روايات شيقة
رواية إيبار الفصل العاشر 10 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل العاشر 10 بقلم رانيا عمارة
لقد قاده الشر إلى شجارٍ محتدمٍ بلا مبررٍ يقنع العقول، حتى رمزي نفسه لم يُدرك ما اقترفه في حق ذلك الشاب الذي لم يتجاوز حدوده في التعامل معه. لم يُتح له الفرصة أصلًا لينطق بكلماته؛ إذ قطعها رمزي بعنفه القاتل نحوه، حينما انهالت يداه وساقاه على جسد الشاب، فتعالت صرخاته تمزق الهواء، تصدح بين أحياء خالية من الحياة.
لكن چيهان، رغم محاولاتها المتكررة للفصل بينهما، كانت تفشل، وتبدو مهزومة بين رجلين قويي البنية.
بعد دقائق، انبعث الفزع في قلب چيهان، وهي تصرخ بحرقة، بينما فرّ الشاب هاربًا من كابوسٍ على هيئة بشر، ململمًا بقايا كرامته بين يديه، وفي داخله رغبةٌ عارمة في استرداد وقاره، مستعينًا بمن يقدرون على طمس رمزي تحت التراب.
اختفى عن الأنظار، وهدأ كل شيء عدا أنفاس رمزي المتسارعة. لا يزال السخط عالقًا في صدره، فبدأ يزفر كمن يطرد طاقةً سلبية أنهكته، بينما “چيهان” لا تزال تحت وقع الصدمة، تحدّق فيه بحدة، تحاول أن تعيده إلى صوابه، لعلّه ينزع عن نفسه ثوب الشر ويتنحّى، قائلةً بتوبيخ:
_إيه اللي إنت عملته ده؟ إنت مجنون؟!
لم يكن “رمزي” يطيق النظر في عينيها بعدما حرّكت مشاعره الجامدة. طوال السنوات الماضية، كان يشعر كأنه نبتة صبّار نبتت بين الصخور القاحلة، وبفعل الظروف ازدادت قساوة. لكنه الآن، في لحظات اندهاشه، بدأ يشعر كأنه لم يكن سوى شجرة ظنّها متماسكة، لا تتأثر بزلازلٍ أو براكين، ليفاجأ بشعوره اللين المنكسر بين يدي چيهان.
وحين كانت تحدّق فيه بانزعاج، نظر إليها بحدة، وقال بصياحٍ يخرج من روحٍ حانقة:
_مش عايز منك ولا حرف! محدش مجنون غيرك، بقى رايحة تاخدي المعونة من راجل غريب؟ وكمان عاوزاني أقف أتفرج متكلمش؟
رفعت “چيهان” حاجبيها باستنكار لتصرفاته؛ فقد سقطت في حيرةٍ لا سلم لها، وعبّرت عن دهشتها من امتعاضه الذي بلغ مداه، قائلة:
_إيه الجنان ده؟! وإنت مالك أصلًا؟ مانت كمان غريب بالنسبالي برضه، وبعدين أنا مش فاهمة إنت مضايق أوي كده ليه؟!
كلّما اعترضت على تدخّلاته في حياتها الخاصة، شعر وكأن بركانًا يشتعل في جسده؛ كادت الأدخنة تتصاعد من أذنيه وفمه، كما يحدث مع عشاق النارجيلة تمامًا. وعلى الرغم من بروز عروقه في عنقه ويديه، وتلك النظرات الثأرية التي سكنت عينيه، لم يمنحه قلبه تصريحًا ليجرحها أو يقسو عليها، فقال بنبرة جافة أوشكت على الانفجار:
_متخليش عفاريتي تطلع عليكي! يعني إيه وإنت مالك؟ ده أنا مالي ونص وتلات أربع كمان، بتستعيني بيه ليه؟ وأنا لازمتي إيه هنا؟!
بينما يداه تطرقان الجدران باحتدامٍ عارم، تابع بصياحٍ يحمل بين كلماته ندمًا دفينًا:
_دي غلطتي إني مقتلتهوش في مكانه، بس ماشي ملحوقة، المرة الجاية هفرمه تحت إيدي وهعرفه مين هو رمزي الطوخي.
بلغ الغضب ذروته لدى كلا الطرفين، فبينما كان رمزي يدقّ الجدار بقوة مع كل كلمة يتفوه بها، بدا على چيهان هي الأخرى علامات التضايق من وجود غيداء بينهما. كيف لها أن تظهر فجأة في حياتهما، وتتدلل عمدًا في تعاملها مع رمزي؟ وما زاد الطين بلّة، سماح رمزي لها بذلك الأسلوب الهابط؛ حتى إن “چيهان” كادت أن تتقيأ من شدّة الاشمئزاز. وضعت يدها على خصرها، ورفعت حاجبيها باعتراض، وقالت له بسخرية مهذبة:
_لا مانا محبتش أشغلك عن ست غداء، قصدي غوداء…..
وتابعت باستفزاز كأنما نسيت اسمها عن غير عمد:
_لا افتكرت اسمها غيداء مش كده صح؟
ثم أردفت بتهكّمٍ جليّ ارتسم على ملامحها المشدودة:
_أه أه هي، فمحبتش أعطلك عن الكلام المهم، قولت أخليكم على راحتكم يمكن وجودي معاكم فيه مشكلة ولا حاجة.
