روايات شيقة
رواية إيبار الفصل الخامس عشر 15 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل الخامس عشر 15 بقلم رانيا عمارة
فاح عبق الياسمين في غُسله السلسِ، والغرفة بجدرانها المائلة بحزنٍ شهدت لحظاتٍ تقتلع القلوب من مواضعها، ويدي المُغسِّل تتحرك تحت القماشة البيضاء برفق، تُطهِّر جسدًا غادرته الروح منذ ساعتين لينتقل إلى عالم ناءٍ عن ظُلم البشرية، والغدر الذي طالما أتى من أيدٍ ظنَّها المرء آمنة. إلى أن وصل، سُكِب الماء أولًا على الرأس بعنايةٍ، فانساب على الشعر والوجه في صمت. ثم غُسِل الجانب الأيمن من الجسد، من العنق حتى أخمص القدم، تلاه الجانب الأيسر بنفس الرِّفق. تكرَّر ذلك ثلاثًا، حتى عاد الجسد كما خرج من رحم الحياة: طاهرًا، صامتًا، مستعدًّا للقاء ربّه.
قبل خطواته الختامية، نُشِّف الجسد الطاهر، ثم مُسحت مواضع السجود بمسحٍ من مسكٍ طيّب، وكأنه يُعطّر أثر السجود الأخير قبل الرحيل. بعد أن طُيِّبت مواضع السجود بالمسك، فُرِش الكفن الأبيض كصفحةٍ نقيَّةٍ تنتظر الجسد. وُضع الميت عليه برفق، وكأنه يخشى إيقاظه من نومه الأخير. لُفَّ الجسد في لفائف الطُّهر، عُقدت العُقَد، ثم ساد صمتٌ يليق بالرحيل.
لكن الصمت المُحيط في الغرفة اخترقه صراخٌ حارٌّ في الخارج من أفواه النساء، بما فيهن الوالدة التي استفاقت من غيبوبتها لتلتقي بواقعٍ مُرٍّ، لم تتمالك أعصابها وهي ترى من حملته أشهرًا في أحشائها كبر وترعرع ليصبح شابًا عليلًا، سقطت ورقته من شجرة الأحياء ليلقى حتفه إلى عالمٍ آخر لا لقاء فيه.
ارتعد جسدها حينما نادى المُغسِّل الشرعي الرجال ليعاونوه في حمل المتوفَّى، كانت لحظاتٍ ناريَّةً أصابتها بحالةٍ جنونيَّة، فتنتحب صارخة، وتضرب وجهها بقبضةٍ حادَّة، تدور كالذبابة الصريعة حول ذاتها.
هناك، في أجواءٍ كئيبة، وغرفةٍ يتخللها ضوءٌ باهتٌ على الرغم من تسلُّل أشعة الشمس، انضوى الأقارب إلى الحجرة يحملون المتوفَّى بتعاونٍ أظهر روح الاتحاد، يرفعونه برفق إلى التابوت، يضعونه فيه بحرصٍ خشية على جسده من التخبُّط. فمد أحدهم يديه يُغلق صفحة الألم التي عاشها، فانستر جسده في ذَوْد الأخشاب.
بعيدًا، يقف والده جميل مُتصلِّبًا على جدارٍ لم يطق التحمُّل، كاد ينشرخ به من هول الشجن، ويسقط به بقسوةٍ، لكن الرجال الذين عاونوا الوالد على النهوض، منهم مَن ربّت على ظهره بشفقة، والآخر تشبَّث بذراعيه يُساندهما، فهي لحظاتٌ تحمل سنواتٍ من الظلم المتعسِّف.
خرج الرجال به من الدار بثباتٍ، والنساء تمتزج أصداحُهُنَّ على ألحان الموت، تزعزعت أحجبتُهُنَّ وهنَّ يُخبطْن رؤوسهنَّ بحسرةٍ كما خبطهنَّ خبر الوفاة تمامًا، فوضعوه في سيارة تكريم الموتى، متجهين به نحو المسجد لأداء صلاة الجنازة.
طوال الطريق، الوالد جالسٌ في السيارة بصمتٍ مُطبِق، لا ينظر، لا يتحدث، كان أشبه بصنمٍ بلا حِس، فالصدمة طوّقته لتجعله أسيرًا للفقد الذي صدمه كالصاعقة.
