روايات شيقة

رواية إيبار الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم رانيا عمارة 

تُخفى عللُ العلاقاتِ حينما يقودها رجلٌ عاقل، رزينٌ في ردود فعله، يعلم متى يتمّ العتاب، وفي أي ظروف تتطلّب الكتمان. فالثقةُ عمودٌ متين تُبنى عليه العلاقاتُ السليمة، أمّا الشكّ فهو إحدى أزقة الفِراق، فيتدخّل الاحترامُ والمودّة كأطرافٍ ثلاثيةٍ ثابتة لا غِنى عنها، تزيد من مقامِ المحبّة، وتحفظ نقاءها.
ألقى عمرو الأمرَ وراء ظهره، كان ظاهريًّا لم يكترث، لكن في باطنه، روحًا انشغلت بتلك الرسالة. طوال الأشهر السالفة، كان مكترثًا بزوايا الموضوع، لكنه اختار الصمت، لا لأنه يجهل، بل لأنه لا يريد أن يجرح ريم بسؤاله عن الماضي. كان مُتيقّنًا من إخلاصها له حدّ اليقين، يلمح لمعةَ المصافاة في عينيها قبل كلماتها، مكتفيًا بها، ولا يرى سواها في عالمٍ زَخَر بالنساءِ الفاتنات. هي في المقدّمة، أجملُ نساءِ العالم، فلا يرى ولا يقتنع بسواها.
فالرجلُ الصادق، حينما يُجزِمُه غرامُه، يرى محبوبتهُ ملكةَ جمال الكون برُمّته، كأنها متوجةٌ على عرشِ الأميرات الآسِرات، حتى وإن لم تستوفِ المعاييرَ الحقيقيةَ للقَسامة.
أحسّت ريم وكأنّ الإِكنان نُزِع عنها فجأة، فانكشفت أمورُها حياله. تبدّل حالُها في لحظة من اللحظاتِ العصيبة، توقّفت تروسُ عقلها عن التفكير، بدت مُرتجفةَ الأعصاب، الحدثُ صاخبٌ لدرجةٍ حَجَزَت الحروفَ في حلقها. تتساءل في وجدانها عن أسبابِ صمتِه طوال هذه الحقبة دون أن يواجِهَها، ولو حتى ليهدِّئ من شعلةِ هواجسه، فالمَرءُ بطبعهِ شغوفٌ بكلِّ ما يخصّه وشريكَه.
رفعت كفّيها لأعلى، وأسندت رأسها بارتباكٍ ملحوظ. فَجذب “عمرو” الهاتفَ نحوه وقبض عليه، فوجد المحادثة التي عكّرت صفوَ ريم. وضع الهاتفَ على الطاولة دون اهتمام، ومدّ يدَيه إلى ريم بكلِّ حنان، فتفجّرت كلماتُه الداعمة من شفتيه، وهو يقول بنبرةِ رجلٍ رزين:
_ريم! ريم بُصيلي!
غمرتها محنتُها في صمتٍ مُطبق، ماذا ستقول له وبأيِّ شيءٍ ستقنعه بأنَّها علاقةٌ انكسرت أواصرُها منذ أكثر من عامين؟ عاشت أوقاتًا عصيبة تتعذبُ روحها بفقدانِ من أحبَّته بصدقٍ، سعت لإقصائه عن بالها، وسحقت مشاعرَ لا نفعَ ولا مضرةَ فيها سوى الانهيار النفسي والبدني، حياةٌ توقفت عن مسارها، وأحلامٌ تحطمت أمامها وهي مقيدةٌ بالأحبال، لما عاد الماضي إلى الحاضر ليتدخل بزرع الفتن بينهما؟
لكنَّ ما خطر في بالها جعلها ترتاب في كل من حولها، ذاك الرجل الذي اختار طريقه مع امرأةٍ أخرى وتزوجها ولربما أنجب منها، ما يعني أنه أقصى ذكرياتها من باله، فلِمَ بعد فوات الأوان يعاود بنشر المشكلات وكأن له الأحقية بذلك؟
بدأ إحساسٌ بسيطٌ يتسلل إلى فؤادها فيخبرها بأن المرسل لم يكن خطيبها السابق كما يزعم في رسالته، ربما شخصٌ آخر يتدَّعي شخصيته فقط لإثارة الجدل بين العائلتين، لكنَّ التثبيط أحاق به وعكّر خطته الخبيثة.
رفعت ريم وجهها إلى عمرو بهدوءٍ كمن لا يقوى على المواجهة حتى بعد مرياته المضمرة لأمورٍ تجذب الشكوك لها، فقال “عمرو” وهو غير عابئٍ بمحاولات الأعداء للتخريب:
_الرسالة دي ملهاش أي لازمة بالنسبالي، أنا واثق فيكي عشان كده محبتش أفتح الموضوع ولا حتى أسألك، سؤالي لوحده ممكن يجرحك ويحسسك إني مش واثق فيكي، وده أنا مش عايزه، أهم حاجة إننا مع بعض وكويسين، والماضي ده أنا مليش دعوة بيه، والدليل إنك لو مش عايزاني عمرك ما كنتي هتوافقي عليا، لكن إنتي وافقتي لأنك بتحبيني وعايزاني زي مانا بحبك وشاريكي يا ريم…..
حاول “عمرو” لمسَ أصابعها ليهدئَ من روعها، لكنها باعدت يدَها بخجلٍ عنه، مظهرةً انشغالها بمرسل الرسالة بكل عقلانية، فألقت عليه بردها قائلةً بريبة:
_عمرو! الموضوع ده انتهى من قبل مانت تدخل حياتي، الشخص اللي في الرسالة ده كان خطيبي ومحصلش نصيب بينا وهو اختار غيري وكمان اتجوزها واحتمال يكون خلف، معتقدش إنه بعد ما بيّن كل حاجة تثبت إنه مش عايزني، هكون لسه في دماغه…..