تهرّب “رمزي” من نظراتها الحادّة لبضع ثوانٍ، كمن يُفتّش عن إجاباتٍ بين أروقة عقله، لكنه ما لبث أن استجمع بسالته، وألقى بها سهامًا قاتلة، ناظرًا إليها بسخطٍ مكتوب بين عينيه، قائلًا بصوتٍ خشن:
_يا ويلك لو عكست معايا، ألا والله العظيم لو لفّيت له الدنيا كلها بنظرة واحدة مني!
ظلّت “چيهان” تدور، تبحث عمّا يرضي قلبها الذي أبدى رفضه لتقبّل الأمور، إذ لم تستوعب مبررات رمزي الحقيقية لرفضه تعاملها مع ذلك الشاب، إلا بافتراضٍ واحد: أنه يعلم ما في داخله، ويخشَى عليها من شرور الآخرين. فتبعته بعينيها التي روت حكاياتٍ من الألم، قائلةً باستفسارٍ حصيف:
_مانا مفهمتش برضه، إيه المبرر المنطقي اللي يخليك بتتكلم بالطريقة دي؟
انتهت شحنته من الحديث كجهازٍ آلي تعطَّل، فدخل إلى الدار مكتظًّا بالضيق، وتوجّه إلى حجرته الصغيرة، فمكث فيها والباب موصدٌ بإحكام، منفردًا بصفوه الذي تدنّس بموقفٍ هين، كان بسيطًا في أعين الآخرين ولا يستحقّ ما حدث، لكنه بالنسبة له شكَّل كارثةً كبيرة.
دخلت چيهان بتباطؤ، فوجدت الجدة جالسةً على الأريكة بمفردها، فأيقنت برحيل غيداء عنهم، ذاك الذي شكَّل راحةً نفسية ظهرت على وجه چيهان، كما لو كانت غيداء تحضر بطاقاتها السلبية التي فاحت في أرجاء المكان. وبمجرّد أن لاحظتها “منيفة”، ارتسمت البسمة على وجهها، وقالت بلفظٍ حانٍ:
_اجعدي يا چيهان، وجوليلي بالله إيش صار بينك وبينه!
استرخت “چيهان” على الأريكة بجوار منيفة، ناظرةً إلى السقف بتشتّت، تداعب بأصابعها حافة الوسادة كطفلةٍ صغيرة تلهو برقة، ثم قالت بتفكير:
_مفيش حاجة يا طنط.
اِنشعبت ضحكات “منيفة” من هاويّتها المرحة، وخرجت كلماتها مزيّنةً بالورود الزاهية، قائلةً بلطافة:
_لا في، وآني متأكدة من هرجي زين… تخاصمتوا علشان غيداء، بت ولدي؟
أجابتها “چيهان”، والإجابات تتردد في رأسها:
_لا طبعًا، هي مين أصلًا عشان أضايق منها؟ طب أقولك؟ لو عايز يتجوزها يتجوزها عادي، ده شيء ميخصنيش.
مازحتها “منيفة” إذ قالت بقهقهة مسموعة:
_كيف يعني تحكي هالحچي وإنتوا مزبنين؟! في حرمة ترضى شريك عمرها ياخذ عليها حرمة ثانية؟!
ردت “چيهان” بلا مُبالاة:
_سيبك من الكلام اللي لا بيودي ولا بيجيب، قوليلي بقى يا طنط تحبي أعملكم أكلة إيه النهارده؟ مش بذمتك عجبك أكلي، صح؟
قالت “منيفة” بإعجابٍ لنكهةٍ فريدة لم تقابل مثلها من قبل، مذاقٌ خاص صُنع بأيادٍ ناعمة، لطيفة، وصاحبته ذاتُ مزاجٍ عالٍ لا يعلو عليه:
_والله إنك حرمة ما تنعاد، يا چيهان يا غالية! تصدقي؟ بكل هالعمر ولسّه أتعلم من طيبك وعقلك؟
تفوّهت “چيهان” بخجل، إذ كان مدح منيفة لها يفرش حياتها بالأزهار، ويرسم الابتسامة بوضوح على شفتيها الرقيقتين:
_تعيشي وتعلميني وأعلمك… ده في مثل بيقول يعيش المعلم ولا يتعلم، والحياة دي مدرسة، بناخد وندي فيها خبرات وتجارب كتير أوي يا طنط.
نطقت “منيفة” ببسمة صافية، لذلك قالت بحُب:
_خير ما سوى رمزي يوم اختارك، هرجك كله حكم وصواب… يلا جومي يا زينة، سوي لنا لجمة من طيب يدينك!
ردّت “چيهان” باستجابة، والحماس يتفاقم داخلها لتجربة أصنافٍ جديدة، متشوقة لرؤية ردود الفعل تجاهها؛ فتمجيد منيفة ورمزي لها كان يعزّز ثقتها بذاتها، ويمنحها أملًا جديدًا في الحياة:
_حاضر، بس هتاكلي معايا المرة دي! إنتي كل مرة مبترضيش تاكلي معايا وبتاخدي أكلك وبتدخلي بيه جوا!
