روايات شيقة
رواية إيبار الفصل السابع عشر 17 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل السابع عشر 17 بقلم رانيا عمارة
في بَداءة اليوم، أبدت عقباتٌ مفاجئة دهشةً على وجه الشيخ “نعمان”، فخرج بخطاه الرزينة يشارك السائق في فحص ماتور السيارة. تحرّكت الأيادي، متوغّلة بين أسلاك المحرّك بدقّة وحرصٍ شديدين؛ فالخطأ الصغير الذي يجذبهما نحوه، يَكنّ لهما أخطارًا يعجز العقل عن تخيّلها. حينئذٍ، اكتشف السائق انقطاع الأسلاك، لا ذوبانها بفعل حرارة الأجواء الحامية، وكأنها بفعل فاعل يمرّ طيفه بينهم في إكنانٍ لا تُبصره الأعين. لكن الشيخ نعمان التقط الحقيقة من بين الهواء، كما يلتقط البدو رائحة المطر من هبوب الرياح، بعينٍ لا تخطئ، وبقلبٍ شرب الحكمة من جفاف السنين. عَلِمَ ما يكمن وراء ستارٍ لا تُلاحظه عَيْنَا أحدٍ سواه، فبينما السائق غارقٌ في حيرته، قال الشيخ نعمان:
_فاضل قد إيه على الداخلة؟
أجابه السائق بأنفاسٍ متقطّعة، تزايدت سوءًا وسط لسعات الشمس القائظة، وفي وجدانه حلمٌ بسيط، لو أنه يعود إلى داره قبل أن تنصهر جلوده:
_فاضل ربع ساعة يا حاج نعمان، لو تقدر تكملهم لواحدك يبقى كويس، أصل سلك البطارية اتقطع….
لامس الأطراف البلاستيكية للسلك بحسرةٍ ساطعة، وتابع:
_عمرها ما حصلت والله، درجة الحرارة تيجي سبعة وأربعين النهارده… بس ازاي؟! السلك مقطوع مش سايح.
بينما استترت حقائقٌ مرعبة وراء ابتسامة الشيخ “نعمان”، حتى لا يستوطن الرعب في هوّته، قال:
_عادي يابني مجراش حاجة… اللهم أجرنا من نار جَهنم يارب العالمين….
وسط دعواته، وهو رافعٌ يديه نحو السماء يدعو بخشوع أن يقصيَ الله عنه لهيب جهنم، وأن يُنعِم عليه بفردوس الآخرة وسط التقيين، استخرج حساب الأجرة من هاوية جلبابه، ثم مدّ يديه بالمال نحو السائق، مسترسلًا:
_خد دول، وأنا هبعتلك أي حد من هناك يسحب عربيتك لحد أقرب ورشة!
استلم “السائق” ماله، وقبل أن يسكنه جيوبه، رفعه ناحية وجهه يقبّله بحمد، كان راضيًا بأقلّ القليل، وقلبه يطفو في بحار القناعة، وقال بوجهٍ تسكنه أمواجٌ حارّة:
_ماشي يبقى كتر ألف خيرك يا حاج نعمان.
تحرّك الشيخ “نعمان” من مكانه بهدوء، متجهًا إلى أقرب الطرق، وهو يقول بنبرةٍ عالية:
_يلا السلام عليكم.
رفع “السائق” ذراعه بإشارةِ وداع، وقال بتبجيل:
_وعليكم السلام يا حاج.
اتّجه الشيخ نعمان في طريقه، يسير بعظمةٍ عنوانها التواضع؛ فكلُّ ما قد وصَل إليه من علمٍ مهيعٌ في نظره، ما هو إلا نقطة في بحر علوم الخالق، فلن يبلغ الجبال طولًا ولو قضى حياته ينبش عن صرائح الكون المخفية.
استشعر وكأن ظلالًا خفيّة تترصّده في كل حركة، تتبع خطواته التي نقشت آثار الزمان على طرقٍ شاغرة من البشر.
علِم أنها مؤامرة صُنعت لتُعرقله عمّا ينويه، خاصةً أنه متّجهٌ إلى أحد المساجد ليقضي صلواته، قبل أن يخرج لعلاج حالات السحر، وفي جوفه رغبةٌ مُتهافتة أن يترك أثرًا طيّبًا في بيوت الضحايا، قبل مغادرته الحياة وسموّ روحه إلى الأعالي. حتى أشار لإحدى السيارات على الطريق، كانت سيارةً سوداء تبدو عليها أمارات حوادث سابقة، بدءًا من تجريح صاجها إلى مرآتها المقلوعة. داخلها رجلٌ يرتدي عباءته والعِمّة البدوية، وبمجرد أن أشار له الشيخ “نعمان”، توقّف، ليجده يقول:
_السلام عليكم، رايح الداخلة يا أستاذ؟
أجابه “الرجل” بتأكيد، مشيرًا له بالركوب:
_إي، تعال!