صمتت لبرهةٍ تشرح له شكوكها، مسترسلةً:
_عمرو! أنا حاسة إن الرسالة دي من حد قريب مننا مش هو… في حد عايز يخرب بينا ويزرع مشاكل كبيرة عشان نسيب بعض!
ضحك “عمرو” ضحكةً تهكُّميةً تردَّدت موجاتها في أوجةٍ مُلفتةٍ في المكان، جازمًا بأن إذا انطبقت السماءُ على الأرضِ فلن يفتح لهم منفذًا بالإعطاب، قائلًا:
_يعملوا مهما يعملوا، مش هنسيب بعض مهما يحصل ولو الدنيا كلها رفضت، خليهم يجيبوا آخرهم، وفي الآخر سيبيهم كده كده محاولاتهم مش نافعة ولا هتجيب معايا أي نتيجة… بس قوليلي، إنتي شاكة في مين؟
لا يوجد شكٌّ في شخصٍ بعينه، لكن اليقينَ كلَّه يتمركز حول شخصيةٍ مجهولةٍ تدّعي صِفته، لتنشأَ حروبٌ نفسيةٌ حادّة، وكأنها تُشعلُ فتيلَ نارٍ في ساحةٍ ساكنةٍ من المعارك، فقط لتُرضي قلبَها السوداويّ.
فأجابته “ريم” ببعضٍ من التحيّر:
_مش عارفة، بس اللي شاكة فيه إن ده حد تاني قاصد يعمل مشاكل وفتنة بينا.
لم يُبالِ “عمرو” بكلِّ ما نشَب من تدخلاتٍ خارجية، وأعربَ عن عدم اكتراثه بشيءٍ سواهما، قائلًا:
_مش مهم، أنا عايزك ترمي اللي حصل ده ورا ضهرك، خلينا نفكر في اللي جاي وبس، احنا عندنا حاجات أهم بكتير من كل اللي بيحصل ده….
اتَّسعت الابتسامةُ على شفَتيه، وظهرت كجلاء شمسٍ بعد فجرٍ جديد، مُتابعًا بلطفٍ:
_يعني مثلًا عندنا تجهيزات شقتنا، وموضوع كتب الكتاب اللي أنا مُصر وهفضل مُصر عليه، بقى معقول عمي مش عايز يفرح بينا قريب؟ طب ده أنا كنت هريحه منك للأبد….
لم تكن ريم في مزاجٍ يسمح بالجدال معه، فأدارت وجهها في زاويةٍ أخرى، وكأنها تختبئ من مشاعرها التعيسة قبالته. ولأنه يعلم مدى تحوُّل الأجواء بغمرةٍ من الكآبة، قرر أن يأخذها معه في أحاديث تُضاءل تكدُّرها من الأحداث، فاسترسل بابتسامةٍ واسعة:
_أنا هكلمه في الموضوع ده تاني قريب، وأنا متأكد إنه هيوافق، وإن كان على الشقة فاللي فاضلها مش كتير، الحمدلله الفلوس جاهزة، ومنين ما تخلص نحدد الفرح.
تنهدت “ريم” بحزن، ورفعت يدها إلى وجنتها برفق، وقالت باعتراضٍ ملموسٍ في كلماتها:
_ليه الاستعجال ده؟ وبعدين أنا مش هقدر أفرح وچيهان مش موجودة، چيهان كانت كل حاجة في حياتي بعد وفاة يوسف أخونا الله يرحمه ويغفر له.
ردَّ “عمرو” بشفقة، وهو يُصغي إليها باهتمام:
_الله يرحمه يارب، ويصبركم على فراقه.
رغرغَت دموعُ الحزنِ في عينيها، وظهر بريقٌ يحمل صورتَه التي غرزت في قلبِها وعقلِها. حتى الكلماتُ اختنقت في حَلقِها، كأنّ يدًا قويةً تُطوّقها وتضغط عليها بلا رحمة، متذكرةً الماضي بتفاصيله الأليمة، مُتابعةً بشوقٍ جرَفَ في طريقه ما تبقّى من ثَباتِها:
_كنا احنا التلاتة ملناش غير بعض، يوسف كان الكبير يعني لو كان عايش كان زمانه متجوز ومخلف، كان نفسي أحضر فرحه وأشوفه عريس جميل مع عروسته….
انزلقت الدموعُ من جفنَيْها، واشتدَّ القهرُ عليها كحبلٍ عنيف قبض على لسانِها، لكن رغم ذلك استرسلت:
_كان جميل أوي أوي وطيب، وچيهان طول عمري متعلقة بيها رغم إنها أختي الصغيرة، بس عقلها سابق سنها وكنا عالطول سوا بنحكي لبعض كل حاجة، چيهان يمكن أحسن مني كمان ومتدينة وبتخاف من ربنا أوي، لا يمكن تإذي حد ولا تزعله منها ورغم كده شقية أوي ودمها خفيف من يومها ومبتقدرش تقعد ساكتة، الكل يحب قعدتها والكلام معاها….
ثم عادت بالزمنِ عامَيْن إلى الوراء، حينما كانت السماءُ تُمطر عليهم الحبَّ والإخاءَ الصادق، والودادُ يَطرقُ بابَهم، والمرحُ يَغمرُ حياتَهم، أُخَوّات يُحبِبنَ بعضَهنّ حبًّا صافِيًا بلا مصالحَ ولا أهدافٍ داهية.
في ليلةٍ مشابهةٍ لباقي الليالي السعيدة، مرّت ريم في الطرقة، متجهةً إلى مرحاضِها، تسيرُ مستسلمةً لأفكارِها التي أغرقتها في دوّاماتٍ واسعةٍ من الحيرة، إذْ فجأةً ظهرت چيهان لها بفزعةٍ قوية، تصرخُ في وجهِها بمرح، لا تدري من أين خرجت لها، فظهر الغضبُ على ملامحِها في الحال، وچيهان ما زالت تقهقهُ بنبرةٍ عالية، فالتفتت “ريم” إليها بسخط، وأنفاسُها تعلو بارتياع، وقالت:
_حرام عليكي، كنت هروح فيها!
