر من وراءه أُسيد الذي حملق بالجميع ينقل نظره بينهم بذهول من مناظؤهم المزرية ، الجميع بخير ماذا يوجد إذا ؟! ، تمتم بتساءل :
_ في أيه مالكم حاصل أيه ؟؟!
تبادلت أسمى النظرات مع أمها يتخذون القرار حول من ستخبره فنهضت أسمى بعد لحظات طويلة وأشارت لأخيها أن يتبعها بمكتبه ، ألقى نظرة أخيرة عليهم جميعًا كيف هو وجه ريان محتقن بالدماء والدماء تجمعت في مقلتيه ومراد الذي كان حاله أكثر منه ، أنتابه الفضول ولكنه تبع شقيقته إلي المكتب ودخل فقابل الدموع التي سالت على وجنتيها تهتف ببكاء تقص عليه الأمر منذ بدايته :
_ سارة كانت تعرف واحد وبتكلمه وبتقابله كمان والمشكلة اللي حصلت بينها وبين مراد كانت بسبب ده أنه شافها وهي بتكلمه والنهردا راحتله البيت معرفش إزاي أقنعها توافق إنها تروحله الشقة ولما راحت حصل اللي حصل هناك واعتدي عليها وجبنالها الدكتور هنا وقال أنها دخلت في صدمة صعبة جدًا وحصل معاها نزيف حاد كان ممكن يوصلها للوفاة وريان ومراد مصممين أنهم يقتلوا اللي عمل كدا ومفيش واحد منهم مقتنع بأننا نفتح قضية في المحكمة ويتعاقب ، ولما راحوا هناك ملقهوش طبعًا !
مسح على شعره وأذناه لا يصدق ما يسمعه ، نزف قلبه الدماء عليها فهي بمثابة شقيقته له ، كيف يحدث هذا وكيف تنجرف تحت هذا السيل المميت ، كيف لطخت نفسها في هذا الوحل .. ولكنها لم تفعل هذا إلا لسبب قوي لا يعرفه أحد ، غليت عروق دمه وصاح بصيحة جهورية :
_ يعني أيه ملقتهوش هينفد بعملته مثلًا ، هيروح منينا فين مسيرنا هنلاقيه !
هرولت أسمى نحوه تقول متوسلة في بكاء جلي ورعب :
_ أبوس إيدك بلاش إنت كمان يا أُسيد أنا متصلة بيك وجيباك علشان تهديهم مش تسخنهم ، وطلعوا موضوع القتل ده من دماغكم أبوس إيدك !
أرتج المنزل بصراخ جعلهم ينتفضون نفضًا ، وتعرفوا عليه بمجرد سماعهم له ، يبدو أنها اسايقظت وبدأت بنوبة الصراخ تخرج شحنة الصراخ التي أكتظت بداخلها ولم تنقذها حين حدث هذا فقد كتم صراخها وجعلها بلا صوت ، ركض ريان إلى أعلى تبعته أسمى وبقى البقية بأسفل ، يوشك مراد على الانفجار لرؤيته لها في تلك الحالة ولا يستطيع أن يكون بجوارها الآن شعر بمدى حبه لها وأدرك أن غضبه ما كان إلا بدافع الغيرة القاتلة …
كانت داخل حالة مزرية تصرخ وتلقي كل ما تقابله أمامها على الأرض ، صراخ أمتزج بعَبرات مؤلمة تخرج من صميم قلبها ، هرول وهم بضمها ليهدأها ، وكالذي مست الكهرباء انتفضت للوراء تصرخ بهم ببكاء :
_ محدش يقربلي أبعدوا عني ، حراااام عليكم
تقدم خطوة للأمام في ترقب هامسًا بحنو ونظرة دافئة محبة تحمل بداخلها نفس الألم الذى بداخل عيناها :
_ سارة ياحبيبتي أنا ريان أخوكي مفيش حد هيقربلك تاني خلاص ، وهاخدلك حقك من اللي عمل كدا صدقيني قدام عينك
