روايات شيقة
رواية إيبار الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل السابع والعشرين 27 بقلم رانيا عمارة
إن كان العقل خاضعًا للهذيان وللأفكار الشنيعة، فلو اجتمعت قبائل البلاد لإقناعه بحقيقةٍ وَلَجَت عقله بتزييف، مصحِّحينها بتقديم الأدلة والبراهين، فلن يقتنع إلا إذا أبصر الحقيقة بعينيه، وأصغى لها بأذنيه، فتحضر كل حواسه ليتيقّن أن الخبر كان كاذبًا منذ البداية.
مصعب الذي مارس لعبة الوهم بجدارة، أراد أن يقتله قتلًا وهو ما زال على وجه الحياة يتعايش بألمٍ، وسكين الفراق يمرّ عليه في الليلة مائة ألف مرة، وهذا ما يؤكد أن العقل ليس متحكِّمًا في الإنسان بل الإنسان هو المتحكِّم فيه حينما يقنعه ويبرمجه بمعلوماتٍ كالحاسوب تمامًا المستقبل للبيانات، فنجاح المخرجات أو فشلها يعتمد على المدخلات لا على الحاسوب، فإن أقنعت عقلك بالفشل فسيقتنع بأنك خاذلٌ لا مزايا لك في الحياة، وعبر هذه الأفكار الخاطئة ستتحوّل إلى عادات، ثم العادات تتحوّل إلى سلوكيات، وفي النهاية تصبح أسلوب حياة.
قد عاش رمزي ليالي قاسية قهرت روحه، ومزّقت فؤاده في شِقاقها، معتبرًا أنها ودّعت الحياة، فانفصلت روحها عن العالم إلا روحه التي ضمّتها بشوقٍ قاتل، فهي في عقله لا تغيب لحظة، اكتظّت الأفكار والمخاوف والخطط جميعها في زاويةٍ محصورة، أمّا چيهان فاحتلّت مساحةً مُتّسعة بمفردها دون شريك.
لم يتغيّر شكله من مكوثه في قبو الاعتقال، بل تغيّر تبرُّمًا على خسارتها بأشدّ أداة انتقامية، أطفأت وهجه، وملأت حياته بجنازاتٍ تمرّ حيال عينيه كل ليلةٍ من لياليه الماقِتة، ذاته التي إن نظر إليها في المرآة اندهش من التغيّر العجيب، كأن صحّته ناصَت هاربةً منه، لكن بمحض إرادتها عكس چيهان التي غُدِر بها باتحاد والده مصعب مع الطالحين.
وعلى الرغم من محاولات ناجي في إقناعه بأن چيهان حيّةٌ تُرزَق، ولم يُصبها ضرر، لم يصدّقه “رمزي” أبدًا، فعقله لا يزال غارقًا في بئر الخوف، وبينما رمقه برهبةٍ وعدم اقتناع، قال بصوتٍ حاد:
_منيش مصدجك، تضحك عَليّ علشان تهدي روحي بالكلام الكذاب؟ چيهان مهياش بخير… چيهان ضاعت مني يا ناچي، لا تكذب علَيّ!
تشبّث “ناجي” بذراعيه، يهزّ جسده الهزيل بقوةٍ ليقنعه أنها في كنف الأمان، نائيةٌ عن الشرور التي ظنّ أنها أصابتها، ثم قال بتأكيد:
_وحَج ربّي العظيم، ما ماتت… وش تبغاني أعمل علشان تصدجني يا رمزي؟
انضمّ إليهما ابن الخال «عاصم» الأكبر، شابٌ في نهاية عمر الثامنة والعشرين، قصير القامة، بشرته تميل إلى الحنطية، ذو لحيةٍ متوسطة، يبدو عليه الاكفهرار والتهلل في آنٍ واحد. يدعوه الجميع بلقب «مهاوش». اقتحم حديثهم وهو يضمّ رمزي إلى صدره، جاء ليهنّئه على خروجه سالمًا من الأذى، فقد أصاب الجميع طوال الحقبة الماضية خوفٌ من أن يلقّنه الشيخ ضرغام دروسًا جافةً بطريقته الطاغية التي زاولها على سجناءِه.
ابتسم “مهاوش” ابتسامة إعزازٍ، وقال مُباركًا:
_مبروك ألف مبروك عَرچعتك لنا بالسّلامة يا رمزي، كنّا خايفين عليك خوْف ما له آخر يا ولد الغالية.
ردّ “رمزي” بوجهٍ قاطب، وارتعابه على چيهان يتفاقم في رأسه مُصدِرًا ضجةً عنيفةً لن تهدأ إلا إذا رآها مُعافاةً قبالة عينيه، فقال بروحٍ مطفأة:
_الله يبارك فيك يا مهاوش، ربي لا يردّها أيام.
وجّه “مهاوش” نصائحه لرمزي خوفًا عليه من أن يسقط في بؤرة المؤاخذة مرّتين، فتلك المرّة جاوزها بسلامٍ، لكن المرّة القادمة قد تفتح عليه أبواب الجحيم رغمًا عن الجميع، قائلًا:
_يا ربّ، لا تعود تتهوّر مرّة ثانية يا رمزي، دار الشيخ ضرغام سمعنا عنها وحنا عيال، فيها بلاوي سَوْد، واللي يدخلها ما يطلع إلا ونفسه مكسورة!