عانقتها “چيهان”، وجذبتها نحوها لتُقبل وجنتَيها بالإكراه، وقالت بلباقةٍ مازحة:
_عادي، إيه يعني؟ أختك حبيبتك بتهزر معاكي.
كلما أزاحتْها “ريم” بعيدًا، وجدَتها تنقضُّ عليها بحب عنيف، لكنه ظريف، يُزيد الدوبامين ويجعلُه في شعفته. فباعدتْ عنها ريم، وقالت بامتعاض:
_يا ربي عليكي، رخمة رخامة مش طبيعية.
قبّلت “چيهان” وجنتَها اليمنى بعنف، وخطت بسرعةٍ إلى حُجرتهما، وهي تقول بحزم:
_ترتيب الأوضة عليكي النهارده، ها؟
أحاطَ صمتُ ريمَ المكان، فخطتْ صامتة إلى وجهتها، فاشتدّت “چيهان” في الاتفاقيةِ مع ذاتها بطريقةٍ فكاهية:
_خلاص اتفقنا، على الله تغيري رأيك!
ضحكت ريم ضحكةً مرحة، وصكّت بابَها برفق، فاستيقظت على رَتجتِه في واقعِها المرير، والدموعُ تنهمر من عينيها بأسى، متذكرةً كلّ لحظات الفرح التي عاشتها معها. لكن الحياةَ سرقتها فجأةً من قبضتها، ولم تُراعِ فؤادها المنكسر، فتوارت عن الأنظار.
في هذه اللحظات، مدَّ عمرو يدَيْه الحنونتيْن إلى ريم، كلُّ كلمةٍ لامست قلبَه، وشعر بها من أعماقه. كان مُقدرًا لأهمية الأُخوّات في عالمٍ اثبأج بالشرورِ المُستفيضة، وكأنّ كلَّ واحد على أرضِ الحياة يُثبِت مدى امتلاكه للأذى والقهر عن غيره، فيتسابقون في مضَراتِها.
تلفّظ “عمرو” بدَعةٍ تنسابُ من مُهجتِه الرحيمة، قائلًا:
_هترجع قريب إن شاء الله، أنا واثق من ده، عايزك تحاولي تنسي الفترة دي عشان متتعذبيش! الخير لسه جاي كتير، صدقيني!
ثم رَبَت على يديها بمواساة، وابتسم بلُطف، وتابع:
_انسي وهتعدي، وهتقولي إني قولت، عشان خاطري يا ريم! أنا مش هفرح وإنتي في الحالة دي!
هدأت ريم، وسكنت على رقة ألفاظه، فيسكن لسكونها، وتسير المركبُ في بحارها؛ كان القبطانَ الذي يُحرّكها وفقًا لمحبته وتأثيره الإيجابي، لا بتسلّطه أبدًا. فما أجمل أن يُجاورنا حبٌّ صادق، يُلقينا بسهام العواطف الجميلة بدلًا من دمائها.
هو السند لها بعد الله، ريم التي افتقدت حنان والديها، خاصةً حينما جاءت الحياة، فوجدت أبًا قاسيًا؛ الأنا العليا أسلوبٌ ينتهجه في دنياه، ذاك الذي لم يتزوج لأنه يستحق الزواج وتكوين أسرة سوية، بل لأنه اختار نفسه في المقام الأول، والبقيةَ في الوراء، باعتباره “رب الأسرة”.
ليس كلُّ أبٍ حماية، فربما تَخفّى وراء قناع الوالدين ليُخفي كوارثه برداء الأبوة الظاهر للدين والمجتمع. ينسى حقوقَ أبنائه عليه، وتظلّ فكرة “بِرّ الأباء” واجبةً وإن كان فاسقًا؟ كم من شخصٍ ظُلِم مع آباءٍ قساةٍ تسببوا في أمراضه النفسية، ودفعوه إلى شَفَة الموت، ليقابلَه المجتمع بالعقوق؟ متناسين ما مرّ به من آلامٍ شنيعة، وآهاتٍ لا يسمعها سواه، هو وكل من عانوا مثله. فلا مبررَ للقسوة من الطرفين؛ من لا يقدّر نعمة الأبناء، لم يُطلب منه الإنجاب، في حين يدفع الناس الآلافَ لسماع كلمة “والدي” أو “والدتي”.
هم النبتةُ التي إن زُرِعت بحنان، نبتت كريحان مزدهرًا باللين والإحسان، وإن شاكتها أشواك القسوة، لكانت في مستقبلها صبّارًا باترًا للأصابعِ بمجرد ملامسته. عانت ريم على مستويات حياتها جميعًا، ما جعلها ترى في عمرو ما ينقصها؛ هبةً عظيمةً لن تُعوّض.
حينما يُجبِر الغرامُ عاشقًا على الصمت في حضرته، يجعل الذلَّ دلالًا يُغنّجه على أنغام الارتياح. رمزي الذي بات ليلةً كاملًا دون أن يغمض عينيه، لم يذق طَعمَ النوم؛ اختار أن يقضي ليلته أمام منزل الشيخ نعمان، يحرسه كما لو كان حارسًا مأجورًا بالدولار قبالة قصر الزعيم. اضطر للتضحية بجَمامه في سبيل سلامتها، وحينما زارت الشمسُ الحياةَ، اضطرّ للمغادرة، ليرتاح في إحدى الخيامِ ساعاتٍ قبل الذهاب إلى العمل.
في تمام الساعة الثانية، بالقرب من أذان العصر، انطلق رمزي إلى عمله أمام نفق بيارون، مُمثلًا أنه مُكلّف بحراسته من البوابة الخارجية، مستغلًا عدمَ تمكُّن الغَفر من التحقق من صحة حديثه. هنا في دِيرة الشيخ ضرغام، أمرُه نافذٌ بلا جدال؛ الكلمةُ تخرج من فمه فتُنفّذ قبل أن تُكلّف، إذ لا يستجرئ الغفر بالسؤال عن أيٍّ من الآخرين داخل إطار العمل، فتُوضَع تحت بند “التعدي على حقوق الآخرين”، وهذه جنايةٌ في حد ذاتها. ما جعل رمزي يفعل ما يشاء، مُتيقنًا أن لا أحد سيكتشف أكاذيبه.
