روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رانيا عمارة 

المعونةُ هي المحبةُ كلُّها، وإن غابتْ، غابَ معها كلُّ جميل، وما يرفعُ الإعزازَ درجاتٍ ليس منحَ هديةٍ ماديةٍ غاليةِ الثمن، إنما ثمنُها الحقيقيُّ هو التقديرُ ذاته. أحيانًا تكون العطايا معنوية، تأوَّلُها لمسةٌ حنونة، كلمةٌ طيبةٌ تبدِّدُ مثالبَ القلوبِ الشقية، خاصةً فؤادًا انشطر نصفين في غياهبِ الفراق.
العويلُ الذي أرغمَ سيقانَهم على التعجيلِ، وجَّهَهم جميعًا إلى الطابقِ الأخيرِ بوجوهٍ متعطشةٍ لمعرفةِ الحدثِ الكارثيِّ الذي شرخَ دارَهم من فورته. فأوقاتُ النومِ التي ترتاحُ فيها الأبدانُ بعد يومٍ شاقٍّ، تحوَّلتْ إلى صرخاتٍ تمزِّقُ القلوب.
چيهانُ التي انهارتْ صارخةً، وغزالةُ تحاولُ إخمادَ ذعرِها بربتاتِها الحنونة، كان جسدُها أشبهَ بجبلٍ متينٍ تأثَّرَ في لحظةٍ بزلزالٍ قويٍّ دكَّه دكًّا.
قاربتْ منها غيداءُ وزوجةُ أخيها، تواسيانِها في خوفِها، والدماءُ تسيلُ من جرحِ ساقِها الغائرِ إثرَ الحادث، وبينما “غزالةُ” تربِّتُ على ظهرِها بشفقةٍ، سألتْها:
_هدي روحك يا چيهان، ربك سترها خلاص، الله يحفظك… هدي روحك، احنا وياكي!
شهقت “چيهان” بأنفاسٍ متحجِّرة، وبحروفٍ متفرِّقة قالتْ برجفةٍ قويَّة:
_كان في إيده سكينة… كان هيموتني يا طنط!
اِحتوتْها “غزالةُ” بأناةٍ إلى صدرِها العطوف، وأخذتْ تمرِّر كفَّها على رأسِها، تُغلِّفُها بأمانٍ خسرَتْه في معركةٍ كادت أن تُلقي بشَعوبِها، فردَّتْ عليها بلينٍ:
_بعد الشر عليكي، إن شاء الله اللي سوا العاملة السودة دي ينصاب، وأهم حاچة إنك طيبة وبخير.
نطقت “صبا” زوجةُ ناجي، موجِّهةً غيداء إلى ضرورةِ إسعافِ چيهان بعدما شابتْ شعراتُها إثرَ الدماءِ المسيلة، فقالتْ وهي تُزيحُها بتحفيزٍ، قائلةً:
_انزلي بسرعة يا غيداء، چيبي لها شنطة الإسعافات وطلعّيها الحجيها!
أصغتْ غيداءُ لأمرِها ونزلتْ في الحالِ إلى طابقِهم، إذ كانت صبا في هذه اللحظةِ تُربِّتُ على كتفي چيهان بمساعدةِ غزالة، وتحركانِها إلى الأريكةِ في الصالةِ بخطى متمهلة، فيما كان فهيمُ وناجي يقفانِ على السطحِ يترصَّدانِ اللصَّ المُروِّع، يخطوانِ في كلِّ صوبٍ بترقُّب، والشجاعةُ تدفعُهما لمعركةٍ فتاكةٍ إن سقطَ اللصُّ في قبضتَيهما، متوعدَينِ له أشدَّ وعيدٍ.
حاصرَ ناجي الحيَّ ببصرِه متحدِّيًا ظلمتَه، لعلَّه يجدُ المُجرمَ بين حواذقِ المنازل، متجوِّلًا بغضبٍ وصرخاتُ چيهان لا تزالُ تتغلغلُ إلى مسمعَيه، وقد وقفَ “فهيم” قبالتَه بتردُّد، وقال:
_هالباب ذا لازم يتركب له باب حديد من برا، والچدار اللي بينّا وبين الديار يتركب له زچاچ، عشان لو حد نط تاني يچرح نفسه.
كان حلًّا ملائمًا في ظلِّ رعبٍ يحيقُ بهم، وكأنَّه ذئبٌ بأنيابٍ باترةٍ يترصَّدُهم، يعرفُ مواعيدَ نومِهم، وأوقاتَ خروجِهم من الدار، يبدو أنَّ أحدَهم أرسلَه خصيصًا للانتقامِ من رمزي، في مَن خشِيَ قلبُه عليها ريشةً تجرحُ براءتَها، بينما “ناجي”، الذي اقتنعَ بفكرةِ والدِه وأيَّدَها بقوَّة، قال:
_كلامك عدل يا بوي الحاچ، بس هالحين الخلج كلها نايمة، ولو روحنا للامتداد ما نضمن نلجى حداد، الأزين ناخذ چيهان لتحت، وبكرا من يطلع النور نروح نچيبه.
اقتنع “فهيم” بوجهةِ نظرِ ابنه، فقال باتفاقيَّة:
_خلاص توفّجنا، بس أول شي نطّمن على چيهان، يِبين چرحها ما هو بسيط.
