روايات شيقة
رواية إيبار الفصل السادس عشر 16 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل السادس عشر 16 بقلم رانيا عمارة
ليت أقدامهم ما خطت في بيئةٍ حالكة، ملأى بأرواحٍ مجهولة جعلت أجسادهم تتراقص على ترانيم الفزع. تزايدت خطواتهم، وكلٌّ كشف عن قدراته الرهيبة في الركض بسرعة. آذانهم منصتة لصرخات مفزعة تخرج من فُوَّهة البيت المُظلِم، يبدو فاتحًا ذراعيه يبتلع كلَّ من يقترب منه.
الأصداء تتزايد شيئًا فشيئًا، وفي كل مرة تجتاحهم برودةٌ غريبةٌ تسللت إلى أجسادهم، منعت قوتهم من النُتُوء. وحينما بصرت الأعين الأحياء الخالية من البشر والحركة، توقف الثلاثة بجوار بعضهم البعض، يراقبون المنزل من مسافةٍ كبيرة، ليجدوا المصابيح تنفجر واحدةً تلو الأخرى.
أدرك “سليمان” حينها أن “رمزي” ما هو إلا ساحرٌ عنيف، سلط عليه طاقاتٍ سوداءَ تشبثت به كعقربٍ لاذع، فنظر إلى أخوته بقلقٍ غمر قلبه، وقال:
_الظاهر إن البيت ده مسكون ومفيهوش حد، ومن ساعة ما الجدع ده عدى من قدام القهوة وبصلي وأنا مش تمام.
استقرت قبضة أخيه الأكبر “عماد” بحركةٍ حانية فوق كتفه، وعيناه تتابعان السحب في السماء بانشغال، كأن عقله ينزاح معها بأفكارٍ تجلب معلوماتٍ انسترَت في ثنايا ذهنه، وقال:
_أنا عارف احنا هنعمل إيه، يلا بينا!
وسط زحام الشوارع، تحرّك الشباب سويًّا إلى أحد المحلات المجاورة للمقهى، هناك متجر لبيع الثياب الحريمي، وفي زاويته مكتبٌ صغير يجلس حياله شابٌ في مقتبل الثلاثين، يتابع المبيعات على حاسوبه الخاص. وبمجرد أن دخل “عماد” في المقدمة، يتبعه سليمان وشهاب، مدّ ذراعه بتحيةٍ خالصة إلى مالك المتجر، فالتفت له الأخير باهتمام، ليجد عماد يقول:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردَّ “الشاب” بابتسامةٍ خفيفة:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
كان “عماد” مترددًا في أن يتحدث طالبًا منه خدمةً قد تساعدهم في الوصول إلى رمزي، لكن القصاص كان قبالة عينيه، وهو مُصرٌّ على استرداد حقّ أخيه، وقال:
_إنت الكاميرات عندك شغالة؟
نهض “الشاب”، وسأله باستفسارٍ فضولي:
_أه شغالة، بس ليه؟ في حاجة؟!
أجاب “عماد” بإيجاز، مُختصرًا سطورًا من الحديث:
_في واحد أذى أخويا وهو شغال في أكل عيشه، لو مفيهاش أي حاجة تضايقك، رجعلنا الكاميرات عشان نرجعله حقه.
استفسر “الشاب” عما حدث، وقد سأله:
_إيه اللي حصل طيب؟ احكيلي!
ردَّ “عماد” متضايقًا، فهو لا يرى أمام عينيه سوى مشهد انكفاء الحقوق عن أصحابها:
_ماشي هحكيلك.
تحرّك “الشاب” من موضعه، يرفع الكراسي مزِيحًا إياها قبالة المكتب، قائلًا بنبرةٍ تبجيلية:
_اقعدوا طيب!
في جلسةٍ هادئةٍ روى عماد وأخواه كافة التفاصيل لذاك الشاب. تمرُّ الدقائق بين حينٍ وآخر إلى أن يقرّر مالك المتجر إمدادهم بالمعونة. كان قلب “عماد” يتآكل بأنياب الحزن وهو يرى أخاه خاضعًا لعِلّةٍ لم يُعانِ منها يومًا، تلك التي أثّرت على حياته وطوّقتها بمضرةٍ قاسية. إذ مَن يحتمل أوقاتًا سعيدةً تنقلب إلى صراخٍ عاتٍ، وانمحاصٍ مهيبٍ على الأرض؟ لقد تحوّل عالمه إلى إربٍ جهنميٍّ تغلفه النيران من كل صوب.
حرّك مالك المتجر فأرته الإلكترونية باحثًا عن لحظاتٍ شاهدتها الكاميرا بأعينٍ متأثرة، فنهض الإخوة ووقفوا إلى جانبه، يتصفحون الشاشة بلهب الحماس، فكان يتراجع إلى التاريخ والوقت الحقيقي بدقة. وبعد ثوانٍ، وصل إلى لحظة “سليمان” التي تغيّر بعدها كل شيء.
كان “سليمان” يؤدي عمله ولا يعلم ما ينتظره، متجوّلًا بصواني المشروبات، ومن حوله الزبائن منهمكون في: الاحتساء، ولعب الطاولة، ومتابعة المباراة على الشاشة، إلى أن مرّ “رمزي” بجواره، فكانت لحظةً فاصلة بين ماضٍ ساكن، وحاضرٍ ثائرٍ كأمواجٍ اضطربت فجأة.