انغمس “ناجي” في الحوار بينهما، كاشفًا أوجاع رمزي التي أظهرته للعلن بنفسٍ مكسورةٍ بلا ترميم، مؤكِّدًا بشفقةٍ توثبَت من شفتيه:
_إنت هتجول فيها يا مهاوش؟ رمزي طالع زي عود الخيزران، وچهه مصفَرّ، وتعبان، و….
صاح “رمزي” في وجهه ليوقفه عند حدّه بفظاظةٍ صاخبة، قائلًا بعينين محتدّتين:
_خَلّك ساكت يا ناچي، كفّاك!
كأنه انفجارٌ عارمٌ عصف في وجهه، فخشي ردوده الباترة خشيةَ إفشاء المزيد من الأوجاع التي حاول سترها، خاصةً أنه يعتبر إظهار الوهن منتهى الضعف النفسي، فقال “ناجي” باحتراس:
_خلاص يا رمزي، هونها عليّ، هو إنت ناوي تلتهمني؟
خطا رمزي مسرعًا إلى دار الخال فهيم، منطلقًا كالصاروخ نحو هدفه، مقاومًا ضعف بدنه وإرهاقه، منازعًا الألم الذي يحول بينه وبين قلبه المُدنف. وراءه يسير “ناجي” ومهاوش بنفس السرعة، يلاحقانه بتعجّبٍ يخيم على الوجوه، وناجي يناديه قائلًا بشجاعةٍ يتخلّلها نفس الحذر:
_هونها يا رمزي، ما تشوف حالك تعبان كيف؟ امشي على روْحك، الدنيا ما راح تطير!
دوى الرعد في السماء ترحيبًا بعودته من جديد، العصافير تزقزق في سربٍ يدور في دائرة موحَّدة، كأنهم يُرنِّمون على نغمة واحدة تُوصِف مدى ابتهاجهم بمآبه، أما رمزي فيسير مندفعًا بشوقه اللَهِج بين المنازل، منازعًا جسمه الهزيل، استشعر غمرة ألم قوية اجتاحت ساقيه فسقط على الأرض يتأوه، وسرعان ما فرَّ ابنا خاّليه نحوه يساندانه بحُب، فقال “مهاوش” بعتابٍ:
_مش ناچي جالّك يا رمزي تهوّن مشيك؟ رچليك المتصابة تتعوّر، والدنيا ما راح تطير!
رفعه ناجي ومهاوش لأعلى حتى أصبح في المنتصف، وذراعاه متساندتان على كتف كل واحدٍ منهما، لكنه الذي أَلِفَ العناد، أجاب بحدة صوت:
_إن شا الله تنشلّ، ولا يصير اللي فبالي يا رب!
علّق “ناجي” على ردّه المُفزع، موبّخًا إياه بنصيحة جافّة، فقال بتأنيب:
_حرام عليك يا رمزي، لا تجول على روحك كِذا! مآني جولتلك اللي فبالك ما صار، ليه مُصرّ تجول إني جَذّاب؟
تحرّك الشباب نحو الدار التي قاربت المسافة منها ثلاثة كيلومترات، وكان “مهاوش”، بإحدى صفاته الفضولية، يتوق إلى معرفة ما يقصده ناجي، فسأله:
_ليش تحكوا باللّف والدوران يا ناچي؟ فيها إيه لو جُلتوا على طول تجصدوا مين؟
رمق رمزي “ناجي” بوُجُوم، فأصابته سهام الشر من عينيه الساخطتين، لو فكّر في إباحة السر، سيكون أول النادمين! سريعًا ما فكّر ناجي في أي فكرة عبثية تقضي على شكّ مهاوش، الذي نبش في بطانةٍ لا ينبغي له النبش فيها، وأجاب بكلماتٍ مترددة:
_لا، أصل رمزي كان خالِف أمانة في دارنا، وخايف لا حد يكون نهبها واحنا غايبين.
قبالة منزل فهيم، حضرت فرقة الطبل برفقة الأخوين: فهيم، وعاصم، وسط أجواء الاحتفال بعودة رمزي، فوقفا الطبّال والمزمارجي بتناغم، تتحرك يداهما على الطبل بسرعة، تضرب العصا بخفة وقوة متبادلة تصنع إيقاعًا حيًّا، بينما ينفخ المزمار، يكتظ الهواء بألحانٍ تتدفق إلى القلوب، فتتراقص الأنغام في سماء الغبطة.
خرج بعض الجيران من نوافذهم بفضول ليُشاهدوا حدثًا مبهجًا بعودة غائبٍ ترك وراءه الأشجان كما تُترك الأغصان على الأرض مطروحةً بلا أوراق، وبعد دقائق وصل الشباب إلى الدار، فارتفعت هتافات العائلة بوصول رمزي، وتوافد نحوه الرجال والنساء مرحِّبين بقفوله البهيج.
عانقه “فهيم” عناقًا قويًّا، ومرّر يديه بقوة على ظهره، مرحبًا بلقائه بعد أيامٍ مريرة لم يلمح فيها طيفه، قائلًا بابتسامة مشرقة:
_حمدالله على السلامة يا رمزي، نوّرت الدار يا وِلد الغالية، كلنا مشتاجينلك من الكبير للصغير.
ثم أفسح المجال لأخيه “عاصم” ليحتضنه هو الآخر بنفس الحماس، قائلًا بفرح:
_حمد لله عَالسلامة يا سيّد الرّچال، نوّرت جلوبنا اللي انطفت وجت غيابك.
