روايات شيقة

رواية إيبار الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم رانيا عمارة 

اللعنة مرسالٌ يطوف في البلدة، حروفه تحوي أحداثًا صارمة مُعلَّقة، كمن انتظر مترصِّدًا لعدوٍّ يغزو حدوده ليبثّ عليه شرورًا لا قِبَل له بها. فالانتقام في كل مرة تشتدّ قوته عن السابقة بطرق مباشرة قاسية.
انتشرت الأقاويل والحكايات حول نفق “بيارون”، توحّدت الشائعات الكاذبة، ولا أحد فيهم يستطيع الوصول إلى السبب الحقيقي، لكن الصواب أنها لعنة، وهذا لم يختلف عليه اثنان.
من يرغب النهاية، فليستعد لبداياتها اللافحة، وكأنه يختار أن تُعلَّق صورته إلى جانب باقي الضحايا على حبال الموت. فلا عزيز لبيارون، حتى “مصعب” ذاته تأذّى حينما خطر على باله، في لمحةٍ سريعة، أن يقتحم “إيبار”، ليرث ما بناه “قصيان” الأب الأكبر طول حياته.
البشر الطبيعيون يسعون إلى ترك مواريث تُفيد أجيالًا وافدة، كمن اشترى الأراضي الزراعية، والمنازل المعمارية، والسيارات، والمؤسسات، وغيره، عدا “قصيان” الذي ترك نصيبهم في الحياة لعنة متوارثة، إذ كان من أشدّ المشعوذين في دولة السودان. فكل ذرة بُنيت في “بيارون” صُنعت بطلاسم يحرسها خُدّام من ديانة “مجوسية”، يُعدّون من أخطر قبائل العالم السفلي، وهذا ما استحوذ على أكبر الرؤوس إلى صغارهم بثأرٍ ورعبٍ مستميت.
اعتقدوا أن “بيارون” هو الأشدّ رعبًا، لكنهم لا يعرفون القوة الأعظم بداخله: “إيبار”، لعنته تتراوح مائة ألف مرة. ذاك الذي، بمجرد أن يخطوه أحدهم، يفقد عقله وكأنه شخصٌ آخر بلا إرادة، فيسير وفقًا لرغباتهم حتى يدخل غرفة الظلام، الغرفة التي إن خَطَت ساقٌ فيها، تلاشت من الوجود بلا رجعة.
“رمزي”، حينما قاده الفضول، كانت النتيجة جرعة انتقام بسيطة صدمته بعيدًا في شجرةٍ شاهقة الارتفاع، فارتطم ظهره بقسوة على الأخشاب. ظلّ يتأوه بألمٍ، حتى تقدّم الغُفر جميعهم نحوه يعاونونه على النهوض، فيما أحد الرجال يُدعى “عبيد”، رجلٌ في بداية العقد الثالث، جسده نحيل، شاربه تختلط فيه شعرات بيضاء بأخرى سوداء، كأنها همومٌ قديمة تجلّت على ملامحه. وبينما كانوا يرفعون رمزي إلى الأعلى، قال بتحذير:
_ليش لمست البوابة يا خوي؟ ما تدري التعليمات ولا إيش؟
استقام “رمزي”، ويده تساند ظهره بوَهنٍ ينقشع عنه، وأجاب بتأوّه، وكأن ملامحه انكمشت من هول الألم:
_نسيت، ما بتنسى ولا إيش؟ إنت بعد بتحاسبني؟ ما يكفيك اللي أنا فيه؟
نطق أحد رجال الغُفر، الأخير المدعو “بدر الدين”، رجلٌ في منتصف العقد الرابع، ذو قامة أقرب إلى شجرة بُحترية بين أشجار مفدْفَدة، وبشرة داكنة، قائلًا بنُصح:
_لا تعاود تقرّب من البوّابة مرّة ثانية إن كنت خايف عروحك بحق وحقيقي، اللي يدخل هالنّفق ما يردّ منه، اللهمّ إنّي بلّغت، اللهمّ فاشهد!
ردّ “رمزي” بلا مبالاة، بلفظٍ حادّ:
_خلاص، كفينا ووفينا، خلينا في الشغل!
عاد الرجال، كلٌّ واحدٌ منهم إلى موضعه، مسترسلين في حراستهم للنفق المهيب. أما رمزي، فوقف متباعدًا على مسافة عشرين مترًا، فبعد ما أصابه به فضوله، كأنه وضع عيناه في منتصف رأسه، محترسًا هذه المرة، والأفكار تجول في رأسه فلا يجد طرف الخيط الذي سيمكنه من دخول النفق.
وبينما، على جهة أخرى، كانت “چيهان” جالسة على السرير في منزل الشيخ نعمان، تخاطبه عبر الهاتف وهي تعتذر له عما بدر من رمزي تجاهه، قائلة بأسف:
_حقك عليا يا شيخ نعمان، أنا آسفة ليك بالنيابة عنه.
كان الشيخ “نعمان” لا يزال جالسًا في زاوية المسجد، يتحدث بنبرة منكسرة، تعيسًا من معاملة رمزي المهينة لمنزلته الوَقورة. صمت لبرهة، ثم استعاد توازنه، وقال:
_إنتي ملكيش ذنب يا بنتي في اللي حصل ده، هو اللي معدوم الأخلاق، بس اللوم مش عليه، اللوم على أبوه الملعون اللي مكنش فاضي يربيه….
ثم تنهد وتابع بنُصحٍ ثمين:
_نصيحة من راجل زي والدك، ابعدي عنه، اللي زي ده هيجر رجليكي لجهنم، الدنيا دار إبتلاء واللي عايز الآخرة يبعد عن أي حاجة تشده لورا، الشاب ده لازم تنسيه من حياتك، ولازم ترجعي لأهلك! الحافظ هو الله، لكن اللي بيعمله ده مالوش مبرر غير إنه عايزك جنبه بمبررات عبيطة ملهاش منطق، أنا هرجعك لأهلك وكفاية عليكي لحد كده!