دخل فهيم، وعلى عقبه ناجي، يقفانِ بجوارِ بعضِهما قبالةَ النساءِ وهنَّ يُواسينَ “چيهان” في بليَّتِها، تلك الباكيةِ التي انتُزِعتْ من فوهةِ الأمانِ لتجدَ ذاتَها فجأةً بين الأغراب، خسرتْ أسرتَها، دراستَها، حياتَها التي ترعرعتْ فيها، كلُّ شيءٍ تحطَّم قبالةَ عينيها، حتى مَن يُطارِدونَها لا تعرفُ بأيِّ ذنبٍ تُعاقَبُ على جُنحةٍ لم تقترفْها.
وبينما هي منغمسةٌ في أحضانِ غزالة، منتحبةٌ بحرقةٍ، وجسدُها يرتجفُ، قالتْ بإعوالٍ، وعيناها مُصوَّبتانِ عنانَ السماء:
_أنا عملت إيه يا رب لكل ده؟ أنا تعبانة أوي، عايزة أرتاح من العذاب اللي عايشة فيه ليل نهار….
لامستْ صبا يديها، فضمَّتْ كفَّيْها وبسطتْهما تحت كفَّيْها بتأثُّر، و”چيهان” لا تزالُ تواصلُ بحُرقةِ:
_يارب مش قادرة… مش قادرة والله ما قادرة.
على الرغم من آهاتها المترجِّحة لمشاعرهم، ودموعها التي سقطت على وجنتيها كأنها امتزجت باللهيبِ الحارق، عينٌ لم تنمْ ليلةً ولا تهنأُ على وسادتها، الليلةُ تمرُّ ببطءٍ كأن الزمنَ يتباطأ حتى قارَبَ التوقفَ تمامًا، بدأ أريجُها يتسارعُ كإعصارٍ ناريٍّ حرقَ كلَّ ما مرَّ عليه، لكن “غزالة”، التي شعرتْ بآلامها، قالتْ بمواساةٍ:
_هدي يا چيهان، إنتي زينة البنات ما شاء الله عليكي، كل شي بيصير طيّب، وخالك فهيم ما بيسكت، وبيعرف مَن ورا هالسالفة….
ازدادَت چيهان تهشجًا، فتابعتْ “غزالة” بحنانٍ:
_خلاص صار خير، أهم شي إنك طيّبة.
جلستْ “صبا” إلى جوارِها على الأريكة، ورفعتْ ساقَ چيهانَ المصابَ تتفحَّصُه، والصدمةُ تلوحُ حولهم، أصابَتْها دهشةٌ كبيرةٌ وهي ترى جرحًا غائرًا ينزفُ الدماء كسيلٍ منهمرٍ لا يتوقَّف، فمدَّت يدَها جانبًا والتقطت قماشةً بيضاءَ لتضعها برفقٍ على جرحِها فتكتمَ النزيفَ المتواصلَ، وقالتْ بتأثُّرٍ:
_هاذ دمچ اتصفّى، الحين غيداء بتچي وتحبس النزيف، لا تخافين!
كان الجميع يصارعون نعاسهم، ساقطين في غمرةِ النوم، جفونُهم تنغلقُ دون إرادةٍ منهم، لكن خوفهم على چيهانَ كان مسيطرًا عليهم، راغبينَ في الاطمئنانِ عليها ومعالجةِ جرحها، لكن چيهانَ لم تكترث بآفتها بقدر ما تأثرت بغيابِ من يحميها ويصرف عنها ضراءَ المُعاديين.
غمست رأسها بين ذراعي غزالة، وعيناها تزرِفُ دمعًا تلو الآخر، ماذا لو كان حلمًا قاسيًا بدلًا من واقعٍ مريرٍ لا تقوى على مواجهته؟ حياةٌ أشبه بساحةِ عراك —طرفٌ هزيلٌ أمام أطرافٍ عدة متحدةٍ على ضرائه—
يا مَن غابَ طيفُهُ، وغزيرُ الذُّعرِ مالكي،
أحيا عبوسةً، والموتُ يداهُ تُصاولُني،
تكهَّنتُ عودةً على مراسيَ حنينٍ يُراودُني،
لكنَّ شِراعَكَ الذي اندثرَ بين وَهَجِ الشمسِ والقمرِ،
رأيتُ فيه نداءً يسكُنُ قلبي، بأنَّ الفَيْئَةَ أصبحتْ على شَرَفٍ.
كان رمزي قد انغمس في النوم بين جدرانِ الشوقِ القاتل، الأضواءُ أعلنت خمودَها، تلك التي شهدتْ معه ليالٍ مُرهقة، لياليه واحدةٌ لا تتغير، تسيرُ على نفس الوتيرة، ما يصبحُ عليه هو نفسه ما يمسى عليه، نهبتْ منه الأيامُ راحته، جعلته في حيازةٍ متسلطٍ مشابهٍ لأباه باختلاف بعض التفاصيل.
ضيَّ القمرُ نوره الوحيد في ظلمةِ السجن، ذاك الذي لامس وجهه وكأنه يواسيه في وحدته المحزنة، عينيه لا تقويان على الانغلاق، كلما أغلق جفنيه راودته أحلامٌ مزعجة، بدا مضطربًا، يتقلب على جانبيه فوق أرضٍ يابسةٍ أوجعت عظامه، لكنه اعتاد على معيشةٍ جافةٍ كمنبعه الصحراوي الذي دسَّ دروسَه القاسية في نفسه، أشبه بالجمال التي حرص على تربيتها، خزانًا امتلأ حتى انفجرت مياهه.
