رواية اشلاء القلوب الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم ندي محمود
رواية اشلاء القلوب الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم ندي محمود
(( أشلاء القلوب ))
_ الفصل الثالث والثلاثون _
عكر مجلسهم صوت انطلاق رصاصة من إحدى الجهات لتستقر في جسد أحدهم ، وكانت صرخة أول امرأة منهم ملاك التي كانت جالسة بجواره وصرخت بفزع :
_ أُسيد
هب الرجال واقفين في فزع وظلوا يتلفتون حولهم في هلع وكأن من أطلق هذه الرصاصة اختفى في لحظتها ، أما أُسيد فكان الألم أكبر من قوة تحمله وفقد دماء كثيرة جعلته غير قادر على فتح عيناه وفي ظرف لحظات كان يغلق عيناه فاقدًا للوعي وسط صراخ كل من زوجته وأمه وأخته الهستيري .
دقائق قليلة وكان الجميع داخل المستشفى باستثناء ريان وثروت الذين قالوا إنهم سيتفحصون المكان من حول المنزل جيدًا لعلهم يجدوا الفاعل . وبينما كان هو داخل غرفة العمليات كان الجميع بالخارج وكانت ملاك في حالة بكاء عنيف تنتفض جالسة وبجزارها زمردة تحاول تهدئتها ، وليلى تندب وتبكي من خوفها على أبنها ، وأسمى لم تتوقف عن البكاء للحظة واحدة ومروان بجوارها تارة يحاول يضمها لصدره وتارة يحاول تهدئتها بالكلام ، أما مراد فكان ساكنًا تمامًا يفرك يداه ببعضهم في اغتياظ ويقسم أن تلك المدعوة بأشجام هي وراء ذلك الأمر ستكون آخر أنفاس تلفظها اقتربت كثيرًا ولكن أهم شيء الآن أن يخرج أخيه سالمًا.
بينما على الجانب الآخر كانت سارة تجلس على مقعد بعيد عنهم تمامًا ووضعها لا يختلف كثيرًا عن زوجها تسترجع في عقلها ذلك الكلام التي سمعته من أمها عندما كانت تتحدث في الهاتف مع أحدهم بعدما علم الجميع بأمرها ويبدو أنها تخطط لشيء ولكنها لم تكن تعرف في ذاك الوقت ماهو ذلك الشيء والآن عرفته . هبت واقفة وتوجهت نحو زوجها ثم اقتربت من أذنه لتهمس قائلة :
_ أنا رايحة الحمام
طالعها بصمت ولم يُبدي أي ردة فعل وظل يتابعها وهي تتجه كما تقول للحمام ولكن لاحظ أن ذلك لم يكن الطريق المؤدي إلى الحمام بل للخروج من المستشفى ، فعلم أنها تنوي على فعل شيء لا يعرفه فأسرع خلفها بعد أن أشار إلى مروان بيده ففهم مقصده وأماء له برأسه بمعنى ” لا تقلق ” . بينما هي فصعدت بسيارة أجرة وأسرع هو خلفها بسيارته ، دقائق طويلة وتوقفت السيارة أمام إحدى المباني وترجلت هي منها بعد أن دفعت أجرة السائق وهرولت مسرعة إلى داخل المبنى قاصدة إحدى الشقق ، أما هو فظل جالسًا في السيارة يحملق في هذا المبنى بدهشة ، ولكن كانت نيرانه كافية لحرق أي شيء داخله وهو يراها تدخل مبنى لا يعرفه في هذا الوقت المتأخر وتقصد إحدى الشقق الذي لا يعرف لمن تكون هذه الشقة ، ولحظات ودهش بسيارة الشرطة التي وقفت أمام المبنى ! .
فتحت لها الباب وبمجرد رؤيتها لها عانقتها بشدة وهي تقول بسعادة :
_ سارة وحشتيني ياحبيبتي تعالي ادخلي ، إيه اللي جايبك بليل متأخر دلوقتي !؟
كانت نظراته معاتبة ومتخاذلة لما فعلته ، مليئة بالدموع وهي تقول :
_ كنت عند أُسيد في المستشفى ، حالته خطرة ومحدش عارف ممكن يقوم منها ولا لا
تصنعت الصدمة وهي تقول بفزع :
_ إيه !! ، ماله أُسيد حصل معاه إيه ؟!