لا تدرك أي شئ وكأن صنف الرجال كله أصبح أمامها كالوحوش المفترسة ، حتى وإن كان هذا الرجل أبيها أو أخيها ، فواحد منهم سلب منها أعز ما تملك دون رحمة وشفقة ، كالذئاب الجائعة التي تفتش في الليل عن وجبة غذاء تشبعها وكانت هي أفضل وجبة غذاء لهم ، أنتزعوها من بين بساتين الورود وألقوها في الشوراع يدهس عليه حميع المارة ، قتلت معنويًا قبل جسديًا وما أشده شعور ، كل أحلام الفتيات الجميلة عن الزواج وفستان الزفاف ورجل يحبها ويحفظها ، أن ترى الحميع يباركها على الزواج ويهنئها ، أن ترى الحب والعشق في عيني زوجها ، باتت كلها أحلام مدفونة معها أسفل التراب يدعس عليها المارة بقسوة كما يدعسون عليها .. حرمها من أجمل فرحة تنتظرها أي فتاة فمن ذا الذي سيقبل الزواج من فتاة تعرضت للأغتضاب وكانت مِلك لغيره قبله ! … هم بالاقتراب منها ثانيًا يستعطفها أن تجعله يعانقها ويخفف عنها ولكنها دخلت في نوبة صراخ عنيفة تهتف من بين صراخها :
_ أبعدوا عني ، أطلع برا محدش يقربلي !
اقتربت أسمى منه ورتبت على كتفه قائلة برزانة ورقة يخالطها صوت باكي :
_ أطلع ياريان مش هتفهمك دلوقتي أنا فاهمة هي بتبصلك إزاي لما تهدي شوية أبقى أتكلم معاها ، روح وأنا هقعد معاها !
ألقى نظرة متحسرة ينازعها الحزن والتجلد عليها ومن ثُم أمتثل لأمر أسمى بهدوء وغادر فاقتربت هي منها بحذر هامسة بأعين دامعة :
_ سارة أهدي علشان خاطري
هدأت ثورتها بمجرد خروج ذلك الرجل ، تدعي أخيها الذي يعشقها أكثر من أي شئ ويخاف عليها برجل ! ، ولكنه التمس لها العذر في وضعها هذا . قادت أسمى خطواتها البطيئة نحوها ومن ثُم عانقتها وتنفجر في نوبة البكاء العنيفة معها ……
***
فتحت عيناها مش إشراقة يوم جديد فتنظر بجانبها لم تجده كما كان مساءًا ، تنام على صدره وتشعر بأنفاسه الدافئة وهو يعبث بخصلات شعرها ويوزع قبلاته عليه ، ظنت أنه دخل الحمام فصاحت منادية عليه لم تجد رد منه ، تعجبت بشدة وقلقت أين ذهب وتركها بمفردها هنا ، لفت انتباهها طرق الباب الذي جعلها تسر لعودته ولكن حين سمعت صوت الطارق يقول :
_ ملاك هانم !
جذبت حجابها فورًا ولفته على شعرها ثُم سمحت له بالدخول ، فيظهر من خلف الباب رجل قوي البنية أشبه بمن يتغزون على المصارعة صباحًا و مساءًا ، جذعت من منظره كطفل صغير حين يرى شخص غريب وهتفت بخوف بسيط :
_ إنت مين ؟!
_ أُسيد بيه طلع بليل وكان مستعجل جدًا وخلانا نوقف على الباب برا نحرصك طول الليل وهو جاي دلوقتي متقلقيش
زاغت نظراتها بعيد عنه تفكر بتدبر ماذا حدث جعله يخرج في آخر الليل هكذا فهو لم يفعلها معها مُطلقًا منذ زواجهم لأبد أن الأمر خطير جدًا ، دعت ربها أن تكون الأمور على ما يرام وعادت بنظرها للرجل تهز رأسها بتفهم فغادر وأغلق الباب كما كان ، دقائق ودلف الكبيب الخاص بها ليفحصها قائلًا بوجه بشوش :
_ عاملة أيه دلوقتي يا مدام ملاك
_ كويسة أوي الحمدلله يادكتور
نقل نظره في الغرفة يقول باستغراب مبتسمًا في مزاح :
_ طاب كويس جدًا الحمدلله ، أيه هو أُسيد بيه زهق منك بسرعة كدا ولا أيه ؟!