حينما حظيّ بفرصة النوم، دخل في كابوسٍ مُفزع، إذ بأرضٍ واسعةٍ تبدو في أسفاحِ الجبال، المصابيح على جدرانه تشعُّ أضواءً حمراء تلتقي بأضواءٍ برتقالية ترقدُ على وجوهِ رجالٍ بلا ملامح، وكأنَّ حواسَّهم محت بشكلٍ مفزع، مرتدون أزياءً جبليةً تبدو شبيهةً لأفلامِ الرعبِ الأجنبية، حتى رمزي الذي كان ساقطًا على الأرض كان مثلهم تمامًا.
بدأت عيناه تنفتحان شيئًا فشيئًا حتى اتضحت له الرؤية، كان مكبلًا بالسلاسل من ذراعيه وسيقانه، كلما حاول النهوض سقط للوراء، يعافر رغم انهزامه، ليس تمكُّنًا منه ولكن لينال شرفَ المحاولة.
حركَ عيناه حوله ليجدَ الرجالَ ثابتين في أماكنهم، رؤوسُهم مصوبةٌ لأسفل وكأنهم أصنامٌ بلا حراك، وحينما حركَ عيناه للمرة الثانية، إذا بچيهانَ قبالتَه مكبلةً بالسلاسلِ مثله تمامًا، رأسُها متراجعٌ للوراء بألم، وترتجفُ خوفًا، وصراخُها يتزايد شيئًا فشيئًا، حتى رمقَتْه بقهرٍ وهي ترى لحظاتِها الأخيرة في الحياة، كأنما تودعه لآخر مرة.
انكسر فؤاده وهو يراها تستغيثُ بنظراتها الطاهرة، تطلبُ منه ما لا تستطيع قوله، فإن كان حرًا لكان فكَّ قيودها وخاضَ حربًا شرسةً معهم من أجلها، لكن الوضع حتم على الجميع التساوي في ظُلمٍ بيّن للجميع.
انفتحت بوابةٌ نحاسيةٌ بها نقوشات الشياطين، ودخل مصعبٌ بخطواتٍ واثقة، وفي قبضته سكينٌ حاد، إذ تقدّم نحو مركزِ المكان الذي اشتعلت نيرانه بمجرد دخوله، حتى وقف قبالة النيران وشراراتها تتطاير على وجهه لا تؤثر فيه، وكأنه شيطانٌ خُلق من النار.
رفع وجهه لأعلى، وحرك السكين على النار الملتهبة، وهو يقرأ طلاسمَه بصوتٍ عالي، وچيهان تعول بقوة، صعقَ رمزي الذي ظهر مقيدًا دون قدرةٍ منه على حمايتها، مصعبٌ يتلفظ حروفه الخناسة التي أرعدت بدنيهما، ثم وبجرأة ملعونٍ تقدّم نحو چيهان، وفي كل خطوة يخطوها الأمل ينطفئ في سفحِ رمزي، ليصرخ هو الآخر صراخًا مريرًا، لكن مصعب الذي لم يكترث تابعَ خطاه إلى أن وصل لها، ارتجفت چيهان ارتجافًا عنيفًا، وصراخُها يختلط بصرخاتِ رمزي.
أراد مصعب تنفيذ مهمته أمام عينيه ليقتله حيًا، ويطفئ وهج الهوى الذي أضاء دُجنته، وفي لحظةٍ قاسية رفع حجابها وعرّى عنقها، وحرك السكين مسرعًا فخرجت دماؤها من عنقها كشلالٍ عنيفٍ يكسو الأرض، متطايرًا على وجهِ مصعب وجلبابه، فمالت چيهان بجسدها نحو الأرض تخرج أنفاسها الأخيرة، ورمزي يعول ويقاوم قيده بجنون.
أملأ مصعب وعاءه بدمائها، وعلى شفتيه ابتسامة شيطانية، غير عابئٍ بصرخات رمزي الذي ظلَّ يصرخ إلى أن فقد وعيه، وتوقف الزمن عند تلك اللحظة.
استفاق “رمزي” من نومه بوجهٍ شاحب، وأنفاسٍ متضاربة، المياه ملأت جسده كأن نيران الكابوس طوقته في نومه، نهض مسرعًا يضرب الحديد، ويطرق عليه بصراخٍ جنوني، مناديًا برهبة لأول مرةٍ تجتاحه:
_چيهان! چيهان! افتحوا لي! طلعوني من هالمكان! طلعوني، ما أچلس هني ولا دجيجة!
تخبط الحديد بقسوة ونواحه يرتدد في أركان السجن، متابعًا بصخب عالي:
_افتحوا! خلّوني أطلع! افتحوا هالخرابة! افتحوها!
لكن بلا جدوى، وكأنَّه في أعماق صحراء لا يحويها سوى جِنٍّ يتسابقون في سخريتهم عليه، يبدو طريفًا في صراخه كطفلٍ صغيرٍ غابت عنه والدته.
استدار نحو النافذة وتحركَ نحوها، تشبَّثَ في حديدها وجسده يرتفعُ بصعوبةٍ لأعلى، ليرى من الفراغات أي أملٍ قد يهدئ من روعه، وأردف لنفسه بنبرةٍ مكسورة:
_چيهان ماهي طيّبة، چيهان في خطر… أدري من الأوّل إنه ما بيخليها بحالها، وبيستغل چلوسي هني عشان ينتجم منّي فيها….
قفز على الأرض، فتألمت سيقانه، استدار نحو الجدار، وصاح بصراخٍ عالٍ، مهددًا أبيه، وقال:
_چيهان لو چاها خدش بسيط، والله ما أرحمك… لا يغرك اللي حواليك ومجوّين جلبك علّي وعليها، بكرا أوصل نفج إيبار وأردلك الطّعن عشرة… سوّ اللي تسوّيه، بس چيهان خط أحمر، أبعد عنها لا تخسرني وتتحسّف العمر كلّه!