ضحكت الجدة بلا رد، فدخلت چيهان المطبخ بروح الطاهي النابغ؛ ذاك المكان المقابل لحجرة رمزي، فلا يظهر من الباب سوى زجاجه المطموس، ووراءه يتراءى رمزي كما يبدو الناس في الطرق الضبابية، يتحرك برأسه ويديه، يقرأ كلماتٍ خافتة بلا معالم. فالأرواح المُخفية تتطلّب الانكماش عن أعين البشر، أما الجدار الحامي بينهم فما هو إلا أغشية الأعين التي خلقها الله للإنس كي لا يرتعدوا عند رؤية تلك الكائنات المُروّعة، فالكلمات وحدها لا تُجسّد بشاعتهم الحقيقية.
منيفة، ومنذ الليلة الأولى للقائها بچيهان، لم تكن تتناول الطعام معها؛ إذ كانت تارةً تتناوله في الحجرة بمفردها، وتارةً على أرضية الصالة المحصورة. وحتى چيهان كانت تأكل وحدها، أما رمزي فكان يرفض الطعام، يأكل أحيانًا مما صنعته چيهان، وفي أغلب الوقت يعيش على الخضروات والماء حتى فقد الكثير من وزنه. كان كل ما يعنيه هو تحضير الأرواح الشنيعة؛ فهناك رابطٌ روحي إن انقطع، خسر كل ما زرعه في السنوات الماضية.
وفي مكانٍ مغاير، بمنزل عائلة الدميري، كانت چيهان قد صبّت الفضائح فوق رؤوسهم صبًّا، لم تترك لهم بابًا إلا ودمّرته. حينها أدرك شوقي أن فتاته ليست ملاكًا بجناحين ناصعين، بل شيطانة بشرية، عاشت تسير في الطرق الملعونة، ونهايتها كانت الزواج من شابٍ تالفٍ جرّها معه في دربه الرجيم، وأحاطها بألاعيبٍ أفقدت عقلها حين أقنعها بالهروب معه ليكونا سويًا تحت سقفٍ من الانحلال الأخلاقي.
وقع الخبر كصدمةٍ عاتية، جرفت معها كل ما تبقّى من شتات أسماء، إذ اجتمعت العائلة بأكملها في صالة منزل شوقي، يبحثون عن حلٍّ نهائي. ذاك يبدي رأيه، وذاك يفسّر أحداث اختفاء چيهان الأخيرة، عدا أسماء التي بكت قهرًا، بعدما صدّقت زوجها حين اجتمع الجميع على الحقيقة الموجعة.
وبينما تعالت الأصوات داخل المنزل، قال “عصام” بحزم، مقدّمًا وجهة نظره ولكن بانفعال:
_بتك لازم نلاقيها قبل ما ترجعلنا بفضيحة أكبر وأكبر من كده! خلاص سُمعتنا بقيت في الطين يا شوقي، لو عايز تغسل عارنا يبقى لازم نصلح الغلطة دي قبل أي حاجة تانية!
رد “هشام” بتفكير، معلّقًا على أقاويل حماه، بصوتٍ هادئ يخفي اضطرابه الداخلي:
_يا عمي عصام خليك محضر خير، عم شوقي مش مستحمل كلمة وأديك شايف أهو! احنا أول حاجة هنعملها هننفي كلام الراجل ده قصاد الناس اللي معانا في الشغل ونقول إنه كان بيألف أي كلام ومش داري هو بيقول إيه، وبينا وبين بعض ندور عليها، ولو لقيناها نعرف منها مين الواد ده وأهله مين، وساعتها نحل الموضوع ودي.
أجاب “عصام” باعتراض، مصممًا على رأيه الشخصي بقوة:
_يعني البت تفضح أبوها وتجيبلنا العار وتقولي نحل الموضوع ودي يا هشام؟ وبعدين منظرها إيه قدام نفسها وأبوها مكنش حارمها من حاجة….
ثم وجه نظره لشوقي الذي غرق في أحزانه، وتابع:
_طب ده أنا مبعملش مع عيالي نص اللي إنت بتعمله، ده إنت شايلهم من على كفوف الراحة، ده كفاية تلاجتكم اللي مبتفضاش من إيشي الفاكهة وإيشي الحلويات، أنا مبحسدش، الله أكبر، بس بقولكم يعني.
لم تحتمل “ريم” كثرة الادعاءات السلبية في حق أختها، حتى وإن قدّموا لها أطنانًا من الإثباتات القاطعة، فستظل تتبع إحساسها، ذاك الذي لا يخيب، فقالت بثقة ممزوجة بالحنق:
_أنا أختي متربية كويس يا عمو، واللي حصل ده بفعل فاعل عشان يبوظ العلاقة بينا وبينها… أنا مصدقش إن چيهان تعمل حاجة زي دي لأنها ببساطة لو كانت عايزة تهرب كانت لمت حاجتها قبل ما تهرب، لكن دي كانت رايحة الأجزخانة يعني مفيش أي حاجة وحشة في نيتها!
انفجر “شوقي” في ابنته، وارتفع صوته بأسلوبٍ مبالغ فيه، وهو يقول بصياحٍ حادّ يملؤه الغضب والقهر:
_اخرسي! إنتي متتكلميش ولا يطلعلك حِس! إنتي هتصغريني إنتي التانية ولا إيه؟ ورب العباد إن أسمعلك كلمة تاني هقوملك!
