روايات رومانسية

رواية اسمي معاني العشق الفصل الثالث 3 بقلم سلمي سمير

رواية اسمي معاني العشق الفصل الثالث 3 بقلم سلمي سمير 

تمرُّ الأيام، وتقوى أواصر الصداقة بين عمر وعاصم، حتى بات كلٌّ منهما السند والأخ الذي طالما حلم به الآخر. كانت صداقتهما بمثابة ملاذٍ مشترك، يتقاسمان فيه الأفراح والهموم دون تردد. وبعد مرور أربع سنوات من هذه العلاقة المميزة، وفي إحدى أمسيات الشتاء الباردة، كان عمر في زيارة لعاصم في شقته المتواضعة.
في الجانب الآخر من المنزل، كانت ندى وسعاد تجلسان في غرفة المذاكرة، تحاولان إنهاء واجباتهما المدرسية. لقد دخلتا عامًا حاسمًا؛ السنة الأخيرة من الثانوية العامة، حيث الأحلام والطموحات تتصادم مع الضغط والتحديات اليومية.
نظرت ندى إلى الأوراق أمامها بامتعاض، ثم زفرت بضيق:
المسائل صعبة جدًا، محتاجين حد يساعدنا.
ردت سعاد بحماس، وابتسامة ملأت وجهها:
ولا يهمك! عمر هنا، وهو في كلية الهندسة. أكيد يقدر يساعدنا. استني أروح أستأذنه.
نهضت بسرعة متجهة نحو غرفة أخيها. طرقت الباب بخفة قبل أن تسمع صوته:
ادخلي يا سعاد.
فتحت الباب بخطوات مترددة، ثم قالت بتوسل:
عاصم، ممكن تساعدني أنت أو عمر في شوية مسائل هندسية؟
أشار عاصم بيده نحو عمر، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه:
أنا ماليش في الهندسة، شطارتي في الأرقام وبس. عليكي وعلى عمر، هو الباشمهندس بتاع الشغل ده.
نظرت سعاد إلى عمر برجاء، وعيناها تحملان أملاً خافتًا:
ممكن تساعدنا يا عمر؟
أجابها عمر برحابة صدر، وابتسامة دافئة على وجهه:
أنا تحت أمرك. هاتي المسائل وتعالي أشرحلك.
لم تستطع سعاد كتم حماسها، فقالت بمرح:
بس أنا مش لوحدي، معايا ندى. وعايزة تفهم هي كمان. استني أناديها.
لم يكن عمر يتوقع أن يسمع هذا الاسم، لكن بمجرد أن نطقت به، تسارعت دقات قلبه. أحس وكأنه يواجه اختبارًا مختلفًا تمامًا عن الهندسة. حاول أن يخفي ارتباكه، وقال بصوت ثابت:
ماشي، نادى عليها، وأنا مستعد.
اندفعت سعاد إلى غرفة المذاكرة، تاركة عمر غارقًا في أفكاره، متسائلًا: هل ستتحدث معي؟ هل ستبادلني نظرة، أم أنني مجرد صديق لأخيها؟
كان اللقاء على وشك أن يبدأ، ولم يكن يدري أن هذا المساء سيترك أثرًا عميقًا في قلبه.
**************
طالع عاصم صديقه عمر بدهشة مشوبة بحسد واضح، وقال مازحًا:
أشطة يا عم، يا بختك! هتشرح للجمال كله. يا ريتني مكانك. أقولك إيه؟ ما تشرحلي أنا، وأنا أشرح لهم.
ضحك عمر بصوت عالٍ، بينما كان قلبه يتراقص فرحًا، ورد عليه:
أنت هتقطع عليا ولا إيه؟ سيبني أشوف هعمل إيه معاهم.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وعيناه تحملان مزيجًا من القلق والفرح، وهو يهمس لنفسه:
معقول؟ أخيرًا هتكلم مع ندى؟
لم تفُت نظراته الشرود التي غزت ملامحه على عاصم، الذي أطلق ضحكة خفيفة وغمز بعينيه قائلًا بمرح:
أوبس، ده أنت وقعت يا هندسة!
تظاهر عمر بالجدية، لكن صوته كان مليئًا بالشجن، وقال بحزم:
مش واقع بس، أنا عاشق صبابة. بقيت أحلم بيها ليل ونهار، ووعدت نفسي إنها تكون من نصيبي، بإذن الله.