يدٌ خفية خطّت كتابة واضحة على الجدار المقابل له، كأنها تردُّ عليه سرًّا، فكتبت:
_بتتحسّف على عمرك كلّه عشانها، والحرب مع الرّچال الكبار ما وراها إلا الخراب!
طرقَ يدَيه في الجدارِ بقسوةٍ، وبوطأةٍ حادَّةٍ اختفتِ الحروفُ التي سالت منها الدماء، كأنَّه زرٌّ يُحرِّكُه كيفما يشاء، جَلَأت كلماتُه الصارخةُ من نجوته، وهو يصيحُ قائلًا:
_أعلى ما في خيلك ركبه… آني ما عاد أخافك، خوفي بس على چيهان منك، ولازم تنول چزاك، واليوم اللي تطيح فيه، بيكون على يدي وبس!
تربَّع على الأرضِ بانفعالٍ، شراراتُ الغضبِ تتطاير من عينيه، فإن كان في العمرِ بقية، يُضَعُ الاعتبارُ لمدى بعيدٍ قد يشغَر بحروبٍ تفتكُ به وبمن حاول حمايتَها الأشهرَ الماضية، لا يرغبُ في خسارةِ ما زرعَه رغم كلِّ ظرفٍ عسير، هو لا يهم، فلا يجدُ ما يستحقُّ أن يحيَا من أجله، لكن چيهان، التي احتاجتْها أسرتُها، وتاهتْ ظلالُها عنهم، لا يستحقونَ مَغيبَها عنهم مدى الحياة.
ويحَه! يُدرِك أنه خانَ الوعودَ ورابطةَ النسبِ الأولية كابنٍ غادرَ والدَه لأهدافِه الشخصية، تحوَّلت الخططُ بنظرةِ عينيها، لانَ الحجر، وانزاحتْ أسترةُ الأجداب، روحُه طافتْ حولَ روحِها، وتردَّتْ سيقانُه به في حفرةٍ عميقةٍ كان حريصًا ألَّا يسقطَ فيها، وكأنَّ القلبَ سلطانٌ عليه ما تجلَّى ضعفُه قبالةَ مشاعرِه.
الفرحُ بعد التَّرْحِ المديدِ لذَّةٌ مضاعفة، والظامئُ ظمأَ ليالٍ مريرة، يدورُ حولَ المنازل طالبًا المياه، لكنهم كانوا يصفحون الأبوابَ في وجهه بازدراء، فيعودُ مميلًا رأسَه لأسفلَ بخيبة، لكن يشاءُ القدرُ أن يرزقَه الله بخزَّانِ مياهٍ ينعمُ به وحدَه دون رفيق… الكلامُ هنا ليس عن المياه! بل عن المشاعرِ الحنونةِ التي افتقدتْها ريم، لتجدَ ذاتَها فجأةً مع عوضٍ جميلٍ أنساها الماضيَ بأشجانِ آلامِه.
بين جدرانِ صالةِ شوقي، كانت ريم جالسةً إلى جوارِ عمرو وأخواتِه يتناولون الطعامَ بعد الحفل، تمتدُّ الأطباقُ بسعةِ الطاولةِ التي امتلأتْ باللحومِ المشويةِ والأرزِّ المُبهَّر، والسلطاتِ المتنوِّعة، وأطباقِ الحلوى والمشروباتِ الباردة، وغيرِها، فالآن أصبحوا وشيجةً واحدةً تتقوّى برابطةِ المحبةِ يومًا بعد يوم، لكن، وبينما يتناولون الطعام، اجتاحَ عمرو ألمٌ حادٌّ في ساقِه اليسرى جعله يتوقف عن المضغ، ما جعلَ الجميعَ يلاحظون التغييرَ المفاجئ.
سألتْه “ريم” بقلقٍ ينسابُ من صوتِها، قائلةً:
_مالك يا عمرو؟ إنت كويس؟
أغلق “عمرو” عينيه وهو لا يزال في غمرةِ الألم، وقال وهو يضغط على أسنانه بمعاناةٍ:
_معرفش… رجلي الشمال تقيلة وبتحرقني أوي، أول ما عديت من البوابة اللي تحت وأنا حاسس فيها ألم بس مكنش جامد زي دلوقتي.
توقّف الجميع عن تناول الطعام، بما فيهم أختُه “غادة”، التي ربّتت بحنانٍ على كتفِه، وقالت بتخمينٍ:
_معلش يا حبيبي، إنت من الصبح مرتاحتش وبتلف هنا وهناك، طبيعي لازم رجليك تتعب.
خرجت “منى” على وقعِ حوارِهم، مُنصتةً للأحاديثِ التي تدور، كان الطعامُ يكتظُّ بفمِها، مستمتعةً بمذاقِ اللحوم، لكنها تخلّت عن اشتهائها من أجلِ الاطمئنانِ على عمرو، فقالتْ:
_ألف سلامة، أمي برضه رجليها تاعباها أوي معرفش ليه، يمكن زي ما غادة بتقول، هي أصلها التجهيزات بتتعب، الله يكون في عونكم.
نهضَ “عمرو” من مكانه، يمسحُ فمه بالمناديلِ الورقية، وسيقانُه لا تقوى على النهوض، إذ استدار نحو ريم وقال بخجلٍ:
_معلش يا ريم أنا آسف، بس كفاية كده النهارده، احنا هنمشي وإن شاء الله يومين وهجيلكم في زيارة.