ركب الشيخ نعمان جانب السائق، وصكّ بابه برفق، فانطلقت السيارة في طريقها إلى مدينة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، متجهة بالتحديد إلى موقع “العوينة” الذي تستوطنه عائلة رمزي وبعض القبائل الأخرى. كان عقله منشغلًا بما سيؤدّيه هذه الليلة من جهودٍ ومشاقٍّ عسيرة، لكنّ النتيجة ستزيل عنه آلام بدنه حين يرى الابتسامة مشرقةً على وجه حالته.
بعد مرور ساعة، عاد “رمزي” من الخارج، محمّلًا بحقيبة بلاستيكية كبيرة، زاهية بلونها الأبيض السادة، يحملها بيدٍ واحدة وكأنه ناشبٌ عبوة حلوى، لا تمثّل ثقلًا على ذراعيه اللتين اعتادتا حمل كل ما هو ثقيل.
كانت چيهان في حجرتها، جالسةً على السرير بحجابها، خشيةً من مجيئه في أي لحظة. الباب مفتوح، وكأنه مستعدٌّ للترحيب بكل زائر، تتأمّل فيما يحضره لها، حتى دخل من باب الشقة، وصكّ الباب برفق، واتجه نحو حجرتها بخطى حثيثة. أمّا هي، فتعمّدت النظر إلى جهةٍ أخرى، وكأنها لم تكن تنتظره أصلًا، وأن هناك ما يستحقّ الاهتمام أكثر من عودته.
لم يرمقها في بداية مآبه، إذ كان صابًّا تركيزه على الحقيبة البلاستيكية التي وضعها على السرير بهدوء، وچيهان لا تزال تتصنّع التجاهل، إلى أن وجّه كلماته لها بصوتٍ حنونٍ نوعًا ما، وقد قال:
_من النهارده متاخديش لبس من حد مهما كان هو مين، أنا جيبتلك لبس ليكي لواحدك، تخيلي اتكلف كام؟
رفعت چيهان نظرها له، متعجّبةً مما فعله، والأغرب حديثه عن تكلفة الثياب، وكأنه ينتظر منها دفع الحساب، لتجده يواصل ببسمةٍ خافتة:
_الكيلو بعشرين، ده أنا طلع عيني في الأسواق عشان أجيبلك حاجة كويسة.
وقعت كلماته عليها كالصاعقة، إذ قالت بغضبٍ واضح:
_الكيلو بعشرين؟ ليه جايب الهدوم من العتبة ولا تكونش جايبهم من بتوع الروبابيكيا؟
ضحك “رمزي” ضحكةً هادئة، وازداد سرورًا كلما رآها في ذروة حنقها، لكنه أجابها بمرحٍ خفيف:
_مبتهزريش ولا إيه يا أبلة چيهان؟!
ركّزت چيهان نظراتها تجاه الجدار، وجسدها يهتزّ غضبًا، فتابع “رمزي” بمزاحٍ لطيف:
_متقلبيش وشك أوي كده! أنا قولت ألطف دنيتنا بدل ماحنا لابسين الوش الخشب لبعض… على العموم أنا كنت بضحك معاكي، والحاجات دي اعتبريها هدية مني ليكي، والهدايا بالذات مفيهاش سعر ولا غيره!
نهضت “چيهان” من سريرها بوجهٍ متجهّم، رافضةً قبول أيّ شيء منه، وإن كانت كلمة قد تغيّر مجرى حياتها نحو السعادة، وقالت برفضٍ رهيف:
_أنا وإنت مفيش بينا هدايا، عشان أنا لا أختك ولا مراتك، أنا واحدة إنت خطفتها من وسط أهلها عشان أبوك ينفذ وعده، وخلتني قاعدة وحيدة بين ناس معرفهمش… حطتني في دنيا ومكان أنا مش حاباهم، وكمان بتحاسبني على طريقة لبسي ولا كأن في بينا حاجة، مش كفاية كلمتني بأسلوب زي الزفت قصاد بنت خالك دي؟
ردَّ “رمزي” بانفعالٍ مفاجئ، قائلًا بعتاب:
_وإنتي ليه تخرجي من الدار بالمنظر ده؟ مش عاملالي لا إحترام ولا خاطر بما إني أخوكي قصاد العالم اللي حوالينا… وبعدين تعالي هنا هو إنتي فاكراني عشان بكلمك حلو يبقى أنا نسيت كلامك لما قولتيلي إنك بتكرهيني؟
وضعت چيهان يدها على خصرها باحتدامٍ واضح، وهو يردف بتوبيخ:
_عملتلك إيه عشان تكرهيني كل الكره ده؟ ده أنا عملت وياكي اللي معملتوش مع مخلوق على وجه الأرض! هو أنا خاطفك بمزاجي ولا حابب اللي إنتي فيه؟ وبعدين مين قالك إني خاطفك؟ هو في حرامي هيجيب للي خاطفها هدوم برضه؟
سألته “چيهان” بتعجّب، وقالت محاولةً الوصول إلى الحقيقة:
_وإنت تجيبلي لبس ليه أصلًا؟ في إيه بينا يخليك تعمل كده؟
أجابها “رمزي” بغضبٍ يتسرّب من حروفه:
_هو لازم يكون بينا حاجة عشان أخاف عليكي من نظرات الناس وشرهم؟ مش يمكن حسيتك زي أختي؟ رغم إني وحيد يعني وأبويا وأمي مخلفوش غيري.