رمقته ريم بكراهية، على الرغم من كونه والدها، إلا أنه يقصد دومًا معاملتهم بشكلٍ مهين حيال الجميع، لا يكترث لمشاعرهم الرقيقة، ودموعهم على بُنت شفة من الانهيار. سرعان ما دخلت حجرتها وأوصدت بابها بالمفتاح وهي تنتحب بحرقة، تزايدت أنفاسها، وعيناها لا تلحقان منع الدموع، فسقطت على ثيابها رطّبتها بأثرٍ سلبي، إذ تتمنى لو تتبدّل بدموع الفرح يومًا لتمحو آثار الماضي القاسية.
انتفض جسدها تحت وطأة القهر النفسي، فآتتها مكالمة هاتفية من عمرو كما لو أنه شعر بتعسّر حالتها في تلك اللحظة. كانت مترددة في بداية الأمر، لكنها جففت دموعها بطرف كمّها، وحاولت التماسك، فاستغلت فرصة انهماك العائلة كعادتهم في جدالٍ حار، واستجابت للمكالمة بصوتٍ خافت، لتجد “عمرو” يقول بقلق:
_إنتي كويسة يا ريم؟ أنا بعتلك حوالي خمس رسايل وكنتي أونلاين ومردتيش، خوفت يكون في مشكلة أو حاجة قولت أتصل.
لملمت “ريم” أحزانها المُستفيضة من نبرتها المهزوزة، فأرغمت ذاتها على الإجابة بثبات، وهي تقول بنفيٍ مختنق:
_مفيش حاجة، أنا كنت مشغولة عشان كده مشوفتش الرسايل.
أحسَّ “عمرو” بما يكمن داخلها من أشجان، وقرّر أن ينبش عمّا تعتمله في نفسها، فقال بيقينٍ صادق ونبرة حنونة تخترق صمتها:
_بس صوتك بيقول العكس… قوليلي الحقيقة عشان أساعدك!
حينما وجدت “ريم” أنه لا مفر من كذبها المكشوف، قررت إفشاء الحقيقة بطريقة مُنتقصة، فقالت بصوتٍ متردد وقد خفّضت عينيها:
_بابا اتكلم معايا بطريقة وحشة قصاد عمي ومراته وجوز بنته، فاتضايقت بصراحة شوية.
استفسر “عمرو” بفضول، متسائل:
_ليه طيب؟ هو في حاجة حصلت؟
أجابت “ريم” ببكاء، بعدما حرّك عمرو مشاعرها الحزينة بأسئلته، قائلة بصوتٍ متهدّج يقطعه الألم:
_معملتش حاجة، كان في سوء تفاهم، وهو بدل ما يكلمني براحة شخط فيا… أنا مش مستغربة لأن دي عادته ومش هيغيرها.
بدّل “عمرو” جلسته فنهض مستقيم الظهر، حيث استند إلى جدار حجرته، فكانت الأضواء مشعة من حوله، كأن الشمس لا تزال في إشراقتها الأولى رغم الغروب، وقد قارب القمر على الانجلاء لينير العالم بابتسامته المتألقة.
وبينما كانت أصوات أسرته في الخارج تتداخل مُحدثة صخبًا، إذ كانت والدته تجلس بجوار أخواته الفتيات يتحدثن بنبرة مسموعة تُعيقه عن مواصلة حديثه، نهض وأوصد الباب ليكون أكثر راحة، ثم قال لريم بحنانٍ يملأ صوته:
_عشان خاطري متعيطيش يا ريم، واهدي وأكيد ليها حل! أكيد هو مش قصده، يمكن خلقه ضيق مثلًا.
أجابت “ريم” بنحيبٍ خافت، خوفًا من أن يلتفت لها أحدهم، وهمست بصوتٍ يتهدج بين الكلمات:
_هو كده من زمان، مبيطيقش حد فينا ومعاملته معانا مش أحسن حاجة… عمره ما حسسنا بالأمان والحب، كل اللي يشغله نفسه وبس.
حكَّ “عمرو” أصابعه في رأسه بتفكير، فكان متحيّرًا بين أن يكون في صفها ويناصرها، أو أن يبرّر لها موقف والدها، خشية أن يكون دافعه القاسي ذريعة لعقوقها له. لكنه، بعد ثوانٍ، استخرج ردودًا حصيفة من ثنايا ذهنه، وقال بنبرة موزونة:
_هو طبعًا والدك ومقدرش أقول حاجة غير كده عشان قلبك ميقساش عليه، بس أنا مقدر حالتك النفسية بسببه، عارف إن حاجة زي دي ممكن تحسسك بالظُلم وإنك مش لاقية الأمان منه، بس إنتي ممكن تلجألي لوالدتك وهي تتكلم معاه وتفهمه إن طريقته دي مش مقبولة.
ضحكت ريم بسخرية، فقد حفظت طريقته الصاغرة أكثر من حفظها لحروف اسمها، ذاك الذي لا يرى نفسه مخطئًا بأي شكل من الأشكال، بل يمارس على الجميع إسقاطه، ويتّهمهم بالصفات التي عانى منها الجميع. ولو فكّرت والدتها في مواجهته بأخطائه، لكان الجواب تدمير أثاث المنزل والصراخ فيهم بشكلٍ هيستيريٍّ يرعد الأبدان.