وثبَ الجميعُ من مواضعِهم على عجل، مندهشين من حالتِه التي بثَّت التساؤلاتِ في أذهانِهم، فبينما يخطو عمرو نحو الخارج، كانت النساءُ تتبعُه، و”ريم”، التي كانت أنفاسُها تعلو بقلق، قالتْ:
_لا عادي، أهم حاجة إنك ترتاح، إنت فعلًا تعبت أوي النهارده….
وتابعتْ لغادة بابتسامةٍ ودودةٍ:
_اعمليله كمادات سخنة يا غادة لما ترجعوا البيت، ممكن تكون أعصاب رجليه شدت شوية.
عانقتْها “غادةُ” عناقَ الوداع، فيما أخواتُها ينتظرن دورَهُن بشغفٍ وراءَها، لتقول بابتسامةٍ تُخفي وراءَها مخاوفَها على أخيها:
_حاضر هعمل كده… نشوفك كمان يومين إن شاء الله.
كلُّ واحدةٍ منهن احتضنتْها، ثم انتقلتْ إلى منى التي رحّبتْ بهما بابتسامةٍ واسعة، لتؤكِّد لهما حُسنَ أخلاقِها، وقلبَها الطاهرَ الذي يكنُّ لهم الخيرات، إذ تسمو بمحبةِ الناسِ لها من تعاملِها الصادق، وحرصِها على استقبالِهم وتوديعِهم بحرارة.
ظلَّت العائلةُ تتسرَّبُ واحدًا تلو الآخر حتى غادروا في سيارتهم، عائدين إلى دارهم، فيما كان عمرو يُعاني من آلامِ ساقه اليسرى طوالَ الطريق، وهذا ما جعلَ ريم تبدأ في ربطِ الأحداثِ ببعضِها بعينٍ حصيفةٍ تزنُ الأمورَ على ميزانِ العدالة.
وقبل أن تغادر “منى” هي الأخرى وتصعد إلى دارِها، حاوطتْ ريم بذراعيها، مقبِّلةً وجنتيها بحُبٍّ أخوي، وقالتْ ببشاشةٍ:
_ألف مليون مبروك يا ريم، النهارده كان يوم حلو أوي، أبقي ابعتيلي الصور على الواتس عشان أعملكم ستوريهات حلوة.
ردَّت “ريم” بابتسامةٍ، وهي تُبادلها قُبَلاتِ الوجه، فقالتْ:
_حاضر، هدخل بس أغير وأرتاح عشان حاسة جسمي تقيل أوي، ولو كان كده هبعتهالك بكرا.
تلفَّظت “منى” بوجهٍ بشوش، وهي تخرجُ من عتبةِ منزلِ عمِّها شوقي، قائلةً بتهلُّلٍ:
_ماشي يا حبيبتي على أقل من مهلك، أهم حاجة عندي راحتك… يلا تصبحي على خير.
ردّت “ريم” بنفسِ قدرِ الإعزاز، قائلةً ببسمةٍ لا تفارقُ شفتيها:
_وإنتي من أهله.
الريبة لا تُستَجلبُ من فراغ، بل منبتُها سلوكياتٌ حُوِيَت في وعائِها الشك، لا تعلم ريم لِمَ أحسَّت تجاه منى بطيفٍ من الشنَف، لكنها مع كل ريبة تُكذّب ذاتها، فتُخبرها بأن بعضَ الظنِّ إثم، وكأن فيلم انكشافِ الحقيقة بدأ مشهدُه من تلك اللحظة.
صعدتْ منى، وإنِ اختفى ظلُّها، دخلت ريم حجرتَها، تقتلعُ فستانَها، وتزيلُ المكياچ بسعادةٍ لأول مرةٍ تحضرها، الآن هي كسائرِ الفتيات، تُغرَم وتُبني عشَّ الزوجيّة، وهي في أولى خطواتِه، ومشاهدُ زفافِها مع عمرو بين الحاضرين لا تغيبُ عن ذهنِها، فحينما تذوّقتِ الحياة، اتسع خيالُها إلى مدى بعيد، وهي تُفكّر: حينما يتزوجان، هل سيظلُّ حبُّها عالقًا في قلبِه مثل اللقاء الأول بينهما؟
كم طفلًا سينجبان؟ وبأيِّ أسماءٍ ستكون؟ ضحكتْ، ودلالُها ينسابُ كنغمةٍ رقيقة، الحماسُ يغمرُها لرؤية “Engaged to Reem S. ELDemeiri” كلّما دخلت على حسابِه الشخصي، كعلامةٍ مميّزة على تقدمِ علاقتِهما.
ارتاحت على حافةِ سريرِها وهاتفُها في يدِها، تنغمسُ في أعماقِ حسابِه بسرورٍ جليٍّ على وجهِها، وأصابعُها تنتقلان بين مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، وأذنُها تُصغي لخطواتِ والديها في الخارج، وقد خطَيا إلى الدار، وجدالاتُهم مع عصام وزوجتِه علياء تتواردُ إلى حجرتِها، لكنها، ومع انتظارِها لرسالةٍ من محبوبِها “عمرو”، كأنَّه رغم كلِّ ألمٍ أحسَّه ذات اليوم، إلا أنّه متذكّرُها في كلّ حين، وقد أرسل لها رسالةً مضمونُها كالآتي:
_حقك عليا يا حبيبتي، أنا آسف لو مشيت عالطول، بس التعب زاد عليا… بـحـبـك ❤️.