بمجرد وصولهم إلى المسجد، كان الشيخ “نعمان” يقف قبالته بغمرةٍ من الحزن الساحق، تحرّك من مكانه بخطواتٍ متثاقلة، وعاون “جميل” على خروجه من السيارة، وعانقه عناقًا رؤوفًا، فدخل به إلى المسجد، والأخير كاد يسقط من وطأة الحزن على فقيده، حتى دخل الرجال به بأكتافٍ متعاونةٍ تحمل التابوت، ومن ثم وضعوه على الأرض المُكتسَية بسجادٍ أحمرَ أبصر سنواتٍ من جنازاتٍ تُشيب الشُّعور.
هنا، في المسجد، أضواءُ الطبيعة تتداخل من النوافذ المختلفة، وبعض الرجال الذين يؤدّون عباداتهم نهضوا ليُشارِكوا أهل المتوفَّى في قضاء الصلاة.
رمق الشيخ “نعمان” الفقيد بأسى، والدموع مترقرقة في عينيه، ليقول بصوتٍ مُرتجفٍ لا يتعدى مسامعه:
_اللهم إن عبيدك الشاب المسكين قد سُحر، وضلّ الساحر فأفسد وأهلك، فبحق اسمك الأعظم، وبنور وجهك الكريم، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك… اللهم اجعل سحره عليه دائرة، وشره عليه عائدة، اللهم اجعل قلبه يرتجف كما رجف قلب من سحره فتوفى، اللهم شلّ يده التي خطّت، ولسانه الذي همس، وعينه التي حسدت… اللهم آمين يا شديد البطش.
ربّت بيده على ظهر “جميل” الباكي، ساعيًا لتقديم المواساة إلى قلبه المتألّم، فما عاشه ليس بهيّن، بينما بدأت صلاة الجنازة على المتوفّى، والرجال يقفون في صفوفٍ متساوية، وعلى وجوههم فيضُ الخَسارة.
أما في شوارع القرية، فتتحرّك سيارة تنادي على المتوفّى بين أرجائها لتُشيع خبر وفاته بين الأهالي، فيما كانت طالبة السحر تخرج من دارها لتجد حلًا في بيع هاتفها لتقدِّم طوفانًا جديدًا من المال لمصعب. وجدت “المنادي” يقول بصوتٍ عالٍ عبر الميكروفون:
_توفى إلى رحمة الله تعالى فقيد الشباب/ شريف جميل نور الدين، نجل الحاج/ جميل محمد نور الدين، وابن عم المهندس/ مصطفى سعد نور الدين…..
بينما يُتابع نداءه لأهل القرية، ابتسمت “السيدة” بهدوء، وكأنما تزعزعت جبالٌ من الهموم عن كاهلها، وقالت:
_حجك رچعلك يا بتي، احنا اللي يچي علينا ميكسبش أبدًا.
في رحاب عائلة رمزي، شهدت الحياة بهجةً استعدادًا لحفل زفاف ناجي من ابنة عمه، فالسيارات النصف نقل تراصّت على نهاية الطريق قبل العبور إلى الصحراء المُنبسطة التي يتحرّك فيها رجال البدو برفقة الجِمال، والخيول المهيبة. وفي قطعة أرضٍ واسعةٍ، تتعاون الأيدي في نصب مسرح الزفاف ببراعةٍ، استعدادًا لحفلٍ يَطمر الغبطة في حضور أكبر الشعراء البدويين، وهَلول الأهل والمعارف وغيرهم.
في الأعلى، سال القلق من وجدان چيهان وهي تقف مريضة، تبحث عن رمزي بينهم بتردُّد، تارةً تُخبر ذاتها أن وجوده معها لا يعني لها شيئًا، وفي تلك الثانية تُفتّش عنه بعينيها كفرخٍ صغيرٍ باحثٍ عن أمه المُتغيبة.