ردّت “چيهان” بوضوحٍ مؤلم:
_وأنا مش هقولك إنت زي أخويا عشان يوسف الله يرحمه كان تقي ويعرف ربنا، يخاف يجرح الناس ولو بنص كلمة، من البيت للمسجد ومن المسجد للبيت، مش ساحر بيقرأ في شمس المعارف ويحضرهم حواليه عشان ينفذوله اللي نفسه فيه بضغطة زرار….
احتدّت نظراته بعد حديثها، كأنها أشعلت النيران فيه عن عمد، اتّسعت عيناه، وتزايدت أنفاسه، وهي تواصل بتنديدٍ ونظراتٍ استحقارية:
_قضى عمره في القرب من ربنا مش أذى الناس.
جزَّ “رمزي” على أسنانه، ومعالم وجهه تتحوّل إلى عاصفةٍ لا تهدأ، قائلًا بصياح:
_أيوه أنا ساحر وعيشت واتربيت مع أبويا اللي كان هيدبحك زي ما عمل مع غيرك لأجل الفلوس، بس بسبب الساحر اللي إنتي مش راحماه وكل ما تشوفيه تبصيله باستحقار، كان زمانك تحت التراب دلوقتي، لولايا كان زمانك انتهيتي على يده، بعد كل ده مش عاجب ومصممة تكملي عليا، وأنا مش عايز الغضب اللي جوايا أطلعه عليكي عشان إنتي لحد دلوقتي مشوفتيش وشي التاني!
وطأت “چيهان” يديها على الجدار بصراخٍ، وقالت بقهرٍ:
_كفاية تهديد بقى، أنا تعبت! أنا مش عايزة منك حاجة، عايزاك تسيبني في حالي، ومش هاخد منك لبس ولا غيره عشان أنا وإنت ملناش أي صفة في حياة بعض!
ردّ “رمزي” بحدّة، وكان قراره حاسمًا لا يقبل التغيير:
_اعملي اللي تعمليه لكن أشوفك برا بالمنظر ده تاني، صدقيني إنتي اللي هتزعلي….
التفّ ناحية الباب مستعدًّا للخروج، وتابع بتكليف:
_اعملي حسابك إننا هننزل لناجي نباركله كمان شوية، لكن اللي بيني وبينك منتهي بعد كلامك اللي قولتيه!
تفوهت “چيهان” بثباتٍ مصطنع:
_احنا أصلًا مفيش بينا حاجة.
أوصدت چيهان الباب وراءه بتضايّق، ووقفت حيال المرآة تتفحّص ملابسها التي أثارت سخطه. حولها، كانت الأضواء تنبعث من النافذة المفتوحة على مصراعيها، كاشفة جمال الصحراء وبهاءها الخاص. الشمس تخرج مبتسمة، متفائلة بيومٍ مشرق.
لامست عباءتها اللافتة لتجدها شديدة الجاذبية، تيقنت من عدم ملاءمتها دينيًا وأخلاقيًا، تلك التي تُبرز حدود جسدها. شعرت أن رمزي كان على حق منذ البداية، لكنّ سبب غضبه غير المقنع ما زال غامضًا، خاصة أنهما لا يشكلان لبعضهما أي رابطة.
ألقت نظرة هادئة تحوي حزنًا دفينًا ناحية الباب المغلق. بينما في الخارج، وقف رمزي على سطح المنزل يفكر في رحلته القادمة برفقة ناجي، تلك التي قارب موعدها. رغم ذلك، كانت أحاديث چيهان تتراقص في ذهنه مصدرة هزة نفسية، فالخروج من تحت الحطام لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى ليالٍ تنزع الأذى بأيادٍ معاونة. فهو بين طريقين أصعب من بعضهما: الاندثار والإياب العسيرين.
كان يشاهد الطيور في سماء الحرية متخيّلًا ذاته طيرًا حرًا يومًا ما، بعيدًا عما يبترون له جناحيه بمقص الاستبداد. كلما ظهر شجاعًا ونطق بقساوة في صوته، أحسَّ بالضعف يغمره وهو بين عينيها الرهيفتين، كانت مرآة يرى بها عيوبه ومشكلاته التي لم يرها من قبل.
في منزل عائلة هشام، اجتمعوا في حجرة الضيوف داخل مقطنهم البسيط الذي غلبه طابع الريف، حيث الوسادات متراصة على الحصير، متساندة بجوار بعضها في نظامٍ محكم. جميع أفراد الأسرة مجتمعون في جلسة حوارية يعاتبون ابن الأكبر “هشام” عما تفعله زوجته معهم من تصرفات دنيئة لا يستحقونها. يشاركهم الحديث أخوته الكبار: عبد الحليم وأسعد.
قبالة الجميع، كانت أكواب الشاي. منهم من احتساه وواصل حديثه، والآخرون انهمكوا في التعبير عن تبرمهم. وفي وسط الحديث، قال “عبد الحليم” بنبرته الجافة الخالية من أي تعاطف:
_والله يا حاج ميشغلناش، أختنا اتجوزت ابنكم من غير رضانا وأجبرتنا عليه، مشاكلهم دي بقى يحلوها بينهم وبين بعض، احنا كل واحد فينا فيه اللي مكفيه.