بدأ الشباب في الصراخ، خاصةً “سليمان” الذي أشار بأصابعه المرتجفة نحو الشاشة، يثبت صحة حديثه، فقد جَلَت مصداقيته للعلن، وهو يهتف بحزنٍ جعل البقية يُمعِنون النظر أكثر فأكثر. وفي ذلك الوقت المُشتعل، كلّف “عماد” مالك المتجر بالاحتفاظ بنسخةٍ وإرسالها له، فبدأوا بتبادل أرقام الهواتف وتسجيل الأسماء. وبعد جدالٍ صاخبٍ، استوطن مقطع الفيديو على هواتف الإخوة، فخرجوا ممتنين لرجلٍ أعانهم، ومدّهم بما كانوا يستصعبون الوصول إليه.
تلونَّت الأماكن. هناك، داخل أنظمة البدو وعاداتهم الخاصة، تحتفظ بعض القبائل بأساليب مميزة في شؤون الحياة، قد تختلف من بيئةٍ لأخرى رغم أنهم ينتمون إلى نفس الرابطة. فبعد ليلة الزفاف الأولى، مرّ الفارس في شادر السيدات ليحضر عروسه أخيرًا، شبك ذراعه بذراعها بابتسامة، وعبروا من بوابةٍ خلفيةٍ تصل إلى عش الزوجية. تعالت الزغاريد من حولهم، وانتشرت الورود المقذوفة حولهم ببهجةٍ.
سارت النساء وراءهم، والقلوب مسرورة بليلةٍ لن تتكرر، حتى وصلوا دار العائلة. فصعد العروسان بانسجامٍ ودخلا شقتهما، وهناك عبير الغبطة ينتشر على أثاثهم، بل ويُلوّنه احتفالًا بمجيء العروس إلى دارها بعد سنواتٍ من الخطبة والتجهيزات المنهكة.
وقفت بعض السيدات قبالة الدار المُزيّنة بديكورات العروسين، ألسنتهن تتراقص في حلوقهن مُصدِرةً لحنًا مدهشًا. سلّمته إحداهن أمانةً خاصةً تُمثّل العُرف والعادات اللازمة في قبيلتهم، وخرجن بسرورٍ في انتظار عودة الأمانة محمّلةً بتاج العفّة والشرف.
أما الرجال، فصافحوا والدي العروسين ليبدأ كلٌّ منهم العودة إلى داره بعد ليلةٍ ساطعة ضمّت أهم رجال الحفل، من بينهم شيخ القبيلة الذي غادر برفقة معاونيه.
بعد دقائق، انجلت الأمانة مترافقةً بزغاريد النساء التي رفعنها لأعلى، وخرجن بها إلى الشارع، وكأنها تاجٌ براق على رؤوسهن، يتفاخرن به قبالة كلّ الحاضرين، فهو بمثابة سيفٍ قاطعٍ لكل من تجرأ بأحاديثٍ تُدنّس علوّ شؤونهم بين سائر القبائل.
وبعد مرور ليلة، عاد الجميع إلى مواطنهم، في انتظار زيارة العروسين في دارهما. فيوم الاحتفال الأخير يكون برفقة أهل العروسين: الرجال، النساء، والأطفال، يأتون محمّلين بخيرات الطبيعة داخل صناديق خشبية كبيرة بسخاءٍ واسع، ويؤدّون احتفالًا صغيرًا في دار العروسين استعدادًا للاحتفال التالي، وهو “أسبوع العروسين”، إذ تمر سبع ليالٍ يعودون فيها للمرة الأخيرة، وفي حوزتهم كلّ ما لذّ وطاب، يقدّمون التباريك بوجوهٍ بشوشة.
لكن في ذلك اليوم، كان “رمزي” لا يزال مستتبًّا داخل خيمة خاله، يتعايش فيها بكل جوارحه، يأكل وينام منتظرًا خروج “ناجي” من دائرة التلهّي بأجواء الزفاف، ليأخذه معه في رحلةٍ خاصة لا يعلمها أحدٌ سواهما، وهذا ما قد حضر من أجله في الأساس.
لكن بعد ليلةٍ أخرى من هجره للأستوديو الذي منحه لهما الخال “فهيم”، شعر أنه مقصّر في حق “چيهان”، تلك التي لم ترَ وجهه منذ ليلتين. حتى هو، فاضت منه مشاعر الشوق، لكن ولأن الكبرياء سيّدهما الأعظم، صعد بحجّة استجلاب حقيبة ثيابه من الأعلى، فدخل ليجد الأجواء ساكنةً تمامًا. حجرة “چيهان” موصدة كعادتها، لكن زهوه منعه من طرق الباب كالمرة السابقة، بل صكّ باب الشقة محدثًا ضجة، واتجه نحو الصالة، وجلس لدقائق في صمتٍ تام.
حينما استشعر فتح “چيهان” للباب وقدومها، نهض وخرج للسطح، فوقف محاذيًا للسور، ناظرًا إلى الصحراء بشرودٍ زائف، حتى وقفت “چيهان” خلفه، وعلى وجهها سخطٌ جليّ من غيابه اللامبرر.
خجلت من التّفوه بداية الأمر، لكنها تمالكت أعصابها، وقالت بعتابٍ يتسرّب من صوتها:
_إنت كنت فين كل ده؟
بمجرد أن التفت رمزي لها بوجهٍ عابس، صوّبت نظراتها نحو الأرض بخجل، ثم رفعت عينيها إليه بغضب، وتابعت:
_ازاي تغيب يومين عني….