مررت يدَيها برفق على جبينها تُفحص حرارتها التي تزايدت أكثر من قبل، إذ تمثِّل عقلًا يبحث عن إجابةٍ محددة، وهو غياب رمزي غير المعتاد. انذعرت أن يكون قد تركها وشأنها ليقتصّ منها مصعب كما يشاء، أو تملّكه الغضب لدرجة أنه لم يعُد يَطِق الاجتماع معها في مكان. وعلى الرغم من فضولها المتزايد، أقنعت نفسها ببراعةٍ أن تقهقره حتى ذلك الوقت لم يُشكّل عائقًا لراحتها، فنظرت بكبرياء، وتحركت إلى الداخل بثباتٍ، وقبل أن تدخل الحجرة، طرق أحدهم الباب، فعادت بتمهُّل وفتحته، لتجد زوجة خال رمزي، وهي سيدةٌ بشرتها صافية، مائلة إلى الحنطية، جسدها ممتلئ كساعةٍ رمليّة، طولها يبلغ المئة وخمسًا وستين سنتيمترًا، يطوّقها لباس نساء البدو المصريات، وعلى وجهها دومًا ابتسامةٌ عذبةٌ تُشرح النفس التعيسة، فهي تُدعى باسم “غزالة”.
حدثتها بابتسامةٍ وهي تضمّها إلى صدرها بحفاوةٍ:
_منوّرة الدنيا كِلّها يا چيهان، يا زينة النِّسوان.
ردّت “چيهان” بابتسامةٍ خجولة:
_ده نورك إنتي يا طنط.
لامست “غزالة” الإرهاق جليًّا على بدنها، فسألتها بقلقٍ:
_بعدك على السجم والوچع ما فتك؟ كيف رمزي طاوعه جلبه يخلّي روح من روّحه والعلّة تنهش فيها؟ مجالِكيش إن بتي غيداء طارحة من كلية التمريض؟
أصابَت الصدمة “چيهان” حينما علمت أن غيداء هي ابنة السيدة التي تُحاورها، فسعلت لبرهةِ ثوانٍ، وقالت:
_لا معرفش بصراحة، يمكن مجاتش فرصة.
ابتسمت “غزالة” وقالت بحنانٍ حقيقي:
_اسمعي يا چيهان، بتي إيديها تنلفّ في حرير، نسوان الجبيلة كلّهن، أوّل ما تغرز لهنّ الإبرة، تلاجيهن من بعدها رهوان وصحّتهنّ تردّ مثل الأول… آني بهنّديلك عليها، وتيچي تعطيكي الإبرة، وتدعينلي من جلبِك!
على الرغم من أن معظم الجُمل كانت تمر على أذني “چيهان” بتشوش، وهي تجهل ما تقول، مُحاولةً فكَّ شفراتها الغامضة، باتت مشدوهةً وهي تصغي إليها، لكنها في النهاية قالت بخوفٍ:
_لا شكرًا، أنا معايا أدوية، هبقى آخدها بعدين.
ردّت “غزالة” بإصرارٍ لا ينكسر:
_شلون يعني ترفضي؟ لازم تاخذي الإبرة عشان تجومين بالسلامة، من يوم وطّيتي الدار وإنتي ساكنة لواحدك، ما تطلعين ولا تجلسين، أبيك تنزلين وتونسينا، وتحضرين الفرح ويانا، وربي لتنبسطي وتنسين الهم!
لكن القلق كان يغزو رأس چيهان، مطوّقًا إياها من كل صوب، أجبرها صمتها تكن بلا إجابة، فقط ترمق “غزالة” وكأنها سقطت في حيرة دون مخرج. لكن الأخيرة، بطبعها السخي، أصرت على مشاركة چيهان أوقاتهن السعيدة التي لن تُنسى، وتابعت:
_لا تستحين، آني بمقام أمّك الله يرحمها، وإنتي بعمر بناتي، ويمكن أصغر بعد… وش جولتيلي، كم عدّاد سنينِك؟
أجابت “چيهان” بخجلٍ:
_عندي ١٩ سنة، الشهر الجاي هكملهم عشرين.
مدّت “غزالة” كفّها الحاني على وجه چيهان بابتسامة لطيفة، وقالت بمزاح خفيف:
_عندكم صغيرة بنظركم يا أهل الحضر، بس هِنا البنية تتزوّچ من عمر الأربعطاعش، بس ما عليه، الچواز ما يطير… آني من ناحيتي، ما تزوّچت إلا وعُمري اتنين وعشرين، جالوا عني معنّسة، بس سبحان اللي رزجني بزينة الرّچال، عجبالك إن شاء الله مع اللي يِصونِك ويستاهلك.