انطلقت الزغاريد من داخل دار فهيم، تتراقص ترانيم السرور على ألسنة نساء العائلة، وتندمج بضربات الطبل على إيقاع صاخب، وكأنه حتى الآن لم ينشرح صدره برؤيتهم كما سعدوا بلقائه، فلن يهدأ صفوه المُشوش إلا أن يتيقن بعينيه أن الأمر سالمٌ، غانمٌ من النوازل، فأجاب على الجميع دفعة واحدة بانشغالٍ:
_الله يسلمكم كلكم، شدة وراحت، واللي چاي خراب على الچميع!
صعد رمزي مهرولًا، تاركًا الصدمة على وجوه الجميع، متسائلين بأعينهم ما الذي حدث جعله على شفا الدمار؟ تحولًا عجيبًا، خاصة في ظروف لطيفة تجمع أواصر العائلة في احتفال بسيط بانكفاءه من ظلام الظلم.
استدار “فهيم” نحو الشباب، ليسأل ناجي، قائلًا:
_ليش راچع سخّان كده؟ هو عرف شي من اللي صار لچيهان بالأسبوعين اللي فاتوا؟
أجاب “ناجي” مستنكرًا معرفة رمزي بخبر الحادث:
_والله لا حد منّا جال كلمة، هو راچع بنار وناوي ياخذ حجُّه، وهذا اللي مجلجني إنّا ما حكينا شي.
اقتحم “رمزي” مدخل دار الخال فهيم، يضغط على زر المصعد بغضب قاهر مرارًا وتكرارًا كاد أن يُفلته، ظنًا منه أنه يستدعيه أسرع مما هو عليه، وإن كان يستطيع صعود الدرج في خطوة واحدة لفعلها. وفي تلك الأثناء المشحونة بالتوتر، خرجت “غيداء” من باب دارهم، يوجهها متزين بالمكياج اللافت، تقف بدلال خجول، والابتسامة تسكن شفتيها، قائلة برقة:
_حمدالله عالسلامة يا رمزي.
بصرها رمزي لحظة واحدة، ثم أعاد بصره إلى المصعد وركبه دون أن يبادلها الرد، ما أفعم صدرها بحرارة مكبوتة وهي تتعرض لتجاهل جلي منه، وكأنه يخبرها دون كلمة أنه لا يكترث بشأنها بقدر ما يهتم بأمر چيهان. فدقت قدميها في الأرض بغضب، والعبوس يوثب من عينيها وثبًا، لتقول بانفعال:
_ها يا رمزي، أجولك حمد الله عَالسلامة ولا ترد؟ ما في حد وجف مع أختك هالفترة غيري… بس طيب، مردودة.
دخلت حجرتها بخطى تتفجر سخطًا، صكت بابها ووقفت حيال المرآة تمسح مكياجها بأنامل حانقة، فلا داعي للعناية بالنفس طالما لم يلحظها من الأساس. أحست وكأنها تسكب المياه داخل الغربال، فلا عين ذهلت، ولا فؤاد تحرك من أجلها كما ظنت.
وصل المصعد إلى الطابق الأخير، وقلب “رمزي” ينبض خوفًا، يخشى أن يدخل إلى الداخل فيحدث غير المتوقع، ولا يتخيل كيف سيكون رد الفعل من الجهتين، لكن تلك اللحظة المرتقبة التي انتظرها طويلًا.
فتح باب المصعد وخرج منه بتمهل نابع من تردده نحو چيهان، كان باب الشقة مفتوحًا على مصراعيه بشكل يوحي بالاستقبال لكن السكون يخيم على أركانها.
هل سيجدها بالفعل أم أن إحساسه حقيقي رغم عن إفك ناجي له؟ لكن كيف وهو يؤكد له بكل جوارحه أن ما يتراقص في ذهنه ما هو إلا هاجس مُريع صنع خصيصًا لإرهابه؟
لأول مرة يرتعد من المواجهة، ظل منتظرًا في الخارج ثوانٍ ثم استجمع بقايا ارتباكه، وخطى للداخل بتباطؤ، عيناه متسمرتان في الأرض، خوفًا من أن يرفع عينيه فيصطدم بواقع أليم لا يرغبه، لكن تلهفه جعله منتصب الرأس، حتى مر بجوار حجرة چيهان، فخرجت له بغمرة اشتياق جبارة.
مثله تمامًا تخطو بتمهل، وعيناها لا تقويان على المواجهة، مجتمعان الشمل بعد فراق طويل، رفعا الاثنان أبصارهما بهدوء إلى بعضهما بنفس التوازي، وأنفاسهما تتعالى بجمرة الشوق القاتلة، تمنى رمزي في هذه اللحظة أن يضمها إليه، فيعوضها عن حنان افتقدته في حقبة عاشتها بمفردها، لكنه تمالك شوقه الذي هز كيانه بلا رحمة، نظرًا لمبادئها وأخلاقها السامية التي لن تسمح بتصرف أرعن يندمان عليه لاحقًا، فتباعد للوراء ليردع ذاته عن أي فعل غير محسوب، ونظر لعيناها ثوانٍ وحروفه تتوه منه.
شعرت چيهان بشعلة الخجل التي وردت وجنتيها، وتباعدت للوراء هي الأخرى لتكن المسافة بينهما ثلاثة أمتار، ابتلعت ريقها وهي تصغي لدقات قلبها العالية، حركت عيناها بعيدًا عنه بابتسامة متحفظة، أما هو ما زال يرمقها بحنين لم يرَ مثله طوال حياته.
خرجت أول كلماته منه، وهو يقول بنبرة مُدمن لهج:
_حدا ضايجك وآني غايب؟ جولّيلي، طمنيني عليكي! ورب السما أهد الدنيا بأهلها… طمني جلبي الخايف!
