روايات رومانسية

رواية اسمي معاني العشق الفصل الخامس 5 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل الخامس 5 بقلم سلمي سمير 

مر أكثر من عامين على فراق الأبطال، ولكن الذكريات التي جمعتهم لم تفقد بريقها، حتى وإن ابتعدت المسافات.
في ظهيرة يوم هادئ، صعد عاصم إلى شقة عمر، يعتريه خليط من الحنين والقلق. طرق الباب، وانتظر قليلاً. بدا عليه الإرهاق من يوم عمل طويل، لكنه حاول إخفاء تعبه بابتسامة صغيرة. فتح عمر الباب أخيرًا، وعيناه تلمعان فرحًا.
رحب عمر به بلهفة حقيقية، وهو يتفحص وجه صديقه بريبة سائلًا:
إيه يا عاصم؟ هو شغلك سارقك مننا كده ليه؟
رد عاصم بابتسامة باهتة:
والله أبداً… بس إنت عارف تعب ماما. ومصاريفها بقت كتير، وأنا بعد البنك بشتغل شغل تاني علشان أقدر أغطي طلباتهم،
رمق عمر صديقه بنظرة جدية، ثم قال بحزم:
أنا كنت عندها امبارح. حالتها فعلا متدهورة جداً. يا عاصم، لو ما تحركتش بسرعة، ممكن تخسرها.
تجمد عاصم في مكانه، وكأن كلمات عمر أصابت قلبه. مسح وجهه بيد مرتجفة وقال بصوت منخفض: سعاد قالتلي إنك زورتها… أنا خايف عليها تموت. هي محتاجة عملية، ورافضة تماماً إنّي أبيع نصيبي من ورثي، اول اطلب من عمي. وبتقول مش عايزة حاجة منهم. ومرتبي، حتى مع شغلي التاني، يدوب يغطي العلاج.
بادر عمر بالحديث محاولًا تحفيز صديقه، وهو يقول له بنبرة حازمة:
مش هينفع تفضل كده. روح لعمك، وبيع نصيبك من غير ما تعرفها. العملية دي ما تستحملش تأخير.
توقف عاصم للحظات، وقد ارتسمت على ملامحه حيرة عميقة. ثم رفع رأسه بإصرار وكأنه اتخذ قراره أخيرًا:
فعلاً.. مش هينفع غير كده. هسافر أول الشهر الفيوم، لأن ما عنديش إجازات خالص لآخر الشهر.
ربت عمر على كتفه بلطف، وقد ظهر في عينيه صدق الأخوة:
لو محتاجني أسافر معاك أنا مستعد، ومن بكره كمان. إحنا إخوات يا عاصم، أوعى تنسى.
ابتسم عاصم رغم حزنه، وصوته يحمل تأثرًا واضحًا:
ربنا يخليك ليا يا أحسن أخ في الدنيا. طمّني بقى، إنت عامل إيه في شغلك؟ وأبوك أخباره إيه؟
أخذ عمر نفسًا عميقًا، وكأنما يحاول لملمة شتات نفسه، قبل أن يجيب بصوت يحمل مرارة دفينة:
الشغل؟ ماشي زي ما هو. لكن حاسس إني بضيّع نفسي فيه. مجهودي بيضيع على ناس مش بتقدره. نفسي أبدأ مشروعي الخاص، لكن الفلوس عائق كبير. وأبويا… من بعد وفاة أمي، صحته بتتراجع هو كمان.
لم يكن لـعاصم أن يترك الأمر دون اقتراح، فقال بنبرة تنم عن اهتمام:
طيب ليه ما يجيش يعيش معاك هنا؟ بدل ما كل واحد منكم عايش لوحده كده.
زفر عمر بحزن، وراح يشرح موقفه:
والله حاولت معاه كتير، لكن بيقول لي دايمًا: بيتي وجيراني والصحبة اللي عشت معاهم عمري كله. الكبار دايمًا بيرتبطوا بالأماكن كل ما يكبروا.
ابتسم عاصم بخفوت، وقال بتفهم:
ليك حق. طيب إيه رأيك تنزل تتغدى معانا النهارده؟ سعاد عاملة أكلة بتحبها. تعب ماما خلاها ست بيت شاطرة.