ضيّق رمزي عينيه بدهشةٍ وتعجّب، لكنها سرعان ما عدّلت حديثها، وواصلت:
_عن البيت هنا… ازاي مخوفتش ترجع تلاقيني مُت؟ هو إنت مش عارف إني عيانة؟
تنهد “رمزي” وهو يُحدّق بعينيه في اتجاهٍ آخر مغاير لها، وقال بثقة:
_أنا موصي مرات خالي عليكي، قايلها تشيلك في عينيها الاتنين، وتاخد بالها منك.
تقدمت “چيهان” نحوه بحزن، متعجبة من تجاهله لأمرها، خاصةً أنها لم تكن تتوقع تعاميه عن علةٍ كادت أن تفتك بها، وقالت:
_ولو برضه، كان المفروض تسأل عني بنفسك مش تبعت حد غريب هو اللي يعمل كده… أنا مكنتش متخيلة إنك متهتمش بتعبي للدرجة دي….
خرجت متجهةً إلى حجرتها وهي تبكي، أما هو فكان يرمقها بدهشة، وقلبه يرتجف وسط زوبعة الشوق، لكنه صمت مترصّدًا لها باهتمام، فوجدها تعود باكية، تنظر إليه في عينيه بانفعال، وهي تقول:
_بجد أنا بكرهك أوي!
كان وقع جملتها كالصاعقة على مسامعه، الليل من حولهما شاهد على علاقتهما المضطربة، والقمر تسيل دموعه بشفقة على حالٍ عسير جعل نشيجها يتزايد، إذ تحركت بخطى سريعة إلى الحجرة وأوصدت بابها بعنف، تربعت على سريرها وهي تبكي بارتجاف، وكان ثمة إحساس بسيط يخبرها أنه لن يتركها وحيدة، فقد جاءت معه تاركةً العالم كله لتكون في أحضان رعايته، ليصدّ عنها خبطات الشر التي لا تستحقها، لكنه فاجأها بقدرته على الاستغناء حين غاب ليلتين في كنف الخيام.
ظل “رمزي” منصدمًا من كلماتها التي قيدته عن الحركة، محاولًا الوصول إلى مقصدها الحقيقي: هل خرج بكاؤها محملًا بالعتاب، أم أنه كان من زرع البغضاء في صميمها عن غير عمد؟
وقف بين الظلام، وبعض المصابيح تشع بإضاءة برتقالية هادئة من حوله، ناظرًا لكل بقعة بعقلٍ منشغل، حتى دخل الشقة بتبرُّم ووقف قبالة حجرتها يواصل أفكاره المتلاطمة، فبعدما نحّى الشرور عنها ليغرزها في جسده تنزف دماؤه، وتحمل من أجلها ما لا يتحمله آخر، تكن النتيجة هذه الدرجة من الجفاء؟
استمع لبكائها الهادئ وهو على بُعد شفة من الجنون، لم يدرِ: هل يطرق الباب ويتواصل معها، أم يتركها وشأنها تكرهه كما تشاء؟
رفع كفه ببطء ليطرق الباب وعقله لا يزال يفكر، لكن في لحظةٍ ما تراجع عمّا ينويه، وعاد إلى الصالة مستقرًا على أريكته، ورفع يديه على رأسه، محاطًا بهواجس متتابعة لا تقوى على الخروج من ذهنه.
لكن ثمة شيئًا ما توهّج في باطنه، يخبره بأن العتاب دلالة قوية على المحبة وإن أظهرت الكلمات العكس، فحدّث ذاته بحيرة:
_هي بتبكي ليه؟ عشان غالي عليها ولا عشان بتكرهني وما تبغى طيفي يمر جدّامها؟
حدّق في الجدار بتحيُّر عارم، وتابع بصوتٍ خافت كأنما يخشى أن تُسمعه جدران الصمت:
_آني لا سألتك رضيتي، ولا سِكتّ رضيتي، طيب وش تبغيني أسوي يعني؟ والله حيّرتيني معاكي.
جلس على أريكة الصالة في تباسٍ يلوح حوله في الأفق، يعيد الكلمة مرارًا وتكرارًا على أذنيه، ساعيًا للوصول إلى إجابة تشفي جرحه الأخير، حتى خرج من المنزل متجهًا إلى الخيمة يقضي فيها ليلته الدامسة.
ننتقل إلى مكانٍ آخر في منزل أسرة هشام، بعد انقضاء أوقات شاقة على والديه في الحقل طوال النهار. رفع الفأس، على الرغم من تقويته لعضلات الوالد، إلا أن جلودهم ذابت تحت أشعة الشمس الحارقة، وأنهكت أعصاب أيديهما، حتى الأشواك كـ”البرسيم الحجازي” و”الخرشوف” غرزت في اصابعهم، إذ كانا يمثلان وقت الحصاد، وجميع الفلاحين يعملون بدأب في الأراضي الزراعية.
انصبّ العرق على وجوههم صبًّا، فابتلت ثيابهم بنشاطٍ وجيه. كانوا قد خصصوا أوقاتًا للراحة على فراش بين عبق الأراضي الزراعية ونسيمها العليل، يشربون الشاي، ويأكلون الفطير المشلتت إلى جانب الجبن القديم والعسل الأسود، ويتبادلون الحكايات في أوقات ممتعة. وفي نهاية اليوم، يعودون إلى ديارهم، فتسكن أجسادهم على الفراش في سُكوت.