سالت دمعة حارقة منها على وجنتها وهي تقول بحرقة :
_ إنتي مش عارفة حصل معاه إيه يعني ، عملتي كدا ليه ياماما حرام عليكي مش مكفيكي اللي عملتيه ، ليه مصممة تكرهينا فيكي أكتر .. إنتي عارفة غالي علينا أنا وريان وأنا بعتبره أخويا التاني بعد ريان ، صدقيني لو حصله حاجة مش هسامحك أبدًا
تلعثمت في الكلام وقالت بتوتر :
_ عـ..ملت إيه ؟ ، أنا معملتش حاجة وإيه الكلام اللي بتقوليه ده يابنتي !
وجدت أشجان الشرطة يصعدون الدرج ليقفون خلف ابنتها ، فرمقتها بذهول متمتمة :
_ جبتيلي البوليس ياسارة ، هتحبسي أمك !
كانت تسيل عبراتها على وجهها في صمت وهي تطالعها بانكسار وضعف ، وفي ظرف ثوانٍ كان أحد العساكر يقيد إيدي أشجان بالقيود ويسحبها إلى الخارج ، فألقت هي نظرة أخيرة إلى ابنتها قائلة ببكاء :
_ ليه إكده ياسارة ، ربنا يسامحك يابتي
في هذه الأثناء كان مراد يصعد الدرج مسرعًا يحاول إيجاد زوجته فتسمر بأرضه للحظات حينما وجد أشجان والشرطة تكبل يديها وتنظر له بأعين نارية وشرسة ، ولكنه أول ما خطر على باله هو زوجته التي ركض إلى أعلى مسرعًا فوجدها جالسة على الأرض منكبة على نفسها تبكي بحرقة ، فاقترب منها وجثى على ركبتيه أمامها قائلًا بهدوء :
_ سارة ياحبيبتي فهميني حصل إيه !
طالعته بأعين غارقة في الدموع وسرعان ما ارتمت داخل أحضانه تبكي بمرارة مغمغمة :
_ سجنت ماما يامراد ، يعني لو عرفوا كل حاجة عملتها مش بعيد تتعدم
_ طيب إهدي وفهميني إنتي عملتي كدا ليه ؟!
تجاهلت سؤاله وأكملت ببكاء أشبه بالصياح :
_ آاااه ، ليه وصلتينا للوضع ده ياماما حرام عليكي
فهم أنها ليه في وضع يُسمح فيه التقاش أو الرد على أسئلته فمرر يده على ظهرها وقبل رأسها وهي مازالت تبكي بكاءًا عنيفًا وتردد أسمها من بين بكائها ، وكأنها فعلت وندمت على ما فعلت ، وفي ذات الوقت هي تدرك أن هذا سيكون الأفضل للأغلبية منهم ولن تحاول أذية أحد مجددًا . أوقفها على قدميها وساعدها على النزول الدرج وهي غير واعية لأي شيء فقط تبكي بحرقة شديدة .
***
بعد مرور ساعات من انتهاء العملية وبعد أن أخبرهم الطبيب بأن وضعه غير مستقر حتى الآن ولكنه سيبقى تحت المراقبة لمدة 24 ساعة حتى يتأكدون من سلامته وسمح لهم بالدخول له ولكن شخص واحد يدخل وعندما يخرج يدخل غيره ، وطلب منهم ان لا يعكروا الوسط بالداخل ويصدرون الإزعاج على المريض . وكان أول من دخل هي ملاك حيث وقفت أمامه بعينان غارقتان بالدموع ثم انحنت وقبلت جبينه برقة ، ومن ثم جلست على الأرض أمام فراشه وأمسكت بيده تقبلها قبلة مطولة وهي تصدر تشنجات من فرط البكاء وتتمتم :
_ إنت عارف إن أنا مقدرش أعيش من غيرك لحظة وحدة ، لدرجة إني كنت بدعي ربنا أن يومي يكون قبل يومك مع إني عارفة إن دي أقدار وكل واحد مكتوبله هيموت إمتى ، بس فكرة إن أعيش من غيرك دي مستحيلة صدقني ، أنا أول ما شوفتك عند أكرم في البيت حسيت بحاجة غريبة ، كنت أول مرة أحسها ولما أتجوزتك شوفت الحنية والأهتمام اللي أنا فقدته من وقت موت ماما برغم من إنك مكنتش بتحبني بس معاملتك وطيبة قلبك كانت كفيلة أنها