ظلّ متمكثًا قبالة البوابة، حتى تأكّد من مغادرة رجال الغفر عن المكان، فيما كان أحدُهم يقول للآخر:
_يلا سير هات الغدا لا تطول، العمدة ضرغام يقص من رزقنا وحنا في حاچة لكل قرش!
بمجرّد أن اختفت ظلالُهم، نَقَز رمزي على الشجرة، محاولًا تثبيتَ سلاحِه فوق كتفه كي لا يتدحرج ويسقط أرضًا بصدمةٍ صاخبة تُجذب الانتباه إليه. تشبّث بأصابعه في جذعِ الشجرة، متسلّلًا إليه كَلص يخشى انكشافه إزاء الآخرين. ومن ثمّ عبَرَ الأنبوب الضيّق بكل جُهده حتى وصل إلى نهايته، فقفز إلى الأسفل بخفةٍ دون صخب، كمن اكتسب مهاراتٍ جديدة جعلَته أكثر حِرصًا من الافتضاح.
سبَحت ساقاه في المياه المُتدنّسة، لكنه تحمّل من أجل العبور. كان يسير بصعوبةٍ بين المياه، حتى وصل إلى الطُرقة العُليا، فقفز إليها وقد نجا من كدَرِ المياه الملوّثة بالبكتيريا والحشرات.
كان يسير بحِرصٍ شديد في كلِّ خطوة، وكشّافُ هاتفِه يُضيء الطريق من حوله، يبدو كشمْسٍ تُنير فضاءً شَغرَ من الضوء.
وبعد دقائق، وصل نفق بيارون؛ اندهش من ارتفاعه العظيم، رغم أنّها ليست المرة الأولى لولوجِه إليه. تسعُ بوّابات موصدات بشَفراتٍ خفيّة، مفاتيحُها مهيبةٌ بلا مادةٍ تقبضُها الأيدي، كلُّ واحدة برسوماتٍ متباينة، تحمل في طياتها أسرارًا دفينة. وبمجرّد أن خطا رمزي إلى النفق، استضاءت المصابيح، وكأن لها علاقةً متينةً بوصوله.
ظلّت عيناهُ تجولانِ حوله، وأُذُناهُ تُصغيانِ إلى همهماتٍ تآوى موسيقىً مفزعة، كما لو خرجتْ من فيلمٍ يُقشعرّ له الأبدان. صوتُ خُطاه يرتد في مبنًى مريع، لا يملؤه سواهُ والجان. بدأ يخطو عند كلِّ بابٍ كالليلةِ الماضية، يُحاول فتحه، لكنه أُصيب بعتمةِ الفشل، لم تَأتِ أي محاولةٍ منه بالنفع، وكأنّها عمليةٌ مُستعصية بلا أدوات.
طاف ببصرِه في كلِّ الجوانب بفضول، حتى وجد حجرًا كتلته ستةُ كيلوجرامات، أحسّ أنّ وجوده هنا يُرمز إلى خطوةٍ هامة ضمن الخطوات المطلوب تنفيذُها. تحرّك نحوه، وحرّكه بجهدٍ بسيط، فأشرقت من أنواره لافتةٌ صغيرة على ورقةٍ بيضاء. رفعها إليه، فوجد الكلماتِ الدموية تُكتب بحُمرة الشرّ، تقول:
“سلالةُ قُصيان، من أراد العبور، فليُضح بغيضٍ من الدماء.”
استخرج رمزي بلا تردد الأداة الحديدية من جيب جلبابه، ورفعها إلى ذراعه بإقدام، محترسًا ألا يقترب من شرايينه فتنتهي الرحلة بالهلاك حينئذ. ثم جرح يده اليسرى وهو يتألم رغمًا عنه، وبهذا الاحتكاك القاسي انفجرت الدماء من يده على الورقة، وكلما سقطت القطرات افتُتِحت البوابة بالتدريج. ظهرت بسالته وهو يتكئ على جُرحٍ أَلَمَّه، فاندفعت الدماء إلى الورقة حتى ابتلّت جميعها بقطراته. حينها افتُتِحت البوابة، وعبر منها وهو يكبس على جُرحه لتتجلّط دماه ويقف النزيف الحارق.
وجد نفسه أمام طرقة منبسطة تبدو وكأنها بلا نهاية، ومهما سار فيها وجدها تزداد مسافات. لكن الكلمات انبلجت على الحائط بحبر دموي، تقول بحزم:
“التحرك هنا يعني أنك خالٍ من أدوات الدفاع، تحرك بلا يدٍ حارسة!”
لم يُدرِك رمزي المقصد حتى وصلت الفكرة إلى ذهنه. أيقن حينها سلاحه، كان متحيرًا بشأنه، خشية أن يتركه فيعود خاسرًا، ما سيعرضه إلى مجازاة باسلة من عمدة البلدة. لكن الخطى كانت محسوبة وتقتضي سرعة القرار لا التريّث! فوضع السلاح جانبًا، وعيناه ترصدانه بحزن، كمن فقد حصنًا منيعًا. تحرك من موضعه وهو ما زال ناظرًا إليه في فِراقٍ لربما يكون مؤقتًا أو أخيرًا، فلا يعلم العواقب.
ظهرت الطرقات أمامه واختفى التشتت. كان حياله خمس بوابات من مقابض حديدية مُصدّأة، كل واحدة تتميز برسومات مُبهمة. أبواب ليست كأي أبواب! نُقشّ عليها أشكالًا وأنواعًا من الشياطين المختلفة، قرونها تخترق السقف فتبدو حقيقية. إلى أن وقف قبالة إحدى البوابات على هيئة شيطان أسود بلا ملامح، وعلى الجدار كُتب بنفس القلم الأحمر:
“سلالة قصيان، الويل لا يُقتحم بسهولة الفكر، نريد أن نرهقك لنتأكد من رصانتك… التمس ما لا يُلمس!”