فقالت “ريم” بتهكّمٍ لا يخلو من ردودها اللاذعة:
_بابا يحس بغلطه؟! دي معجزة… إنت كأنك بتطلب حاجة من عجايب الدنيا السبعة، ده مهما حصل المشكلة تلف تلف وترجعلنا احنا، وفي الآخر نطلع احنا الغلطانين.
رد “عمرو” بدهشة، معلقًا:
_شكلك بتعاني منه أوي يا ريم.
ازدادت “ريم” استعبارًا، وكلما نزعت دموعها تزايدت وطأتها، لقد حملت تبرُّمًا بثقل جبال فوق كاهليها، وظلّ الكوب يمتلئ حتى سالت المياه منه، وحينها نطقت بصوتٍ مثقل بالوجع:
_أوي أوي أوي! أنا بيجيلي انهيار عصبي بسببه، أوقات بلاقيني عايزة أكسر كل حاجة حواليا وأصرخ، ساعات بكون زي المجنونة وقت الزعل، جوايا نار بتزيد مبتهداش، من كتر مانا محدش بيطبطب عليا بحس إني عايزة أرمي نفسي من الشباك عشان أخلص وأرتاح!
اعترض “عمرو” على ما ترغبه من أفكارٍ خبلاء، فرفع صوته برقة، مُقدّمًا نصائحه لها حتى تتراجع عن هواجس الشيطان، قائلًا بنبرة حازمة يغلّفها الحنان:
_أوعي تعملي كده مهما حصل! أنا خلاص بقيت موجود يعني منين ما يحصل أي حاجة تتصلي عليا، ولو مش هتقدري تتصلي ابعتيلي رسايل وأنا هكون جنبك وهطلعك من اللي إنتي فيه، بس أوعي تفكري بالطريقة دي تاني! فكري بعقلانية وهتلاقي إن اللي بتعمليه ده كله مبيإذيش حد إلا إنتي!
بكت ريم بحرقة، إذ تذكّرت أن والدها لا يُحسن معاملة والدتها كسائر الأزواج الذين يضعون المبادئ تاجًا فوق رؤوسهم. فالرجلُ كلما تمادى بقوّته على المرأة، تجلّى مدى ضعفه الحقيقي، حينما استغلّ سلطته متعسّفًا بضعيفةٍ اعتبرته ملجأً لها، يدًا ترفعها كلما سقطت، وجدارًا تستند عليه حين تزورها قلّة الحيلة. ولم يقتصر ذلك على أسماء فحسب، بل تعدّى إلى أبنائه، إذ يرى أن التربية ما هي إلا ماكينة الصراف الآلي، يستنزف الأموال منه كما يشاؤون، فافتقر إلى مفهوم التربية الحقيقية، تلك التي يتحمّل فيها الأب المسئولية فوق كاهله، ويكون الدرعَ الأول لأيّ مشكلة، لا أن يُلقي بكل الحمل على الأم التي اضطُرّت إلى تولّي أدوارٍ إضافية على حساب أنوثتها ورقّتها، فأصبحت تتعامل مع الأطباء، والمهندسين، وعمّال البناء، والسباك، والكهربائي، والميكانيكي وغيرهم.
لم يسمح شوقي يومًا لأبنائه بسرد مشكلاتهم كما يفعل الآباء، بل يقاطعهم بصياحٍ جافّ: أنه لا يحتمل “الثرثرة” التي تؤذي أذنيه وتُزعج رأسه. وكانت مشاهدة التلفاز وحدها كأنما يحمل العالم بين قبضتيه، سعادة لا يُضاهيها حزن.
في المقابل، تجلّت قيمة عمرو في عيني ريم، وقد رأته بطلًا جسورًا، يمدّها بكل ما تفتقده من دعمٍ وحنان. فبعد دقائق معدودة، كأنما محا شجنها بعصاه السحرية، فهدأت وبدأت تتناسى ما حدث، وكأنها وحدها التي نالت قسطًا من الارتياح، على عكس العائلة التي كانت الأصوات تتعالى فيها بالخارج. وبعد أحاديثٍ طويلة، قال “عصام”:
_يبقى زي ما اتفقنا، اللي يسأل چيهان فين، نقوله دخلت كلية في المنصورة وقاعدة في سكن طالبات لحد ما نعرف سكتها إيه ونحل النايبة بينا وبين بعض.
سقطت الدموع من عينيْ “أسماء”، فضمّت يديها إلى صدرها، معاتبةً چيهان في غيابها على ما بدر منها، قائلة:
_ليه يا چيهان تفضحينا بس؟ كان ناقصك إيه يا بنتي؟ حرمناكي من إيه عشان تمشي وتسيبينا؟ أمك هتموت بقهرتها من اللي بيحصل فيها! شوفتي وصلتينا لإيه؟
عانقتها علياء، وقبّلت رأسها بحنان. كانتا الوحيدتين اللتين يُضرب بهما المثل في المحبة الطاهرة الخالية من الزيف؛ ففي المجتمع العربي، غالبًا ما تكنّ زوجات الإخوة البغضاء لبعضهن، وكأنهن في سباق تحاول فيه كل واحدة إثبات تفوّقها على الأخرى، بل قد تصوّر إحداهن الأخرى في هيئة إبليس لتُظهر صفاء روحها وملائكية شخصيتها. إلا أن علياء وأسماء كانتا على العكس؛ تعتبران نفسيهما روحًا واحدة لا تفترق إلا بالموت.