ردّت “چيهان” بابتسامةٍ تحمل في طيّاتها ألمًا غائرًا:
_يارب.
جذبتها “غزالة” من يديها بحنو نحو الخارج، وقالت بإلحاح:
_بتيچي معي يعني بتيچي، وبتجومين من تعبِك وتصيرين زَيّ النوار، وإنتي بعدك بمكانِك، وتدعينلي دعوة من جلبك، وتذكريني بالخير دايم.
اعترضت “چيهان” على الخروج خاصةً أنها غريبة بينهم، لا تعلم أحدًا سوى رمزي، أما غيداء فأمرها مُريب وغرز في روحها التساؤلات.
تباعدت للوراء بخجلٍ مقاومةً، وقالت:
_لا لا يا طنط، مش هينفع والله، مش هينفع.
جذبتها “غزالة” للأمام بإصرار، وهي تضحك بعذوبة نفس، قائلة:
_والله لتجين يعني لتجين، آني حلفت وما أرچع بكلامي، عيب تردّين وچه مرا بمجام أمّك الله يرحمها… تعالي، وربي ما تندمين!
بينما اضطرت چيهان للخروج معها، أوصدت الباب خلفها برفقٍ دون صدح. هناك كان المصعد في انتظارهما، فدخلتا سويًا ونزلتا إلى الطابق الأول، إذ كان الدار واسعًا مكوّنًا من طابقين متصلين ببعض بنظام “الشقق الدوبلكس”، لكن على مساحة أرحب. في المنتصف درج مزدوج يمتد بصلابة من ناحية اليسار، والآخر نحو اليمين، ويتقابلان في الأعلى حيث يصلان إلى نفس المكان بالطابق الثاني. تكتسي درجاته السجادة الحمراء، وعلى الجدران تتزين بصور جدي رمزي المتوفيان، وبعض أفراد العائلة في لوحةٍ تحكي الذكريات الجميلة.
على بُعد أمتارٍ صغيرة من الدرج يتوسط البهو الأرايك المزخرفة بالطابع البدوي، اثنان بحجم كبير، وأربعة آخرون أصغر حجمًا، وفي كل فراغ تحيى الزهريات بروائحها العطرية الفائحة، ما يدل على نظافةٍ متقنة.
في كل خطوة تخطوها چيهان مع “غزالة” كان الخجل يظهر بحمرته الساطعة على وجنتيها، خوفًا من الاصطدام مع رمزي في أي لحظة غير متوقعة، حتى جلست بين النساء مع زوجة خال رمزي.
بينما نادت الوالدة على ابنتها، خرجت من الحجرة بخطى مدللة، ناقشة الثقة الباسقة في كل حركة، والعباءة المزخرفة تتمايل على جسدها كذيل الفرسة المُرفهة، حتى وقفت قبالة “غزالة” التي قالت:
_هاي هي چيهان اللي حكيتلك عنها، بت محترمة ومن ناس الحضر، الظاهر چوز عمتك كان مشدود في شوشته مع بندرية… سلمي عليها يا بتي!
التفَّ ذِراعَا “غيداء” بترحابٍ حار حول كتفي چيهان التي شُدِهت بصدمة، كيف لا تعرفها وهي جاءت بنفسها إلى دار الجدة منيفة في السابق؟ كان السؤال يضغط ذهنها بحدة، فوجدتها تقول:
_حي الله بِچيهان، اليوم تفرحين ويانا، ونوريكي نظامنا وعاداتنا، وتتعلمين شوي شوي، لين تصيرين أحسن منّا بعد.
ابتسمت “چيهان” ابتسامةً طفيفة، وردت:
_إن شاء الله.
انغمست “غزالة” في الحوار، آمرة ابنتها بمساعدة چيهان في التخلص من علتها، وقالت:
_چيهان من يوم وطّت الدار وهي مريضة، أعطيها إبرة للحرارة، ورفجًا بها، ما نِبغى تاخذ عنّا خاطر شين!
ردت “غيداء” بثقة:
_من هالعين قبل هالعين، يا چيهان…
وتابعت لچيهان ببسمة ودودة:
_خُدي يا چيهان، بهديك دوا طيّب للحرارة، وبإذن الله خلال نص نهار تردلك عافيتك وتجومين زي السيف!