ضحكت بخفة تجيب بمرح على مزاحه اللطيف :
_ وهو يقدر طيب استنى بس يادكتور هو يرجع وأتفرج !
قهقه بقوة في عذوبة وصدق نية ، كان الطبيب لا يتخطى الثلاثين من عمره ولكن معاملته معها منذ البداية أشبه بمعاملة أخ لشقيقته ، وهي كذلك ولكن هناك من لا يعترف بهذا وإن رأى هذا المشهد سينفجر ويخرج شحنة سخطه بها ، وبالفعل يأتي في الوقت الغير مناسب لتتهجم ملامحه وتتحول للاستياء فورًا عندما رأى مزاحهم وضحكهم كأن أحدهم ألقى نكتة ، اربكتها نظرته النارية ومحت الابتسامة من على وجهها وبالأخص حين تحدث إلى الطبيب بحدة :
_ خير يادكتور أيه وضعها دلوقتي ؟
_ كويسة جدًا أوي كمان ولو حابين تخرجوا كمان تقدروا تخرجوا بكرة بس يكون في إتهمام بصحتها ووضعها علشان متتعبش
_ مينفعش نخرج النهردا طيب ؟
رمقته بدهشة فما سبب رغبته في الخروج سريعًا هكذا ، وبدأت تقلق بالفعل بشأن خروجه في المساء بدون أن يخبرها وأحست بأن هناك خطب حدث فعلًا ، أجابه الطبيب بأسف :
_ للأسف صعب جدًا العملية اللي كلعت منها مش قليلة ولازم تقعد فترة طويلة كمان تحت المراقبة بس بما إن وضعها كويس فأنا قولت ممكن تطلع بكرة بشرط الأهتمام ، ولو طلعت النهردا منضمنش ممكن يحصل أيه !؟
هتف بخشوع في صدق وصوت رجولي حازم :
_ متقلقش يادكتور هتكون كويسة وهنهتم بكل حاجة وهيكون في دكتور كل يوم بياجي يطمن على وضعها وبمجرد ماتبقى كويسة وتقدر تتحرك كويس هناجي هنا نكمل المتابعة
نظر لها نظرة مترددة ثم عاد إليه يهتف باستسلام :
_ طيب بس يكون في أهتمام شديد علشان وضعها ميسوءش أكتر
اماء له بموافقة ، ثُم غادر الطبيب فحدق بزوجته في غيظ فهمت هي جيدًا من ماذا غيظه ولكن الأمر لا يتوقف على هذا أيضًا فهناك شئ يجعله بهذا الوضع ، أطالت النظر إليه تستوجبه بنظراتها ” ماذا بك ” ، يعلم أنه ليس بشى يستدعي الجدال ولكنه وجد شى يخرج به حممه البركانية قبل أن تدمره :
_ أيه الضحك والصعصعة ده ، ناقص تجيبوا وتشربوا شاي كمان مع بعض لو اللي حصل ده أتكرر تاني مش هيحصل طيب ياملاك هانم فاهمة !