ازداد رمزي تِباسًا، شكَّ في قدراته العقلية، ظنًّا أن ما مرَّ به من حياته كان متوهَّمًا أنه داهٍ، فتلك اللحظة تساوي سنوات عمره، وهو يُفكِّر بعمقٍ ويتأمّل المقصد، كيف يَلتمِس ما لا يُلمَس؟ فهل من المنطقي أن يُلامس شيئًا خفيًّا؟
دارت عيناه في كلِّ صَوبٍ بحيرةٍ كبيرة، وبعد خمس دقائق وصلته الفكرة، حينما رأى ضوءًا أحمر يطوف حوله كأنه لصٌّ مُتخفٍّ يترصَّده، حاول القبض عليه، وبمجرّد أن اخترقت يداه الضوء، انفتحت البوابة، فمرّ منها. وهناك وجد ثلاثَ بوّاباتٍ جديدة بسقفٍ مُنحدرٍ يكاد يلامس رأسه، كلٌّ منها مُرصَّعٌ بألماسٍ أحمرَ متوهِّج، خاصة في الظلام، والبوابات جميعُها مُوصَدة. وقتها كُتِب على الجدران بنفس الدماء، بخطٍّ مُجدب:
“إيبار بات على مشارفه، اسحب السكين لأسفل!”
استدار رمزي حوله، فوجد أداةً في نهاية السقف، تبدو شبيهةً بسيفٍ صغير، جذبه لأسفل بلا حذر، من الممكن أن يحتشّ من أنامله، فاقتلع اللثام، ولفّ قماشه حول أصابعه، ثم مدَّ ذراعه نحو السكين ليسحبه إلى الأسفل.
كان معتقدًا أن الأمر سهلٌ، لكنه يحتاج إلى جذبٍ بمجهودٍ قوي، السكين يضغط على القماش، بات أن يخترق أصابعه، لكن فجأة تحرّك السكين للأسفل، وانفتحت البوابة على مِصراعَيْها.
مرحلةٌ جديدة تقوده إلى مصعدٍ يدويٍّ بحجم نافذةٍ صغيرة، تُجبره على الجلوس في وضعيةِ ضمّ الأطراف لبعضها. لم يتردّد، وتحرك نحوها ودخلها بمعاناة. يُنير الظلام بمصباحه، واليد الأخرى تُحرّك البَكرة، وكلّما حرّكها عكسَ عقارب الساعة، تحرّكت لأسفل. الغريب أنه استمر عشرين دقيقة بمللٍ التهمه تمامًا. أحسّ أنه قيدٌ داخل صندوقٍ يقوده إلى الموت، وكان على شَفَةِ تغيير الاتجاه ليصعد ويبحث عن بابٍ آخر لربما يجد فيه حلًّا. لكن فجأة، بدأ الظلام يتلاشى، حتى وصل إلى نفق إيبار!
خرج من المصعد اليدوي، وكأن كشافاتٍ بأحجامٍ سابغةٍ سُلِّطت في عينيه، حجبت عنه الرؤية. الآن هو في أعماقٍ نائية جدًّا عن البشر، بلا نهاية، كفضاءٍ شاسع يحتضنه. قاوم الرؤية، وذراعاه يَحميان عينَيْه من الأضواء الساطعة المُدمّرة لعينِ مَن تعمّد بسالته. يسير دون أن يعلم اتجاهه، كمن يسير بين الضباب قبل إشراقة الشمس في الصباح الباكر. دقائقُ متلكئة جعلته كمن يسير على قشور البيض، ارتجَّ المدخل به بزِلزالٍ هزَّ كيانَهُ لدرجة سقوطه أرضًا.
لامست أصابعه الأرض وهو يستعيد قوتَه للنهوض، حتى نهضَ بِتمهُّل، فاختفت الأضواء كأنها كوكبٌ انفجر في غَوْرِ الفضاء.
الآن أمامه بوابةٌ ضخمة، مسافتُها خمسٌ وعشرون مترًا، حديديةٌ ذات لونٍ أزرق قاتم. أول خمسِ متراتٍ: أشكال طائفة “طَرخاليم”، الشياطين التي وُلدت من رمادِ الآثمين، أُحييت في فجوةٍ بين عالمَيْن – البشر والرماد – تُذكّر بأنها أخذت لقبها من لون العيون المتوهِّجة والشعرات المتطايرة بِغُلول.
العشرُ مترات في المنتصف يحملون بُروزاتٍ واضحة لعشائر “غَبرائيلا”، شياطين من نسلٍ منبوذ، طرائف تتغذّى على هلع قبائل الجان الصغرى، تبدو صامتة، وكلٌّ منهما ينظر في اتجاهٍ عكس الآخر. ترأّسهم ملكةُ الجان التي لُقِّبوا على اسمها، امرأة صارمة، يخشاها كِهَادلُها قبل صغارها. كلّما ازدادَت كِبرًا، ظهرت حداثةُ الشباب على معالمها. تبلغ خمسة آلاف عام، لا تظهر سوى في المراحل الأخيرة، كملكةِ مُنازلةٍ لأيّ منافس.
العشرُ مترات الأخيرة بلا نقوشات، بل أيادٍ شيطانية تبرز عليها كدلالةٍ قاطعةٍ على الفناء، قبيلة “غَراغور”، أشدّ أنواع القبائل خفاءً، تُثبِتُ قوّتها في انستارها، لا تظهر كاملة، بل الأطراف المُستذئبة السوداء تتحرّك وكأنها أجسادٌ خُلقت بلا أعضاء أو رؤوس. سُرعتهم عنيفة، وقدراتهم تختلف عن باقي القبائل.