ردّت “چيهان” متمنيةً العودةَ إلى أهلها في أقرب فرصةٍ:
_يا ريت، أنا بعد الأيام والساعات، نفسي أرجع وسطهم تاني….
انجذر حديثها على طرق الباب، فسرعان ما تابعت:
_طيب هكلم حضرتك بعدين.
كانت منشغلةً بالطارق، وهي تعلم في قرارة نفسها أنها صبا، وحينما كانت تنهي حديثها ردّ الشيخ “نعمان”:
_ماشي، مع السلامة.
ردّت “چيهان” بنبرة هادئة، فقالت:
_الله يسلمك.
وضعت الهاتف جانبًا ونهضت حتى فتحت الباب بحرص، خوفًا من أن يكون مجهولًا يترصدها كما حدث في المرة الماضية، لكنها تفاجأت بصبا، ملتحفةً في عباءتها الزاهية، وجهها مزينٌ بالقليل من المكياج، تتجلى عليها مظاهر نساء البدو. فعانقتها “صبا” بشوق عارم، وقالت بعتابٍ لطيف:
_ليش مخلية البوابة التحتانية مفتوحة؟ لازم تسكريها وتآمني عروحك.
دخلتا الاثنتان الشقة، فجلستا على الأريكة بجوار بعضهما، فأجابتها “چيهان” بوضوح، مؤكدة انشغالها عن تأمينه:
_نسيت والله، دماغي فيها حاجات كتير.
رمقت “صبا” المنزل من حولها، مستنشقةً فيه عبق الإيمان الفواح في كل ركن. كان دافئًا ومريحًا للأعصاب، يحكمه نظام ورتابة. وبينما تشبّع عيناها من منزلٍ تخطو عتبته لأول مرة، قالت بوداد صافٍ:
_وش اللي خلاكي تتركي دار عمّك فهيم وتچي لهني؟ يعقل تتهاوشي إنتي ورمزي وإنتوا ما لكم غير بعض؟ الخوّات، لو وش يصير بينهم، ما يتركوا بعض أبدًا.
ترددت چيهان، فأشرقت عليها ملامح الغضب من أكذوبة كسلسال بلا عاقبة. رغبت في قول الحقيقة، لكن العواقب لن تكون في صالحها إن انكشف المستور. لكن “صبا” فسرت صمتها أنه حزن، فحدقتها بحنان، وتابعت بنعومة:
_رمزي يحبك، وروحه معلقة فيكي….
انصدمت چيهان من جملتها فارتعد جسدها، فتابعت “صبا” بعفوية:
_كأنه ما صدّق لاقاله أُخت! ذا يا قلب أمّه عايش عمره كلّه وحيد، ياما أمّي ترچت عمّتي تخاويه، بس عشان ما يذوق وچع الوحدة، بس عمّتي فطيمة، الله يرحمها ويغفر لها، من بعد البلاوي اللي صارت بينها وبين الملعون مصعب، قامت تاخذ دوا يمنع الحمل، ولا عاد تبغى تخلف منه، وياما حاولت تطلّق، بس كأنها غرست رچلها في حفرة ما لها نچدة.
ابتلعت “چيهان” ريقها برهبة، منصتةً لأحاديث تسمعها من فم صبا لأول مرة عن أمور خاصة برمزي ووالديه، كأنها فجرت حكايات غامضة من بئر فاض بالأسرار. فسألتها برجفة خفيفة:
_هو إيه اللي حصل؟ هما علاقتهم ببعض مكنتش كويسة؟
تعجبت “صبا” كونها أختًا لرمزي، وتسأل وكأنها من الغرباء، فقالت بدهشة:
_يعقل تكوني أُخته وما قالّك شي؟ سامحيني، بس أبوكي ذا رچال ملعون، وما في واحد من أهل الديرة هني يقدر يتعامل وياه….
توقفت عن الحديث لثوانٍ، خاشيةً من وقوع عقابه عليها، متابعةً بصوتٍ خافت:
_يا ليتني ما نطقت اسمه بكلمة، والله مآني ضامنة أرچع للدار سالمة بعد اللي تفوّهت فيه عليه… بس ما يهم، كله يهون…
رفعت كفها على رأسها، ترقى ذاتها، وفي قرارتها دافعٌ لمواصلة الكلام. إذ أغلقت جفنيها وقالت ثلاثة مرات، وهي تحرك يديها في حركة دائرية:
_ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ﴾ [يس: 9]
وتابعت لچيهان بإشاعة الحقيقة التي لا بدّ من معرفتها:
_يمكن الكلام يوچعك، لأنه بالنهاية أبوكي، بس كلمة الحق لازم تنقال، عمّتي فطيمة كانت ست تقية ومؤمنة بربّها، ما أدري شلون التمت على مصعب، ولا كيف حبّته لهالدرچة! لدرچة إن أبوي كان يحبِسها في الدار بالأيّام، عشان ما تطلع وتروح له….
منذ ثمانيةٍ وعشرين عامًا، قلوبٌ متفاوتةٌ تتقارب
بانجذابٍ روحيٍّ قويّ. فطيمة، التي حصلت على بكالوريوس تربوي، كانت ذات قوامٍ مشدود، وبشرةٍ صافية مثل قلبها الخالي من عداء البشرية، ذات شعرٍ حريريّ، وملامح تجذب رجال الكون إليها في ذهول،
سقطت في بؤرة الحب المدمرة وهي مع إحدى زميلاتها المدعوة “زينات”، التي كانت مصابةً بعلل روحية عنيفة. فنصحها أقاربها بالذهاب إلى رجال الدين الموثوقين، فاختصّوا مصعب مؤكدون أنه معالج حقيقي يأتي بنفعٍ حقيقيّ عكس باقي الرُقاة.
دلفت فطيمة مع صديقتها إليه متمنيتين نزع شوائب الروح المنهكة، لكنه بعين ساحر قسم لنفسه أنه لن يتركها إلا وهي زوجةٌ له في يوم قريب.