دخلت الوالدة حنان حاملة صينية الطعام فوق رأسها، يتبعها زوجها “عبد السميع” بجلبابه المعتاد، وراءهم ابنهما الأوسط “محمود”. لم يكونوا يعلمون ما ينتظرهم على درجات المنزل، إذ بماء أحمر مسكوب بشكل عرضي قبالة عتبة شقتهم. وبمجرد مرور حنان عليه، سقطت تصرخ من آلام سيقانها، خاصة اليسرى. وسرعان ما انقض زوجها وابنها يعاونانها على النهوض، وهي ترتجف بحرقة، وتصرخ قائلة:
_آه يا رجلي، نار بتاكل في رجلي!
ارتكزت على ذراع زوجها وابنها حتى نهضت بأنفاسٍ رابية، لتجد كارثة على عتبة دارهم، وبينما تدقق النظر بصدمة، سألها “عبد السميع”:
_الماية دي چات منين يا حنان؟ إنتي وجعتي حاچة هنا وإنتي رايحة الغيط؟
قبل أن يمر محمود ليحضر لها المنشفة ودلو التنظيف، اعترضت طريقه وصرخت فيه، قائلة بتحذير:
_استنى متعديش! الماية دي شكلها ماية عمل مرشوس على عتبتنا، مين بس اللي جاتله الشجاعة يهوب ناحيتنا وكمان يرش؟
اتسعت عينا “عبد السميع” في دهشة، وارتجف جسده بحالة من الارتعاب، ووجّه سؤاله قائلًا:
_ماية عمل؟ ومين اللي رشها اللي ياكش يترش دمه على الطريج؟
سقطت دموع “حنان”، وأوصدت جفنيها لثوانٍ وهي تقول بحسرة قلب:
_مش بقولك ابني هشام مقلوب عليا؟ الواد مش طايقلي نص كلمة ودايمًا جاي في صف هناء، بيقسى على أمه اللي ياما شالته واستحملت قرفه….
انتحبت متأوهة، وتابعت باستياءٍ عارم:
_تكون دي أخرتها يا هشام يابني تعصى أمك عشان خاطر مراتك؟ ده آني ياما شوفت أيام سودة عشانك إنت وأخواتك….
انزلقت “حنان” في أحضان ابنها الذي ربّت على كتفها بشفقة، مُبديًا تأثّره بها، فكان يمثّل مأوى تسكن فيه بحيازة أوجاعها، بينما يمنحها جرعة الطاعة التي افتقدتها من هشام. تابعت وهي تمسح دموعها بكمّ جلبابها:
_ياما خدت من قوتي عشان تاكلوا وتشبعوا، لفيت هنا وهنا عشان تعيشوا متهنيين ومتحتاجوش حاجة من حد… تُشكر يا ضنايا، ربنا ما يوريك اللي شوفته منك في عيالك….
وواصلت بأنفاسٍ متقطعة:
_تسلم يا هشام كتر ألف خيرك.
خرجت هناء برفقة طفليها، متزينة بالمكياچ، ملتحفة عباءتها الزاهية، أوصدت باب شقتها برفق، كما لو كانت حنان تود إغلاق مشكلاتها غير المتلاحقة تمامًا. خطت بدلال على درجات السلم، وأطفالها يتبعونها بمرح، غير عابئين بحروبٍ صامتة أطرافها والدتهما وجدّتهما. وبمجرد أن وصلت هناء إلى الطابق الأرضي، حولت ذراعها إلى ظهرها، ومالت بحركة دالّة على الوهن، لتجد أسرة زوجها حيالها يرمقونها بغضبٍ مكتوم. وقبل أن تعبر بوابة الدار بهدوءٍ مصطنع، نادتها “حنان” بنبرة باكية، وقالت:
_استني عندك يا هناء! مش تاخدي بالك وإنتي بترشي ماية؟ أديكي بهدلتيلي قصاد الشقة.
التفتت “هناء” لها بثقة حادّة، ورفعت حاجبيها بعدم اعتراض، لربما سيتشكّل شجارٌ عنيف تيقّنت كل اليقين أنها الطرف الغالب فيه، وقالت بفمٍ ملتوي باعتراض:
_ماية إيه دي إن شاء الله اللي كنت برشها؟ ده أنا طول اليوم في عيادة الدكتور ويادوب رجعت آخد العيال وشنطة الهدوم ورايحة عند أمي كام يوم، شوفي إنتي مين بقى اللي راششها.
وقف “عبد السميع” مواجهًا لها بتجهُّم من طريقتها البذيئة مع حماتها، وقال بنُصحٍ حاد:
_إيه الكلام اللي بتجوليه لحماتك دِه يا هناء؟ هي مش حماتك دي في مجام أمك؟ ليه بتتكلمي معاها كِدِه؟
ردت “هناء” بجفاءٍ، فصاحت بلا احترام، قائلة:
_صحيح دي عادتكم ولا هتشتروها؟ افضلوا احرقولي في دمي لحد ما اللي في بطني يجراله حاجة من كلامكم اللي زي سم….
انصدم الجميع من خبر حملها، الذي ردمه هشام في حفرة الأسرار السحيقة مع كافة الخبايا التي يجهلونها، وكأنهم ينتمون إلى أسرة أخرى لا تربطهم بهشام أي رابطة دم. وبينما الجميع مندهش، واصلت “هناء” بهدوءٍ منفّر:
_هو هشام مقالكمش ولا إيه؟ على العموم اللهم لك الحمد والشكر يارب على مجايبك لينا، ربنا رزقني وكرمني بالعيل التالت، والدكتور وصى عليا وقالي إياكي يا هناء تنرفزي نفسك إكمنك عصبية وخلقك في السما، قولتله هعمل إيه بس يا دكتور، ربنا واعدني بناس بيقولوا يا مرحب بالهم.