بدا رمزي متحيّرًا وهو ينظر لكلِّ بوابة، حتى كُتبت بالدماء جملةٌ في سياقٍ جديد:
“الأحقّية ليست لك وإن كنتَ سيّدهم، غادِرْ قبل أن تُغادَر!”
وبينما يلتفت رمزي حوله، بادتِ البوّابة الرئيسيّة، ولم يتبقَّ سوى ثلاثِ اختياراتٍ قبالته، زادت من وطأةِ حيرته. كان مُجبرًا أن يقتحم بوّابة “غَراغور”، واثقًا من عدمِ انفتاحها بهذا اليُسر، لأنّ كلَّ شيءٍ يسيرُ بنظامٍ وقوانينَ صارمة.
لكن ما جعله متفاجئًا هو انفتاحها! استشعر نَسَمَ النجاحِ تُداعب قلبه، لكن لم يطُل الفرح طويلًا، إذ رأى كتابَ السحرِ، الأحمرَ، على طاولةٍ لا يوجد سواها وسط الفراغ، وبمجرّد أن لامسَ الكتاب وتصفّح صفحاتِه، وقرأ الكلمات المدوّنة بعينَيْه، حدث غيرُ المُتوقَّع.
سقطت المرآه على الأرض وانشطرت نصفين، والعجيب أنّها لم تكن موجودةً من الأصل!
وعلى جانبٍ آخر، في منزل الشيخ نعمان، سقطت المرآة على الأرض وانشطرت نصفين، وكأنَّ ما يعيشه رمزي ما هو إلا عالمٌ خفيٌّ يُحاكي واقعَ چيهان. هناك صفةٌ مضمَرة، غيرُ واضحة، وبينما “چيهان” جالسةٌ على السرير، تقرأ القرآن من المصحف، أنهت التلاوة بقولها:
_صدق الله العظيم.
خرجت “چيهان” من الحجرة، متوجهةً إلى الصالة على وقعِ صدمةِ المرآه وهي ترتطم بالأرض، فوجدتها منشطرةً بلا سبب. وقفت بعيدًا بفزع، حتى تردّدت رَجَّةُ البابِ في أذنيها، وكأنها تستمع لألحانِ الرعب داخل منبتِ الأشباح. استدارت بخوف، فوجدت البابَ موصدًا، والملاعق تسقطُ مُحدثةً فوضى على أرضيّة المطبخ. ارتجفت ارتياعًا، وبدأت تُردّد الآيات القرآنية بنبرةٍ مرتاعة:
_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمٰن الرحيم، ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ صدق الله العظيم. [ البقرة: ٢٥٥]
استمعت لخطواتٍ تتحرك في المنزلِ حولها، فرفعت يدَها على صدرها بخوف، وكادت أن تسقط مغشيًّا عليها من هولِ الأحاسيسِ المُفزعة التي تُحيط بها. ثم فجأة، انقضّت على هاتفها تُجري اتصالًا بصبا، وهي تقول برهبة:
_الحقيني يا صبا، الشقة فيها حاجات غريبة بتحصل، تعالي بسرعة عشان خاطري!
أهدأت “صبا” من رَوعها بعدما استمعت لنبضاتها المُضطربة، مُصغيةً لما تشرحه من مخاوف، فقالت:
_اهدي بس، ما راح أتأخر عليكي، عشر دقايق وبكون عندك!
تحرّكت “چيهان” بخُطى مرتجفة نحو الباب، وأوصدته، ثم خرجت إلى الشرفة، تقول بأنفاسٍ متقطعةٍ من الخوف:
_متتأخريش عشان خاطري، أنا هفضل واقفة في البلكونة لحد ما تيجي!
في هذه اللحظاتِ المغمورةِ بالمخافة، نهضت “صبا” من مكانها استعدادًا لارتداء عباءتها، ثم التوجّه إلى چيهان في أقرب وقتٍ ممكن، فتبثّ الطمأنينة في روحها الغرثانة بكلماتٍ لطيفة، قائلة:
_مسافة الطريق والله! بلبس وبچيكي عالطول، اهدي بس، ولا تخافي من شي!
ردّت “چيهان” بقلق، وعيناها لا تتحرّكان عن باب الحجرةِ المُصكوك بإحكام، قائلة:
_طيب ماشي، مستنياكي أهو.
انتهت المكالمة بينما خوفُها لم ينتهِ بعد، إذ إنّ الأصوات ما زالت تتردّد في الخارج، تبدو وكأنها وحشٌ كاسر، يُدمر منزلًا ليس من حقّه تخريبه. يداها مضمومتان على صدرها، وأنفاسُ الخوف تُحيط بها من كلِّ مكان.
فيما اهتمّت صبا بأمر چيهان، وارتدت عباءتها والبُرقع ذو التراث البدوي الذي أخفى معالم وجهها بنسبةٍ كبيرة، خرجت مُكترثةً بها، قاصدةً منزل الشيخ نعمان بعدما حفظت اتجاهاته، إذ يقعُ على مسافةٍ مقتربة من مسجد البلدة. اختارت چيهان الاستعانة بها خوفًا من أن تُزعج الشيخ نعمان وهو يؤدي أعماله، ولا يزال الحرجُ ينتابها منه حتى هذه اللحظة.
أما عن رمزي، فبعدما حظرته وتشاجرا سويًّا، استبعدت فكرة طلب المعونة منه، خشيةَ أن يعترضَ على مساعدتها، على الرغم من أنها في أشدّ الحاجة إليه دونًا عن غيره، ولكنها أرادت أن تُثبت له أن مساعدته لم تكن عائقًا لاستمرارية حياتها، ولربما تجد الخير في غيره.