كانت الأمور في البداية طبيعية، إلى أن مرت الليالي وبدأت تشعر “فطيمة” بانجذابٍ غير مبرر نحوه، تتذكره وسط مهام الحياة التي تجبرها على التناسي، تشتاق إليه وتشعر بهبةٍ ساخنة في صدرها، وكأن شاكرة القلب تعمل وفقًا لطلباته، تمر الليالي، والانجذاب يتحول إلى تعلقٍ ناري، تحولت الحياة إلى ساحة جذب ونفور من الطرفين.
حينما عرض مصعب عليها فكرة الزواج، فلم تتردد ووافقت في الحال، لكن كان لوالدها وأخوتها، خاصة أخيها عاصم، رأي آخر.
بدت تنهار وتصرخ راغبة المناص إليه دون وعي ولا إرادة منها، فقط تصرخ في حجرتها وتقول بإعوال:
_آني أحبه وأبغاه يا عاصم، أبغاه يا خوي! بحبه وما أقدر أعيش بدونه!
لكن “عاصم” كان يصرخ فيها وهو يعيدها إلى صوابها، قائلًا بغضب عارم:
_وش فيكي؟ فقدتي عقلك ولا شنو؟ ذا رچال چاهل، ما تعلم ولا معاه شهادة، وإنتي مُعلمة والناس اللي تتمنّاكي كثير! مصعب ذا ما له لا نسب ولا حسب يشرفنا، ولو سوا لك سحر چلب، ما كنتي بتصيري هيك!
وطأت “فطيمة” يداها على وجهها بصراخ، لا تشعر بما تقوله، ولا تراه حيالها، فقط تردّد بإعوال:
_آني بحبه بحبه… بحبه يا عاصم، ارحمني لو تحبني! أختك تحبه وتبغاه، وأبغى أكمل باقي عمري معاه يا عاصم!
أزاحها “عاصم” بعيدًا، وصكّ الباب من الخارج بالقفل قبل أن يتفاقم البلاء فتستحدث كوارث في قلب دارهم، وقال بصخب عاتي كمن لا تعجبه الزيجة:
_شغل چنان، بتضحي بنفسها عشان واحد ما يسوى! لو وقفتي على إيديكي، ما راح تتزوچيه.
عادت صبا من ذكريات لم تكن قد عايشتها، لكنها سمعتها مرارًا من والديها، مُستحضرة لحظات الخوف التي عاشتها العمة فطيمة، حين انساقت وراء مشاعر وهمية زُيّفت على يد ساحر، أراد جذبها إليه دون إرادتها. لكن مصعب، بكبريائه الحقير، رفض فكرة أن يُرفض من أحد، فانتقم من عاصم بوسائله الشيطانية، إذ جعل المرض ينهش أعصاب رأسه، حتى فقد قدرته على التعايش، وأصبح ذليلًا على سرير السُقم.
كان انتقامه منه مؤقتًا، فقط ليجبره على الموافقة، وبالفعل، ما إن رضخ، حتى ردّت الروح إلى عاصم من جديد.
اختتمت “صبا” حكايتها بتنهيدة مريرة، تزفر فيها آلام الماضي، قائلة:
_بس عقبها، صحة أبوي رچعتله يوم وافق إنّها تتزوچه، العيلة كانت حاطّة في ورطة ما يعرفها إلا الله، يا يوافقوا وعمّتي تذوق المرّ معاه، يا يرفضوا ويصير لهم اللي ما صار لحد.
استحوذَ الصمتُ على چيهان وهي تتأمّلُ كلماتِها، والخوفُ يوثبُ من روحها الهلوعَة، لم يكن مصعب رجلًا عاديًّا، بل طاقةَ شر تتحركُ على الأرض، ذاك الذي لا يحملُ ذَرّة إنسانيةٍ ورحمة، يعتقد أنه سيد الكون، يُحركُه كما يشاء، فمَن تجرّأ عليه بلفظٍ لا يُعجبه، تكونُ نهايتُه محاطًا بطاقاتٍ سلبيّةٍ شنيعةٍ دفعته إلى الانتحارِ من وَطأتها.
حاولتْ “صبا” التغاضي عمّا تَسرده من حكاياتٍ مُريعة، حينما لامستِ البؤسَ في عيني چيهان، ظنًّا منها أنّها استاءت لوالدها، فاتّخذت مجرى أكثر لطافة وتابعت:
_خلي عنك هالكلام، خلينا في الزبدة، ارچعي الدار وخليكي وسطنا، أحسنلك من قعدتك هنا لحالك.
اعترضت “چيهان” على أوبتِها إلى دارِهم، فقد اتّخذت قرارَها النهائيَّ من قبل، ما جعلها في حالةِ سَكينةٍ وثَباتٍ لا يَتزعزع، قائلةً:
_لا يا صبا، أنا مش عايزة اقعد هناك تاني، أنا الأريحلي اقعد هنا، يا ريت تسيبيني على راحتي!
تنهّدت “صبا” وهي تشعر أن محاولاتِها مُستقرُّها التخييب، فنطقت بلُطف:
_آني ما راح أضغط عليكي، بس لازم ترچعي! الدار صار مظلم من غيرك! فكري زين وخذي وقتك، وردي عليّ.
هزّت چيهان رأسَها بابتسامةٍ لطيفة تُخفي وراءَها آلامَ النفسِ المُنشرخة، فغاصَتا الاثنتان سويًّا في أحاديثَ عامة حول الحياة، دون الغوصِ في تفاصيلِ المشكلة أو أيٍّ من أمورِ العائلة. بدت الأوقاتُ لطيفةً، والصداقةُ بينهما تتزايد شيئًا فشيئًا، فتقوّى برِباطِ المحبّة.
انقضَت ساعاتٌ وهُما تجلسانِ على الأريكةِ تتحاوران، فانمحى بعضُ الحزنِ عن صدرِ چيهان وهدأ رَوعُها. أحسّت بانجذابٍ لصَبا أكثرَ من غيداء، وعلى الرغمِ من صِلةِ القرابةِ القويّة، إلّا أنّ الفارقَ قاصٍ.