كانت تتعمّد إثارة الغضب بين أفراد الأسرة، لكن “محمود” لاحظ أسلوبها المُزدري، الخالي من التوقير والمبادئ الحميدة. وعلى الرغم من هدوئه معها منذ أول ليلة دخلت دارهم، إلا أن الكيل قد فاض، فنطق بفظاظةٍ واضحة:
_ما بلاش الطريقة دي يا ست هناء عشان اللي بتعمليه ده هيلف ويرجعلك في الآخر، لو مش واخدة بالك يعني.
شبكت “هناء” ذراعيها في بعضهما بلا مبالاة، وسألت بسخرية:
_ما بلاش إيه؟ هتهجم عليا وتضربني مثلًا عشان الناس يقولوا عليك قليل الرباية مش محترم أخوك الكبير؟ ولا هتلف تدور تحكي للعالم بحالها بالكدب والزور حاجات أنا معملتهاش؟
تفوهت “حنان” بصياح، فأذناها اللتان استمعتا لأحاديث كادت نيرانها الملتهبة تذيب الجليد، لم تعودا تحتملان المزيد من نفسٍ لم تمر عليها الرزانة ولو لثانية:
_أنا عيالي كلهم متربيين، ومحدش فيهم يقدر يعمل اللي بتقوليه ده، وإن كان على كلامك معانا فانا هكلم هشام يجي يشوف صِرفة وياكي، ولا أقولك بلاش هشام إكمني حاسة إنه بيتسقي حاجات ما يعلم بيها إلا ربنا، أنا هكلم رجالة بيتكم يشوفولنا حل معاكي.
ضحكت “هناء” بتهكُّم أدهش حواسهم، ثم صرخت صرخة عالية أفزعتهم، وقالت بثوران:
_إيه إيه إيه؟! بيتسقي إيه؟ ده أنا سقيته الهنا ودوقته الفرح، ده أنا اللي خليت حياته نعيم، ده من غيري كان زمانه ضايع… ده أنا اللي نورتله دنيته وفرحت قلبه، ده إنتوا محدش فيكم كان بيعبره ولا بيسأل فيه، ده يا عيني حكالي حاجات تقطع القلب.
ردّت “حنان” بجلبةٍ مدوية:
_وإنتي برضه اللي بتعصيه على أبوه وأمه، وإنتي اللي بتحرضيه على كل الناس، ويشهد ربنا على كل كلمة طالعة من قلبي.
خرجت “هناء” برفقة طفليها من المنزل بعناد، ورفعت صوتها بفَورةٍ جاذبةٍ للأنظار، وقالت:
_إنتي الظاهر عليكي كبرتي وخرفتي، بس أنا مش هاخد على كلامك، أصلي لو خدت هبقى بأذي نفسي واللي معايا… روحي ربنا المنتقم.
اختفت عن أعينهم جميعًا حينما أشارت إلى أحد التكاتك، وركبت مع طفليها، محاولة التلهي عمّا سمعته من عائلة تمثّل ثعابين تسكن في وجارها الخاص، تاركةً خلفها أدخنةً خنقت أسرة هشام، وبالأخص حنان التي بصقت موضع هناء قبل الرحيل.
حدّق محمود في والدته بانزعاجٍ واضحٍ لثوانٍ، فالعيون تحكي ما لا تلفظه الألسنة. عبر خارج الدار لشراء عبوة الملح، ليعود وينظّف ما دنّسته الفاسدة، صانعة الأعمال الرجيمة، إذ كانت حنان تبكي بحرارة، وتتلو آية الكرسي لفكّ الأثر الملعون، قبل أن تخطو فوقه سيقان بريئة فتسقط ضحيةً في بؤرةٍ قصيّة.
لقد تعدّت هناء الخطوط الحمراء، لكن وهي تعبر بوابة المهانة، كان زوجها هو مَن منحها التصريح لتظن ذاتها ملكةً متوجةً على عرش الحرية، تصنع كل ما تشتهيه الأنفس، وإن كان على حساب الآخرين.
في صباح نهارٍ جديد، بزغت أنوار الشمس اللامعة، صانعةً آمالًا كبيرة في قلوب القانطين، لكن الطقس حينها جعل الجميع مختبئين داخل منازلهم، متنعمين بين برودة المكيّفات والمراوح. أما رمزي، فكان داخل خيمته لا يزال نائمًا، وخيوط الشمس تنساب برفق إلى وجهه. كان يتقلب يمنةً ويسرة حتى نهض، وآثار النوم لا تزال على وجهه.
دخل المرحاض ليتحمّم، يزيل حرارةً قارصةً علقت في جسده بلا شفقة، فتنزلق المياه المنعشة من جوف الأرض إلى رأسه، محتضنةً رغاوي الصابون.
كانت چيهان قد اتخذت قرارًا بأن تبحث عن أقرب مسجدٍ في البلدة، قلبها يغفو في حلم لقاء أحد رجال الدين لتستعين بنصائحه الجليلة، لكنها لم تُحبّذ الخروج بمفردها في مكانٍ تجهل أركانه. حتى الاستعانة برمزي ستفضح احتياجها له، لذا نزلت إلى دار الخال “فهيم”، وهناك التقت بغيداء التي استقبلتها بحفاوة. كانت أجواء الزفاف قد انتهت في الليلة الماضية، فعادت المياه إلى مستقرّها الحقيقي.