أوطأت “چيهان” رأسها بإحراج، وأجابته دون أن تنظر في عينيه، قائلة بطمأنينة أحسّتها في وجوده:
_حمدالله على السلامة… نورت الدنيا برجوعك.
شبكت أصابعها في بعضها دون أن تغيّر وضعيتها، لكن “رمزي”، رغم ارتياحه لسلامتها، إلا أن بصيصًا من الشك ينتابه، فأجابها بنبرة حادة تحوي في أعماقها خوفًا مستهامًا:
_چيبيلي چواب يا چيهان، هل حدا ضايجك وآني محبوس ولا لا؟
جال بعينيه فوجد التغيرات التي حدثت في غيابه، وخطا نحو الباب الحديدي الذي رُكب في ثاني ليلة من الحادث، فانتفض جسده مما رآه، حتى باب حجرة چيهان به شقوق غامضة توحي بسكينٍ حاد قد غُرز بين الأخشاب.
وبينما چيهان تخطو وراءه بخطى متألمة، ازداد يقينًا بأن كارثة قد حلّت بها في غيابه بين القضبان الحديدية، فالأمور لا تمر عليه مرور الكرام، بل تمكث في ذهنه ليتعامل معها معاملة الشرطي المتحري، فهو في العادة يحلل الأمور بذهن رصين، وشخصية حاذقة، فما بالك إذا تعلّق الأمر بچيهان نفسها؟
استدار “رمزي” بوجهٍ مشدوه إلى چيهان، وتقدّم بخطوات قريبة منها، وسألها بقلق:
_ويش مالك؟ أحسّك تعبانة ولا فيكي شي مخبّيه عني.
حرّكت “چيهان” رأسها في زاوية أخرى بحيرة، وأجابت باستتار:
_لا أنا كويسة، مفيش حاجة حصلت… طمني إنت اللي كويس؟
في نظراتها خفاء يُبدد مخاوفه، تُخفي، لكن دون جدوى، إذ اندساسها المؤكد يعزّز شكوكه. حتى التأكيد الذي سعى إليه منها وحدها، لم يُشبِع راحته. أراد أن يبلغ المكنون، فمن المؤكد أن مصعب لم يتركها وشأنها في الفترة الماضية. لا بد أنه تدخّل بألاعيبه القذرة ليُشتّت أمانهما. وبينما يُكذّبها بأحاسيسه التي لا تخيب، قال بيقين:
_لا تسترين عليّ… چيهان، للمرّة الأخيرة بسألك: حدا ضايجك وآني غايب واستغل الفرصة ولا لا؟
أجابته “چيهان” بجسدٍ مرتجف، بعدما وضعها في خانتين أصعب من بعضهما: الإخفاء المطلوب، والبوح بالحقيقة التي قد تصنع نكبة هدّامة. فهي لا ترغب في الكذب، لكن الظروف أجبرتها على ردٍ مغاير لحالها الصعب، قائلة:
_أنا كويسة الحمدلله.
نطق “رمزي” بانفعالٍ نابع من خوفه الغزير، قائلًا:
_يا چيهان، ردي عليّ بالصدج… والله مآني مصدّج إنك بخير، أحس إن في شي تسترينه عني….
لم تجبه چيهان، وما انفكّت صامتة؛ تعبيراتها تلقِّن حكاياتٍ مستترة في وجدانها، تحمل كلماتٍ متألمة على سطورها. حينها اضطر إلى الخروج من المنزل، مردفًا بإصرارٍ معقّد:
_إذا ما جدرتي تردي عليّ، بروح لخالي فهيم وأسمع منه وش صار ورا ظهري.
خرج محتدمًا من الدار، غضبه يقوده إلى خاله فهيم في الأسفل، حيث كان يجلس مع أخيه عاصم وشباب العائلة في بهو المنزل، والباب مفتوحٌ على مصراعيه بعدما غادرت فرقة الطبل الدار، وعاد كل شيء كما كان، عدا “رمزي” الذي فاح منه السخط كما يفوح الدخان من بين النيران المتقدة.
اعتقد فهيم أنه عاد مشتاقًا إليهم، نادمًا على أسلوبه القاسي معهم، وربما جاء ليعتذر، لكنهم تفاجؤوا بدخوله ثائرًا، يتلفّظ كلماته بصياح، متسائلًا بوعيد:
_يا خال فهيم، ما راح أرتاح ولا يهدا لي بال غير لما أعرف وش صار لچيهان… الباب المشجوج، والباب الحديدي والمسامير المثبتة على سور السطح كل هالشي يثبت لي إن إحساسي كان صحيح من البداية… حتى چيهان تمشي متوچعة، واللي يستر عليّ راح أجاطعه عمره كله وما أسأل عنه بعد اليوم!
أبدى “عاصم” اعتراضه على أسلوب رمزي القاسي، إذ لا يعلم ما الذي يستدعي كل هذه المساجلات العنيفة بينهم، فقال وهو يغرس في حديثه روح الإرشاد الأبوي:
_لا تخلّي أعصابك تفلت علينا يا رمزي، من وجْت ما رچعت وإنت ما فارجتك همومك ولا ضيجتك.
تلفّظ “فهيم” بتوجيهٍ، راغبًا في أن يجلس ليتحدثوا بأريحية:
_اجعد يا رمزي… خليك ترتاح!