تخليني مجنونة بيك ، كنت بشوف فيك الراجل اللي كنت بتمناه فعلًا ، اللي في وقت الشدة هلاقيه في ضهري وبيحميني وفي الفرح هيكون أول واحد يفرح معايا ، عمري ما حسيت بالإهانة وأنا معاك لا في معاملة منك ولا في كلام ولما كنت بقولك إنك مصنتنيش أو هنتني كنت كدابة لإن عمري ما كنت أحلم إن ربنا يكرمني براجل زيك ، فمش معقول بعد ده كله تحرمني منك ، إنت قوم بالسلامة بس وصدقني مش هزعلك تاني ولا هخليك تتعصب مني واللي هتقوَّلي عليه هعمله من غير كلام
صمتت لبرهة من الوقت ثم أكملت بابتسامة رائعة وهي تقول :
_ تعرف أنا كنت مجهزالك مفاجأة أول ما نرجع البيت وعارفة كويس أوي هتكون ردة فعلك إيه لما تعرفها ، وبالرغم من كدا عايزة أشوف الفرحة في عنيك لما تعرفها
كان يستمع إلى كل حرف تتفوه به ولكن غير قادرًا على فتح عيناه أو التحدث حتى ، ولكن من داخله يتراقص فرحًا لسماعه لهذه الكلمات منها ، لاكتشافه مدى حبها له ووعدها له بأنه إن أفاق لن تجعله يغضب منها مجددًا ، ومفاجأتها له التي يتحرق شوقًا لمعرفتها ، كل هذا كان يسمعه ويود النهوض ومعانقتها ولكنه لا يستطيع فاكتفى بأن يضغط بيده على يدها ضغطة خفيفة ليعلمها بشعوره بوجودها ، فهبت هي واقفة بفرحة غامرة عندما شعرت بلمسته وغادرت الغرفة مهرولة ؛ لكي تخبر الطبيب بوضعه .
***
مرت 24 ساعة بجو يشوبه القلق والخوف وكان الجميع قد رحل بعد أن أخبروهم بأنه لا يمكن أن يبقى الجميع فقط أثنان أو واحد يبقى مع المريض فبقى كل من مراد وملاك . وبينما كانت ملاك نائمة على المقعد وبجوارها مراد يجلس صامتًا كعادته يحدق في السقف ويفكر في زوجته وسبب فعلتها تلك ، ويتساءل هل عرفت شيء آخر أم ماذا ياترى ، قطع تفكيره صوت الطبيب الذي خرج من الغرفة وقال له بابتسامة عذبة وجميلة :
_ حمدلله على سلامته ، الحمدلله فاق ووضعه اتحسن كتير وهننقله أوضة عادية دلوقتي
اختفى العبوس من على وجهه ليحل محله السعادة وهو يقول :
_ الحمدلله يعني هو كويس دلوقتي
_ كويس الحمدلله وهتشوفه لما نتقله الأوضة
انصرف الطبيب فحمد الآخر ربه بارتياح واقترب من ملاك وقال بهدوء :
_ ملاك ، ملاك قومي
نهضت على صوته وهتفت بفزع :
_ في إيه أُسيد حصله حاجة ؟
رأت الابتسامة الواسعة على وجهه وهو يتمتم بوجه مشرق :
_ أُسيد زي الفل الحمدلله ، الدكتور بيقول فاق ووضعه كويس وهينقوله اوضة عادية دلوقتي
وثبت واقفة وقد تهللت أساريرها وعادت إشراقة وجهها الجميل ولمعت عيناه العسليتين ببريق ساحر وهي تشكر ربها مرددة ” اللهم لك الحمد والشكر يارب ، الحمدلله ” ، ثم جلسوا ينتظروا نقله حتى يدخلون له .
مرت ما يقارب الربع ساعة حتى دخلوا له وبمجرد رؤيتها له هرولت إليه تعانقه وهي تقول بسعادة :
_ حمدلله على سلامتك ياحبيبي ، الحمدلله إنك قمتلنا بخير
لف يده حول ظهرهها وتمتم بخفوت ناعم :
_ الله يسلمك ياقلب حبيبك
ابتعدت عنه وهي تجفف دموع عيناها التي تدفقت من فرط سعادتها ، فوجد هو أخيه يقترب منه ويعانقه متمتمًا :
_ حمدلله على سلامتك ياراجل خضتنا عليك
نظر حوله وقال بتساءل :
_ أمال فين الباقي ؟!