رد عمر بابتسامة تخفي خلفها شجنًا لا يخفى:
سعاد بنت حلال. كان نفسها تبقى مهندسة، لكن النصيب خلاها تدخل كلية الآداب للأسف. هي ناوية تشتغل بعد التخرج؟
أجاب عاصم وهو يميل بجسده للأمام، وكأن ثقل الحديث بدأ يرهقه:
بصراحة مش عارف. بس كل همّي دلوقتي أشوفها مستقرة في بيت جوزها. وماما كمان نفسها تتطمن عليها. موضوع الشغل ده مش فارق معايا.
نظر إليه عمر بتمعن، وكأنما يزن كلماته قبل أن يقول بحنين صادق:
ربنا يوفقها، ويبعتلها ابن الحلال اللي يستاهلها.
ساد الصمت، لكن في أعماق كل منهما ظلت كلمات الآخر ترن، تحمل معها أصداء الأمنيات والهموم، وكأنها نجوم خافتة تُنير ظلام الأيام المقبلة.
وقبل أن يتسرب الجمود بينهما، قال عاصم سريعًا وهو يحاول كسر الجدية:
طب وإنت؟ مش ناوي تتجوز وتفرح أبوك بيك؟
تبدلت ملامح عمر فجأة، واكتسى صوته بمسحة من الحزن:
لما قلبي يقدر يحب تاني. تصدق؟ لحد دلوقتي مش مصدق إن ندى اتجوزت. يعني خلاص… مش هشوفها تاني.
رفع عاصم حاجبيه بدهشة وقال بخفوت: “لا، صدّق. ربنا رزقها بولد، وجوزها فرحان بيها جداً. الولد ده أول ولد ليه بعد ست بنات من زوجاته التانيين.”
هزّ عمر رأسه بحسرة، وكأن الجرح الذي حاول تجاهله عاد لينزف من جديد:
يعني اتجوزها علشان كده؟ الله يسامحك يا ندى… خسارة. بعتِ نفسك علشان المال.
ضاق صدر عاصم، فقرر إنهاء الحديث قبل أن يعود عمر الي حزنه عليها:
بقولك ايه اقفل الموضوع ده بقى. يلا بينا على السفرة.”
********”
بعد الغداء، اجتمعوا مجددًا في الصالة، تتناثر كلمات الشكر بين الضحكات:
تكلم عمر بابتسامة ممتنة:
تسلم إيدك يا سعاد. الأكل كان حكاية.
سعاد، وهي تحاول إخفاء فرحتها:
بجد عاجبك؟ أخيراً شرفتنا وأكلت عندنا.
رد عمر بحرج بالغ من عتابها:
والله مشاغل يا سعاظ… وكمان تعب مامتك بيخليني أتحرج آجي زي زمان.
رمقته سعاد بصدمه وقالت بعتاب خفيف:
معقول انت عامل فرق بينا، ده بيتك يا عمر. ليه تقول كده؟
ضحك عاصم وهو يرمق صديقه بغيظ:
سيبك منه يا سعاد شكله بيحسب نفسه غريب!
ردت سعاد بعجل، لكنها تعني ما تقول:
غريب إيه؟ ده صاحب البيت!
نكس عمر رأسه بخجل من كرمهم معه ورد عليهم ، ونبرة التأثر واضحة في صوته:
ربنا يخليكم ليا. والله إنتوا زي أهلي وأكتر.
منحته سعاد ابتسامه خجوله وقالت بإيجاز:
طيب هروح انا ادي العلاج لماما
غادرت سعاد الغرفة وهي تحمل الدواء، وهي تحدث نفسها بتمتمات خافتة تخاطب قلبها:
يارب،حس بيا بقى. خلاص مبقاش في غيري قدامك.
دخلت إلى غرفة والدتها بهدوء، وضوء خافت ينساب من النافذة. اقتربت منها، وهي تحمل الدواء، ثم همست بخفوت:
ماما، قومي يا حبيبتي علشان تاخدي العلاج.
لكن الأم لم تستجب. تملكتها الريبة، فرفعت صوتها قليلاً:
ماما… توحة يا قمر! ماما قومي يا حبيبتي؟
تسارعت أنفاسها، وكأن صدرها ضاق فجأة. اقتربت أكثر، ويدها ترتجف وهي تلمس وجه والدتها. ثم صرخت فجأة:
ماما! ماما! ردي عليا,
هرعا إليها عاصم وعمر، علي صوت صراخها وعيونهما تملؤها الحيرة والخوف.