وبمجرّد أن خرجت صبا من المصعد الكهربائي وصولًا إلى مدخل المنزل، تقابلت مع “غيداء”، تلك التي سألتها بتطفلٍ عن وجهتها، متسائلةً:
_وين رايحة يا صبا؟ يا ترى استأذنتي من أخوي ولا لا؟
ضمّت “صبا” كفيها فوق بعضهما بنفور، وأجابتها بوجهٍ متجهّم:
_يعني لي يومين ما شِفتيني، وبدل ما تسلمي وتقولي السلام عليكم ولا كيفك؟ تسأليني رايحة وين؟ وأخوكي ناچي شو يعني؟ أطلع من الدار من غير علمه؟ ناچي عارف بكل شي، وآني ما أسوي شي غلط.
سخرت “غيداء” منها بنظراتها المتعالية، ووقفت إزاء الباب دون أن تُعير الحديث معها وجهًا لوجه، وقالت باستخفاف:
_حنا قصاد بعض طول اليوم، ما في داعي نحكي ازيك، إيش الأخبار، لو في شي مو زين كنا عرفناه…
وتابعت، وهي تجول بنظرها في زوايا المدخل:
_صحيح، چيهان مختفية ليش من كام يوم؟ ما شِفتها ولا سمعت صوتها، كأن الأرض انشقت وبلعتها.
رفعت “صبا” حاجبيها باستنكار، وخرجت من المنزل وهي تقول دون أن تُعير الإجابة أيّ اهتمام:
_ما أعرف، يلا السلام عليكم.
أحنت “غيداء” فمها، وهي ترمقها بنظراتٍ حانقة، قائلةً بنبرةٍ مُدلّلةٍ تحوي في هاويتها ازدراءً سافرًا:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
تحرّكت غيداء، والعباءة تتمايل بدلالٍ في الهواء، لكنها اصطدمت بوالدتها “غزالة”، التي كانت قد سمعت الحديث الجاف من جوفِ صالتهم الرحيبة، فواجهتها بنبرةٍ حادة، تُعيدها إلى صوابها الذي انحرفت عنه، قائلة:
_إيش هالطريقة اللي تتكلمين فيها مع مرة أخوكي؟ إنتي طار عقلك يا غيداء؟ ما حاسة بنفسك ولا شنو؟
زفرت “غيداء” بامتعاض، وأسرعت في خُطاها وهي تدلف إلى حجرتها، قائلةً:
_أستغفر الله العظيم يا رب، لا كذا نافع ولا كذا نافع، آني بسكت عن هالكلام ما دام ما بيعچب حد.
هناك، وصلَت “صبا” إلى منزلِ الشيخ نعمان، صعدَت الدَّرج وهي تَلتفتُ حولها بحذر، وما إن دقَّت الباب حتى وجدت چيهان قبالتها، فخرجَت من الشقة بقلبٍ يرتجفُ خوفًا، فسألتها صبا باهتمام:
_وش صاير يا چيهان؟ ليش خايفة كذا؟
أجابتها “چيهان” بِحيطةٍ بالغةِ الحُدود، قائلةً:
_من شوية كنت قاعدة بقرأ قرآن على السرير في أوضة النوم، سمعت صوت حاجة وقعت اتكسرت، خرجت لقيت المرايا اللي كانت على الحيطة واقعة مكسورة نصين، وشوية لقيت الباب اتقفل لواحده من غير ما ألمسه، ولما كلمتك كان في صوت حد بيتحرك برا في باقي الشقة… الشقة دي شكلها مسكونة يا صبا، أنا بصراحة مش هقدر أقعد فيها هنا لواحدي، ينفع تقعدي معايا؟
لكن “صبا” برصانةٍ كأنها استغلّتِ الفرصةَ التي انتظرتها منذ أمس، لتعاود إقناعها للعودة إلى دار فهيم خالِ رمزي، فقالت بتبريرٍ صادق:
_غالية والطلب رخيص، بس سامحيني، ما ينفع أقعد هنا وياكي، عندنا ما يصير للمرأة تخرچ من دار زوچها وتروح لدار غريب، هذي عيبة عليها، وكمان، الدار هذا باين عليه مسكون فعلًا، وهذا يصير بالنهار، تخيلي بالليل وإنتي لحالك؟ ما راح تغمضي عيونك، الأحسن ترچعي دار عمي فهيم وتكوني وسطنا بأمان.
امتنعت “چيهان” عن العودة إلى دارِهم، فأجابت:
_لا لا مش هرجع، مش هينفع خلاص، وكمان أنا ورمزي متخانقين إمبارح بالليل، أكيد مش هيطيق يبص في وشي بعد اللي حصل.
لكن “صبا” تفوَّقت عليها في إصرارها، ما دفعها تنطقُ:
_والله أبدًا، مهما صار بينكم إنتي بالنهاية أخته، ولا عمره يقدر يستغني عنك، وبعدين لو خايفة على شكلك، آني فاهمة، حنا كلنا حريم زي بعض، آني بقوله إني حاولت أقنعك وإنتي رفضتي، وبهالطريقة تكونين مرتاحة قدامه.
اقتنعت “چيهان” بالاتفاقيةِ، فرفعت سبابتها بحزمٍ، وقالت:
_أنا رافضة، ها!
ابتسمت “صبا” ابتسامةً بسيطةً تتناسب مع الموقف، وردّت باتحادٍ:
_آني اللي اتحايلت عليكي لين وافقتي، وإنتي رافضة.
ردّت “چيهان” باقتناعٍ، وقد اتخذت قرارَها:
_تمام، اتفقنا.
أحضرت چيهان احتياجاتها داخل حقيبةٍ بلاستيكية، ثم تحرّكت مع صبا إلى الأسفل، كانت چيهان في المقدمة وصبا وراءها، وفي لحظةٍ غير متوقعةٍ انفلتت قدما صبا وتعثرت عن الخُطى فسقطت من علو ثلاثين درجةٍ إلى حتى المدخل.
صرخت بألم، وچيهان انقضت نحوها تعينها على النهوض، فيما كانت الآلام تشتد على صبا. أحست بتدفق دماء قويٍّ ينزلق على سيقانها. اعتقدتا الاثنتان في بداية الأمر أن أحد قدميها انجرحت، لكن الحقيقة أن النعمة التي وهبها الله لصبا كانت نهايتها الهلاك قبل أن تدرك.