حينما جلست چيهان برفقة غيداء في صالة المنزل، قدّمت “غزالة” لهما المشروبات الصيفية الباردة، تلك التي اكتسبت نكهة بدوية فريدة، صُنعت بأيادٍ ماهرة لتكون بشكلٍ يفتح شهيّة الظامئين. لكنّ يدي چيهان المرتجفتين شكّلت كارثة، إذ سقط المشروب على ثيابها فدنّسها. في الحال، قدّمت “غيداء” المناديل لها، وقالت بابتسامة:
_صار خير، لا تهكّي راسك!
عصف الخجل بـ “چيهان”، التي مسحت بقايا المشروب عن عباءتها، وقالت بإحراج:
_معلش أنا آسفة.
لم ترَ “غزالة” أن ما حدث يُعدّ مشكلة، بل هو أمر طبيعي يحدث في أكبر العائلات وأشهرها، فقالت:
_ما صار شي يا زينة، تعالي مع غيداء تغيري الطجم بعباية حلوة، وإن شاء الله ينغسل ويرتاح بالك.
“ماذا يريد الخجل مني؟ لقد نال مني أكثر مما ينبغي” كان هذا السؤال يدور في رأسها، بل ويتأرجح بعنف. حينما اختُطفت “چيهان”، لم تضع في اعتبارها أن تخرج بحقيبة الثياب؛ فهي منذ أول ليلة إلى يومها هذا لا تملك سوى عباءتها السوداء، وعباءة استعارتها من غيداء وقتما غسلت ثوبها. لكنها أعادت الحقوق إلى أصحابها بكل ثناء وامتنان، وقالت باعتراضٍ خجول:
_لا يا طنط مش لازم، أنا هبقى أطلع أغسله وخلاص.
لكن “غزالة” جذبت چيهان بإلحاحٍ رقيق، بمشاركة غيداء، وقالت بإجبارٍ لطيف:
_لا يا غالية، إنتي متختلفيش عن غيداء، كلكم بناتي، دخلي معاها وبدلي هدومك، ومالك دخل في شي ثاني!
أصرّت “غيداء” هي الأخرى على ما أمرت به غزالة، فأزاحتها برفقٍ إلى الأمام نحو الغرفة، وقالت:
_سمعي الكلام يا چيهان، ولا تكوني عنيدة!
قبل أن تدخل “چيهان” الحجرة مع غيداء، وضعت شرطها اللازم حتى لا تُكسر لها عينٌ يومًا أمام تلك العائلة، وقالت بحزم:
_بس هرجعهولك تاني!
ردّت “غيداء” بالموافقة وهي تدخل معها للحجرة:
_سوي اللي يطيب خاطرك، بس بدّلي هدومك عشان نروّح نشوف الچامع، وترا هذا أكبر چامع فيكي يا بلد، وآني متأكدة بيعجبك من أول نظرة.
ارتسم الهدوء في قرارة “چيهان”، فقالت:
_شوقتيني أشوفه، على العموم مش عايزين نتأخر لأني بجد محتاجة أقضي اليوم هناك النهارده… حاسة إني هكون أحسن.
فتحت غيداء خزانتها المتعارضة تمامًا مع أسلوب حياة چيهان العفيف؛ كانت الثياب مستورة لكنها ضيقة بشكل لافت، تُبرز ما يرفض الإسلام أن يُبرز من مفاتن تُثير مشاعر الرجال. اعترضت چيهان على أن ترتدي زيًا كهذا وتخسر حسناتها التي طمعت أن تتزايد بفعل الخير، وقراءة القرآن، وأداء الصلوات، وغير ذلك من الفضائل، لكن ظروفها التي أرغمتها على فعل ما لا ترضاه جعلتها ترتدي أحدها بنفسٍ مضطربة، ساخطة.
كانت الثياب لافتة لجمالها بطريقة أخّاذة تجذب الأنظار من حولها، فبينما تسير بتردد، وإلى جوارها غيداء، متجهتين في طريقهما نحو أفضل مسجد في القرية، كانت نية چيهان غالبة؛ فهي ترغب في قضاء يوم كامل في المسجد، تقرأ القرآن، وتصلي الفروض، وتدعو ربها أن يُزيح العسر الذي نشب في حياتها وعضلها عن السير فيها.
لكن في منتصف الطريق، إذا برمزي يقف مصدومًا مما رأته عيناه، جَمرة الغضب تشعل بدنه، وهو يراها لأول مرة تخطو بدونه في رداءٍ حقير قد يجذب أشكالًا ضالة إليها.
ظل يتبعهما بخطوات سريعة، وچيهان تخطو على سيف غيداء بدلال غير مقصود، إذ يهتز خصرها بطريقة أوقدت النيران في عينيه، حتى وقف قبالهما رادعًا مواصلة الطريق.
نظر إلى چيهان بملامح متجهمة، يرمقها من أعلاها لأسفلها باحتدامٍ كالعاصفة القائظة، وقال بنبرة جافة على غير المعتاد، معاتبًا إياها دون تصنّع:
_إيه اللي إنتي لابساه ده؟ إنتي اتجنيتي في عقلك ولا إيه؟!
قالت “چيهان” بملامح مشدوهة، ونبرة خافتة امتزج فيها التعجب بالحذر:
_إيه في إيه؟!