رد “عبد السميع” متابعًا شكواه، بغضبٍ قاهر:
_واحنا نلچأ لمين غيركم بس يا أستاذ عبد الحليم؟ أختكم ليل نهار تشاكل في حماتها وتغلط فيها، ولا عاملة اعتبار لا لچوزها ولا لينا.
تلفّظ “هشام” بجلبة، مبديًا استنكاره لما حدث:
_ما خلاص يابا بقى إنت عاوز تسيحلنا قصاد الخلق وخلاص؟ وهي هناء هتعمل كل ده ليه؟ دي واحدة حامل وتعبانة ولا فيها خلق للمشاكل من الأصل.
وجّه “عبد السميع” جداله نحو أسعد، وقال بعتابٍ:
_آني راضي ذمتك يا أستاذ أسعد، بجى يرضي ربنا إن مرات ابني تكون حبلة في أربع شهور ومحدش يبلغنا غير بالصدفة؟
العدل دومًا يتطلب قول الحق باستقامة صارخة، لذلك أجابه “أسعد” بعدالةٍ:
_لا ميرضيش ربنا، وأنا لما عرفت قولتلها بلغي حماكي وحماتك عشان ميزعلوش منك وياخدوا على خاطرهم، يعني عداني العيب وأزح، هي اللي دماغها ناشفة ومش بتعمل غير اللي يريحها.
دخلت “حنان” الحجرة بخطى مثقلة، ملآنة بأسى السنوات التي عاشتها بجوار خسيسة تجهل الأصول، وقالت بعيونٍ باكية:
_وهو يرضي ربنا من يجي كام يوم تتشاكل معايا وتقولي إنتي هتقارني نفسك بيا يا ولية يا جاهلة؟ ده أنا معايا بكالوريوس ومُدرسة قد الدنيا… هو عشان أنا ربنا مكتبليش العلام تقوم أختكم تعايرني بحاجة مختارتهاش؟
أجابها “عبد الحليم” بإنصاف، قائلًا بلا تحيّز:
_حقك على راسي يا حاجة حنان، احنا هنبقى نكلمها في التليفون نهديها من ناحيتك شوية، يمكن قلبها شايل منك في مشكلة قديمة ولا حاجة.
خرج “بسام”، الأخ الأصغر لهشام، عن صمته، فكان شاهدًا على معاملة والدته الرحيمة مع هناء، ما شكّل تعقيدًا مضاعفًا وهو يرى الأمور تنقلب لصالحها:
_ولا حصل، أمي شايلاها على كفوف الراحة، وبعد الجواز لما عملت العملية إياها كانت هي اللي بتخدمها برموش عينيها… يعني احنا سكتنا فُلة والحمدلله، هي اللي قلبها أسود ونيتها مش سالكة.
نهض “هشام” متشبثًا بأخيه، صائحًا في وجهه، بينما الجميع ينهضون بقلقٍ من حولهما، كل منهم يحاول الفصل بينهما، فقال:
_احترم نفسك، إنت هتخيب ولا إيه يالا؟ إياك تجيب سيرة مراتي بحاجة وحشة على لسانك وإلا قسمًا بالله ههينك قصاد اللي قاعدين، فاهم ولا أعيد الكلام تاني؟
جذبه الرجال بعيدًا وهو لا يزال في ذروة غضبه، مثبتًا نظره نحو أخيه الساخط، حتى خرج بسام من الحجرة صائحًا، تاركًا هشام يجلجل بصوته بين الموجودين. في تلك اللحظة المشحونة بالشجار، أزاحه الأخوان “عبد الحليم” و”أسعد” ليعاود الجلوس، حريصين على تلطيف الأجواء، فيما قال عبد الحليم:
_اهدى كده وصلي على النبي، متدخلوش الشيطان بينكم، اللي اتكسر يتصلح، مجراش حاجة.
جلس هشام محتدمًا من كل حواسه، يشعر بطاقة ملتهبة اجتاحته، حيث النيران تفور من صدره مسببة أزمة نفسية، فيما كان الرجال جالسون من حوله مبدين نصائحهم لإنهاء تلك المشكلات التي منعتهم عن الحياة، وحولهم حنان تذرف الدموع من عينيها بحسرةٍ إذ كانت تتمنى لو أن زوجة ابنها تصب عليها الحب صبًا، لكن القدر كتب شيئًا متنافرًا، فخرجت من الحجرة متجهة نحو المطبخ لعلها تجد في غسل الآواني راحةً فقدتها.
في محفل العروسين، بين الأثاث الجديد وروائحه السائغة المختلطة بالعطر الفائح، كانت چيهان قد جلست مع عروس ناجي المدعوة “صبا”، كانت ملامحها بسيطة، قريبة من مزيج أهل البدو والصعيد، تمتلك بشرة بنية فاتحة، قامتها تتراوح بين المائة وسبعة وخمسين سنتيمترًا، أما جسدها متوسط القوام كالغصن المياد، متشحة بعباءة بيضاء تناسب أجواء العروس، وقبالتهما على الأريكة المقابلة كان رمزي وناجي، كل منهما يحتسي مشروبًا باردًا.