أمّا رمزي فقد استجلبَ ناجي إلى نفقِ بيارون، ذاكَ الذي خطا إليهِ بسيقانٍ مُرتجفة، لربّما يرى أن النهايةَ بدأت منذ ذلك النداء. فكلّما مالتِ الشمسُ إلى الغروب، انتشرت العتمةُ حول مبنَى الهلاك، وعواء الذئابِ يتفجّر من قلبِ الجبالِ السامقةِ بترانيمِ المُخافة، وظلالُ الأشجارِ انعكستْ على وجوهِ الغُفَر الذين استعدّوا بأسلحتِهم للمخاطرِ المُحتملة، في أرضٍ كانت وما زالت مصدرًا للارتياع.
وقف رمزي مع “ناجي” على مسافةٍ نائيةٍ عن رجالِ الغُفَر، وناجي لم يفهمْ سببَ تواجده في منطقةٍ دُسَّ في قلبِه منها رهبةٌ عظيمةٌ منذ الصغر؛ الحيُّ الذي سمعَ عنه العديدَ من قصصِ الاختفاءِ ولعناتِ الجانّ. أحسّ أن رمزي سيدفعُه إلى هُوةِ الجحيم، فسأله بقلق:
_ليش يا رمزي چبتني لهنا؟ شكلك طرت عقلك، هل هذا أي مكان؟ هذا هو النفق اللي يخوفنا من الديرة واللي حولها، والله ما تعقدت في حياتي من شي مثل ما تعقدت من حكايات هالنفق.
أجابه “رمزي” بثَبات، وكأنّه يُظهِر له شجاعتَه ويُثبِت له تفوّقَه عليه بجُرأةِ رجلٍ لا يَهابُ أجلَّ جليل، قائلًا بنبرةٍ خافتة:
_الوضع معاي مختلف يا ناچي، أنا حفيد قصيان اللي بناه، ومن حقي أدخله وقت ما أحب، أبغاك تشد حيلك وتدخل معاي تساعدني، وصدقني ما في شي بيضرّك!
ارتعش “ناجي” وقابله بالمُعارضة، مدّعيًا:
_العمر ما هو لعبة يا رمزي، اللي يدخل هالنفق ما يطلع منه ثاني، إذا إنت ما تهمك روحك، آني ما أقدر أتركك ولا أقدر أترك نفسي!
لم يستسلم “رمزي” لإقناعِه، بل حاول دسَّ القبولِ في ذهنِه، قائلًا برصانة:
_ما راح يصير لك ولا لي شيء، ولو في حد بيتأذى، بيكون أنا مش إنت… أعرف إن الوضع صعب معاك، بس صدقني ما بيصيبك أي ضرر، ثق فيني!
تقدّم أحد الغُفر نحوهم، يبدو متعجّبًا من إهمالِ رمزي لعملِه، ووقوفِه منشغلًا بالحديث مع رجلٍ دخيلٍ بينهم، فسأله بلهجةٍ حادة:
_شو چابك هنا يا غفير؟ صِرت تترك شغلك وتقعد تحكي وتتفاهم معاه؟
استدار “رمزي” له بحميّةٍ، وأجابه بنبرةٍ أشد حِدةً منه:
_ما يخصك، هو بلغني إن الشيخ ضرغام يبغاني أحرس النفق من ورا من اليوم، وإياك تقرّب له ثاني في اللي ما يخصك!
اندهشَ الغفيرُ، فسأله عن صفةِ ناجي بينهم، قائلًا:
_ويطلع منو الأخ اللي معاك ذا؟!
لم يُجِبه رمزي، بل أشارَ لناجي بالسيرِ خلفَه حتى اختفيا عن الأنظارِ المُكترثة بشأنهما. كان يتحرّك في المُقدمة وناجي وراءَه يسير برأسٍ تكاد تنفجر من المخاوفِ، متمنّيًا لو أن يعودَ الزمن دقائق للوراءِ، ولا أن يلبّي مطلبَ رمزي بالمجيءِ إلى أشرس بقاعِ الأرضِ في البلدة.
انصَبّت الأبصارُ عليهما، والألسنُ تتساءلُ بفضولٍ عمّا يحدث.
وراء النفقِ، من البوابةِ الخلفيةِ، تبدو منغلقةً بإحكامٍ، فلا يوجدُ منافذٌ للدخول. أبوابٌ يتخلّلها الصدأ، والفتحاتُ بين الأسلاكِ انقفلت بخيوط العناكبِ الممتزجة بغبارِ الجو، ما شكّل عائقًا للرؤية.
حينها استغلّ رمزي قدراتِه العقلية، والتفت حوله ليجدَ فكرةً ملائمةً يتمكّنُ من الرؤيةِ من خلالها. فتقدّم للأمام، وناجي يراقبه في دهشةٍ مطبّقة، فوجده يقتلعُ أحدَ أوراقِ الشجرِ اليابسة، ويلفّها كالسيجار، ثم يدسّها بين فتحاتِ البوابةِ فيزيلُ الشبكاتِ والترابَ العالقَ.
ظلّ يكرّرُ العملية حتى نظّفَ منطقةً متوسّطةً منها. بدأ يترصّد باطنَ النفق، لم يرَ سوى الظلام، فبصرُه لا يمتدّ سوى لمنطقةٍ قريبةٍ، وهي التي ينعكسُ عليها آخرُ بقايا ضوءِ الشمس.
وفي تلك الأثناءِ المُلآنة بالجهد، سأله “ناجي”:
_يا رمزي، بالله عليك اسمع كلامي وسيبك من اللي تفكر فيه… حنا لو دخلنا، ما بنطلع ثاني! هالنفق ملعون لعنة كبيرة، خليني أرچع لأهلي ومرتي، أبوس إيدك!
قرر “رمزي” تركَه وشأنه، لكن بشرطٍ واضحٍ ألا يغادر المكان، ويظل منتظرًا إلى حينِ خروجه، فقال بحزم:
_بدخل لوحدي يا ناچي، بس خليك مستنيني برا، وإذا حد سألك وين راح رمزي، قولّهم الشيخ ضرغام بعثه في مشوار مهم!