خرجت كلمات المواساة من فم “علياء”، فقالت:
_هدي نفسك يا أسماء، متعمليش في نفسك كده! اللي اتكسر هيتصلح، ادعي بس إن بتك ترجعلك بالسلامة وميكونش جرالها أي حاجة شينة.
لكنّ أسماء لم تقوَ على التماسك، فانتحبت بحرقةٍ جعلت جسدها يرتجف حسرةً. في تلك الأثناء، نهضت منى من مكانها متأثرةً بما حدث للعائلة، لكنها رغم تأثرها لم تُظهر أي تعاطف، بل سارت بخطى واثقة حتى طرقت باب حجرة ريم. وبمجرّد أن سمعت ريم الطرقات المتتالية، أنهت المكالمة مع عمرو على الفور، ونهضت لتفتح الباب، فتفاجأت بمنى تدخل الحجرة، ثم تجلس على السرير، تنظر حولها بفضول كمن يبحث عن شيء مفقود. بعد لحظات، رمقتها “منى” بابتسامة هادئة، وقالت بمواساة تُطيب الجرح المُلتهب:
_لا إنتي مصدقة اللي حصل ولا أنا كمان مصدقة، أصل چيهان بنت متربية وجدعة ميحصلش منها الكلام ده كله، ده حتى يوميها وهي خارجة تجيب الدوا من الصيدلية قالتلي متعرفيش حد أنا رايحة فين لحد ما أرجع، شكلها كانت عايزة تعمل مفاجأة لستك روحية.
شبكت “ريم” ذراعيها بدهشة، فلم تجد كلمات منى طريقًا إلى عقلها، إذ شعرت وكأنها تخاطب طفلة في الخامسة من عمرها، فعبّرت عن استنكارها قائلة بحدّة:
_هو إيه الهبل ده؟ چيهان قبل ما تخرج من البيت كانت معرفانا كلنا هي رايحة فين، حتى سابت موبايلها ومخدتهوش معاها لأن المسافة مش مستاهلة، مفاجأة إيه دي بقى اللي هتعملها لتيتة بشوية أدوية؟!
ردت “منى” بعقلانية، مُقدّمةٌ إجابات رصينة تروي الأنفس الظامئة:
_مش قصدي إنها هتعملها مفاجأة بالأدوية، بس يمكن هي قالت إنها رايحة الصيدلية بس كانت رايحة مكان تاني.
تفوهت “ريم” بانفعال، قائلة بصياح متوعد:
_أقسم بالله العظيم لو في نيتك حاجة زبالة من ناحيتها لأقطع علاقتي بيكي وقتي! اللي يجيب سيرتها بحاجة مش تمام ميستاهلش يكون في حياتي دقيقة واحدة!
أنكرت “منى” كل ما فهمته ريم، وسرعان ما غيّرت قولها، ناشرةً الأمل والطمأنينة في المكان؛ فهي لم تكن تقصد أبدًا ما ظنّته ريم، بل كانت تُكنّ لها الإعزاز والمحبة بكل جوارحها، قائلة:
_أنا مقصدش كده! أنا عمري ما أجيب سيرة چيهان بحاجة وحشة! إنتي عبيطة يا بت؟ دي أختي قبل ما تكون أختك علفكرة، ده أنا بعزها أكتر منك كمان، شوفتي بقى؟
حدّقت بها ريم بضيق، وكأنّ كل خلية في جسدها ترفض التعامل معها في هذا الوقت العصيب، فتابعت “منى” قائلة:
_چيهان مظلومة وأنا احساسي مبيخيبش، بس يمكن في حاجة احنا منعرفهاش، يمكن في تار بينها وبين حد عايز يشوه صورتها قدامكم!
ردّت “ريم” بلا مبالاة، ثم استلقت على سريرها بوجهٍ عابس، قائلة:
_خلاص يا منى اللي جواكي إنتي وضحتيه… ربنا يحلها بقى ونلاقي حل للمصيبة السودة اللي نزلت علينا دي.
كلّ شيء كان مضطربًا داخلها؛ فحدث فيضانٌ خلط بين الرفاق والخصوم، ما جعلها في حيرة وتشتّت نفسي. خشيت أن تظلم منى بعد الخلاف الأخير، فقدّمت لها اعتذارًا على طبقٍ من ذهب، وابتسمت لها ابتسامةً هادئةً توحي بما تحمله القلوب من محبة، ورابطة دمٍ متينة.
بات الأمر مصيريًّا، والجميع يسعون بجهدهم للبحث عن چيهان، بمن فيهم مصعب، المُشرك الذي ورّطها منذ البداية في معضلاتٍ عويصة لا تُحصى.
مرّت الليالي، ولاحظت چيهان مبرّرات منيفة الفارغة لعدم رغبتها في تناول الطعام والشراب إلا مع نفسها في غرفةٍ موصدة، معلنةً أنّها تستشعر خجلًا دفينًا بعدما فقدت أسنانها، وأصبح فمها أجوف كفضاءٍ خالٍ من الكويكبات.