ربت عاصم على كتفه بحركة تحمل التشجيع، وقال بابتسامة ودودة:
ــ طيب، شد حيلك. بس خد بالك، أنا سمعت إن كل يوم بيجيلها عريس، ومش أظن إنها هتكمل دراستها على الوضع ده. بس أنت ابن حلال وتستاهلها، وأنا معاك هساندك لحد ما أفرح بيكوا.
تنهد عمر تنهدًا عميقًا، وكأن ثقلاً كبيرًا يضغط على صدره، ثم قال بامتنان وتودد:
ربنا يخليك ليا يا أجدع صاحب وأحن أخ في الدنيا.
وبينما كان الحديث يدور بينهما، فتحت ندى الباب برفقة سعاد، لتدخلا الغرفة بخطوات هادئة. رفعت ندى رأسها بخجل، وقالت بصوت عذب وهادئ:
آسفة لو كنا هنتعبك معانا يا باشمهندس.
ثبتت نظرات عمر عليها، وقد اتسعت عيناه بانبهار شديد. أحس وكأن الزمن قد توقف فجأة، وحدث نفسه بفرحة عارمة:
أخيرًا يا قلبي! ندى بتكلمني، وكمان قدامي. مافيش بينا غير شبرين. هتسمع مني وهسمع منها. آه يا قلبي، لو كان ينفع كنت قولتلها بحبك وبعشق النظر لعيونك.
دفعه عاصم على كتفه بخفة ليعيده إلى الواقع، وهمس له:
يلا رد عليها بدل ما تفضل كده.
عاد عمر إلى وعيه، وابتسم بحرارة وهو يرد بحماس:
ـ لا، أبدًا. ده أنا أخدمكم بعيوني.
ابتسمت سعاد بدفء وقالت بمرح:
مش قولتلك عمر مش هيتأخر علينا؟
تنفس عمر الصعداء، وكأن كلماتها أعادته إلى رشده، وقال بامتنان وهو يشير إلى الأوراق على الطاولة:
طبعًا، طبعًا. يلا نبدأ.
*************
بدا عمر في شرح المسائل لهما، مستغرقًا في الشرح بين الحين والآخر، لكنه لم يستطع مقاومة اختلاس النظرات نحو ندى، التي كانت تجلس أمامه بهدوء أشبه بسكون الليل. كانت كلماتها قليلة وابتسامتها نادرة، مما جعلها لغزًا يثير فضوله ويأسر قلبه شيئًا فشيئًا.
وفي إحدى المرات، بينما كان يشرح إحدى المعادلات، رفعت ندى نظرها إليه فجأة. منحته ابتسامة خفيفة، خجولة، تفتحت على شفتيها كزهرة تتحدى برودة الشتاء. تملك الارتباك عمر، فتلعثمت كلماته للحظة قبل أن يستعيد توازنه. تلك الابتسامة ظلت تلاحقه لأيام، يسأل نفسه بصمت: هل كانت إشارة خفية أم مجرد تعبير عن الامتنان؟
مع مرور الأيام، بدا وكأن تلك النظرات تحمل لغة خاصة بينهما، لغة لا تُقال بالكلمات بل تُقرأ في العيون. خاصةً عندما كانت سعاد تغيب عن الدرس.
في احد الايام ، قالت ندى بخجل وهي تتجنب النظر المباشر إليه:
بابا لما عرف إنك بتشرح لي الرياضيات والميكانيكا، طلب مني أسألك… تاخد مني كام على كل حصة؟
شعر عمر كأن كلماتها صفعة على قلبه. رد بصوت محمّل بالهدوء الذي يُخفي غضبًا مكتومًا:
ليه كده يا ندى؟ هو أنا طلبت منك حاجة؟
بللت شفتيها بعفوية أذهلت عمر، وقالت وهي تنظر بعيدًا عن عيناه السائلة بحزن:
مش أنا والله… ده بابا اللي قال كده. وكمان علشان مش عايزين نكون عبء عليك. أنت بتشتغل وبتصرف على نفسك، ومذاكرتك لينا حمل كبير عليك.
حاول عمر السيطرة على نبضاته المتسارعة، وقال برفق يعاكس ما في داخله من نار:
ندى، كل اللي يهمني إنك تنجحي. نجاحك هيكون فخري. أنا مش محتاج حاجة غير أشوفك بتحققي اللي بتحلمي بيه.