نطق “رمزي” بصياح، فبرزت عروق عنقه وذراعيه بسخطٍ محتدم، واقترب منها بخطوات غاضبة، ناظرًا في عينيها بصدمةٍ لم يفق منها بعد، قائلًا:
_من امتى وإنتي بتلبسي الهباب ده؟
وتابع لغيداء بصخب، وهو يجزّ على أسنانه بثوران:
_كيف تعطيها عباية ضيّجة زي هاذي؟ ما تدري إن كل لبسها واسع من يومها؟
ثم عاد بنظره إلى چيهان، يردف بغليانٍ ملحوظ:
_روحي بدّلي هالخراب اللي لابستيه، وإياكي أشوفك مرّة ثانية لابسة شي ضيّج!
تفوهت “چيهان” باعتراضٍ وضعه في خانةٍ ضيقة، بلا فرار من مشاعره التي طالما هرب منها طيلة الوقت:
_أنا مش فاهمة إنت مالك بلبسي؟ هيفرق معاك في إيه؟
صاح “رمزي” بغيظٍ لم يقدر على كتمانه، فقال:
_يعني وش بيفرج معاي؟ لا تخلي النار تاكلني أكثر ما أتحمل! ما تشوفي روحك كيف طالعة؟ وإذا واحد رمجك بنظرة، لا تلوميني على اللي بيصير بعدها!
كانت “غيداء” تعلم أن مشاعر الأخوّة هي ما دفعته إلى ذلك التصرف الجنوني، فحاولت تهدئة الأجواء، قائلة:
_هدي يا ولد عمتي، روّج عليها، حاچي أختك بهداوة، وهي بتفهم، والله بتفهم!
لم تكن تعلم الحقيقة المكنونة، إذ جذب رمزي “چيهان” بحدةٍ وهي تصيح في وجهه، متجهًا بها إلى الدار، بينما كانت تقاوم محاولة إبعاد قبضته الخشنة عنها، تفوهت بصياح:
_أوعى إيدك دي! لا تكون فاكر إننا أخوات بحق وحقيقي! لا فوق لنفسك، إنت هتكدب الكدبة وهتصدقها ولا إيه؟
لم يشعر “رمزي” بأي كلمات، كأن أذنيه انسدّتا عن الأصوات بفعل غضبه المتأجّج في صدره، جذبها نحو المصعد وتحركا إلى الطابق الأخير، وهي لا تزال تصرخ في وجهه بتضايق، حتى دخلا الشقة. هناك، وقفت چيهان قبالته في الصالة بأعينٍ اتسعت اضطرابًا.
احتبست الكلمات في حلقه، وأنفاسه تتزايد من وطأة السخط، ينظر في كل اتجاه بانفعال، حتى حدقها بجلبةٍ مدوّية، قائلًا بلهجة الحضر:
_إنتي هنا مسئولة مني لحد ما كل حاجة ترجع لطبيعتها، ساعتها اعملي اللي يحلالك، لكن هنا أنا مش هقبل أي نظرة مش كويسة ليكي، لأنها قبل ما تجرحك هتجرحني أنا!
شبكت “چيهان” ذراعيها في بعضهما بضجر، وقالت باستفهام:
_اشمعنا دلوقتي بقيت فارقة رغم إنك من يومين مكنش فارقلك تعبي وغيبت عادي، اشمعنا دي بالذات؟
طافت نظرات “رمزي” من حوله في كل صوب عدا وجه چيهان، تلك التي انتظرت منه ردًا مقنعًا، لكنه، بعد وهلة من التفكير، رفع بصره نحوها بملامح مشدودة، صارمة، وقال بسطوةٍ:
_مين قالك إنك مش فارقة؟ أنا حاطك تحت عيني أربعة وعشرين ساعة، وعارف الصغيرة قبل الكبيرة كمان…..
تابع بنبرةٍ أهدأ، مغيرًا أسلوبه الفظ معها إلى درجةٍ أكثر اتزانًا، وقد ثبتت نظراته عليها دون انقطاع:
_اسمعي كلامي يا چيهان، أنا مش عايز غير مصلحتك، افهمي الكلام ده يا بت الناس واعقليه! هروح مشوار وراجعلك مش هتأخر!
خرج من الشقة بخطواتٍ هادئة نسبيًا، وكلٌّ منهما يعيد نظرته للأمور. جلست چيهان على الأريكة متحيّرة من ردّ فعله؛ لماذا تزداد نيرانه كلما أحسَّ أنها مُعرَّضة للمخاطر بجميع أشكالها؟ راهنًا عليها نظرةً تجرحه قبل أن تجرحها، نظراته الأخيرة لها قبل الإدبار إلى مكانٍ لا يعلمه سواه، كانت توحي برواياتٍ صامتة من المُبالاة.
تردّد داخلها بألم: “أخشى السقوط في حفرة لم أرغبها يومًا، رغم مجهولٍ لطيف يدفعني نحوها.” كما قالت من قبل: الجنة والنار لا يجتمعان سويًا، كلاهما في ميمنةٍ بعيدة. فاتكأت برأسها على ذراعها بعقلٍ كاد أن يدوّي منفجرًا، فالواقع الذي فرت منه أصابها لعنته، ومهما تباعدت، انجذبت إليه بلا إرادة.
بين جدران المدخل، يتجوّل رمزي بأعصابٍ متعبة، حتى خرج من الدار بأكملها، ليقضي ما ينويه بعيدًا عن الأنظار والمسامع الفضولية. فوجد في طريقه غيداء تمر بجواره في صمت، دون أن توجه له حديثًا، لكن تعبيراتها أوحت بفضولٍ لا ترغب في إيضاحه، حتى دخلت دارها بأمان.