قالت بريبة من أمره وحيرة :
_ في أيه يا أُسيد مفيش حاجة حصلت ده احنا كنا بنتكلم عنك حتى يعني مش في حاجة تستحق العصبية دي ، أهدى كدا إنت مالك ؟
مسح على شعره نزولًا إلى وجهه يتأفف بقوة ثُك يأخذ مجلسًا له على أحد المقاعد ويبدأ بسرد التفاصيل لها وفور انتهاءه كانت عَبراتها أتخذت السماح فهبطت كالشلال ، تشهق بصدمة مع كل كلمة تسمعها منه لينتهى الأمر بوضعها لكفها على فمها تمنع صوت نحيبها قائلة :
_ ياحبيبتي ياسارة ربنا ينتقم منه يارب على اللي عمله معاكي .. أنا عايزة أروح خدني البيت يا أُسيد مش هرتاح غير لم أشوفها
_ طيب يلا قومي ألبسي هدومك وهنروح نقعد اليومين دول في البيت هناك أساسًا لإني مش هقدر أسيبهم
أماءت فورًا بموافقة بدون أدنى أعتراض ، فهذا رأيها أيضًا أن يكونوا بجانبهم في محنة مثل هذه وحتى إن كان يريد أن يبقزا بمنزلهم كانت سترفض وستفضل البقاء معها لتحاول التخفيف عنها قليلًا فلأبد أنها داخل صدمة قوية ، تشفق وقلبها يؤلمها ويتمزق عليها تلك المسكينة التي سلب منها أعز شئ بعد مافعله بها ، فهي كانت متزوجة من أكرم وكانت ترى معاملته القذرة لها كيف وكانت لا تتحملها برغم من أنه زوجها وتشعر بالأهانة منها ، فماذا هي وضعها الآن ؟! ……..
***
أجابت زمردة على الهاتف بخنق ، كان الرقم لا تعرفه ولكنه يصر على الاتصال فاضطرت للإجابة عليه :
_ ألو مين معايا ؟
_ أنا أكرم يازمردة !
جمدت عروق دمائها وشحب وجهها وجحظت عيناها بمجرد نطقه لاسمه وسرعان نا أحابت منفعلة :
_ إنت ليك عين تتصل ياحيوان ياقذر بعد اللي عملته عايز أيه ؟
غمغم ضاحكًا باستفزاز ، ياله من عديم أحساس ، انعدم لديه مفهوم الرجولة بكل معانيه فهتف بنبرة شيطانية :
_ بالمختصر المفيد كده عايزك تخليلي ملاك تقابلني بأي طريقة هي بمعني أصح أنا هخطفها وأبتز بيها أُسيد الصاوي ، وأنتي هتعملي كده غصب عنك وإلا إنت عارفة هيحصل أيه وأكيد مش هتحبذي إن مروان يعرف بالسر اللي مخبياه عن الكل وميعرفهوش غير إنتي ومراد ، وأياكي تحاولي تضحكي عليا وتروحي تقولي لأُسيد لأني هعرف
شعرت ببرودة أطراف جسدها والكلام وقف في حلقها لا يخرج منه صوت ، سيكشف ما عزمت على إخفاءه طول الفترة الماضية ويبتزها يمن أختها فملاك أكثر من شقيقتها ولا تستطيع أذيتها ، صاحت به في غيظ وازدراء :
_ إنت واحد قذر ومتتصلش عليا تاني أحسلك فاهم أنا مش ملاك اللي هتخاف منك وتعمل اللي تقولها عليه أو تقدر تبتزها ، أنسى يا أكرم وخليك بعيد عني وعن ملاك بدل ما أنهيك أنا !
***
وصل كل من أشجان وثروت ومحمد إلى القاهرة وبمجرد دخولها المنزل صاحت ببكاء على ابنتها واندفعت لغرفتها بأعلى فوجدتها نائمة في فراشها تتكور حول نفسها وتهلوس ببعض الكلمات كالأتي ” حرام عليك يا أسلام ، أبعد عني ، أنا عملتلك أيه علشان تعمل فيا كدا ” تقدمته وجلست بجوراها واضعة كفها على كتفها فتنتفض هي جالسة وعندنا رأت أمها والدموع تملأ عيناها ارتمت داخل أحضانها تبكي بحرقة قائلة :
_ مبقليش حاجة أحافظ عليها خلاص يا أمي ، عمل فيا كده ليه أنا أذيته في أيه ده أنا كنت لغاية أمبارح مستعدة أوافق عليه لو جه واتقدملي ، يعمل فيا كده ليه ياريته كان قتلني وريحني أحسن !