ضحكت “ريم” بفرحة ظاهرة، واحمرّ خداها كزهرتين فاغرتين، فوضعت الهاتف جانبًا وغطّت فمها بكفها تمنع ضحكاتها من الانفلات، كانت في موقف محرج لكن لا يخلو من الطرافة. جالت بعينيها على أركان الغرفة بحياء، تارة تضحك، وتارة تكبح ضحكتها فتسكن، ثم التقطت هاتفها من جديد، وردّت عليه بنفس القدر من الاهتمام، وقالت:
_لا عادي محصلش حاجة، المهم طمني عليك.
سبق والدي عمرو — أي أباه وأمه — إلى الدار قبل نصف ساعة، إذ كان قد اتفق معهما مسبقًا على أن يقضي هو وأخواته البنات سهرة طويلة في دار شوقي، لكن سقمه أطل عليه فجأة فعكّر عليه التخطيط.
وقفت السيارة قبالة الدار، ونزل منها الجميع، فارتكز “عمرو” على ذراع غادة وفاتن حتى صعدوا إلى دارهم، ثم دخل حجرته بعدما ألقى السلام على والديه. أسند رأسه إلى طرف السرير منتظرًا الكمادات الساخنة التي ستعدها غادة من أجله، لكن يداه انشدّتا تلقائيًا إلى الهاتف، فقرأ رسالة ريم وضحك، وبدأت أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح وهو يكتب:
_مش هطمنك غير لما تردي على آخر مسدج ليا، ولا إنتي مكسوفة؟!
ردّت “ريم” على رسالته بعد خمس دقائق، فأجابت بخجلٍ يُغلّف حروفها التي تكتبها:
_أكيد بحبك، والحُب بيزيد كل يوم عن اللي قبله… إنت عوض ربنا ليا بعد كل التعب اللي شوفته في حياتي.
قصة حُب جديدة تُدوَّن على سطورها حكايات التعلُّق، ربما كانت ريم تخشى التعلق به في البداية، خشية أن تنتهي قصتها كما اعتادت أن تتكرر، لكنها لمست فيه ما افتقدته في خطيبها السابق “محمد”. حتى والدها، الذي حرمها من الحب وكان شحيحًا فيه، ترك في قلبها شروخًا لا تُرمم. عاشت تبحث عن الأمان بين ذئاب البشر، أولئك الذين استغلوا براءتها وصفاء قلبها.
الحب لا يزال في ريعانه، لكنها متيقنة تمامًا أنه سيبلغ ذروته يومًا ما.
“عمرو”، الذي لاحظ خجلها الواضح في ردودها، قال ببسمة:
_إنتي أحلى حاجة في حياتي يا ريم، أنا مش عايز حاجة في الدنيا دي كلها غيرك إنتي.
سخاؤه ورأفته بها فتّتَا جمود مشاعرها في الفترة الصعبة التي عاشتها بعد هجران خطيبها لها. تحطّمت حطامًا عظيمًا، كانت تغرق في محيطٍ غائر دون “ساتر نجدة”، حتى جاء قبطانٌ يشرع قاربه، مادًّا لها يد العون، فأخرجها من ظُلمة الضياع إلى ضياء الأمان.
وبينما كان منهمكًا في التواصل معها، دخلت غادة بعد دقائق، تحمل وعاءً بلاستيكيًا يغمره ماء دافئ مائل إلى السخونة، وقد ذابت فيه حبيبات من الملح، والمنشفة تتوسد كتفها الأيسر، وهي لا تزال ترتدي ثوب الحفل.
ترك “عمرو” الهاتف جانبًا، ورفع أطراف بنطاله حتى ما فوق ركبتيه، ثم أنزل ساقيه برفق في الوعاء، مقدّمًا الشكر لأخته المُكترثة بأمره، فقال:
_شكرًا يا غادة، ربنا ميحرمنيش منك.
جلست “غادة” على ركبتيها، تُحرّك المياه الساخنة بلُطف حول ساقيه، وقالت بابتسامة عفيفة:
_العفو يا عمرو، الأخوات مالهمش إلا بعض….
رشّت المياه بلُطف على قدميه، وتابعت:
_ربنا يشفيك يارب.
بينما كانت المياه تتصبب على ساقيه، حرصت غادة ألا تبتل المفارش فتُحدث فوضى، لكن عمرو كان منشغلًا بهاتفه، يرسل الرسائل إلى ريم، مبتسمًا تارة، ومتأملًا تارة أخرى. وفجأة، ودون سابق إنذار، انصبّ نظره على انعكاسه في سطح الماء، ليجد خلفه شيطانًا ملعونًا، كأنما خرج من غياهب الكوابيس.
نهض بفزعٍ تلقائي، فوقع ما كانت غادة تحترس منه، إذ انسكب الوعاء وانطلقت المياه في كل صوب، غارقة السجادة والمفارش.
نظر عمرو حوله مذهولًا، فلم يرَ شيئًا، لا أثر لأي كائن، كأنما ما رآه كان سرابًا مضمحلًا في صحراء ذهنه. لكن اللحظة كانت كافية لتفتح أمامه أبوابًا لم يتخيّلها، وكأن طاقة من جهنم قد فُتحت خصيصًا له، ليخوض التجربة كما خاضتها ريم من قبل.