سألها عاصم بصوت مرتعش
في إيه يا سعاد؟
نظرت إليه بذعر وقالت بانهيار تمامًا:
الحقوني… ماما مش بترد! وكمان مش بتتنفس!
لم يتردد عمر، واندفع خارج الشقة ليحضر الطبيب. دقائق مرت كالدهر، حتى عاد ومعه الطبيب الذي دخل بسرعة. وبعد فحص سريع، نظر إليهم الطبيب بعينين تخلو منهما الحياة، وقال بهدوء قاتل:
البقاء لله.
الصمت خيم على الغرفة، ثم انطلقت شهقات البكاء كالعاصفة.
جلس عمر بجوارهم، يمسح دموعه التي لم يستطع كبحها. كانت الفقيدة بمثابة أم له، وفقدانها ترك فراغًا يصعب ملؤه. أما عاصم، فانهار تمامًا، وكأنه فقد آخر حصن في حياته. جلست سعاد بجوار جسد والدتها، تمسك يدها بحنان ودموعها تغسل ملامحها.
كانت هذه اللحظة بداية جديدة… لكنها من النوع الذي يولد من الحزن وألم الفراق؛
*************
مرت أيام العزاء ببطء ثقيل، وبدت الدموع وكأنها تجف فقط لتترك وراءها وجوهًا منهكة. كان الحزن يخيم على المنزل، ولم يكن أحد يتوقع أن عم عاصم سيظهر فجأة في العزاء، بعد كل هذه السنوات.
عندما انتهت مراسم العزاء وبدأ الناس في الانصراف، اقترب العم من عاصم، بنظرة تجمع بين الحذر والتصميم.
تعال يا عاصم… أنا محتاج أتكلم معاك.
عاصم، وهو ينظر إليه ببرود:
افتكرت ابن أخوك دلوقتي؟ مفيش بينّا كلام خلصت خلاص، اللي بيني وبينك ورث وبس، أنا عايز حقي وحق أختي اللي عندك من سنين
تنهد العم وكأنه يحاول كبح مشاعره، ثم قال بنبرة هادئة:
طيب افهم يا عاصم… أمك اللي خدتكم وهربت وسابت كل حاجة بعد موت أبوك. أنا كتير طلبت منها إنها ترجع، لكنها كانت خايفة عليك من الثأر. وكمان، علشان أبوك قرا معايا الفاتحة علي إنك تتجوز بنتي. لكن والدتك كانت رافضة الترتيب ده، ومش عايزة حد يفرض عليك حاجة.
تسمرت عينا عاصم بعدم تصديق، وبدت الصدمة واضحة في ملامحه. قال بصوت متردد:
ماما عمرها ما قالتلي حاجة. لا عن الثأر، ولا عن الجوازة دي، ولا عن سبب هروبنا من الفيوم من الاساس، انا ظنيت انها هربت بسبب طمعك في مال ابويا، لكن كلامك ده جديد عليا
أومأ العم برأسه وقال بأسف:
أنا بقولك اللي حصل وبعرفك سبب هروب امك منا. أما ورثك مالك وحقك وحق أختك تحت أمرك. ولو على موضوع الثأر، خلاص، إحنا اتصالحنا من سنين، وبقى بينّا نسب كمان. أما عن موضوع بنتي، فأنا بحلك منه وليك حرية اختيار اللي تناسبك.
ربت علي كتفه بحنان ابوي واكمل:
تعال ارجع لبلدك ومالك. أنت ابن أخويا الكبير، وهتبقى كبير العيلة من بعدي… لأن معنديش ولاد.
صمت عاصم للحظات، ثم قال بفتور:
أرجع فين؟ أنا حاليا موظف في بنك، وخلاص اتعودت على العيشة هنا. صعب ارجع للفيوم،
ابتسم العم بهدوء، وقال بصوت حنون:
تعال وجرب عيش بينا فترة . لو الوضع مش عاجبك، اعمل اللي يريحك. أنا مش هاجبرك على حاجة. وبالمناسبة، بنت عمك خلاص هتبقى دكتورة…
كلها كام شهر. يعني أنا مش هفرض عليكم حاجة، لا أنت ولا هي.