تبدّلت خطواته على الطرقات بين الهدوء والالتياج، أنفاسه واسعة لا تتأثر بالمجهود، وعيناه تدحرجان كأنهما في ملعبٍ شغر بأفكارٍ تضيق الصدور. هو ذاته لا يدري سببًا واضحًا يقنعه قبل أن يُقنع چيهان؛ غضبه المتفاقم لا يدل إلا على إجابة واحدة لا يقدر نطقها بلسانه، يهرب منها، ولا يقوى على مواجهتها، إذ تُشكّل عبئًا متثاقلًا على كاهله.
في منزل عائلة الدميري، مسكن التناقضات العجيبة، قضت هناء مع أطفالها ليلتهم في أحضان الأسرة التي رحّبت بهم بكل أُلفة. إذ طوال الليل، كانت تخاطب أختها في حجرة الأسرار الدفينة، تشكو لها من حماتها التي تحمل بطبعها أفعالًا شريرة تجرح معدنها الطيب، مستعجبةً مما ارتكبته ليجعلها تضعها في زاوية الأشرار ولا تحنو عليها، خاصة بعدما علمت بخبر حملها. انزلقت دموع هناء بحسرة، واستودعت ربها أن يتولى أمرها الذي خرج عن السيطرة، فيما كانت منى تدعمها بكلماتها العطوفة، تمنحها قدرًا من الإيجابية التي فقدتها في الفترة الأخيرة.
بينما على إحدى الطرقات المؤدية إلى الواحات الداخلة، ازدحمت السيارات في الأزقة تحت حرارة الشمس الحارقة، كان الشيخ “نعمان” جالسًا على مقعده بجوار السائق في طريقهم إلى إحدى المناطق، حين تلقى مكالمة هاتفية من امرأةٍ من إحدى بلاد المدينة، تستغيث به مما حدث لها ليلة زفافها على أيدي الفاجرين، قائلةً ببكاء:
_ألو يا شيخ نعمان، كنت عايزة أقولك حاجة مهمة.
سألها الشيخ “نعمان” باهتمامٍ، فقال:
_اتفضلي يا بنتي.
ردّت المرأة بقهرٍ يسري مع دمائها، شارحةً ما عانته ليلة أمس:
_أنا اللي كلمتك إمبارح وقولتلك اللي حصل معايا ليلة الفرح، بعد ما دخلنا الشقة لقينا خمس فيران مقطعين تنجيد العفش، وفي دم مرشوش بعرض السرير منعرفش جه منين زي ما حكيتلك… النهارده لقينا كتابة بقلم أحمر على الغيارات بتاعتي، أنا جسمي بيرتعش ومش عارفة أتصرف يا شيخنا، من يومها واحنا مش عارفين ننام، وكل اللي يدخل عندنا يباركلنا يخرج مصدع وجسمه تقيل!
قال الشيخ “نعمان” بشفقة، وبحزن:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طيب بُصي يا بنتي أنا مسافر الواحات أسبوع عشان عندي تلات حالات، وهرجع على البلد بعد ما أخلص بأمر الله، عاوزك تجيبي قارورة ماية هتقري عليها الرقية الشرعية وترشيها في الأركان والزوايا، بعد كده هتبخري الشقة بورق سدر وملح شبر شبر حتى الحيطان….
ردّت المرأة بطاعة، منصتةً للتعليمات كاملةً:
_تمام، أعمل إيه تاني يا شيخ؟ يسترك ربنا.
واصل الشيخ “نعمان” حديثه، متذكرًا:
_سورة البقرة تشتغل كاملة يوميًا مع اللي قولتلك عليه لمدة سبع أيام ده للشقة، إنما ليكم إنتوا تغتسلوا بماء مقروء عليه آيات الرقية خصوصًا آيات السحر من سورة البقرة، ويونس، والأعراف، وطه… تمام يا بنتي؟
أجابت المرأة بنبرةٍ مُرتجفة:
_حاضر يا شيخنا، في حاجة تانية أعملها طيب؟
رد الشيخ “نعمان”، ناصحًا إياها:
_اعملي اللي قولتلك عليه وبعد ما تخلصي رني عليا بالليل أقولك تكملي بإيه.
تلفّظت المرأة باستجابة، متمنيةً عبور بوابةٍ من رحلةٍ شرسة، دسّتها فيها الحياة:
_حاضر هعمل كل اللي قولت عليه.
نصحها الشيخ نعمان بما استطاع تقديمه في الوقت الحالي، إذ كان منشغلًا بالطريق، وفي كل دقيقة تومض شاشته باتصالٍ جديد ممن يستعينون بخبراته العظيمة التي اكتسبها منذ أن كان شابًا في الثلاثين من عمره. لم تكن تلك مجرد مهنة، بل كانت تمثّل شغفًا في قلبه، يشعر بلذّة النجاح في كل مرة يعالج فيها حالة عاشت تحت ظلال المرض الروحي.
بعد انتهاء المكالمة، وحين توغلت السيارة في الطرق النائية عن الزحام، ظهرت من حولهما الجبال بهيبتها، وبعض الأشجار الراسية على الجانبين، والتي منحت منظرًا مبهجًا كما لو كانت لوحةً مرسومة بعظمة الخالق. فجأة، توقفت السيارة لا إراديًا. حاول السائق تشغيل المحرك، لكن بلا جدوى، حتى نزل من السيارة وعلى وجهه قلقٌ ظاهر، ويداه تتفحصانها، ليجد أن الأسلاك قد قُطعت بمقصٍّ خفي، ما جعل الذهول يجتاحه بشدة في هذه اللحظة الغريبة.
يتبع…..