_ روَّحوا إمبارح لما الدكتور قال مينفعش يقعدوا أكتر من اتنين ، هروح دلوقتي اكلمهم وأقولهم إنك بقيت كويس
أماء له برأسه في ابتسامة هادئة وبمجرد انصرافه تحرك بصعوبة في الفراش ليفسح مجال لها كي تجلس بجواره ثم داعها إلى التسطح بجواره قائلًا :
_ تعالى اقعدي
ابتسمت له بعشق ثم اقترب وجلست بجواره واستندت برأسها على صدره متمتمة :
_ ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك
اتسعت ابتسامته ثم قال بشيء من المكر في صوت ضعيف ومتعب :
_ لا بس مكنتش متوقع إنك بتحبيني للدرجة دي ، وياترى هتوفي بوعدك ولا لا !
فهمت مقصده بعد ثوانٍ طويلة ثم قالت ضاحكة في مرح :
_ إيه ده يا لئيم إنت كنت سامعني ! ، أكيد مش هوفي أنا بس كان الحزن مأثر عليا شوية لكن أنا مقدرش أقعد من غير ما أحرق دمك واناكف فيك
قهقه بقوة قائلًا في مداعبة :
_ ما شاء الله في لحظة رجعتي في كلامك !
شاركته الضحك ثم طبعت قبلتها الرقيقة على وجنته متمتمة بدلال مغري :
_ بهزر معاك ياسيدو ، أكيد هوفي بوعدي وهو أنا مسمعتش كلامك هسمع كلام مين يعني !
طالعها مبتسمًا وقال بشيء من الاستنكار :
_ سيدو !!!
_ إيه مش عاجبك !؟
قرب وجهه منها وهمس في خبث :
_ لا إزاي ، أي حاجة منك سكر ياجميل إنت
دفعته بخفة بعيدًا عنه وهي تقول بشيء من الخجل :
_ بطل قلة أدب بقى
أصدر تأوهًا قوي فاسرعت وقالت باعتذار صادق :
_ أنا آسفة معلش والله ما أقصد إنت بس لو تحترم نفسك ميحصلش كدا
قال بغضب زائف تصنعه بمهارة :
_ لا أسفك مش مقبول ، الكلام مش بيأكل عيش !
_ وإن شاء الله عنك ما قبلته إنت هتتدلع عليا !
كبت ضحكته بصعوبة واستمر في تصنع الغضب قائلًا :
_ طاب قومي من جمبي بلا قرف
_ لا أنا نطعة وهغلس عليك
باغتها بنظرة مغتاظة ومتضايقة فانفجرت هي ضاحكة بشدة ، فقطع ضحكتهم طرق الباب فاعتدلت هي في مجلسها فورًا ودخل مراد ثم توجه أخيه وقال بجدية تامة :
_ أمك جاية دلوقتي معاهم بلاش عند يا أُسيد أنا قولتلك كل حاجة وسامحها ، ياخي ده حتى إنت آخر واحد كنت اتوقع إنك تزعل منها كدا
أماء له برأسه في رزانة متمتمًا :
_ ماشي يا مراد متقلقش أنا مش وحش أوي كدا يعني
_ تمام أنا هروح أطمن على سارة وبعدين هروح الشركة أشوف الشغل لو عوزت حاجة أبقى كلمني
_ إن شاء الله
***
وصل إلى المنزل وفتح الباب فوجدها جالسة على الأريكة في صمت وعبوس ، فأصدر تنهيدة قوية واقترب وجلس بجانبها وكالعادة مد يده يمررها على شعرها الناعم قائلًا :
_ فطرتي ولا قاعدة من غير أكل لغاية دلوقتي ياسارة !
تمتمت بوجه شاحب وحزين :
_ مليش نفس يامراد والله
أجابها مداعبًا :
_ لا مليش نفس إيه احنا معندناش بنات تقول مليش نفس ، أنا هقوم أعملك الاكل بنفسي كمان دلوقتي وناكل .. يلا محدش قدك ياعم أنا بكسل ما أعمل كباية شاي لنفسي ، عشان خاطرك هقوم أعمل أكل لينا تخيلي
طالعته بعينان تهيمان بالحب والعشق ثم أمسكت بيده وقالت في نعومة وصوت أنوثي رقيق :
_ ربنا يخليك ليا ياحبيبي بس والله مش جعانة ومليش نفس
استقرت منه نظرة مستاءة ثم قال بجدية مزيفة جعلت الابتسامة تعلو وجهها وتظهر عن صف أسنانها البيضاء :
_ بهيرة تقول لبهبوري إيه ؟
كانت ابتسامتها أشبه بضحكة وهي تجيبه باستسلام :
_ وهي بهيرة تقدر تقول إيه غير حاضر !