لم يعرف عاصم بماذا يرد، لكنه وجد نفسه يتمتم:
ما شاء الله… ربنا يبارك فيها.
بعد حديث طويل مع عمهم، قرر عاصم أن يمنح الأمر فرصة اخيرة. واتفقوا على زيارة البلدة، للتعرف على ممتلكاتهم هناك، والتشاور حول كيفية التصرف في الميراث.
*********
لم يكن الأمر سهلاً على عاصم، لكنه شعر أن عليه مواجهة هذا الفصل الغامض من حياته. تحدث مع أخته سعاد، وأخبرها بالتفاصيل. ورغم ترددها، وافقت على السفر معه.
حين وصلا إلى الفيوم، كانت الأجواء مختلفة تمامًا عن كل ما اعتاداه في المدينة. دفء العلاقات، بساطة الحياة، ورائحة الأرض الطيبة، كل ذلك حمل شيئًا من السحر. أمضيا أسبوعًا مع بنات عمهم، وتعرفا على تفاصيل الميراث وأراضي والدهم الراحل.
كان الأسبوع مليئًا بالمشاعر المختلطة. وجد عاصم نفسه يتساءل: هل يمكن أن يعود يومًا إلى جذوره، ليصبح كبير العائلة؟ أم أن حياة المدينة أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه؟
القرار لم يكن سهلاً… لكنه يعلم أن عليه اتخاذه قريبًا.
*************
بعد انقضاء الأسبوع الحافل بالأحداث في الفيوم، جلس عاصم وأخته سعاد في الشرفة المطلة على الحقول الواسعة، يستمتعان بهدوء الليل الذي بدا وكأنه يروي حكايات الماضي. قطع عاصم الصمت بسؤاله المفاجئ:
سعاد، إيه رأيك في شهد بنت عمي؟
طالعته سعاد بنظرة يغلبها الريبة، متفاجئة من سؤاله، ثم قالت ببطء:
شهد؟ بنت جميلة وهادية… بس بتسأل ليه؟
ابتسم عاصم ابتسامة غامضة، تشي بأمر كبير يدور في ذهنه، وقال بحسم:
أصل… بفكر أخطبها. تعرفي إن بابا زمان طلبها من عمي علشاني؟
ارتسمت السعادة على ملامح سعاد، ولم تستطع إخفاء فرحتها، فهتفت بحماس:
ألف مبروك يا عاصم! شهد مناسبة ليك فعلاً. وكمان هتبقى دكتورة قد الدنيا. بختك يا عم!
ضحك عاصم بخفة، وقال بحماس:
خلاص… خير البر عاجله. هروح أكلم عمي وأشوف رأيه.
لم يضيع عاصم الوقت، نهض متحمسًا، وتوجه مباشرة إلى عمه. طرق الباب بخفة، وسرعان ما أذن له العم بالدخول.
استقبله العم بابتسامة واسعة وهو يقول بترحاب:
ادخل يا عاصم، أنت واختك منورين البلد كلها!
تقدم عاصم بخطوات واثقة، وقال بتواضع:
ده نورك يا عمي. ربنا يخليك لينا يا رب.
ثم أردف بنبرة جادة، وكأنه يفتح صفحة جديدة:
عمي، أنا ليا عندك طلب.
رفع العم حاجبيه باهتمام، وقال بنبرة يملؤها الفضول:
خير يا ابني، قول. طلب إيه؟
تحنح عاصم، وكأن الكلمات تتعثر على لسانه للحظات، ثم قال بتردد مشوب بالعزيمة:
أنا عايز توفي بوعدك لبابا… وتقبل إني أخطب بنتك شهد. رأيك إيه؟
مباركة العم وسعادة شهد
لمعت السعادة في عيني العم، ولم يستطع إخفاء ابتسامته التي سرعان ما ارتسمت على وجهه، وقال بحماس:
ده يبقى يوم الهنا يا عاصم!
ثم رفع صوته مناديًا:
يا دكتورة شهد! يا دكتورة، تعالي يا بنتي.
دلفت شهد بعد لحظات، بخطوات هادئة يغلبها الخجل. كان وجهها مشرقًا، وقد زاد احمرار وجنتيها من حيائها. قالت بنبرة منخفضة:
تحت أمرك يا بابا.