على الرغم من ترددها في البداية، إلا أنها نهضت بغرير من الحياء، ودخلت معها إلى غرفة النوم، إذ كانت ممتدة كما تخيلت، ألوانها تكتسب ذوق النساء التي تعددت بين الأحمر والنبيتي، حجرة منظمة بعناية، وكأنها بقعة أرض في حياة أخرى تميزت بشذى الزهور.
في ركن بعيد، تتوزع الأدوية بنظامٍ كأنه كتاب يروي قصص الشفاء، يعلوه نافذة مفتوحة على مصراعيها، تأتي محملة بنسيم هادئ، وأصوات حركة الرجال في الخارج، وما يدل على حب غيداء للخصوصية إذ صكت النافذة وهي تتكئ على أطراف أصابع قدميها للحظات، حتى الباب أغلقته بهدوء، واتجهت نحو ركن الأدوية، تمارس عملها الذي أمضت فيه أربع سنوات.
كان الجميع يتعارض معها لانخراطها في تعليم لا يجدي نفعًا، لكنها رغم ذلك تشبثت بأحلامها كما لو تمسكت بآخر طرف من آمالها.
استخرجت الإبرة والدواء، وغرزت السن فيه، تجذبه برفق إلى الأنبوب، ثم أفرغت منه الهواء، وتقدمت نحو چيهان، تلك المذعورة من أداة تمثل لها رهبة عنيفة منذ الصغر، لكن غيداء بدورها ابتسمت لها، مانحة إياها الطمأنينة، ومن ثم أوغلت الإبرة بمهارة، وأخرجتها دون أثر طفيف من الألم، اندهشت “چيهان” من إجادتها للتمريض، أما الأخيرة التي انتظرت رأيها سألتها:
_حسّيتي بشي، ولّا بتجولي عنّي ممرضة ما لي فيها؟
ردت “چيهان” بذهول، فقالت باِعجاب:
_بالعكس محستش بأي حاجة خالص، تسلم إيديكي….
سترت “چيهان” الجزء المتعرِّي بثيابها، وتابعت بمدح:
_إنتي متخرجة من كلية التمريض من يجي قد إيه؟
وعندما طوقت “غيداء” المنديل حول الإبرة بحرصٍ حتى لا تسقط تحت الأقدام مسببة أذى، أجابتها:
_من حوالي سنتين، ما هي ببعيدة، وكان محدش طايب يكملني علامي، جالوا عيبة عالبنية تسعى للعلم، بس آني عنادي شدني وكملت، لحد ما دخلت كلية التمريض. واليوم، اللي كانوا يضحكوا عليا، صاروا أول خلج الله يركضولي لما يصيبهم وچع، وأداويهم بيدي.
تلفظت “چيهان” باندهاشٍ غمَّر عيناها:
_طب كويس إنك عندك طموح….
صمتت لبرهة، وأردفت باستياءٍ عارم:
_أنا بقى خلصت ثانوية عامة والمفروض كنت أروح أقدم في الكلية بس حصل اللي حصل.
وقفت “غيداء” قبالتها، واستفسرت باهتمام، وقالت:
_وش اللي صار؟
خشيت “چيهان” أن تسلك طريق الكذب الذي سلكه رمزي، فسرعان ما غيرت مدار الحديث، متحدثة بابتسامة مصطنعة:
_لا مفيش، أنا مبسوطة إني اتعرفت عليكي.
تفوهت “غيداء” بدماثة، سعيدة بلقاء بَخيت:
_وآني بعد، ربي لحاله يدري جدّيش جلبي ارتاحلك.
رغم كل المشاعر الرقيقة التي أحستها الفتيات نحو بعضهما، إلا أن چيهان كانت تبحث بفضول عن إجابة مقنعة لسؤالها، لكنه لم يكن الوقت المناسب لارتداء زي المفتش، فالأجواء المحيطة أجبرتها على تأجيل أي تفكير، لذلك خرجتا سويًا إلى البهو الرحيب، والألم يعصف بجسدها.
وسط ضي هادئ في حجرة ريم، كانت النوافذ موصدة وكأنها تحميها من ضرر الطبيعة الغاضبة، إذ كانت الرياح تعصف بقوة فتُرتد منافذ البيوت بصخب عاتٍ، والسماء تومض ببرق ذريع، ويرنو برعد مفزع.