حاوطت وجهها بين كفيها تقول ببكاء حار وصوت متشنج :
_ بعد الشر عنك يابتي متقوليش كده ، ربنا مش هيسيبلك حقك ربنا ياخده يارب وينتقم منه وإخوكي وأبوكي مش هيسيبوا حقك يروح كده .. خليكي قوية كده ومتضعفيش غير لما تاخدي حقك منه وتشوفيه قدام وهو بيتعذب على اللي عمله فيكي ياحبيبتي
لا تعي ماتقوله أمها قط هي فقط تخرج مابداخلها من ألم فتستكمل بكائها وحديثها المر على القلوب وهي لا تثبت نظرها عليها :
_ أنا أنتهيت خلاص ، حلمي زي أي بنت إنها تتجوز وتلبس الفستان الأبيض وتفرح انتهي معايا ، هو أنا عملت أيه في حياتي علشان ربنا يعاقبني العقاب القاسي ده
أجهشت أشحان بالبكاء تقول بصوت مرتجف :
_ متقوليش إكده ده إنتي هتتجوزي وتعيشي حياتك ياحبيبتي إنتي معملتيش حاجة غلط وربنا عمره مابيرضى بالظلم وهياخدلك حقك ويعوضك
لسوء الحظ إن مراد كان مارًا بالصدفة من أمام غرفتها وسمع الحديث منذ البداية ، وكأن أحدهم أحضر خنجر مسموم وطعنه به في ثنايا قلبه وتركه ينزف ، ليته أدرك حبه منذ البداية لكان تزوجها ولم يتردد وكان لم يحدث هذا ، فكانت ستثق به أكثر وستقول له ولكنها الآن اختارت أن تسير وحدها بدونه وهي أفضل من يعلم إنها إن أخبرته لم يتأخر عنها ولن يتركها بمفردها بالرغم من أنه ليس لديه ذنب ولكنه يحمل نفسه الذنب الأكبر ، لعله إن كان جعلها تثق به أكثر لم تكن لتخبي عنه شئ كهذا وتذهب من دون علم أحد ، لملم أشلاء قلبه ورحل قبل أن تذرف عينه الدمع …. !
***
ارتفع ضوء القمر في السماء ولم تستطع الخروج ملاك من المستشفي بسرعة لتأخير إجراءات الخروج فقضوا النهار ينهوها حتى أتى المساء وعادوا إلى المنزل ، كانت ستذهب لرؤية سارة والأطمئنان عليها ولكنهم أخبروها أنها نائمة ، فأجلت رؤيتها لصباج غد ، وتسندت على ذراع زوجها إلى غرفته بأعلى ، كان المنزل هادئ كأنه خالي من البشر ولم يسكنه سوى الأشباح ، يحفه الحزن والكأبة من كل مكان مخيف بعض الشئ عن أول مرة دخلته وخرجت منه … دخلت الغُرفة وجالت بخاطرها ما حدث معها عندما دخلت ذلك المنزل بصفتها زوجته وما تلقته من كلام يسم البدن علي ألسنة أسمى وليلى ، ستتحمل اليومين القادمين فيه بسبب سارة ومن ثُم ستعود لمنزلها ، أنتشلها قائلًا بخشونة :
_ ملاك إنتي كويسة ، تعبتي ولا أيه ؟!
هزت رأسها بالنفي قائلة في رقة :
_ لا كويسة متقلقش ، أفتكرت حاجة بس
هم بأن يساعدها بالتسطح على الفراش فقالت فى خجل بسيط وهي تطرق أرضًا :
_ لا أنا هروح أغير هدومي في الحمام الأول
_ طيب مش ههتعوزي مساعدة لأنه صعب تغيري وحدك ؟
قالها بحسن نية في رغبة منه لمساعدتها حقًا وليس شيئًا آخر ولكنها أحمر وجهها وأصبح كالبندورة وهي تقول بخفوت مرتبك :
_ لا شكرًا ، بعدين أنا غيرت وحدي الصبح في المستشفي يا أُسيد مش هتفرق الصبح من دلوقتي يعني
هز رأسه بإيجاب فطالعته بابتسامة وذهبت إلى المرحاض تبدل ملابسها وعند خروجها وجدت على الفراش صينية تحمل فوقها طعامها اللازم والمفيد وتجده يهتف وهو يبدل ملابسه :
_ يلا كلي ياملاك علشان تاخدي العلاج وترتاحي ومتتحركيش من السرير غير للضرورة مفهوووم
اقتربت منه ووقفت خلفه لثوانٍ تحملق به بحزن وثُم تحركت لتقف في مواجهته وتقبض على كفه تقول برجاء :
_ طيب مش هتاكل معايا ، لازم تاكل يا أُسيد علشان خاطري كُلّ أي حاجة بسيطة لكن متقعدش من غير أكل كده
_ مليش نفس يا ملاك كلي إنتي !