أتت چيهان بعباءة واسعة كما ترعرعت، فقبل أن يعترض رمزي على زي لافت هكذا، منعتها مبادئها السامية عن التنفيذ، فبينما تعرفت على العروس ولامست في شخصيتها بُعدًا أخلاقيًا، والأخيرة ارتاحت لمعرفتها، قالت ببسمة مشرقة:
_نورتينا يا چيهان إنتي ورمزي، رحت لك والله يرضى عليك اللي خلاني أحبك.
ردّت “چيهان” بابتسامة لطيفة، وقالت:
_وأنا كمان، تسلميلي على كلامك.
انقطعت أحاديثهما فجأةً على صوت “رمزي” الذي خرج عن المألوف، فبعدما ارتشف مشروبه ووضع الكوب جانبًا، رفع صوته كأنه قاصد أن تسمع چيهان الحوار، قائلًا بتلميح وهو يحادث ابن خاله لكنه يرمقها في نفس الوقت بأعين حادة تعاتبها:
_يا ولد الخال، جولي بالله، لو واحدة من هالناس زعلِت إنك ما سألت عنها، وچات وجالتلك بكرهك، وش تكون دنيتها وياك؟
ضحك “ناجي”، وأجابه دون أن يعرف المقصد الحقيقي وراء سؤاله الغريب، قائلًا بعفوية:
_سهلة، تكون طايحة في غرامك طيحة ما لها آخر، ما هي الحرمة ما تعاتبك إلا وإنت فارج معها واجد، أما إن سكتت؟ يبجى ما لك جدر عندها من الأصل.
أصغت چيهان وصبا لحديثهما، لكن چيهان التي تلون وجهها بحمرة الخجل، سعلت بقوة وكأن كلماته توقفت في حلقها، فبعدما أدار “رمزي” وجهه نحو ناجي، أعاد بصره إلى چيهان بدهاء لطيف، وتابع:
_يعني آني فارج معها هالدرچة؟
لاحظ “ناجي” أن رمزي يرمق چيهان وهي صامتة لا تنطق، بدلًا من أن ينظر له، ما يوحي بألاعيب كامنة في وجدانه، فوضع الكوب جانبًا، وسأله بحيرة:
_إنت وش تجصد؟ عن مين تحچي بالضبط؟
غير “رمزي” مسار الحديث حين اشتد الإحراج على معالم وجه چيهان، وقال:
_لا ولا شي… لا تشغل بالك! بعد شهر العسل، أبغاك بمشوار مهم، وآني واثج إنه ما حد يجدّر عليه غيرك إنت.
قهقه “ناجي” متخوفًا من طلبات رمزي، وقال بتردد:
_تخوّفني من طلباتك…
لكن “رمزي” طمأنه قائلًا بابتسامة:
_لا تخاف، هو الطلب صعب، بس إنت جدها وجدود… ولازم تحط يمينك بيمين ولد عمتك، اللي ما له سند غيرك.
أشار “ناجي” على كل عين تارة، وهو يقول بتلبية:
_من هالعين جبل هالعين، إنت تُأمر، واحنا ننفذ.
ارتشف ناجي مشروبه للمرة الأخيرة، ثم وضع الكوب على المنضدة أمامه متحيرًا في أمر رمزي، إذ كان يظن أنه يضمر خفايا عدة في وجدانه، فقد كانت نظراته إلى چيهان توحي بكلمات لا تُقال، حتى فتحت العروس “صبا” مواضيع تزيح عن كاهلهما التوتر.
في منزل الدميري، ساد الصخب في الطابق الأخير، حيث اجتمع أخوات هناء في منزل والدهم برفقة أطفالهم الذين كانوا يلهون في كل ركن من شقة الجد “عصام”، غير عابئين بالمشكلات التي رفعت الأصوات من حولهم، أما الكبار فانهمكوا في التعبير عن آرائهم بصياح يرهق الآذان. قد فتح “عبد الحليم” جوانب الموضوع مع أخته “هناء” معترضًا على أسلوبها مع حماتها، فـ”من لا يعظم الكبار لا يبجله الصغار” في حياة عادلة تعطي كل ذي حق حقه.
بينما في الأسفل كانت ريم داخل حجرتها في انتظار ظهور نتيجة الامتحان بخوف جَلل، خاصة بعد أن راودها كابوس مفزع ليلة أمس، إذ سقطت أسنانها بدماء بعدما تفتتوا ليصبحوا كالقمح المطحون في فمها، وكلما انتابها ذلك الحلم خسرت أشياء بعدد ما فقدت أسنانًا. كان عمرو يطمئنها بصوته الرؤوف وينزع عنها مخاوفها ببراعة مُحب.
كان موقع الجامعة متثاقلًا خاصة أن جميع طلاب الفرقة الرابعة في انتظار النتائج النهائية، وبعد بحث مرارًا وتكرارًا، ونبضات كالطبول الصاخبة من قوتها، ظهرت النتيجة في المحاولة الأخيرة.