في ذلك اليوم، كانت چيهان في المطبخ تُعدّ الشاي، بينما كان رمزي يجلس مع امرأتين في غرفة العمل، يصنع لهما ما ترغبان فيه من أسحار. إذ طلبتا منه صنع سحرٍ أسود لابنة خالتهما، يجعلها تبلغ الجنون حتى الموت.
لم تكترث چيهان بصنع الشاي، بقدر ما ألقت أذنيها على عتبة الغرفة، وأنصتت لإحداهما وهي تقول بشرّ:
_أمها خربت بيتنا يوم ما لعبت في دماغ أبوها عشان يطرد أخويا من الشغل، من يومها واحنا الدنيا بتخبط فينا يمين وشمال وبنبكي بدل الدموع دم… اعملها يا سي رمزي عمل أسود يجننها واللي هتطلبه احنا تحت أمرك بس نشوف حقنا بيرجع قدام عينينا.
طلب “رمزي” طلباته الخاصة، فقال بوضوح:
_تمام حقك هيرجعلك كامل، أنا بالذات اللي بجيب من الآخر، وهتشوفي النتيجة من تاني يوم كمان!
ارتسمت الفرحة على شفتي السيدتين، فقالت “الثانية” بانشراحٍ يسري في شرايينها:
_ياريت، وبُص عايزة أقولك حاجة، بتها في حد متكلم عليها، أبوس إيدك تخربلها الجوازة دي خالص، العريس يتحرق يتقلب قرد المهم يطفش وميرجعش تاني… وبُص أي حد يجي طفشه بطريقتك!
ردّ “رمزي” باستجابة، قائلًا بثقة في قدراته الروحانية:
_أنا هعملها سحر سفلي وهبعتلها واحد مجوسي يلازمها ميفارقهاش، بس ليا شوية طلبات تجيبوهالي النهارده!
قبل أن تنطق إحداهما بكلمة، فتحت چيهان الباب على مصراعيه بصدمة، ويداها ترتجفان من الخوف. نهض رمزي والسيدتان في الحال، والانفعال يغمر ملامحه، فصرخت “چيهان” بصوتٍ عالٍ، قائلة:
_اتقوا الله يا كفرة! اتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله! الدنيا متفاتة ومتستاهلش المشاكل اللي بتعملوها للناس! هتروحوا من ربنا فين واحنا جنبه منجيش حجم حشرة؟
تشبّث “رمزي” بذراعها بقسوة، مشعلًا النيران من فمه، فأخبرها بصياحٍ قاسي:
_ازاي تدخلي علينا بالشكل ده؟ إنتي اتجننتي في عقلك ولا إيه؟ شغلي بالذات خط أحمر، اللي إنتي عملتيه ده مش هين ومش هغفرهولك بسهولة!
تساءلت “إحدى السيدات” بفضول، قائلة:
_مين دي يا سي رمزي؟!
انهارت “چيهان” من هول الصدمة، فانجرحت أحبالها الصوتية وهي تعول تعويلًا ناريًا، معترضةً على مسار الشعوذة الذي يسلكه رمزي بلا رحمة، قائلة:
_حرام! شرك بالله! كفر كفر كفر! مفيش مبرر يخليكم تإذوا بعض مهما حصل! فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم! اللي ظلمك فوضي أمرك لربنا لكن متإذيهوش! حرام عليكم اللي بتعملوه ده!
ضغط “رمزي” على ذراعها بحدّة، يجزّ على أنيابه بغيظ، يراها تتألم فلا يضعف، بل يزداد عنفًا أكثر من ذي قبل، حتى قال معترضًا وهو يصرخ في وجهها:
_اطلعي برا وإياكي تدخلي في شغلي تاني! توب الشيوخ ده روحي اعمليه على حد تاني غيري! مش عشان بساعدك تسوقي فيها وتنطيلي في كل حاجة في حياتي، إنتي ملكيش حاجة عندي غير حمايتك وبس!
لم تستطع چيهان تحمل مساوئه أكثر من ذلك، فقد كانت تلك اللحظة بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. انفجرت صارخة، وخرجت من المنزل، وفي أعماقها قررت أن تتركه وشأنه إلى الأبد. كان الحل الوحيد أمامها أن تلجأ إلى دار عائلتها. أما هو، فإذا وصل به الحال إلى أن يحترق بنيران سخط الله، فلن تلتفت لمساعدته. ولأنه يعلم مدى تهورها، خرج من الغرفة وقال للسيدات بانشغال:
_عدوا عليا كمان يومين، أنا مش فاضي لا النهارده ولا بكرا!
شعرت السيدتان بعدم الجدية في شخصيته، إذ كان يفتقر إلى تنفيذ وعوده. فبعد موقف صغير كهذا، تغيرت كلماته تمامًا، وما فاقم حدة الموقف هو خروجه من الدار غير مكترث لوجودهما. لكنه سار وراء چيهان كالمجنون، يناديها بأعلى صوته، بينما هي تصرخ وتفر بعيدًا كالهاربة من شيطانٍ لعين. دخلت بين المنازل الصحراوية الخالية من البشر، تسير كالصاروخ المنطلق في فضاء الحزن.