نفث رمزي الضيق المتكدّس في صدره، وجلس على الأريكة معهم بزجر، لينصت إلى أكاذيبهم المستحدثة بشأن حادث چيهان.
رفع “فهيم” كوب الشاي وارتشفه، ثم نادى زوجته بصوت عالٍ وقال:
_چيبّي كوب شاي سريع لرمزي يا أم ناچي!
ثم أعاد كوبه إلى الصينية، حريصًا على ألّا يبعثر مياهه على مفرش الطاولة. كان يُقدّر جهود زوجته وابنته غيداء وهما تعتنيان بنظافة الدار لتبدو في أبهى صورة. واسترسل في حديثه، ورغبته في تغميد السر لا تنهزم، لأنه يدرك مدى تهوّر رمزي؛ ففي وسط الأزمات لا يحكّم عقله، بل يسير وراء قلبه بتعامٍ:
_چيهان طيبة وما فيها شي… احنا بس ركبنا باب حديد عشان نخاف من اللصوص ينطوا بالليل ويدخلوا دارنا يضرّوها، ولا ينزلوا تحت ويضرّوا حد منّا.
قَطّب “رمزي” وجهه وهو يستمع إلى حكايات خاله المختلقة، وكأن لا صحة لها من الأساس. شبك ذراعيه بعدم اقتناع، وأمال رأسه ساخرًا، وقال:
_وباب أوضتها المشجوج، وش بتسوّي له يا خال؟ الچزار طلع يجطع عليه لحمة فوج؟
ثم نهض باحتدام، فامتدت إليه يدا ناجي ومهاوش يحاولان تثبيته في موضعه، والجميع يتشوّق لرؤيته هادئًا بدلًا من دارٍ تحوّلت إلى ساحة عراك، متابعًا:
_هالحوارات ما تدخل راس عيل صغير يا خال منك له… رمزي ما عاد عيل زي جبْل، لما كان يچي لكم مع أمه، آني كبرت وصرت رچال، وعندي عجْل يفرّجلي الكلام صح ولا غلط…
رفع سبابته بوعيد، واسترسل بنبرةٍ خشنة:
_براحتكم، لا تحكوا، بس إذا سمعت من طريج ثاني، انسوا كلكم إنكم تعرفوا واحد اسمه رمزي. لو خايفين على جرابة الدم اللي بينا، خلّوني أرتاح بالحجيجة!
حينها اضطر خالاه إلى التصريح بالحقيقة مهما كان الثمن، خوفًا من خسارته، أو أن يعرفها من سبيل آخر، فيكنّ لهما حينها عداءً صريحًا دون اعتبار لمقام النسب. وبينما يشتد الضغط على “فهيم” للبوح، وجد أنه لا مفرّ من صاحب الرأس المتحجّرة؛ فلا يرتاح إلا بعد الوصول إلى مراده، وقد يسكن، وقد يزداد ثأرًا. فالنتيجة مجهولة، لكن رغم كل شيء، قال:
_هجولّك يا رمزي، بس لا تزاود ولا تعصب، خلّك هادي، عشان ما يوجفون يحكون لك شي بعدين!
كان رمزي أضرم من نار الجمر وهو يستمع لخاله فهيم، ذلك الذي قرر أن يروي له المشكلة منذ بدايتها حتى يومهم هذا. فانضوى ناجي في المطبخ لدى والدته غزالة، يحضّر المزيد من أكواب الشاي والمشروبات الصيفية، وأطباق “اللقيمات” الذهبية اللامعة، فهي في بلاد البدو تُحضَّر بطريقة مماثلة لحلوى “الزلابيا” أو “لقمة القاضي” لدى أهل الحضر؛ لامعة، مقرمشة من الخارج، لينة من الداخل، منغمسة في الشربات، وتُقدَّم للضيوف وفي المناسبات السعيدة لأهل البدو.
أما غزالة، فانهمكت في المطبخ بصنع الطعام مع “صبا” زوجة ابنها، حيث تعدّان الفتة البدوية، وهي عبارة عن أرز أبيض مع خبز مقلي، تُصبّ عليه صلصة الطماطم وقطع اللحم المطهو مع بهارات بدوية. وصنف آخر هو “البركوك”، طبق من اللحم المطبوخ مع الخضروات الموسمية والبهارات في وعاء فخاري، يجمع طعم الأرض ونكهة الحياة البدوية، وغيرهما من الأصناف.
وزّع ناجي الضيافة على الحاضرين بالتساوي، ثم جلس معهم، بينما كانت غيداء تستمع من داخل حجرتها إلى جدالات الرجال في الخارج، وأصواتهم المتعالية في نقاش محتدم، خاصة من قبل رمزي. كانت تكنّ له غيظًا دفينًا بعدما تجاهلها وهمّش وجودها، لدرجة أنها لم تقوَ على الخروج من حجرتها، لتعاون والدتها وزوجة أخيها، التي هي في الأصل ابنة عمها، في إعداد الضيافة.
وبعد بضع دقائق، عندما علم “رمزي” بما حدث، استقام بغضبٍ ملتهب، غير مصدّق بسالة والده التي دفعته للانتقام من چيهان في غيابه. كيف تجرأ؟ ما جعله يصيح بحنقٍ مشتعل، ويقول:
_كل هالشي يصير وآني غايب يا خال؟ چيهان اللي آني خليتها عندكم أمانة، أرچع ألاجيها متأذية؟ ورب السما ما أرحم اللي سوّى هالشي… وآني وهو والزمن طويل!