حاول “ناجي” منعه من الدخول، فقال بتردّدٍ في كلماته:
_نصيحتي لك، لا تدخل نفق بيارون، دخولك فيه خطر كبير عليك، لازم تفهم هالشي!
رفعَ رمزي بصرَه لأعلى، اكتشف أنبوبًا عاليًا مفتوحًا يمكنُه من دخولِ النفق دون الحاجة للعبور من البوابةِ الموصدة. تحرّك نحو الأشجارِ يبحث بعينيه عن جزعٍ مناسبٍ يتحمّلُ ثقله، ليمكنَه من الوصول بنجاح. رفعَ يدَيْه وتشبّثَ بلياقةٍ في جزعٍ متين، ثم بدا يرفعُ جسدَه بالتدريج، و”ناجي” يدفعُه لأعلى، مُتابعًا:
_يا رمزي، بلاش عناد، الله يستر عليك! حنا ما نقدر نستغنى عنك!
لم يهتمّ رمزي لممانعتِه، بل قفز على أقربِ جزعٍ للشجرة، ودخلَ الأنبوبَ الضيقَ فتلاصقتِ الأتربةُ في ثيابه. وفي تلك الأثناءِ وصلَ أحدُ الغُفر إليهما، يخطو وقد باتَ قريبًا منهم، فقال “ناجي” بنبرةٍ تحفيزيةٍ لا يسمعها سوى رمزي:
_الغفير چاي يا رمزي! ادخل بسرعة!
تلاشى ظلال رمزي من المكان، فزعم ناجي أنّه منشغلٌ في ملامسةِ الأشجار، لكنّ صوتَ “الغفيرِ” جاءَه كإنذارٍ صارم، وأذناه تصغيان للسانهِ الذي يتساءل:
_واقف هنا ليش؟ ورمزي راح وين؟!
تلجلج “ناجي” في رده، بدا كمن ينقب في ذهنَه ليستخرج منه بقوةٍ أيّ فِكرٍ عابرٍ يبرّر به وقوفَه هنا، فأجابه:
_العمدة ضرغام بعث رمزي في مشوار مهم، وخلاّني أستناه هنا لين يچي، على كل حال، هو ما راح يتأخر.
رماهُ “الغفير” بنظراتٍ توحي بالتكذيب، كأنّه حاوٍ لبصيرةٍ متفتّحة لكن بلا دليل، فيما كان الاثنان ينظران لبعضِهما، أحدهما مرتبكٌ والآخر مرتاب. تسلّلَ رمزي عبرَ الأنبوب، يستمع لصدى أصواتِهما في الخارج، والغفير يقول:
_غريب هالحال، والله ما قد شوفتك قبل، إنت چديد هنا ولا ماسك موقع في السرية هناك؟
وصلَ رمزي إلى نهايةِ الأنبوب بعدما علّقت به شبكاتُ العناكبِ، كان الارتفاعُ يبلغُ اثنينِ مترٍ، ولا يوجدُ في الأسفلِ حافةٌ تُقربُ المسافات، ما دفعَ رمزي للقفز من هذا الارتفاعِ فسقطَ على الأرضِ متألمًا.
أما في الخارج، استمعَ “الغفير” لرطمةٍ قويةٍ من أعماقِ النفقِ، جذبه خوفُهُ إلى الوراءِ، ورفعَ سلاحَهُ إلى الأعلى، وقال:
_ابعد عن النفق! شكلهم غضبوا منك، واللعنة ممكن تطلع علينا كلنا!
نهض “رمزي” ينفض ثيابه بأنامل منهكة إثر اصطدامه بالأرض الصلبة، فتح مصباح الهاتف لينير حلكة المكان، فهو لا يزال لم يصل بداية بيارون بعد.
كان الارتفاع شاهقًا بارتفاع ثلاثة طوابق معمارية إذ يبلغ طوله عشرة أمتار، جدرانه متآكلة تبدو شبيهة لغرف الصرف المدفونة بسفح الأرض.
المياه المتدنسة تملأ الأرضية بارتفاع ثلاثين سنتيمترًا، فتغوص الحشرات وسط القذورات. وبينما يحرك مصباح هاتفه، وسلاحه مثبت على كتفه، كان يرفع جلبابه لأعلى بيد واحدة خشية أن يتدنس بالعكرة، فابتلت سيقانه من الأسفل، وسار بحذر حتى وصل إلى طرقة مرتفعة عن سطح الأرض، ممتدة للأمام بمسافة كبيرة ثم يظهر اتجاهًا نحو اليمين.
صعد في الطرقة المُظلمة الخالية من المياه القذرة، ومصباحه في يديه يوجهه في كل خطوة نحو الاتجاهات.
وصل إلى نهايتها كمن خطى أولى الخطوات بنجاح، كانت خطوة بمثابة استعداد لما هو أعظم، اتجه في الطرقة الممتدة يمينًا، وجدها أكثر طولًا فتبلغ مسافتها مائة متر، كأن الوقت انكتمت أنفاسه في هذه اللحظات المملة، وهو يسير بهدوء يترصد بعيناه كل بقعة داخل النفق، وبعد دقائق وصل إلى نفق بيارون.
ارتفاعه بلغ عشرين مترًا به اتجاهات متفرقة عدة – شمالًا، جنوبًا، شمال الشرق، شمال الغرب – كان ينبغي أن يحمل بوصلة تعينه على تحديد الاتجاهات حتى لا يسقط ضحية في قبضة التوهان.
بمجرد أن وصله استنارت المصابيح المعلقة على الجدران، وكلما اقترب من باب يفتحه وجده موصد بشفيرات اللعنة كأنه عليه حراس من قبائل طالحون صارمون، ظل يدور على كل باب لكن بلا جدوى، ما جعله يعود إلى نفس المكان الذي دخل منه.
وبمجرد أن دخل الطرقة الممتدة حل الظلام على النفق من جديد، فوجوده داخل النفق له علاقة غامضة بتفشي الأضواء في أركانه.