فكيف له أن يكون شريكها بحق، إن لم يتعايش هو الآخر تحت ظلال الرَّوع الذي طاردها طويلًا؟
بينما كانت في كنف الألم بين سيل الآهات المتتابعة، عادت أسرة فهيم إلى الدار، غزالة وصبا تسندان چيهان بعدما اصطحبتاها إلى الوحدة الصحية في البلدة. جرح ساقها الغائر لم يُجْدِ معه سوى تنقيحه بالخياطة، ما جعلها تسير بخطى متعرجة نوعًا ما. وبينما تدخل “غزالة” بها إلى غرفة غيداء، قالت:
_على هونك يا بِنْت، انشالله سالمة وغانمة، سلامتك.
ردّت “چيهان” بألم، والدموع لم تجف من عينيها بعد:
_الله يسلمك.
انضوت غزالة بها إلى الحجرة بمساعدة صبا زوجة ابنها. هناك استقبلتهن غيداء وعاونتهن على استلقائها فوق السرير حتى جلست، والأيادي تتعاون من حولها عدا فهيم وناجي، اللذين انتظرا في الخارج، يقفان إلى جوار بعضهما البعض، وكلٌّ منهما يفكّر بطريقته الخاصة.
لم تُضَارع فكرة إفشاء المشكلة عقل فهيم، الذي فضّل أن يدفن النائبة تحت التراب حتى لا يُقلق رمزي ويزيد من وطأة الاضطراب الذي خاضه في سجنه بمفرده. حبّذ الصمت، لكي تمرّ أيام مجازاته على خير، فلا يُؤرّق روحه من خوفه عليها.
أعرب الخال “فهيم” عن رغبته في كتمان البَلية، فرفع ذراعه على كتف ناجي، ودلالات النعاس جلية على عينيه، قائلًا بتحذير:
_رمزي ما ينفع يعرف عن اللي صار، ما نبغى نزعچه، خصوصًا إنه باجي له شوي لين يطلع.
رفع “ناجي” ذراعًا فوق الآخر، مبديًا موالاته لأمر والده، قائلًا:
_لا رمزي ما راح يدري بشي، الله يعينه، هو فيه اللي شاغل باله وكافيه.
استراح “فهيم” فوق الأريكة، مستندًا برأسه إلى ذراعه، خاضعًا للنوم مهما فرّ منه، وجفناه شبه مغلقين، وقال بنبرة صوت مرهقة:
_يعطيك العافية، هذا اللي كان لازم يصير.
في الداخل، العذاب النفسي سيطر على حواس چيهان وعِلّتها التي كادت أن تُلقي حتفها، لكن في كل مرة كانت رحمةٌ إلهية تغمرها بفرصٍ جديدة تُجدّد معها روحًا أُثقلت بالتحديات.
مرّرت غزالة يدها على يد چيهان بلطف، ولاحظت عينًا شاجبة، وبدنًا مُضنيًا، مستشعرةً آلامها عن كثب، فمنذ الليلة الأولى وضعتها في منزلة بناتها، اعتبارًا منها بأن چيهان ورمزي ضيفان في دارهم، فمهما طالت الرحلة، نهايتها محتمة.
جفّت دموع چيهان، وكأنها استُنزفت من خزانٍ نضب بالأسى، فقط كانت ترمق الجدران بفؤاد مرتجف، فلم تكن بحاجة إلى وجود أسرتها فحسب، بل افتقرت أيضًا إلى فارسٍ يصونها، ويدفع عنها الابتلاءات، إذ إن وجوده كان ليهوّن عليها الكوارث المقذوفة إلى حياتها.
حينها ابتسمت “غزالة” لها، وقالت بمواساة:
_ما بجى إلا كم يوم ويبرى چرحك، وخالك فهيم بيبعت للحدّاد يسوي باب ما يعدّيه لا چنّي ولا شيطان….
ثم استدارت نحو صبا، وتابعت:
_ارحلي لدارك يا صبا، كفاكي تعبتي ويانا لهسا!
ردّت “صبا” بنعاسٍ يتملّكها، وخرجت من الحجرة وهي تقول:
_تصبحي عالخير يا مرت عمي.
أجابتها “غزالة” بصوتٍ هادئ كقطرة ندى تهوي على ورقة:
_وإنتي من هله.
عاد كلٌّ إلى مسكنه، فصعد ناجي مع زوجته إلى دارهما ليرتاحا من ليلة شاقة، بدأت بسكون وانتهت بخبر زلزل كيانَهما.
نهضت “غزالة” من على السرير ووقفت موازيةً لچيهان، وقالت بابتسامة عطوفة:
_آني بروح أنام، خليكي چنب غيداء، وارتاحي براحتك، وإذا احتاچتي شي جومي صحّيها عالسريع أو اطلعي وخبطي عليّ، بتلاجيني چنبك دايمًا… تصبحوا على خير.
ردّت “غيداء” على والدتها، وقدماها تقتربان من السرير لتبدأ رحلة الانغماس في النوم، وقالت:
_وإنتي من هله يا طيبة.
خرجت غزالة من الحجرة وصكت الباب وراءها بهدوء، تاركة الفتيات في خصوصية بعيدًا عن أنظار رجال العائلة. تمددت كفى “غيداء”، فأطفأت نور مصباح الطاولة، فتسطحت بجوار چيهان، والنوم يغلبها، وقبل أن تغمض عيناها، قالت:
_يلا تصبحي عالخير يا چيهان.
ردّت “چيهان” بنبرة خافتة تلفّها أتراحٌ كاسفة:
_وإنتي من أهله.
رقد الجميع في سُباتهم، تأهُّبًا ليومٍ جديد، عدا چيهان، ودموعها تتعثّر على وجنتيها بحزن، ذرةُ أملٍ تغمر عاطفتها في أن تتزيّن الأمور لصالحها، وكأنّ سطوع القمر المتسلّل من النافذة يمنحها دفئًا تفتقده.