هب واقفًا بعد أن زينت الابتسامة العاشقة وجهه وانحنى ليمسك بوجهها ويطبع قبلة حانية على جبينها متمتمًا :
_ إيوة كدا ربنا يهديكي كمان وكمان يابنت ثروت
هبت واقفة معه وهي تتمتم بنعومة :
_ يلا هروح أحضر معاك ميهونش عليا أسيبك وحدك برضوا !
_ طاب بقولك إيه ما تسيبك من الأكل ده
_ أسيبني إيه إنت مش معاك شغل وهتاكل وتمشي
غمز لها بطرف عينه في لؤم وقال بنظرة أربكتها :
_ ياشيخة شغل إيه وقرف إيه هو في حاجة أهم منك ياجميل إنت !
نكزته في كتفه بقوة في حياء بسيط وهي تقول :
_ مراااد !!
أجابها بهيام أكثر :
_ عيونه
تحولت من الرقة والدلال إلى قطة شرسة وهي تجيبه مغتاظة :
_ إن شاء الله هفقعهملك عيونك اللي فرحان بيهم دول
تعالت صوت ضحكته الرجولية التي تجلجلت في المنزل وضحكت الأخرى على ضحكه ثم سبقته إلى المطبخ فلحق بها وهو يلقنها ببعض الكلمات الساخرة التي يقصد بها إثارة غيظها فتلقنه هي بالتي أشد سخرية منه فتثير غيظه هو وينقلب السحر على الساحر كما يقال ! .
***
وصل الجميع إلى المستشفى وكانوا يتبادلون الكلام فيما بينهم تارة يضحكون وتارة يتحدثون بجدية ، ظلوا هطذا لساعات حتى رحل الجميع ولم سواه هو وملاك وليلى ، فتركت لهم ملاك الوسط أيضًا لكي يتحدث مع والدته براحة أكثر وخرجت من الغرفة .
ظل هو يطالعها وهي مطرقة أرضًا لا تقوى على رفع عيناه في عينيه وكأنها تخجل منه فلعن نفسه ألف مرة على أنه جعل الخلاف الذي بينهم يصل لذلك الحد وفهم أن أخيه كان على حق عندما قال أنه أصبح قاسٍ على أمه ، قال بصوت خافت في ابتسامة :
_ إيه يالولو مش هتقوليلي حمدلله على سلامتك وتخديني في حضنك ولا إيه زي ما بتعملي دايمًا لما أتعب جامد
رفعت وجهها له وخرت قواها وسالت الدموع من عيناها وسرعان ما نهضت وهرولت نحوه لتضمه وتقول بندم شديد :
_ سامحني ياحبيبي أنا غلطت معاك إنت ومراتك بس صدقني مش هيتكرر تاني وملاك هشيلها فوق راسي وهتبقى زي أسمى بظبط
أبعدها عنه وقرب رأسها من شفتيه ليقبلها قائلًا بأعين تفيض بالدموع :
_ أنا اللي سامحني ياست الكل ، أعمل إيه بس الغضب عماني وبقيت مش عارف أنا بعمل إيه ، أنا آسف يا أمي ، والله ما استاهل دموعك دي ، سبتك طول المدة اللي فاتت في الحالة دي ومسألتش عليكي يبقى استاهل كل اللي يجرالي يمكن اللي حصلَّي ده بسبب إني مزعلك مني طول المدة اللي فاتت
_ متقولش كدا ياحبيبي ربنا ما يوريني فيك سوء أبدًا إنت وإخواتك أنا اللي غلطت وظلمت ملاك كتير ومن حقها تزعل مني وأنا واجب عليا إن اعتذر منها
قال بخشوع وصوت رخيم :
_ متقلقيش من ملاك أنا عارفها قلبها كيب ولو أتكلمت معاها هتسامحك وهتصفى من ناحيتك سبهالي إنتي بس
صمتت لبرهة من الوقت ثم قالت بتوسل :
_ تعالوا أقعدوا معايا ياحبيبي لغاية ما تخف بس وتبقى كويس وبعد كدا أرجع بيتك إنت ونراتك تاني ومش هقولك حاجة ، بس تعالى دلوقتي أقعد معايا بالله عليك