انتشرت صرخات صبا في أرجاء المدخل، إذ لم تستطع چيهان التصرف، ما جعلها تتصل برمزي في الحال لتخبره بما حدث، لكن أيعقل وهو بين أعماق الأرض تصل الإشارات إلى هاتفه بين عوالمهم الخفية؟ حينها اضطرت للاتصال بناجي من هاتف صبا لتروي عليه ما وقع من كارثة لم تُقابلْ بال ولا خاطر.
بعد دقائق معدودة، وصل ناجي وأخوه الأصغر إلى منزل الشيخ نعمان، حملا صبا وذهبا بها إلى المستشفى برفقة چيهان، إذ ألقى الطبيب عليها نظرات قبل الكشف، يرى الإصابة فيها كما الخوف في عينيهم، الترقب يقتلهم وهم في انتظار ما سيخبرهم به. كانت المخاوف تسري في عروق ناجي، ولا يفهم ما الذي أصابها ليجعلها تنزف إلى هذه الدرجة؟
أجرى الطبيب الكشف فاتضح له خسارتها لجنينها، نعم، إذ كانت صبا تجهل خبر حملها الذي في بداياته. لسانها هو من ساقها إلى هوة الجحيم، فالكلمة تخرج وتغرز في قلب اللعين كنيران ملتهبة، لا تمر مرور الكرام كما مع صافون الروح، هو الذي انتقم لمجرّد أن تُذكر سيرته على لسان أيٍّ من مخلوق على وجه الأرض. اللوم ليس عليه بل على من اختارت تبشيع صورته التي لا تحتاج إلى من يقبحها فهي قبيحة بالفعل دون شيء.
كان إلقاء الخبر عسيرًا على زوج المريضة، لكن ما يشكل ضغطًا أكثر هو الكتمان، فقال “الطبيب” بأسف:
_مرتك رچليها سليمة، ما فيها چروح ولا كسور…
سأله “ناجي” بقلقٍ يتجلّى على معالمه:
_طيب وش بعد يا دكتور؟ علمني!
ردّ “الطبيب” بتردّد، فلا بدّ من قول الحقيقة على أي حال:
_هذي حالة إچهاض، لا تزعل، كل شيء بيد الرحمن، أهم شي عندنا إنها تكون بخير، بندخلها عملية سريعة، وإن شاء الله تعدي على خير.
اصطدمت يدُ “ناجي” على فمه من وقع الكارثة عليه، لم يستطع أن يعبر بالكلمات بقدر ما صرخ، وقال بنبرةٍ مرتجفة:
_يا سوادك يا ناچي!
صرخت چيهان بفزعٍ، أحست أنها السبب في هذا الفقدان رغم براءتها وتباعدها عن شُبهاته. ارتعبت من فكرة أن يُسلَّط أحدهم عليها تهمًا كاذبةً وهي تحمل لها كل الحب والوداد. وقفت جانبًا بحزنٍ، وهي ترى الممرضات تتعاون مع ناجي على حمل صبا إلى نقالة المرضى، فيتحركون بها إلى حجرة العمليات بأيادٍ متكاتفة.
في حين كان رمزي منشغلًا بالتجوال في نفق إيبار، ما لبث أن وصل إلى بداياته. المهمة صعبة وليست بهذا الحد من السهولة، كان عليه التضحية في كل خطوة، وإعمال عقله في تنفيذ تكليفاتهم بدقة ومهارة.
وصل إلى حجرة صغيرة ازدحمت بالكتب المُريبة، جميعها ذات صفحات فارغة، عدا كتاب قاتم اللون، يعتبر من الكتب البدائية في عالم المشعوذين. ليس هذا ما يبحث عنه رمزي، فهو وسيلة مُساعدة لتحديد الاتجاهات وليست غاية. ما لبثّ أن فتح الكتاب إلى أن وجد الكلمات الدموية تظهر في صفحاته بغموض، فتقول:
“الحب دومًا يمثل علاقة آمنة، لكن ماذا إن كان أحدهم يحيقه الخطر؟”
واسترسل كتابة تحمل ألغازًا:
“الألم يتضاعف بقسوة مُرّة حينما يُصيب من يُحب، وليس المرء ذاته.”
حمل رمزي الكتاب وخرج به عازمًا الخروج من النفق، لكن الخروج لم يكن كالعودة. تغيّرت الخرائط وتبدّلت الأبواب، وكأنما الوقت يعاند عقله، فيُدمّر ما تبقى من الوقت من أجل التفكير فقط في الخروج.
الأبواب عدة والمهام مستحدثة، فلا يخرج من لبّ هذا النفق سوى الحصفاء. لكن في الأعلى، خارج نفق بيارون وعلى مسافات بعيدة، تحوي حرصًا من قبل رجال الغفر. اثنان يتجادلان في مَغيب رمزي المستمر عنهم، الريبة بدت تنول من الجميع، فقال الرجل:
_رمزي يغيب كثير، وآني عندي شك فيه.
ردّ الأخير بنفس الشكّ لكن باكتراثٍ متفاوتٍ:
_آني مثلك، بس ما يهمني، خلينا في حالنا!
“غيداء” التي جلست في حجرتها، مُنزعجة من علاقة ازدادت ودًا في الفترة الأخيرة بين چيهان وصبا، الارتياب يضغط على صدرها وهي لا تستطيع إقصاء فكر أخوة رمزي وچيهان، فيبدو الأمر لهما أكبر من ذلك وهي تتذكر حديث الشاب صقر معها منذ أشهر. استضاء هاتفها برقم غريب، وهي بطبعها لا تستجيب لمكالمات الأغراب، لم تعرف لماذا استجابت هذه المرة فبادرت بالحديث، قائلة:
_منو معاي؟
ظهر صوتٌ مألوفٌ على الجهة الأخرى يقول:
_زوچ عمتك، مصعب!
زر الذهاب إلى الأعلى