في تواريه انقطع الأمان، وتشعشع الخوف في كلّ صوب، والدقيقة التي تمرّ ببطء تترك جروحًا نازفة في فؤادها، كأنّها أعوام من البأس، فتعدّ الثواني ثانيةً ثانية، وكلّما مرّت ازدادت حرارة اللَّوعة.
كانت تُنازع النوم وكأنها افترقت عنه في شجارٍ، عيناها لا تغفوان لحظة، وعقلها مساقٌ نحو انشغالٍ ليس بهيّن، ترى سرابًا بعيدًا دون فِجاج، وكانت الساعات تتسرّب تِلو الأخرى حتى الساعة الخامسة صباحًا، وقتها غاصت چيهان في نومها بعد عراكٍ نفسيٍّ عويص.
خرجت الشمس للعالم مُبتسمة، يومٌ جديد يعني حياةً جديدة قد تبدأ منذ هذه اللحظة وقد تنتهي، وهناك في حضضُ الاعتقال، رمزي لا يزال يقِظًا بآهاته، شعاع الشمس يُصبح عليه، لكنه حين ضمّ أطرافه لبعضها ظهر غير مكترثٍ للمواقيت، فلا يهمّ صباحٌ من مساء، جميعهم أصبحوا يمثّلون طاقة كبتٍ تعنّفه، تردعه عن ممارسة الحياة كباقي البشر، وفي لحظةٍ غفا عقله في أُفُول الاضطجاع، الوقت والتاريخ متوقّفان، وكأنّ خلاياه اختارت راحته، مُشفقةً عليه من سهرٍ طويل عنف فيه ذاته وجلدها بحماوة.
بِلُبِّ المسجد حيث يسكنه المتّقون الخاشعون، يقفون جميعهم في صفوفٍ متساوية، منهم — الكبار والصغار — الذين اتحدوا على أعظم دين: “الإسلام”. فوقف الإمام على المئذنة، رافعًا يدَيه، وفمه ملاصقٌ للميكروفون، ينادي المسلمين للصلاة، ثم يقول:
_الله أكبر.
الوجوه الحسنة يتوهّجها ضيّ الإيمان، رجالًا أقوياء بدرع التقوى، فمن يسكن في ظلّ الله، يكتنفه في معيّته وحفظه الأثيث، ويُباعد عنه الشرور المختبئة في طريقٍ ظنّه خيرًا.
بينما في منزل “عمرو”، قاربت الساعة الرابعة من وقت العصر وهو لا يزال غارقًا في نومه، مستمتعًا بالسكون والظلام المحيط بحجرته، انفتحت عيناه بهدوء وهو يدعكهما بلطف ويتثاءب، منصتًا لتحركات والدته وأخواته في الخارج، إذ كنّ يتعاونّ في طهي الطعام وتنظيف الدار، فجلس على سريره يتنهّد ويشهق ويزفر، وكأنّه في معركة نومٍ استنزفت منه الكثير.
حرّك نعله بيديه ليرتديه، لكنه في لحظةٍ مداهمة، لاحظ غريبًا في حجرته ظهر لثوانٍ وتلاشى بلا أثر، ما جعله ينتصب في الحال بفزع، ظنًّا منه أنها غشاوة على عينيه، محدّثًا ذاته برهبة:
_ده حقيقة ولا خيال؟
خرج من حجرته والتفكير يضغط على رأسه بقساوة، وألقى تحية المساء على الموجودين، ثم دخل المرحاض وأوصد الباب وراءه بحيرة. فتح الصنبور ليغسل وجهه بالماء والصابون، لينتزع عنه دلالات النوم، متذكّرًا ريم في كل لحظة، والابتسامة تملأ شفتيه.
تناسى ما رآه في حجرته وكأنه مشهد هزلي لم يترك آثاره فيه، فالرجال الحقيقيون نادرًا ما يتأثرون بألاعيب الخفاء. لامسته المياه مداعبةً وجهه بمزاح، وخريرها يُطرب أذنيه كالنغمة، فأوّل ما قرّر فعله بعد خروجه من المرحاض هو أن يطمئن على محبوبته ريم، قبل أن يقضي مهامه اليومية.
أنهى مهمته الأولى ورفع وجهه يرمق ملامحه في المرآة بابتسامة عاشق بدأت بشائر الزواج مع من نهبت قلبه من بين أضلاعه، ومشاعر لم يشعرها مع أحدٍ سواها.
لكن ما حدث أُعيد للمرة الثانية، شخص بلا ملامح، قاتم اللون، يظهر ويختفي في نفس اللحظة. ارتجف جسده واستدار ببطء نحوه، أنفاسه تعلو، مستدلًّا على ألاعيب غامضة تتشكّل في محيطه بلا سبب. لكنه، ورغم ذلك، لم يتأثّر كثيرًا بقدر ما تأثّرت أخته الصغرى دنيا؛ خرج صراخها العالي من داخل حجرتها، فاندفع عمرو مسرعًا من المرحاض على وقع نواحها لأول مرة، ليجدها داخل غرفتها متسمّرة الأقدام قبالة حقيبة ثيابٍ تدحرجت بمفردها من أعالي الخزانة دون أن يلامسها أحد.
انفتحت أبوابٌ رحيبة للتساؤلات، فانزرع الشك، وأصبحت الحيوات مماثلةً في انتقامٍ مُضمر.
زر الذهاب إلى الأعلى