أمسك بيدها وقبلها ثم قال بحنان زارف وصوت رجولي يفيض ودٍ :
_ حاضر إنتي تأمري ، أي طلبات تاني ياست الكل ؟
_ يحضرلك الخير ياحبيبي
انتهى من حديثه معها وبعد دقائق قصيرة دخلت ملاك وجلست على مقربة منه فوجدته يقول بجدية :
_ لما نطلع بليل مش هنروح البيت هنروح ناخد كام يوم عند ماما
شعرت بقليل من الامتعاض والضيق والخنق ولكنها أظهرت العكس حتى لا تضايق زوجها منها ، وإطاعة لأوامره قالت بهدوء تام :
_ تمام ممكن اتصل بريان وأخليه يوديني الشقة أجيب هدوم ليا وليك وكدا يعني
رأت عيناه المشتعلة بالنيران ففهمت أنها تيران الغيرة التي تأججت بداخله فمازال يغار منه حتى الآن ، فأسرعت وقالت مبتسمة :
_ خلاص طيب متتعصبش هروح وحدي الله
وجدته يهتف بصوت رجولي خشن :
_ لما ياجي مراد هخليه يروح معاكي
وكأنها تقصد إثارة غيظه وغضبه وسرعان ما خلفت بذلك الوعد وهي تقول بمكر :
_ واشمعنى مراد آه وريان لا !
استقرت منه نظرة مرعبة جعلتها تقلق من ردة فعله ثم قال :
_ لما نروح البيت هقولك مراد ليه
قهقت بخفة هي وليلى ثم قالت بخوف :
_ لا ولا تقولي ولا أقولك مش عايزة أعرف خلاص !
***
كانت داخل السيارة معه صامتة وهو كذلك يقود بهدوء فقطعت ذلك الصمت وهي تقول :
_ أنا مش عارفة إن لزمته ده ما كنت مشيت وحدي وخلاص
ظل في صمته ولم يجيبها فوجدها تهتف في انفعال :
_ أنا مش بكلمك يا ريان !
أوقف السيارة وصاح في أغتياظ :
_ انزلي يازمردة يلا مش بتقولي إيه لزمته ومش عايزاني اوصلك !
أطالت النظر إليه في دهشة فتلك المرة الثانية التي يقوم بطردها من السيارة ، ولكنها لم تتركه بدون عقاب هذه المرة غصاحت به في اندفاع وانفعال :
_ إنت عايز مني إيه هااا ، اللي كنت مخبياه عليك عرفته وبرضوا مش شايبني في في حالي ياريان ودي تاني مرة تطردني من عربيتك ، بس العيب مش عليك العيب عليا أنا إني ركبت معاك
صرخ به منفعلًا :
_ أنا مطردتكيش يازمردة إنتي اللي مش عايزة تبصي في وشي ولا تتكلمي معايا حتى كأني قتلتلك قتيل ، يعني جزاتي إني مخلتكيش تمشي وحدك وقولتلك تعالي هوصلك
استمرت في صياحها قائلة :
_ وأنا مش عايزة ابص في وشك ليه مجنونة ، ماهو من عمايلك معايا اللي بتعملها ياريان ، فهمني إنت بتعمل معايا كدا ليه هاا عملتلك إيه أنا ؟
أثارت جنونه وبركانه الخامد لتجعله يصرخ بها وهو غير واعٍ لما يقول :
_ عشان بحبك يازمردة ارتحتي وعرفتي أنا بعمل معاكي كدا ليه !
وكأن صاعقة نزلت فوق رأسها عندما نطق بهذه الكلمة وتعثرت الكلمات في لسانها وألجمته فجعلت منها كالجماد لا يتحرك ولا ينطق فقط يطالعه بذهول مما تفوه به فلم تكن تتوقع قط أن يقوله حتى وإن كان يحبها بالفعل ، أما هو فأصدر زفيرًا حارقًا ومشتعلًا وهو يمسح بيده على شعره نزولًا إلى وجهه بعد أن أدرك ما قاله ولعن نفسه ألف مرة على غبائه وتسرعه الذي جعله يعترف بكل سهولة هكذا من أول جدال بينهم ، ثم حرك محرك السيارة وانطلق بها مجددًا قاصدًا منزلها .