تحرك حتى خرج من الطرقة ونزل إلى الأرض التي بدأ منها رحلته، لكن الأنبوب الذي ولج منه كان عاليًا ويحتاج إلى ما يرفعه قليلًا للأعلى، فنادى بصوتٍ خافت، قائلًا:
_ناچي! أوعى تكون مشيت يا ناچي!
لكن “ناجي” كان ينتظره في الخارج، ما جعله يُجيبُ باستجابةٍ:
_ما مشيت يا رمزي، لسه مستنيك، وش سويت؟ طمني!
ردَّ “رمزي” بتعثرٍ، طالبًا المعونة للخروج:
_اقفز فوق يا ناچي، ادخل الأنبوب وشدّني عشان أقدر أطلع من هنا!
لم يسمع “ناجي” كلماته إذ ظهرت مشوشةً، وكأنّه يملي عليه تعويذةً بلا ملامح، فسأله:
_ما سامع شي يا رمزي، استنى شوي!
قفز ناجي على جزع الشجرة بسلاسةٍ ودخل الأنبوب، فتحرّك فيه بحرصٍ هو الأخير، حتى وصل إلى نهايتها، ثم أخرج رأسه منه ونظر للأسفل فوجد رمزي يقف متحيرًا وسط الظلام غير قادرٍ على القفز، فبادر “ناجي” بالحديث قائلًا بدعمٍ:
_تظن لو مددتلك يدي بقدر أشدك لفوق؟
أجابه “رمزي” بفكرٍ داهٍ:
_لو مددت يدك ليّ، بتقدر تشدني، بس ثبت رچلك في شي الأول!
اختفى الفكرُ قبل أن يُنفذ، و”رمزي” يستفيدُ من عقليتهِ الألمعية، فوضع سلاحَه جانبًا، وأعطى هاتفَه لناجي، وقال:
_خلي ذا معاك الحين!
ثم استخرج أداةً حادةً من جيبه، وبدأ يحفر الجدران بكل ما أوتي من قوّة، تاركًا “ناجي” في الأعلى يتابعه بفضول متزايد، ويلقي عليه بأضواء الهاتف المشتعلة فينير المكان من حوله، فخرج عن صمته، وسأله:
_وش تسوي؟ فهمني!
انشغل “رمزي” في كَحْتِ الجدرانِ قاصدًا صنعَ تجاويفَ قريبةً من الأنبوب، كمن يصنع سلمًا، ليُمكّن قدميه من الثبات داخل هذه التجاويف كدرجاتِ الدرج تمامًا لكن بشكل مختلف، ووسط انهماكه في المهمة، أجاب:
_أنا قاعد أحفر في الحيط عشان أدخل رچلي وأقدر أنط بسهولة.
ردَّ “ناجي” بخوفٍ، وهو يتراجعُ إلى الوراءِ بحذر:
_خلص يا رمزي بسرعة، والله شكلك ما هترتاح إلا إذا لقونا مرميين عالطريق من غير أطراف.
لم يكن الأمر بهذه السهولة، لكن “رمزي” حفر مدخلين لقدميه، وكانت المسافة بينهما كبيرة، فصعد عليهما بصعوبة وتشبّث بذراعي ناجي، الذي جذبه بكل جهده حتى انقطعت أنفاسه. بدأا يتراجعان إلى الوراء، إذ لم يكن بإمكانهما الالتفات نظرًا لضيق الأنبوب. نزل ناجي أولًا، ثم تبعه رمزي. تدنَّس ثوبا كليهما، فراحا ينفضان جلابيبهما لإزالة الغُبار العالق. وبينما كانا يفعلان ذلك، سأله رمزي باهتمامٍ:
_طمني يا ناچي، صبا راحت لچيهان؟
أجابه “ناجي” بوضوح، وهو مُنشغِلٌ بتنظيفِ ثوبِه:
_راحت، بس چيهان ما راضية ترچع الدار، حاولت معاها، بس ما رضيت… وبرضه ما فهمت ليش تسوي كذا؟ وشو اللي بينكم وبين أبوك لدرجة إنكم تهربون منه لهنا؟
لم يكن “رمزي” كتابًا مفتوحًا، مُتعرِّي الصفحاتِ على الملأ، حتى ولو لأقربِ الأقربين. رفض الصراحة، فلا ينبغي عليه أن يُصرِّحَ بكلِّ شيءٍ دفعةً واحدة. ووقتما رفع سلاحه على كتفه، قال:
_ذا الشي ما يخصك يا ناچي، خلك ساكت، ولما أقرر أحكي لك بحكي، بس لا تضغط علي!
وتابع، وهو يُزيحه برفقٍ للخروج:
_ارچع الدار، شكل موضوع النفق ما هو سهل مثل ما كنت فاكره.
تحرّك “ناجي” إلى الأمام، ورأسُه ما زالت مُصوَّبةً نحوه، فقال بدرجةِ صوتٍ مَلحوظة:
_طيب يا ولد العمة، آني رايح، وإذا احتجت شي يخص نفق بيارون لا تتصل فيني، دورلك عواحد غيري!
قذفه “رمزي” بحجارةٍ صغيرةٍ بشكلٍ مازح، وضحك على قوله الفكاهي، الذي أخرجه من عتمةِ المسؤوليات إلى ضي المزاح، قائلًا بنبرةٍ صاخبة:
_غور، وچهك مثل قفاك، ما في منك فايدة.
ضحك “ناجي”، وهو يتفادى الحجارة، قائلًا بهزلٍ:
_تسلم يا غالي، خليك في شغل العفاريت ذا وسيبك مني، آني ناوي أخلف، أبوس يدك!
هزَّ رمزي رأسه بضحكة هادئة، ثم عاد إلى البوابة الرئيسية كما لو لم يحدث شيء منذ البداية، فيما غادر ناجي الحي وعاد إلى المنزل، يثني الرحمن على إيابه سالمًا غانمًا، وكأنها معجزة سلامة لا يتخيلها.