خرج رمزي من الدار متجهًا إلى الأعلى، فيما نهض الجميع، بمن فيهم خاله “فهيم”، الذي ناداه ليُصوّب ظنونه الخاطئة، قائلًا:
_اصبر يا رمزي وادينا فرصة نشرحلك، لحد متى بتظل عنيد ورأسك ناشفة مثل الحچر؟
رد “رمزي” بصوتٍ جلجل أرجاء المنزل، وذهنه لا يزال غير مستوعبٍ ما حدث، كأنه عاش فيلمًا كارثيًا بلا نهاية:
_ما في كلام ينجال يا خال، أطمّن على چيهان ونأچل الباجي بعدين!
استدعى رمزي المصعد الكهربائي، وبينما استحضره، دخل إليه وصعد إلى الطابق الأخير بتأنيب ضميرٍ مزّق روحه؛ فقد كادت أن تُقتل على يد والده، فوعيده له بقرارة السجن لم يكن من فراغ. عسى أن يكون قد أنهى قراراته بتنفيذ مقتلها في الواقع، وحينما أصابته خيبة الهزيمة، أراد أن يعزف على أوتار رمزي بألحان الخوف.
كلما مرّ الوقت، ازداد مصعب بشاعة؛ جاء إلى هذا العالم ليُثبت مدى حقارته، وهو ينفث جُنونه على بقاع الأرض.
فالحياة تحوي نوعين: الصالح الذي يسعى لفعل الخيرات ليحظى بحسناتٍ جارية تنفعه بعد الممات في آخرته، والطالح الذي لا يكترث سوى بأموره الدنيوية، متناسيًا الآخرة وعذاب السعير.
جذب “ناجي” والده ليجبره على الجلوس بطريقة مهذبة تليق بالتبجيل، ونصحه بترك رمزي وشأنه حتى تهدأ نيرانه، قائلًا:
_خلّوه دلحين يا أبوي لحد ما يهدى، ولما يهدى ويرچع لعجْله نجدر نكلمه بهدوء!
رمقه فهيم بخيبة أمل، ثم جلس مع العائلة محاولًا أن يتغافل عن عصبية رمزي؛ فمهما وقع بينهما، لا يزال في عينيه طفلًا. والدته أوصته على رعايته منذ ليلتين، فالأمس والحاضر لا فارق بينهما سوى ليلة واحدة جعلته يتذكر “فطيمة” أخته الصغرى في كل ثانية. حبه لرمزي أجبره على تحمّل ما لا يتحمّله الآخرون.
دخل رمزي إلى المنزل، ليجد چيهان جالسة على الأريكة، والغروب يُلقي بألوانه على وجهها القَلِق. خطا نحوها بخطواتٍ كَظِيمة، فرأت الندم في عينيه على تركها وحيدة، تتعرض لمخاوف شنيعة، وتعيش الألم بمفردها.
لم تنظر إليه، وكأنها لم تحسّ بوجوده، بل ثبتت نظرها على الأرض وذراعاها متشابكان. حتى تنهّد “رمزي” بعمق، وسألها بعتابٍ:
_إزاي كل ده يحصلك ومتقوليليش؟ ليه خبيتي عليا؟
أجابته “چيهان” باستياءٍ يتخلّل صوتها، وعيناها مهزومتان بقهرٍ أمام نظراته الشديدة، وصوته الأشد:
_محبتش أقلقك، إنت راجع تعبان ومحتاج ترتاح.
لكن رده عليها جعلها في حالة اندهاش جليلة، حينما قال بصوتٍ واهن:
_أنا عمري ما هرتاح وإنتي فيكي حاجة تاعباكي….
رمقته چيهان بذهول، وكأنها لا تستوعب حديثه هذا بعد كل ما مرّا به من تحديات، وشجارات حطّمت العلاقات الوطيدة، فتابع ناظرًا إليها بشوقٍ ساطع:
_قومي هاخدك للدكتور أطمن على رجليكي!
نهضت “چيهان” بخجل، ووقفت موازية للطاولة الصغيرة، متعمدة الانشغال بترتيب العناصر، قائلة بارتباك:
_الموضوع مش مستاهل كل ده، أنا وغيداء روحنا للدكتور كام مرة وغيرنا على الجرح، والحمدلله خلاص خف، هي بس من أثر الواقعة مش أكتر.
حرّكت زجاجة المياه بأصابع مرتجفة، متعمدة عدم التطلّع إليه، فاستدار “رمزي” ليكون مواجهًا لها، وقال بإصرار، كأنه يختتم كتابة آخر سطر من سطور توجّسه:
_چيهان! أنا مش هرتاح غير لما أسمع بودني من الدكتور إن رجليكي كويسة، وإن الألم اللي فيكي راح لحال سبيله!
ما زال مصرًّا على مطلبه، حتى زاول عناده الصلد على “چيهان”، لكن بنيّة كَلِفٍ يرتعب من ذرة هواء قد تجرح عزيزه. أما هي، فقد لانت من محاولاته للذهاب بها إلى الطبيب بأسلوبٍ رصين، فقالت:
_أنا كويسة، ولو مش مصدقني نروح للدكتور يوم تاني، بس النهارده أنا مش هقدر أخرج.
استلقى “رمزي” على الأريكة منهكًا، يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما عانى من معيشة متدنية بين قضبان الألم. أحس وكأن صخرة ثقيلة أُزيحت من على صدره، وارتدت صحته إليه وهو يراها معافاة، عائشة، وورقتها من شجرة الحياة لم تنحدر بعد.