نظر العم إليها بحنان، وسألها بفرحة لا تخطئها الأذن:
ابن عمك عاصم طلبك للجواز… إيه رأيك؟
احمر وجه شهد أكثر، وازدادت خجلًا، ثم همست:
اللي تشوفه يا بابا.
ابتسم العم، وقال بحزم ممزوج بالسعادة:
خلاص. نبقى نقرأ الفاتحة. والزفاف تحب يبقى إمتى يا عاصم؟
رد عاصم بنبرة مليئة بالتقدير والاحترام:
بعد مرور سنة على وفاة أمي… وتكون شهد خلصت دراستها وبقت دكتورة قد الدنيا.
التخطيط للعودة والاستقرار
نظر العم إلى عاصم بإعجاب، وقال بفخر:
مبروك يا ابني. ربنا يتمم بخير.
احتضن العم عاصم وابنته شهد في لحظة امتزجت فيها مشاعر الفرح بالامتنان.
اتفق الجميع على أن يعود عاصم وأخته سعاد إلى الفيوم بعد سنة، ليبدأا حياة جديدة. عاصم سيتولى إدارة أرض والده، ويعيش مع شهد كزوجين بعد انتهاء دراستها. أما سعاد، فستكون قد أنهت جامعتها، لتبدأ هي الأخرى البحث عن طريقها في الحياة.
في هذه الفترة، سيعمل عاصم على ترتيب أموره في القاهرة، وتصفية ارتباطاته، والتخطيط لمستقبل أكثر استقرارًا، حيث سيعود إلى جذوره في الفيوم، محققًا وعدًا لوالده، وحلمًا جديدًا لنفسه.
***************
بعد أن أمضى ساعة كاملة غارقًا في أفكاره داخل غرفته، قطع شروده صوت طرقات خافتة على الباب. فتحه ليجد سعاد واقفة بالخارج، عيناها مغرورقتان بالدموع، وجهها يعكس اضطرابًا لا تخطئه العين.
بصوت متقطع يحمل ارتجاف مشاعرها، سألته:
عاصم، إنت إيه اللي عملته ده؟ مين قالك إنّي عايزة أقعد هنا؟
زفر تنهيدة طويلة، ورفع رأسه ناظرًا إليها بتعب قائلاً:
في إيه يا سعاد؟ بعد سنة هتخلصي كليتك، وهنجي نعيش هنا. ممكن أفهم هتقعدي في مصر ليه؟ حتى لو رجعتي، هتعملي إيه؟
ردت بصوت خافت مليء بالعجز:
بس أنا مش عايزة أعيش في الصعيد، مفيش حد هنا… أنا مليش ليا هنا حاجة.
تقدم نحوها بخطوات ثابتة، واحتواها بين ذراعيه، يربت على كتفها بمحبة، وقال بنبرة هادئة تحمل دفء الأخ الأكبر:
ولا لينا حد في مصر، يا سعاد. ماما ماتت، وصاحبتك سافرت وعايشة مع جوزها، وأنا هبقى هنا مع أهلي. مين في مصر هيبقى موجود علشان ترجعي ليه؟
لم تستطع أن تتمالك نفسها، وأجهشت بالبكاء وهي تهمس من بين دموعها:
إنت عارف مين ليا، عاصم… أنا مش قادرة أعيش من غيره، وأنت مش فاهم كل حاجة!
شدد عاصم قبضته عليها، وكأنه يريد أن يحميها من ضعفها، ورد بنبرة حازمة لا تخلو من الحنان:
يا بنتي، اعقلي. عمر عمره ما فكر فيكِ. ولحد دلوقتي، هو لسه حزين على ندى. ما تظنيش إنك هتكوني في مكانها.
انهارت أمام كلماته، وكادت تختنق بين شهقاتها وهي تقول بصعوبة:
بس أنا بحبه يا عاصم! مش هقدر أبعد عنه… هموت، صدقني!
زاد عاصم من إحكام عناقها، وكأن حضنه ملاذها الوحيد، وربت على شعرها قائلاً بصوت منخفض يشوبه قلق:
عارف إنك بتحبيه. بس اسمعي، الأمر كله بإيد ربنا. لسه قدامنا سنة، واللي فيه الخير، ربنا يقدمه يا سعاد. لو كان ليكِ نصيب معاه، ربنا هيجمعك بيه. بس إنتِ لازم تفكري بعقل وما تتسرعيش.