نظرت إلى الأرض وهي تهمس بخجل:
شكرًا جدًا، يا باشمهندس.
لم يستطع عمر منع نفسه من التعبير عن امتنانه، فوضع يده برفق على يدها وقال بابتسامة صادقة:
لا تشكريني غير يوم نجاحك. لأنه هيكون يوم نجاحي أنا كمان.
توردت وجنتاها كأنها زهره تختبئ من شعاع الشمس، وسحبت يدها بسرعة وهي تقول بعجل:
سعاد! يلا، بابا هيزعّل لو اتأخرنا.”
غادرت الغرفة مسرعة، بينما بقي عمر جالسًا في مكانه، يشعر وكأنه طائر يحلق في سماء حلم بعيد. كانت نظراتها، خجلها، وكلماتها، تمنحه أملًا لم يكن يجرؤ على التفوه به.
**************
استفاق عمر في صباح جديد، مشاعر السعادة تملأ قلبه وابتسامة عريضة تزين وجهه. كان يشعر أن حلمه بقرب ندى منه بدأ يزداد واقعية يوما بعد يوم. فتح نافذة غرفته ليستنشق هواءً جديدًا، ولكن فرحته تكبرت عندما لمح ندى في شرفتها المقابلة. تقاطعت أعينهما، وكأنهما على موعد، فتسارعت دقات قلبه، وتداخلت مشاعره بين الدهشة والخوف. أما ندى، فقد شعرت بنفس الخفقان، لكنها سرعان ما تراجعت إلى الداخل مسرعةً، حين رأت أختها تودع سعاد في طريقها إلى المدرسة.
تكرر هذا المشهد يوميًا، ليزداد يقين عمر أن له مكانًا في قلب ندى، وأن مشاعرها بدأت تميل إليه وحده. كانت عيونها تُخفي الكثير، وعينيه كانت تبحث عن كل التفاصيل.
مرّت الأيام سريعًا، وأيقن عمر أن مشاعره تجاه ندى أصبحت أكثر عمقًا. نجحت ندى وسعاد في الثانوية العامة بتفوق، وكان لهذا النجاح طعم آخر بالنسبة له. التحقت سعاد بكلية الآداب، بينما ندى قبلت بكلية الفنون الجميلة. لكن المفاجأة كانت في قرار والدها الذي رفض استكمال ندى لدراستها بسبب ضيق ذات اليد وكثرة العرسان الذين يتقدمون لخطبتها.
كان هذا الرفض صدمة كبيرة لعمر. بدأ يفكر في كيفية مساعدتها على إقناع والدها باستكمال تعليمها، وتوصل في النهاية إلى فكرة قد تكون الحل. قرر أن يستعين بوالدة عاصم، فهي والدة صديقة ندى المقربة وتحبها.
في شقة الجار عاصم
ذهب عمر إلى عاصم في أحد الأيام، وكان يطلب منه خدمة كبيرة. قال له برجاء:
عاصم، أنا عايز منك خدمة كبيرة.
أجاب عاصم ضاحكًا وهو يضرب عنقه برفق:
رقبتي يا شقيق، قول.
تنهد عمر بارتياح، وقال بنبرة مليئة بالتفكير:
عايز والدتك تتدخل وتتوسط عند والد ندى علشان تكمل تعليمها.
سحب عاصم يد عمر وجلسه بهدوء وقال:
اسمعني يا عمر، الوضع مش سهل زي ما أنت متخيل. ندى بتتقدم لها عرسان كتير كل يوم، وأبوها ظروفه صعبة. هو مش قادر يوفر لابنته الصغيرة اللي وفره لندى، ولا قادر يتحمل عبء تعليمها في الكلية. ده غير إن والدتهم متوفية، وندى شايلة مسؤولية كبيرة في البيت.
رد عمر بتفهم، لكن قلبه كان مشغولًا:
أنا فاهم كل ده، بس تعليمها مهم… ومش لازم نضغط على والدها أكتر من كده. لو تقدر تساعدها، يبقى خير.
تنهد عاصم بحزن، وقال:
طيب، لو هتطلب من ماما تدخل، مفيش مشكلة. لكن لو هتقدر تتقدم ليها وتساعدها تكمل تعليمها بنفسك، هيكون أفضل حل.