تحركت چيهان إلى الداخل بخجل لأنها لم تجيد التصرف بعد عودته، لكنه كان كنسرٍ مترصد لها بدافع الخير، ناداها قائلًا بروح اكتظت شغفًا لرؤيتها حياله طوال الوقت دون غياب:
_استني يا چيهان!
التفتت “چيهان” نحوه بغزارة من الحياء، فهي مثال حيّ للمرأة العفيفة التي إن أحبت أضمرت حبها، وأظهرته على شكل تصرفات غير مبالية، وردّت:
_أنا كنت هدخل أجهزلك الأكل.
رد “رمزي” بقلبٍ يناديها نحوه، فلا يريد من هذا العالم سوى أن يتركها إلى جانبه يتأمل ملامحها التي غابت عنه ليالٍ، فغاب معها كل جميل كان يبهج أوقاته، قائلًا:
_مرات خالي هتقوم بالواجب، خليكي قدامي!
ارتبكت “چيهان”، وولجت إلى الصالة مجددًا، وسألته بنبرةٍ اهتزت خجلًا:
_ليه، في حاجة؟
جلست چيهان على الكرسي المقابل له برجفةٍ لا تُلحظ، مصوّبة عينيها إلى الأرض، بينما يرمقها هو بنظرات ظمآن افترقته المياه حقبة طويلة، فعاد في أشد لحظات أوَامِه، ليقول:
_خليكي قصادي متمشيش… عايزك هنا، متغيبيش عني!
تفشّى القلق في مهجتها، وتلعثمت حركاتها، وكان سؤالها يطفو على سطح كوبٍ سالت منه أسئلة عدة، لكن الإجابة تكمن في فؤاده، وليس بالضرورة أن ينطق ويفسر ما يشعر به؛ تكفي عيناه التي أوضحت كل مستور.
أليس من الطبيعي أن يظل خمسة عشر دقيقة لا يفعل شيئًا سوى أن يرمقها بتلهف؟ ما جعلها في وضعٍ حرج؛ تارة تعبث بأصابعها، وتارة أخرى تحرك عناصر الطاولة. وكلما رفعت بصرها إليه، وجدته ناظرًا لها، لا تفسير سوى أنه حقًا نال جزءًا مما كان يتوق إليه، فاسترد عافيته بعدما تحول إلى عجوز تعيس، ليعود إلى شبابه المُغتبط.
تغيرت المواقيت، وغابت الشمس مفسحةً المجال للقمر الذي أشرق ضيّه البارق في زوايا البلدة. كل شيء تغير عدا رمزي الذي لا يزال مستريحًا على أريكته، متابعًا چيهان باشتياق، حتى وصلت الساعة الثامنة ليلًا وهو ما زال منتبهًا لها.
رفعت “چيهان” رأسها لتجده على نفس الوضع لا يتغير، فشكت أنه قد تحوّل إلى تمثال صامت دون حراك، ما جعلها تتنحنح بصوتها الرقيق، وتسأل:
_هو إنت بتبصلي كده ليه؟! مش هتدخل ترتاح جوا؟ أنا مجهزالك الأوضة وهانام أنا هنا، بس ياريت متخرجش منها غير لما تتكلم عشان أصحى الأول.
تنهد “رمزي”، وصرّح برغبته في المكوث هنا على الأريكة، فسألها بتعجّب:
_ومين قالك إني هانام جوا؟ احنا رجالة ننام في أي حتة عادي ميضرش… لكن الحريم لأ، ليها خصوصية.
يحضّر الجان بكتب شمس المعارف اللعينة، ويتعامل مع نساء لا يقدّر ثمنهن جنيهًا واحدًا، ويرتكب أعظم وأشد الكبائر، وفي نفس الوقت تحويه صفات النخوة والشهامة؟ فبأي منطق ينتهج، وعلى أي طريق يسلك؟
لم تصل چيهان إلى طرف الخيط لتفهم شخصيته المتقلبة بوضوح، لكن رغم ذلك ازداد مقامه في قلبها، فشعرت أن الخير لا يزال يكمن في سريرته.
وبينما كانت تندهش، دخل “ناجي” وزوجته صبا حاملين صينية ملآنة بالأصناف البدوية الشهية، فرفع صوته وقال باستئذان:
_ندخل يا رمزي؟
اعتدل “رمزي” في جلسته، وأجاب بنفس الدرجة المسموعة، قائلًا بسماحة:
_أي أدخلوا!
انضم ناجي وزوجته إلى محفل الوداد، فوضع ناجي الصينية بحرص على الطاولة بمساعدة صبا. نهض رمزي ليعانق ناجي، بينما تقدمت “صبا” لتعانق چيهان في أجواء طافحة بالمحبة، قائلة:
_سلامتك يا چيچي.
ردّت “چيهان” بابتسامة هادئة:
_الله يسلمك.
أحنت “صبا” رأسها باكتهاء دون مصافحة رمزي، وباركت له على خروجه وعودته إليهم من جديد، قائلة:
_حمد لله على السلامة يا ولد العمة، الله عافاك ورچعك بالخير.
ارتسمت على وجه “رمزي” ابتسامة طفيفة، وقال:
_الله يسلمك.
نشب “ناجي” بقبضتيه في ذراعي رمزي، يشاهد مدى النحافة التي وصل إليها، إذ يحتاج جسده لأشهر ليعود إلى حالته الطبيعية مرة أخرى. فابتسم ابتسامة ودودة، وقال:
_ياه يا رمزي، نحفت وايد، يا أخي صرت عضمة من جلة الأكل، لازم تاكل وتهتم بروحك عشان ترچعلنا زي جبْل….