نفيت تمامًا فكرة تناولها الطعام بدونه وأقسمت أنها لن تضع لقمة داخل فمه إلا عندما يشاركها الطعام وأن لم يفعل ستبقى بدون طعام مثله حتى يأكل ، رمقها هو بغضب زائف وضيق وأضطر لتناول القليل من الكعام معها حتى يرضيها ويقنعها ، وكانت هي تتابعه بحبٌ ولكنها تشفق عليه ولا يطاوعها قلبها أن تراه هكذا وتقف صامتة تشاهده بهذا الأسى والشجن ولكنع سبقها في الحديث حين قال وهو يدقق نظره في عيناها :
_ إنتي كنتي عارفة بموضوع أسلام ده مش كده !؟
هتفت بأسف وندم شديد :
_ أيوة وياريتني ما سكت وكنت قولت لريان ، إنت عارف من غير ما حد يقولي أيه السبب اللي خلاها تروحله أنا عارفة وهو أكيد أنه ابتزها بإنه هيقول لريان وخالي وطبعًا هي أضطرت تروح من الخوف ، يعني لو كنت قولت لريان كان زمانها مش هتخاف من حاجة ومكنتش هتروحله ، هي مش غلطانة وحدها احنا كلنا غلطانين معاها يا أُسيد
ترك الطعام من يده و أصدر تأففًا قوي ثُم نهض وجلس على الأريكة ودفن وجهه بين كفيه ، لا زال قلبه ينزف حزنًا وأسفًا عليها ، فصعب عليها أن لا تنهض وتحاول التخفيف عنه ، فنهضت بصعوبة وسارت ببطء نحوه فالطبيب حذرها من السير مسرعة وجلست بجوراه ، وكأن خجلها محي وزال ولم تعد تخجل من لمسه كما كانت تخجل سابقًا ، مدت يدها وملست على شعره هامسة بصوت أنوثي رقيق وحاني :
_ متديقش نفسك أرجوك يا أُسيد ، إنت عارف أنا مبحبش أشوفك مدايق لأي سبب كان
رفع وجهه عن كفيه وطالعه بدفء ثُم جذبها لصدره مقبلًا شعرها بنعومة ليقول شبه مازحًا في ابتسامة ضعيفة :
_ ولما مبتحبيش تشوفيني مدايق ياملاك ليه لما أكون متعصب منك مش بتاجي تصالحيني زي كده وتقولي الكلمتين دول
قالت مبتسمة بصفاء في خفوت :
_ لا لو سمحت متخلطش الأمور ببعض ده حاجة وده حاجة !
سكنت وهدأت وهي تشعر بصدره الدافء ويده تتحرك صعودًا ونزلًا على ذراعها وأنفاسه الدافئة تلفح شعرها الحريري ، برغم من غضبه وضيقه الذي يستحوذه لم يحرمها من حصتها اليومية من مزاحه وصدره الحاني الذي يضمها إليه يشعره دائمًا بوجوده معها طوال الوقت ، لم يتركها تضع رأسها على الوسادة حزينة لأنه حزين أو بسبب انفعال قاسي منه عليها ، فقد أقسم أن يعوضها عن كل شئ ويعاملها كأميرة تعيش في قصر أبيها الملك ، نعم فهو ليس زوجها فقط بل أبيها وأخيها وكل شئ … أما هي ففضلت أن تستمر في ذلك الوضع دون أن تقطع شعورها بالراحة داخل أحضانه ….. !