رد عمر، وهو يشعر بضيق شديد:
أتقدم ليها دلوقتي ازاي؟ أنا لسه بدرس وفاضلي سنة على التخرج. غير كده، أهلي مش هيقدروا يساعدوني في مصاريف الجواز.
أيده عاصم في كلامه وقال:
اسمع يا عمر، أنا عارف إنك بتحب ندى، لكن ظروفك صعبة. لازم تفكر كويس قبل ما تدخل في حاجة ممكن تضرك وتضرها.
نهض عمر فجأة وقال بحسم:
أنا هبعت لأهلي، ولو وافقوا، هتقدم لها فورًا. مش قادر أتصور إنها ممكن تكون لغيري.
أمسك عاصم بذراعه وقال له بحذر:
استنى يا مجنون! اصبر على رزقك. مش لازم تندفع. لازم تعرف رأيها الأول، مين قال إنها هتوافق؟
رد عمر بحزم، ووضع يده على قلبه:
قلبي دليلي. في حاجات بتأكد لي إنها ممكن توافق.
غامت عيون عاصم وقال بتشكك:
طيب زي إيه؟ فهمني. أنا أخوك الكبير، ومصلحتك تهمني. ندى بترفض كل العرسان اللي بيجوا لها، وبتقول إنها عايزة ترعى أختها وأبوها. إيه اللي اتغير علشان توافق عليك؟ ده غير إنني سمعت إن في واحد ثري عربي غني جدًا عايز يتجوزها، وأبوها شايف إن ده عريس مناسب.
زفر عمر بضيق، وملامح وجهه تشتد قسوة. قال بإصرار، محاولًا أن يُطمئن نفسه أكثر من أي وقت آخر:
أنا واثق، خلاص.
ثم تنهد بارتياح، كأن عبئًا ثقيلًا قد وُضع جانبًا، ليُتاح له فرصة لتوضيح ما كان في قلبه.
رد عاصم بصوت هادئ، ولكن حذر، وهو يشعر بمسؤولية الموقف:
طيب بدل ما تحرج نفسك قدام أهلك، تعال أفهمك طريقة تتأكد بيها من قبولها.
أسرع عمر بالرد، وكأن كل ثانية تمضي تزيد من قلقه:
قولي الحل بسرعة.
رد عاصم بحكمة، مُوازنًا بين الأمور بعناية:
أختي سعاد صاحبتها المقربة. اسألها تكلم ندى وتشوف رأيها. لو كانت ندى مستعدة تستناك، يبقى مفيش مشكلة.
نظرة من الريبة تملأ عينَيّ عمر، فهز رأسه متسائلًا:
طيب وأختك ممكن توافق تسألها؟
ربت عاصم على كتفه بحزم، وكأنما يزرع في قلبه بعض الطمأنينة:
مفيش حاجة تمنعها انها تسألها، استنى هندهالك.
على الفور، نادى عاصم على أخته سعاد، التي دخلت الحجرة بهدوء، لكن ملامحها كانت تحمل شغفًا لما هو قادم.
أيوة يا أخويا، في إيه؟
أخذ عاصم يدها بلطف وقال، وهو يوجه إليها الطلب:
عمر عايز منك خدمة، هتقدري تساعديه؟
نظرت سعاد إلى عمر بعينين مليئتين بالتساؤل، ثم أجابت بثقة:
طبعًا، يا عمر. أنا تحت أمرك. لو اقدر ،
تنهد عمر بارتياح، وكأن زفرة صدره كانت بداية لقرار حاسم.
ربنا يخليكي ليا يا سعاد. عايزك تسألي ندى: لو تقدمت ليها دلوقتي، هل تقبلني وتستحمل ظروفي سنة بس لحد ما أخلص دراستي؟ ولا تقدر تستناني شوية على ما أمسك شغل مناسب؟ ولا هي مش موافقة أصلًا؟
هزت سعاد رأسها بحزم، ثم قالت بجدية:
حاضر، هكلمها وأرجعلك بخبر يفرح قلبك،
مرت ساعة واحدة، كأنها دهرًا بالنسبة لعمر. كل دقيقة كانت تمر وكأنها تحمل معه خوفه من النتيجة. أخيرًا، عادت سعاد، ومعها الخبر الذي طالما انتظره عمر بفارغ الصبر، قلبه ينبض بسرعة وهو يستعد لسماع ما قد يُغير مسار حياته.
**********
يتبع…..
زر الذهاب إلى الأعلى