كانت “ريم” متخوفة أن تبصر نتيجتها، وشعور ما يخبرها بالانهزام في رحلة كافحت فيها ليالٍ، لكنها تمالكت ذاتها، ونظرت في نتيجتها لتجد نفسها رسبت في مادتين. تزايدت نبضاتها، ارتعش جسدها، وعيناها مصدومتان، كأن غشيانًا من عاصفة حارة تنمَّس جسدها.
كيف رسبت بعد كل ما بذلته من مجهود شاق؟ حضرت معظم المحاضرات، ذاكرت موادها بجهد، اشترت المراجعات النهائية، حفظت الأسئلة الهامة التي ستسكن ورقتها، وبعد ذلك كله لا شيء.
خرجت الدموع من عينيها بمرارة الفشل، منتحبة بحرقة لازعة، إذ اتصل عمرو عليها يطمئن على أخبار نتيجتها، ليجدها تقول ببكاء حار:
_شيلت مادتين يا عمرو، أنا حاسة إني هيحصلي حاجة، ليه بيحصل معايا كل ده؟ أنا عملت إيه في دنيتي عشان أخسر كل حاجة؟
شعر “عمرو” بجراحها، فليس هناك أصعب من أن تسعى للنجاح وتخسر رغم الظروف التي حاربتك ومن سعوا لدمارك، فقال بنبرة مواسية، مقدمًا الدعم:
_اهدي بس ومتعيطيش! أنا جايلكم نشوف الموضوع ده سوا، متعيطيش بس بالله عليكي، كل حاجة وليها حل!
نهض من مكانه وهو يستمع لنحيبها المتواصل، وتابع كلماته بحنان:
_متعيطيش يا ريم عشان خاطري، أنا مسافة الطريق وهكون عندكم، بس اهدي!
ظل يقدم لها المعونة بحديثه العذب وكلماته الساعفة لروحٍ كسرت على أيدٍ خبيثة تسعى لنشر الفساد على الأرض، حتى دخل حجرته مرتديًا ثيابه ليذهب إلى دارها ويتقابل معها ويهدئ من حالتها وجهًا لوجه. فتبادل الأحاديث عبر الهاتف لن تخفف من وطأة حزنها، أما هي فألقت هاتفها على السرير بقسوة، وغمرت رأسها في حجر وسادتها، وهي تصرخ قائلة:
_ليه كده؟ هيحصل إيه تاني أكتر من اللي حصل؟ صحابي وفقدتهم ومحدش فيهم هاين يسأل عليا كأنهم استغلوها فرصة، اللي حبيته زمان كسرني وداس على قلبي واتجوز غيري، حتى أهلي تعبوني وتعبت من قسوتهم يارب، هي الدنيا مستخسرة تشوفني مبسوطة وأنا ناجحة زي بقية زمايلي؟
ظلت تضرب بيدها على سريرها بعنف، كأنها تعاقبه بدلًا ممن تسببوا لها في أذى لا يرحم، متابعة بصراخ:
_اشمعنا أنا؟ ليه أنا ليه؟ عملت اللي عليا وذاكرت وتعبت هعمل إيه تاني أكتر من اللي عملته؟ يارب ارحمني برحمتك، أنا تعبانة مش قادرة أستحمل أكتر من كده!
رفعت رأسها وهي لا تزال متوجعة مما شهدته من أحداث عسيرة في حياتها، جعلت جسدها ساكنًا بلا روح، فالدعم لم تجده من أقرب الأقربين، إذ كان الجفاء أساس حياتهم الذي لا يقدرون العيش بدونه.
ظلت الدموع تنهمر بلا توقف حتى احمر وجهها من شدة الظلم الذي عانته، فمَن يحاربها لا يترك لها بابًا إلا وهدمه فوق رأسها، ولا يرتاح أو يغذي مرضه النفسي إلا وهي محطمة وعلى شفا الانهيار.
كانت لحظة مناسبة لأن يوسوس لها الشيطان بالانتحار، وهو يفاقم لها مشكلاتها بطريقة لا تُحتمل، لكن على الرغم من ذلك، تماسكت وأنجت روحها من خلال الحوقلة التي رددتها على لسانها بمواظبة، عسى أن تهون عليها عوائقها.
بعدما أدى رمزي وچيهان دورهما في زيارة العروسين، كانا قد خرجا للتو كل واحد إلى مكان مختلف، فچيهان قد صعدت إلى مسكنهم، وهو خرج نحو الخيام يعبث مع الجِمال المارة. لكن چيهان خرجت بمفردها من الدار تبحث عن المسجد دون أن تأخذ غيداء أنيسة معها، إذ لم تحب أبدًا أن تشغل الآخرين بأمورها، خوفًا من أن ترى في أعينهم بريق الملل، لذلك اعتمدت على نفسها، وسارت تسأل المارة في الشوارع حتى وصلت للمسجد المطلوب.
كان المسجد شامخًا بقباب بيضاء تتلألأ تحت الشمس، ومآذن عالية مزخرفة تنطلق نحو السماء. ساحته مرصوفة برخام لامع تحفها النخيل، وأبوابه الخشبية تفتح على قاعة مضيئة يتسلل إليها نور النهار عبر نوافذ ملونة، فيرسم على السجاد مشهدًا مهيبًا.