***
انتابه شعور بالقلق عليها فغادر غرفته وذهب نحو غرفتها ، وقف للحظات أمام الباب يسمع إن كان هناك أحدًا أو لا ، تردد كثيرًا قبل أن يفتح الباب ويدخل لرؤيته يخشى أن يصيبها بالزعر حين تراه ، وبعد تساءولات دامت للحظات منه حول الدخول أم لا فقرر وحسم أمره وفتح الباب بحذر ونظر من خلاله فوجدها نائمة في فراشها ولحسن الحظ أنها ترتدي حجابها وتنام به ، أطمئن قلبه أنها بخير ولكن دفعه قلبه يطلب منه الدخول ويتأملها عن قرب ، فلم يتردد في أن يرد قلبه خائبًا ودلف له مقتربًا منها ، ثُم جثي أمام الفراش يتأمل محياها ووجها الشاحب وعيناها المنتفختان من أثر البكاء ، أنطفأ بريق وجهها الجميل ، شغرت بعَبرة تجمعت في مقلتيه وأوشكت على السقوط فطفق يهمس بعتاب شديد في صوت يشوبه الألم :
_ ليه عملتي كده يا سارة حرام عليكي ، عملتي في نفسك كده ليه قالك أيه خلاكي تروحليه ، إزاي تعملي كده هو ده وعدك ليا إنك مش هتكلميه تاني ولا تشوفيه مهما حصل ، مش إنتي برضوا اللي قعدتي تقوليلي مش هخبي عنك حاجة تاني يامراد صدقني ومش هشوفه ومش هكلمه ومعرفش أيه وخلفتي كل وعودك ، الأول خبيتي عني وروحتي من غير نا تقوليلي مع إنك عارفة إني عمري ما كنت هسييك في موقف زي ده والتاني كلمتيه والتالت روحتيله بنفسك ، طاب قوليلي دلوقتي أنا أزعل منك ولا عليكي ، وحتى لو زعلت منك خليكي عارفة إني عمري ماهسيبك وهفضل دايما معاكي ويومين بالكتير هاخدك علشان تشوفي ال **** ده قدامك وأنا وأخوكي بناخدلك حقك منه ، يمكن إنتي خلفتي بوعودك معايا بس أنا مش هخلف أبدًا !
برغم علمه بأنها لم تسمعه ولكنه أصر على قول مافي قلبه لعلَ نيرانه تهدأ قليلًا ويرتاح حين يُخرج ماتحجر به قلبه ، أعطاها وعد وحتى إن لم تسمعه أنه سيأخذها لتراه وهو يتعذب أمامها خلال يومين ولم يخلفه مطلقًا ، ولكن ما أدراه أنها لم تسمعه فقد كانت تسمع كل كلمة تفوه بها وبقيت ساكنة لا تصدر أي ردة فعل ودموعها تجمعت في مقلتيها تخشى هبوطهما وهو أمامها ، لم يخطأ في أي كلمة قالها فهي خالفت جميع الوعود التي عاهدته عليها ، لعلَ أنها إن أخبرته بما هددها به لما كان هذا سيحدث .. سمعت صوت الباب يغلق فعلمت أنه خرج وفتحت عيناها الممتلئة وأطلقت العنان لهم تفجرهم كاشلال مياه وهي تشهق باكية تعتذر منه بتكرار قولها ” أنا أسفة ” …
***
ساعات قليلة وحتى من لم يغرق في النوم بَعدْ غرق ، استيقظت ملاك ونهضت بصعوبة ، ثُم وضعت حجابها على رأسها وغادرت الغرفة متجهة نحو المطبخ لتشرب كوب ماء فقد جف حلقها ، نزلت الدرج ببطء شديد وحذر حتى انتهي وسارت قاصدة المطبخ ببطء مماثل لنزولها الدرج وكانت الصدمة كافية لجعلها تتصلب بأرضها كالصنم حين رأت أشجان ……………..
_ يتبع ………