قال “رمزي” بصياحٍ وهو يتتبعها بسرعة:
_رايحة فين يا چيهان؟ إنتي نسيتي إن ما بينا اتفاق؟ أنا المرة دي مهما يحصلك مش هيهمني… أقفي خلينا نتكلم بدل شغل العيال الصغيرة ده!
رفضت “چيهان” النقاش معه، معتبرةً أنه بلا فائدة، فواصلت طريقها وهي تنتحب وتصرخ، قائلة:
_مش عايزة أقعد ثانية واحدة معاك! إنت كافر زيك زي أبوك! متفرقش عنه في أي حاجة! أنا بكرهك ومش عايزة أشوفك تاني في حياتي مهما يحصل!
رد “رمزي” بانفعال، فبلغ حد الامتعاض، قائلًا بوعيد:
_ما بلاش تغلطي في الكلام عشان متزعليش! إنتي بتدبي سكاكينك وولا همك!
توقفت “چيهان” في مكانها حتى وصل إليها، فسألته بعتابٍ والدموع لم تجف بعد:
_عشان مزعلش؟ هتعملي إيه أنا كمان؟ هتسحرني زي ما بتسحر الناس الغلابة اللي مالهمش ذنب؟ هتستخدم قوتك ضدي عشان تنتقم مني؟
ظل رمزي ساكنًا في مكانه، لا يجيبها، مكتفيًا بالاستماع إلى توبيخها اللاذع، فواصلت حديثها وهي في أشد لحظات انهيارها النفسي، قائلةً ببكاء:
_عايز تسحرني اسحرني! انشالله لو عايز تموتني أنا قدامك أهو اقتلني وريحني!
تلفّظ رمزي بصراخ، معترضًا بشدّة على ما تقوله، قائلًا بفظاظة:
_أنا مبعملش غير اللي على كيفي وبس عشان تكوني فاهمة! متحركيش النار اللي جوايا عشان هتبقي إنتي أول واحدة تتحرقي منها!
وأردف بصوتٍ واهنٍ يكشف عن آلامه النفسية أمامها:
_متتعبينيش يا چيهان! أنا فيا اللي مكفيني! أنا تعبان وبحارب في الدنيا دي كلها لواحدي! أنا غصن مقطوع من شجرة معرفش مكانها!
تفوهت “چيهان” بتعويل، قائلةً باعتراض وهي تراه أمامها ذا نفسيةٍ مهزومة، بلا طبيب يداويها:
_عشان اللي بتعمله حرام! افهم بقى حرام! لو عايز تمشي في السكة دي امشي فيها لواحدك من غيري! لأني طول مانا موجودة مش هتلاقي مني غير الرفض! الساكت عن الحق شيطان أخرس وأنا مش هسكت عن الباطل مهما حصل وهفضل أدافع لآخر نفس فيا!
تشبّث “رمزي” بذراعها بحدّة، فلامست في عينيه ضعفًا لم تره من قبل، حين قال بألمٍ دُفن في أعماقه منذ سنوات، لا يقوى على مواجهته:
_أنا اتولدت لقيت نفسي عايش وسط ده كله، أمي ماتت وأنا عيل صغير، كانت بتعلمني اللي تقدر عليه ولما روحها طلعت، أبويا استلمني، أنا دمي مقرون بدمهم ولو بعدت هموت! فاهمة يعني إيه؟
منذ ستة عشر عامًا، عندما كان رمزي في العاشرة من عمره، نشأ صغيرًا في عالمٍ غارق في الشعوذة. لم يكن اختيار هذا العالم مليئًا بالشر هو اختياره، بل كان اختيار مصعب. فبعد وفاة والدته إثر غرقها في ترعة البلدة تحت ظروف غامضة، أصبح في عهدة والده الذي اختار رمزي ليكون خليفته في رحلته المظلمة.
كانت حياة الأطفال الأبرياء تقتصر على: الطعام، الشراب، اللهو، والدراسة، عدا رمزي الذي نشأ وسط الظلم، كوردة زاهية نشأت في أرض قاحلة، مزروعة بالأشواك على أيدٍ معدومي الضمير والأخلاق. فقد فُرض عليه أن يترك دراسته ليتبع مسيرة مصعب. وعلى الرغم من اضطراره لممارسة ما لا يرغب فيه، كان يفضل قراءة الكتب العلمية والروايات في سرية تامة، ليغذي عقله بما يحتاجه. كان يكره الجهل، ويرغب في سلك طرق منيرة بأنوار العلم والمعرفة. لكن كلما اكتشف مصعب الأمر، وطأه بشر لا يُرحم، وقيده بين ذئاب الجبل كعقابٍ شديد له.
في ليلةٍ دخل مصعب غرفة رمزي، وفي قبضته إبرة مليئة بالدماء المجهولة. غرزها في شريانه، فاختلطت براءته بدماء الجن، ليصبح عالمًا واحدًا لا يتجزأ. ازدادت الشراسة في نفس رمزي، وتزايدت رغبته يومًا بعد يوم في استكمال الأذى، كمن يفرغ طاقة مكبوتة في أشخاصٍ لا ذنب لهم. فأخبره والده أنه إذا خالف عالمهم، ستكون نهايته ترابٌ يحتضنه إلى جوار والدته.
يتبع…..