انقضت الساعات واحدة تلو الأخرى، بدأت چيهان تشعر بالملل بعد اِنكفاء صبا، كما لو غابت النجوم عن كواكبها، تاركة التبرُّم ينهش ارتياحها. قضت أوقاتها ما بين مشاهدة التلفاز والانتقال بين مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كان رمزي يراقبها عن كثب دون أن يرسل ما يوضح اهتمامه بها، وكأنها لا تعنيه غيابها. أما هي فبادلته نفس العناية الصامتة، لكنه فجأة شارك قصته، وبطريقة تحمل عقلانية محكمة أخفت چيهان خاصية رؤية القصص، وكأنها لص خفي يتابع في الخفاء. قد شارك صورته مع ناجي، وكلاهما يقفان رافعان يداهما على أكتاف بعضهما بإعزاز، واللثام البدوي يستر ملامحهما فلا يتضح منهما سوى عيناهما، والكلمات تقول: “احنا النسور، احنا الهيبة بطولنا لو كنتوا كتيبة.”
كانت الكلمات توحي بشيء من القوة والاتحاد، لكنها لم تفهم مقصد هذه القصة في هذا الوقت، لكنه من الأكيد لم يقصدها بل يشير إلى الأعداء المترصدين سقوطه.
لم تمر عشر دقائق حتى خرجت چيهان إلى شرفة البلكونة، لعل نسائم الأجواء تمحو عن كاهلها الملل، لكن إذ بمشهد صادم لم تتوقعه. وبينما الساعة تشير إلى العاشرة ليلًا، كان رمزي يجلس على الرصيف قبالة المنزل، يتحدث في الهاتف مع أحدهم. اندهشت من تواجده هنا، وكأنه تحول إلى حارس لها، ربما ساقه خوفه عليها إلى هنا، والحكمة تقول: “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”، فالمرة الماضية نجح المناوئون في إرهابها مستغلين غيابه، لكنه حينما عاد فلن يسمح أن يتكرر الأمر في حضوره.
أنهى المكالمة، ورفع عينه فتفاجأ بچيهان في الشرفة ترمقه بتوتر. كانت نظراتهما لبعض صامتة، وفي نفس الوقت تحكي الكثير من العواطف المَهيضة. تنهد رمزي بزَجر، ورفع حاجبيه، وضم ذراعيه لبعضهما وهو ما زال ناظرًا لها بعبوس، ما جعل “چيهان” تقول لنفسها بدهشة:
_إيه اللي مقعده هنا؟!
قبض “رمزي” على هاتفه وفتح تطبيق المراسلة، وأرسل لها رسالة نصية مضمونها:
_خليني قاعد كذا ولا كأني الحارس اللي اشتريتيه بفلوسك.
رَنَّت نغمة الرسالة في هاتف “چيهان”، وسرعان ما رفعته تقرأها بوجهٍ متجهم، ثم كتبت هي أيضًا بتضايُّق:
_محدش طلب منك تيجي.
قرأ “رمزي” رسالتها بصدمة، بدا متعجبًا من جرأتها معه إلى هذه الدرجة من الجفاء، فكتب:
_لا في حد طلب مني، ما چيت من نفسي.
اندهشت “چيهان” فسألته بفضول:
_مين ده اللي طلب؟!
أجابها “رمزي” بلا مبالاة، قاصدًا بثّ الغيظ في قلبها:
_شي ما يخصك… قدامك عشر دقايق تچيبي فيها حاچتك وترچعي معي ثاني.
ردت “چيهان” بسخط، قائلة بعنادٍ طفولي:
_وأنا محدش يؤمرني بحاجة مش عايزاها، ومش جاية.
رفعت حاجبيها بغضب، وكانا ينظران لبعض باحتدام، لكن ما نفض جسد “رمزي” وأظهر الصدمة الحقيقية على ملامحه لم تكن شجاعتها في الحديث معه، بل أنها دلفت إلى الداخل وصكت الباب بقوة، كأنها أرادت بهذه الرتجة أن تعرفه مدى ما وصلت إليه من هموم متراكمة. نهض في الحال، وكأنها سحابة من الغضب أمطرت على جسده، فرفع هاتفه بقبضة خشنة وكتب لها:
_هالمعاملة ما تمشي معاي، أنا سكتلك كثير لين فاض بيّ، وإنتي لما أقولك كلمة ما تستاهل الزعل، تمسكي فيها وتزعلّي، لا تلومي إلا نفسك يا چيهان!
ظلّت چيهان صامتة إلى أن حظرته عن مراسلتها. مكث “رمزي” منتظرًا ردها لدقائق قبالة الدار دون جدوى، تارةً ينظر إلى الشرفة بغضب، وتارةً إلى شاشة هاتفه. وجد أن تبادل الرسائل ما هو إلا غضبٌ مكبوت لا ينفجر من وراء الشاشات، فرفع هاتفه وأجرى اتصالًا بها، ظنًّا منه أنها ستستجيب، لكن الخط بدا مشغولًا. كاد أن يُدمِّر هاتفه في أي جدار من شدة الانفعال. ظل يدور في نفس دائرة الحنق، كما لو كان ثورًا يطوف حول الساقية، وفي كل مرة تتولّد أفكارٌ شنيعة في ذهنه.
في الداخل، وقفت چيهان قبالة المرآة، تنظر إلى شاشتها المستنيرة برقمه، فترفضه بعناد وهي تُعزّز مقامها. لكن في المرة الأخيرة، استجابت له فقط لتنهي سلسلة الإزعاج اللامتناهية، لتجده يقول بنبرةِ وعيدٍ حادّة:
_ما حد يچرؤ يسوي معاي نص اللي تسويّه، البلوك اللي سويته لي ما راح أعدّيه، ورفضك للمكالمات كأنك رفضتيني أنا شخصيًا. كذا كل شي بينا خلص، وأنا ما راح أكمل في اللي كنت أعمله عشانك، الوضع انتهى، وكلامي معاكي ما له رچعة.