***
في مساء ذلك اليوم بعد أن عاد أُسيد إلى المنزل وكان الحميع في المنزل كالعادة وكان كل من أسمى وملاك في المطبخ يقومون بتحضير الطعام ولكن تركت ملاك أسمى وذهبت لتفعل شيء آخر وبقيت بمفردها في المطبخ تقوم هي بتحضير الطعام كله ، فاستغل مروان الفرصة ودخل لها من دون أن يشعر أحد ثم وقف خلفها وقرب وجهه من أذنها وهمس :
_ طاب إيه ، مش يلا بقى ولا إيه !
انتفضت واقفة والتفتت خلفها وكانت الضربة مباشرة منها على كتفه وهي تقول بغضب :
_ إيه يامروان حرام عليك ، وبعدين هو إيه اللي يلا ده !
_ الأكل ياحبيبتي جعانين
لمسعت في نبرة صوته المكر والخبث فرفعت السكينة في وجهه وقالت بتحذير :
_ والله إنت قليل الأدب ، اطلع برا مينفعش تقف كدا معايا !
اقترب منها بعد أخذ السكين من يدها وجذبها له وهو يقول بلؤم :
_ مينفعش ليه ! ، إنتي مراتي خلاص يعني أعمل اللي أنا عايزه
_ لا ياحبيبي لسا لما نعمل الفرح تبقى تعمل اللي إنت عايزه
_ واضح كدا إني هتعب معاكي ، يا أسمى ياحبيبتي إنتي دلوقتي مراتي قدام ربنا وكل شروط الجواز تمت والإشهار تم والكل عارف إنك مراتي أما الفرح ده بيعملوه عشان الناس تفرح بس والدليل على كدا إن في ناس بتكتب الكتاب ومبيعملوش فرح وبيعوضوا الفرح ده بعمرة أو أي حاجة تاني يعني أنا لو حبيت أخدك دلوقتي وأروح بيكي على بيتنا محدش هيقدر يقولي تلت التلاتة كام
تنفست الصعداء بنفاذ صبر ثم قالت :
_ إيوة إنت عايز إيه دلوقتي يعني !؟
_ عايز بوسة !
صعدت الحمرة إلى وجنتيها ودفعته بعيدًا عنها وهي تهتف بخجل جلي :
_ ياسافل ياقليل الأدب ، برا يامروان بالذوق
قهقه بخفة ولكن قطع حديثهم دخول مراد وهو يقنرب منه ويمسكه من ذراعه قائلًا بجدية تامة :
_ عايز إيه ياحبيبي !
نظر إليها فوجدها تنظر له بتشفي وهي تضحك فعاد بنظره إلى مراد ضاحكًا في مرح :
_ طبعًا أنا لو قعدت أحلفلك للصبح إني نيتي كانت شريفة مش هتصدقني
كبت ضحكته بصعوبة ثم قال بصوت رجواي صلب :
_ لا مصدقك طبعًا ، بس تعالى برا عشان مينفعش نتناقش قدامها عيب تسمع اللي هيتقال
طالعتهم وهم يغادروا وتضحك بشدة عليه وهو يطالعها ويتعهد لها بالعقاب العسير .
***
صعد أُسيد إلى غرفته بمساعدة زوجته ودخلوا الغرفة ثم ساعدته في التسطح على الفراش وتسطحت بجواره ، ففتح هو ذراعه لها ولبت هي طلبه كالعادة وأنضمت إلى صدره ، فساد الصمت بينهم لدقائق حتى قطعته هي بسؤالها الرقيق :
_ أُسيد هو إنت إيه أكتر حاجة نفسك فيها ؟
_ حاجة زي إيه بظبط ؟!
قالت مبتسمة :
_ أكتر حاجة نفسك فيها ونفسك تتحقق هي إيه ، حاجة واحدة
أجابها باستغراب بسيط :
_ وإنتي ليه بتسألي السؤال ده ؟!
_ جاوب الأول وبعدين هتعرف بسأل ليه ، بس تجاوب بصراحة
صمت لبرهة من الوقت يفكر ثم قال بمرارة :
_ أكيد طبعًا هيكون نفسي ربنا يكرمنا بطفل
اعتدلت في نومتها وجعلت وجهها في مقابلة وجهه وهي تقول بصوت ناعم وجميل :
_ ولو قولتلك إن ربنا استجاب لدعواتك ودعواتي وأنا حامل هتعمل إيه ؟
_ يتبع ……