داخله رجال الدين يقضون صلواتهم الفائتة، لم يكن عددهم كثيرًا بل كانوا معدودين على أصابع اليد الواحدة، فيما بينهم رجل يبلغ الستين عامًا، لحيته البيضاء تلونت ببعض الشعرات السوداء، وكأنه لم يعجز كليًا، فصحته لا تزال متواجدة، حيث الجلباب الريفي يكسيه. كان جالس على أرضية المسجد يدعو الله بنبرة مسموعة ما دل على تقوته المتمايزة.
اقتلعَت “چيهان” نعلها ووضعته جانبًا، ثم تقدمت نحوه تسير ببطء عنوانها الحياء حتى وقفت قبالته، وقالت بنبرة لطيفة:
_السلام عليكم.
رمقها الشيخ “نعمان” بنظرة أولى سريعة وهو ينظر إلى المتحدث، ثم أنزل نظره عنها باحترام، وقال:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ترددت “چيهان” في كلماتها، إذ قالت بتلجلج:
_ممكن أستشير حضرتك في حاجة يا سيدنا الشيخ؟
رد الشيخ “نعمان” بموافقة رغم استعجاله:
_اتفضلي بس بسرعة لأني ورايا شغل!
تفوهت “چيهان” بحياء في صوتها، متربعة قبالته، لتبدأ البحث عما يشغل عقلها قائلة:
_أنا عايزة أحكيلك حاجة، اعتبرني زي بنتك يعني…
وتابعت بخجل وهو لا يزال منصتًا إليها، مداعبًا سبحته التي لا تفارق يديه أبدًا:
_أنا اتخطفت هنا من واحد للأسف بيستخدم السحر والأعمال، وارثهم من أبوه، هو غير رأيه عشان يساعدني بدل ما يإذيني وكتر خيره، بس أنا كل ما افتكر إنه له في السكك دي قلبي بيوجعني أوي….
قاطعها الشيخ “نعمان” والكلمات لا تحضر كاملة في عقله، غير متفهم لما تقصده، ولإكمال أطراف الحديث الناقصة، سألها:
_إنتي بتتكلمي عن إيه، أنا مش فاهم منك أي حاجة، مين ده اللي خطفك؟ وخطفك ليه وعشان إيه؟
تنهدت “چيهان” في خوفٍ من أن تصطدم مع رمزي لاحقًا ويقع ما لا يُتوقّع، لكنها زفرت بتحيّر جليّ على وجهها، وأجابت:
_في يوم كنت خارجة من بيتنا رايحة أشتري حاجة، لقيت واحد ماشي ورايا، حسيت قلبي اتقبض وهو متابع حركاتي، فجأة وقفني وعمل حجة إنه بيسأل على حاجة ومن بعدها سحبني وشممني مخدر، ولما فوقت لقيتني في بيت أبوه الساحر اللي بيإذي الناس….
شُدَّه الشيخ نعمان وهو يستمع لحكايتها الغامضة، تلك التي لم يقابل مثلها في حياته، وقد ظهر مهتمًا ومُصغيًا لها وهي تروي له حقيقتها المؤلمة، فكانت دموعها تتساقط على ثيابها بشجنٍ، وكأنه القشة التي تشبثت بها في أعماق الضياع. إذ كانت تشرد في منتصف الحديث وتنسى، لكنها سرعان ما تتذكر وتتابع وصفها القاسي لما مرّت به.
على جهةٍ أخرى بعد نصف ساعة، كان “رمزي” يسير في الصحراء جاذبًا الجمل بحباله، حتى چيهان خُصِّصت لها ناقة فاتنة لتمرح معها ليلًا وتخوض تجربة أمورٍ مستحدثة لم تقابلها من قبل. أوقف الجمل والناقة جانبًا، وأمر أحد صبيان البدو، الذي يبلغ عمره خمسة عشر عامًا، بأن يخصّص هذه الجِمال من أجلهما، فقال مُنبهًا:
_دير بالك عليهم، بالليل بچيب أختي ونطلع على الچمال، أطعمهم وهدّي عليهم لين نرچع بالليل!
نشب الصبي حبال الجِمال بحركةٍ حنونة، وجذبهما نحوه، وقال باستجابة:
_حاضر يا رمزي، الچمال بين عينيّ.
خرج “رمزي” من بين الصحراء يترنح بخطواتٍ رجولية واثقة، إلى أن دخل منزل الخال، وصعد إلى موطنه الصغير الذي يسكنه بعد يومٍ طويل من التعب. كان قد قرر أن يرتاح على السطح ولو لساعة، استعدادًا لسهرة ممتعة في الليل بين شوي اللحوم وركوب الجمال. لكنه أثناء مروره قبالة غرفة چيهان، أثار الصمتُ المحيط قلقه، فالباب قد فُتح على مصراعيه، وچيهان لا تظهر في الداخل ككل مرة، ما جعله يتجول في كل ركن وينادي عليها بلا جدوى. حينها، نزل مسرعًا إلى شقة خاله وطرق الباب بعنف، وأنفاسه تتسارع خوفًا عليها.