ردّت “چيهان” بلا مبالاة، ثم سألته بهدوءٍ مستفِزّ:
_في حاجة تاني؟ ولا خلاص قولت الكلمتين بتوعك؟ نسيت تهددني إنك هتوريني اللي عمري ما شوفته، ونسيت علفكرة تعرفني إنت تبقى مين، قولت أفكرك أصلك بقيت تنسى.
اندهش “رمزي” من برودها، فازداد غيظًا، وقال بصياحٍ:
_ما أحب هالبرود، إنتي بتستخفي بكلامي؟ لو تبينني أنفذ كلامي، قولي وأنا أنفذه، يومها بتعرفي الوچه الحقيقي لرمزي الطوخي!
ردّت “چيهان” بابتسامةٍ باردة:
_طيب ما تنفذه! إيه اللي مانعك؟
نطق “رمزي” بامتعاض، وكأنه تحوّل إلى بركانٍ مُتفجِّرٍ باللهبِ الحارقة:
_اسكتي يا چيهان، ما في حد تعبني في الدنيا كلها غيرك، اسكتي وخلي اليوم يمر!
أنهى رمزي المكالمة، ووضع الهاتف في زوايا جيبه الحالكة، وزفر بضيق، يُخرج أنفاسه المُشتعلة بالغضب، محاولًا التحكُّم في أعصابه قبل أن يرتكب شجارًا عنيفًا معها. ضمّ كفّيه إلى وجهه، وأنفاسه تربو بحرارةِ الانفعال. وحينما أحسّ أنها قد تتأذّى من نيرانه، كان قراره إنهاء الحديث، كي لا يغرق في ندمه لاحقًا. جلس على حافة الرصيف بغضبٍ مُتفجِّر، ساعيًا للسيطرة على مشاعره.
فيما كانت چيهان داخل المنزل، مستقيمةً قبالة المرآة، تنظر إلى نفسها بدهشة، وكأنها تقول: “من أنتِ؟ وكيف وصلْتِ إلى هذه الدرجة من الصلابة؟ أيمكن لطيرٍ هجر وطنه أن يظل ثابتًا، وكأنه ما زال مُحتميًا في أغصانهم؟”
كانت تبدو فرِحة نوعًا ما وهي تنظر إلى ذاتها في المرآة، وتضحك ضحكةً خجولة بلا مبرر. هل كان لها القدرة على التأثير فيه إلى درجة الثوران؟ إذ ظلّ ماكثًا في الخارج، غير قادرٍ على ترك الشارع، خشية أن تستغلّ الفرصة، فيسمع عنها ما لا يرغبه.
في بدايةِ يومٍ جديد، مليء بتحديات حياةٍ زوجيةٍ جديدة، وبعدما خرج العروسان، عمرو وريم، لشراء بعض أجهزة المطبخ الكهربائية، ذهبا إلى أحد المقاهي الباهية، المُطلة على البحر في سيناء، بلدةِ الطبيعة الساحرة. كانت الجبال تمتد على مسافاتٍ متباعدة، تحتضنها السحب البيضاء في تلامسٍ لطيف قبالة البحر الأحمر. وبينما يجلسان على الطاولة، سألها “عمرو” بلمعةٍ في بؤبؤيه المُتسعين بالحب:
_عقبال ما تخلصي بقية المشتريات وتيجي تنوري بيتك يا حبيبتي.
ابتسمت “ريم” بخجل، وقالت برِقّةٍ وعُذوبة:
_يا رب يا عمرو يا حبيبي، قريبًا إن شاء الله.
نهض “عمرو” من مكانه، وقال بنبرةٍ حنونة:
_أنا هدخل الحمام على السريع وهجيلك نتكلم في موضوع كتب الكتاب ده، لأني مش هطلعه من دماغي، وهفضل ورا عمي لحد ما يوافق!
انبجلت من شفتي “ريم” بسمةٌ هادئة، وقالت:
_ماشي، لما ترجع بقى.
رَمَقها عمرو بنظرة هيامٍ سريعة، ثم دخل المرحاض بخطى حماسية. في الخارج، بدأت ريم تمتع عيناها بالطبيعة الخلابة، بدايةً من مشاهد الجبال وانتهاءً بالبحار البعيدة. تبتسم بفرح، فتتخيل ذاتها عروسًا في القريب العاجل تغمرها السعادة مع محبوبها الذي أهداها القدر به. دخل حياتها كأنه ممحاةٌ للأحزان، لربما والدته أنجبته خصيصًا ليحيى من أجلها السعادة. كانا يتشاجران كأي اثنين، لكنهما سرعان ما يحلان الموقف بكلمات طيبة وابتسامة لطيفة.
النادل يتحرك حاملًا صينية المشروبات، يتجول لأداء عمله بروح محبة واجتهاد، وبين الطاولات تسير اثنتان من نساء إيطاليات جئن إلى مصر في رحلة عظيمة يشاهدان فيها إبداع الخالق وعظمته الوحيدة. تلقت ريم رسالة على هاتف عمرو، ففتحته ببسمة، وجدت رسالة من والدته تطالبه بشراء المنتجات الغذائية قبل العودة إلى المنزل. أحست بالأمان، لكن أصابعها التي فتحت تطبيق الصور ساقتها إلى ما لا ترغبه.
كانت صوره جميلة تصف الجمال الحقيقي لشاب في نهاية العشرين، يملك قسامة الخَلق وغضاضة الخُلق. رفّ قلبها بهجة لرؤيته، وهي تشاهد صوره مع العائلة ومعها في ذكريات استثنائية، لكنها قابلت لقطة شاشة لمحادثة مجهول له يخبره بحبه الشديد لريم، تلك التي تلقاها ليلة العزاء في دار عائلتها.
انصدمت ريم صدمةً عارمة، واختفت الابتسامة عن وجهها، وارتفعت دقات قلبها كطبولٍ صاخبة. علت أنفاسها، وأحست بضيق في صدرها. خرج “عمرو” لها بعد دقائق ببسمة عريضة، وجلس باشتياق، لكنه حينما لاحظ انقلابها سأل:
_مالك يا ريم؟ إيه اللي ضايقك أوي كده؟!
زر الذهاب إلى الأعلى