حاول أن يخفف من وطأة الموقف، فداعب شعرها بمزاح خفيف وقال بعفوية:
يا بنتي، أنا أخوكي وسعادتك أهم حاجة عندي. لازم تفهمي إني دايمًا جمبك وعلشانك، وبس. فاهمة؟
رغم الألم الذي يسكن قلبها، رسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، كأنها تحاول التمسك ببصيص أمل في أن يتحقق حلمها، حتى لو بدا مستحيلاً.
*********
بعد أسبوع آخر، عادوا إلى القاهرة لتجهيز أمورهم استعدادًا للانتقال إلى الفيوم والاستقرار هناك بشكل دائم.
في المساء، حينما صارح عاصم صديقه عمر بما ينوي فعله، ارتسم الحزن على ملامح عمر وهو يقول:
ــ أنت كمان هتفارقني، يا عاصم؟ يعني ندى، وبعدها أمي، وبعدها مامتك، وهتتحرم منك أنت كمان؟
بابتسامة مشوبة بالشجن، وضع عاصم يده على كتف صديقه قائلًا:
عمر، إنت أخويا. اتاكد لو احتجتني في أي وقت، هتلاقيني جنبك دايمًا.
تنهد عمر بحرقة، والتفت إليه وعيناه مثقلتان بالحزن:
بس أنا محتاجك جنبي دايمًا، يا صاحبي، يا أخويا.
تردد عاصم قليلًا قبل أن يقول بحزم:
طيب، ممكن أطلب منك طلب؟
ارتفع صوت عمر بفضول وهو يستعجل الإجابة:
اتفضل، أنا تحت أمرك. طلب إيه؟
نظر إليه عاصم بجدية، وقال:
ـأنا عايزك تتجوز أختي سعاد.
اتسعت عينا عمر من الدهشة، وبدا عليه التردد والحيرة. أكمل عاصم كلامه ليحسم الأمر:
ـأنا فاهم إن طلبي ده غريب، بس إنت عارف سعاد أختي الوحيدة. وأتمنى اللي يتجوزها يكون إنسان زيك في أخلاقك وأدبك. علشان أقدر أسافر وأنا مطمئن عليها، إنها مع راجل هيحافظ عليها ويصونها. كمان هتكون جنبك. إيه رأيك؟
ابتعد عمر قليلًا عنه، وأمسك رأسه بيديه مستغرقًا في التفكير لبرهة، ثم أجاب:
بس أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي. وسعاد طول عمري بعتبرها أختي مش أكتر. إزاي عايزني أفكر إنها تبقى مراتي؟
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن يقول عاصم بنبرة حازمة:
أنا مش بجبرك على حاجة. فكر. قدامك سنة كاملة تفكر فيها قبل ما نسافر وتبعد بينا المسافات. على ما السنة تخلص، هتكون خلصت كليتها. وقتها شوف نفسك: تقدر ولا لأ. قلت إيه؟
أغمض عمر عينيه للحظة قبل أن يجيب بصوت خافت:
حاضر يا عاصم، هفكر. بس مش هقدر أوعدك. وبالذات إن سعاد خابرة إني كنت بحب ندى. أنا مش عارف أتعامل مع الموضوع ده بالذات.
انتهى النقاش بينهما عند تلك النقطة دون أن يعطي عمر جوابًا قاطعًا، لا بالرفض ولا بالقبول.
تمر الأيام سريعًا…
وخلال الشهور التالية، يفقد عمر والده، فتترك الفاجعة أثرًا عميقًا في نفسه.
وقبل موعد سفر عاصم بأسابيع قليلة، بدأ عمر يعيد التفكير في طلب صديقه. هل سيوافق؟ وهل سيتمكن من التغلب على مشاعره القديمة تجاه ندى؟
وما الذي سيحدث إن رفض؟ كيف سيواجه الأيام المقبلة وما قد تحمله من تحديات وأزمات؟
أسئلة كثيرة تدور في ذهنه، وإجاباتها ستتضح في الحلقات القادمة…
*********
يتبع..
زر الذهاب إلى الأعلى