خرجت غزالة من المنزل، لتجده حيالها بوجهٍ مذعور، فسألها:
_ويّا يا مرات خالي، چيهان عندكم وإلا وين؟
أجابته “غزالة” باستنكارٍ لوجود چيهان في دارهم:
_چيهان مش موچودة، هي غايبة ولا شنو؟
استفسر “رمزي” عن موقعها، والقلق يتراقص على شفتيه، قائلًا:
_يعني مطلعتش مع غيداء؟
ردّت “غزالة” بوضوح، مؤكدةً أن غيداء مستلقية في حجرتها:
_غيداء في أوضتها، هم جبل كام ساعة جالوا بيدوروا يروحوا المسچد، بس رچعوا تاني وما أدري إيش صار.
بعدما علم “رمزي” مكانها، اشتدّ غيظه، خاصةً عندما خرجت دون الاستعانة بأحدهم، فهي دخيلة بينهم وتجهل أركان البلدة. حينها قال:
_ماشي يا مرت خالي، بروح أشوفها في المسچد، سلام عليكي دلحين.
خرج ناظرًا حوله لعله يجدها في طريقه، سار باضطرابٍ يضغط على رأسه، خشية أن تكون تشردت بين الشوارع. خوفه عليها كان أضخم من سخطه منها، فإن أصابها مكروه لن يسامح نفسه طوال الحياة، بل سيبكيها ويجلدها بقساوة، متسائلًا في قراراته لماذا تتصرّف بمفردها دون اللجوء إليه، فهل تعتقد أن عَوزها له مذلة أم تحب شعور الاعتماد؟
أما في المسجد، فقد أنهت چيهان روايتها الآسية مع الشيخ “نعمان”، الذي نهض وخرج موازيًا لها بتأثّرٍ ظهر على صوته. كان يسير بتباطؤ وهو يحدثها بروح أبٍ بديل فقد نعمة الإنجاب، وخاطبها بنصح واعظ، قائلًا:
_خلاص يا بنتي، أبقي عدي عليا بكرا بعد الضهر في المسجد، عشان أنا النهارده ورايا حالة روحانية، أعزك الله ورعاكي.
خجلت “چيهان” من رجلٍ شريفٍ لاحظت فيه بُعدًا إنسانيًا لم تقابله مثله في حياةٍ اندست فيها دون اختيار، فقالت بابتسامة لطيفة:
_شكرًا، وأسفة لو عطلت حضرتك، أنا كنت محتاجة اللي يسمعني ويرشدني أعمل إيه.
تبسم الشيخ “نعمان”، مظهرًا سخاءه في تقديم المشورة حتى وإن كان السائل غريبًا لم يصادف وجهه من قبل، وقال:
_ربنا يحفظك ويستر طريقك.
ظهر رمزي فجأةً مندهشًا من تواجد چيهان عند المسجد بجوار شيخ يعد غريبًا عنها، ما زاد من وهج الامتعاض ابتسامتها اللطيفة له، فهي منذ أول ليلة قابلت رمزي فيها لم تظهر قبولها له حتى ولو عن طريق بسمة خفيفة. اقترب منها بثقل، وعيناه لا تغادرانها، كأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ منهما.
أما الشيخ نعمان، فما إن قابله رمزي حتى عرف أنه المقصود، كمن على رأسه وشاح يوحي بصواب قولها. ولم تقتصر معرفته عليه فقط، بل عرف والده “مصعب” الساحر الذي طغى بشره ونزع السعادة من بيوت الأسارير. رمقه بغضب تقي، وسعى لمحاربة الجنوح بسلاحه الفتاك “المصحف الشريف”.
كانا ينظران لبعضهما في صمت بقلوب حانقة: منهم من استغل الطلاسم في ضراء الناس، والآخر حاربهم بآيات القرآن العظيمة، مقدسًا مكانتها الجليلة. وچيهان تتابعهما مندهشة من نظراتهما، وكأنهما يعرفان بعضهما جيدًا من قبل.
خرج الشيخ “نعمان” عن صمته، ووجه نصحًا خالصًا بلا زيف، فقال بحدة في صوته:
_اتقي الله، إنت لسه شاب في عز شبابك وعمرك اللي بتضيعه في أذى الناس هيتقلب عليك بالدمار، فوق قبل فوات الأوان، محدش هينفعك!
لكن إجابة رمزي لن تكن عادية بالمرة، فقد عبر الشيخ نعمان حدودًا لم يكن من حقه تجاوزها. من هو ليفرض آراءه ونصحه له دون أن يعرفه؟ شعر رمزي بجمرة نارية تشتد في بدنه، بينما ظل الشيخ محدقًا به بقسوة لم تنبع من إنسان لعين، بل لأنّه رغب في إصلاح مسار رمزي الذي تحطّم بما يخالف الدين.
خروجه عن رحمة الله كارثة لن يشعر بها سوى بعد فوات الأوان، حينها سيدرك قسوة الشيخ نعمان التي آتت من قلب راشد عامله وكأنه ابن يخشى عليه عدالة إلهية ستصعقه صعقًا.
يتبع..