قهقه بنبرة عالية، وتابع بتمني:
_زي زمان، جبل خمس ست سنين، كان وچهك زي البدر المنوّر، مدوّر وملامحك واضحة، والنسوان كانت تحبك… ما كان حدا يصدج إنك من أهل البدو، أبيض زي الحليب وشعرك ممسّب.
رد “رمزي” بحسرة، وقال بغمرة قوية من الاستياء:
_لا تحسرني على روحي يا ناچي، من يوم ما الهموم مسكتني وآني آكل في نفسي لحد ما نجص وزنّي.
استدارت “صبا” نحو زوجها بصدمة، وسألته بعتاب مرح:
_وش تجول يا ناچي؟ تجول احنا وحشين؟ أهل البدو كلهم فُلة، ورچالهم وحريمهم الوسامة تبرُّج من وچههم…
رفع ناجي رأسه بشموخ، وعدّل جلبابه بثقة كأنها تقصده، لكنها تابعت بتبكيت مازح:
_ما جصدي عليك إنت.
وقعت الصدمة على تعبيراته، وخرجت الضحكات من الجميع على ردها الذي قصف ما تبقى من كرامته، فقال بوعيد:
_صحيح اللي يتزوچ بنت عمه ما يشوف لا هنا ولا غنى، كلامنا بعدين يا ست… المهم ناخذ الأكل ونحطه عالسطح وسط الهوا اللي يرد الروح.
حمل ناجي ورمزي الصينية وخرجا بها إلى السطح بين أنواره الهادئة، فانعكس ضوء القمر على الملاعق الساطعة. لكن چيهان لم ترغب في تناول الطعام، فاختارت أن تمكث داخل الحجرة. فاعترضت “صبا” حين وجدتها تدخل متجهة إلى موطنها الصغير، ونادتها قائلة:
_لا يا چيهان، هالكلام ما يمشي، لازم تاكلي، احنا عملنا الأكل مخصوص إلك إنتي ورمزي والله.
ردّت “چيهان” بخجل وهي تقف على باب حجرتها:
_مليش نفس والله… أنا هقعد جوا شوية تكونوا خلصتوا أكل.
نهض “رمزي” من مكانه وتحرك نحوها بخطى هادئة، وفي راحتهما راحة متبادلة، مصممًا ألا يتذوق الطعام بدونها، ففي وجودها سكينة لا تعوض بثمن، وقال بحزم:
_والله ما آكل لقمة صغيرة من غيرك، يرضيكي أفضل هفتان ويغم عليا وأموت بسببك؟ لو عايزاني يحصلي حاجة يبقى متجيش ولا تاكلي.
دخلت “صبا” هي الأخرى تناديها بإلحاح وعزيمة، فلن يتناول أحدهم طعامه إلا في حضرتها، لذلك قالت بسخاء:
_ما ينفع يا چيهان، لازم تسمعي كلامي آني ورمزي وتچي معنا، ولا حد فينا يدخل لُجمة في فمه إلا بعد ما تجعدي تاكلي ويانا!
نظرت “چيهان” لهما بحيرة، فلا تزال عند رأيها، تشعر بالخجل وترتاح في الانفراد بذاتها بين جدران مستورة، فقالت:
_صدقوني مليش نفس، روحوا كلوا إنتوا ولما تخلصوا هخرج تاني بس روحوا يلا!
شبك “رمزي” ذراعيه في بعضهما، وعقد حاجبيه، وقال بنبرة جادة موجهًا إياها لتنفيذ أمره:
_چيهان! هتصغريني ولا إيه؟ ولا كلامي مش على هواكي؟ لو ترضيلي التعب خليكي قاعدة جوا.
جذبت صبا چيهان من ذراعها بالإجبار، وخرجت بها إلى السطح، ورمزي يتبعهما بثبات، حتى جلس الأربعة سويًا حول المائدة، يستمتعون بمشهد سماء خلابة، بنجومها المضيئة تلامس الصحراء ملامسة حانية، والجمال بعيدًا ترقد حول الخيام في سُبات هادئ.
جلس كل منهم قبالة طبقه المغمور بالأرز الأصفر واللحم اللدن، وطواجن الخضروات التي يفوح منها أريج التوابل، وفيض الإحراج يتملك چيهان، فلا تجيد التصرف في موقفٍ كهذا وسط ناس لا تربطها بهما أي صلة قرابة، لكنها في مجاورتهم عرفت من يكن لها الخير، ومن يضمر العداء، فالتصرفات دومًا تفضح.
رمزي بدوره، قبل أن يتذوق الأصناف، عاين طعامه وطعام چيهان، يقارن أيهما أكثر من الآخر، وبلمسة عفوية وضع لها أكبر قطعة لحم داخل طبقها، وأزاد لها الأرز والخضروات لا إراديًا، حتى عقله لم يستوعب ما فعله من أجلها، حتى چيهان تعجبت الأمر وازدادت خجلًا، فترك رمزي بصمته على وجهي ناجي وزوجته اللذين نظرا لبعضهما في ذهول، خاصة صبا التي وجدت منه تصرفات عفوية تجاه چيهان، فبدت تفسرها على أساس ما نبض في قلبها من شكوك.
الغرام صارخ، وأفعال الحب بينهما لا توحي بأي شيء سوى أنها لا تندرج تحت بند أخ يقدر أخته، فما يتبادلانه خطى هذه المرحلة بكثير، وفتح أبوابًا متسعة للريبة.
يتبع…