كانت ريم مرتدية ثيابها الثقيلة التي حَجبت عنها برودة الأجواء، مستشعرة آلامًا حادة في ساقها الأيسر بأكمله، كأن النيران تسري في عروقها وتفاقم الأوجاع، وهناك حركة خفية تسير في هذا الساق المتألم، تتزايد كلما قرأت القرآن، ومن وطأته أحست أن الوصب شل ساقها، فبينما تحرك يديها تدلكه برفق، تواصلت مع “عمرو” عبر مكالمة هاتفية، إذ كانت البهجة تصعد به إلى أعلى جبل السعادة.
كانت تلك لحظته المناسبة ليعبر عن محبته لها، وهي تستمع بخجل إليه، وهو يقول بابتسامة واسعة:
_أنا مبسوط أوي، متتخيليش ارتاحت قد إيه بعد ما عمي وافق.
بينما “ريم”، التي لا تزال متأثرة بما حدث في علاقتها الأخيرة، كانت ترتعب من هفوة تراب تجرح قلبها فتعود إلى موضع قاسٍ سعت للهروب منه كثيرًا، لكنها أعطت نفسها فرصة تثبت لذاتها أن الحياة، كما تحوي الأشرار، يكمن فيها ذوات النفوس الطيبة، فقالت بتردد:
_أنا كمان مبسوطة.
ضحك “عمرو” بمرحٍ، وسألها مندهشًا:
_بتقوليها من ورا قلبك شكلك كده….
وتابع كلماته بقلقٍ ظاهر:
_هو أنا ليه بحس إني مفروض عليكي، أو إنك مش مبسوطة؟
لمعت الدموع في عينيها، وارتجف صوتها وهي لا تجد ما ترد به، متخوفة من ليلةٍ تترابط فيها الأرواح بوصال الحب، فتكون النتيجة شروخ قلبٍ يُسمع صداها:
_أنا مبسوطة والله بس بخاف، أنا عمري ما اتمنيت حاجة وكانت ليا… كل حاجة بتمناها بتروح لغيري، معرفش ده عيب مني ولا من الناس ولا من إيه بالظبط.
قدم “عمرو” الدعم لها على وعاء الغرام، قائلًا بتقوية:
_عمري ما هروح لحد غيرك، أنا خلاص اختارتك إنتي وبس ومش عايز حد تاني أبدًا… يا ريم أنا حاسك مختلفة عن أي حد، ومن أول ثانية شوفتك وقعت في غرامك بس الظروف عندكم وقتها مكنتش تسمح بأي حاجة تانية.
ابتسمت “ريم”، ومسحت دموعها بالمنديل الورقي بأيدٍ مرتعشة، وقالت بلمسة من الإيجابية:
_أنا كمان كده… ابتديت أتعلق بيك، ومستنية اليوم اللي هتجيب فيه أهلك وتيجوا تتقدمولي.
أشرقت البسمة على شفتيه كشروق الشمس في صباح منعش، وقال بأسلوبٍ مازح:
_وأهو اليوم ده مفاضلش عليه غير كام يوم بس، ده أنا هجيب البلد كلها وأنا جاي أتقدملك، ده هيكون يوم تاريخي….
ضحكا الاثنان سويًا بارتياح، فأردف بنفس السرور:
_قوليلي بقى هتلبسي إيه في قراية الفاتحة؟ عايزين نعمل ماتشينج حلو مع بعض.
نهضت “ريم” ووقفت أمام المرآة تنظر إلى وجهها المُترع بالحبوب وآثارها المُزعجة، كانت تلوي شعراتها بين أصابعها وهي تتخيل شكل فستانها ليلة قراءة الفاتحة بين الأهل والأقارب، وبعد تفكير صامت، قالت:
_متهيئلي مش لازم ماتشينج في قراية الفاتحة، ممكن في الخطوبة نعمل كده.
بينما خرج “عمرو” إلى صالة منزلهم يحدثها بفرح ظاهر، إذ كانت خالية لا يوجد بها سواه، جلس على الأريكة، ورفع ذراعه وراء رأسه، ناظرًا إلى السقف بانشغال، وقال:
_ازاي مش لازم؟ احنا عايزين الصور تطلع حلوة، ده هي يا دوب قراية فاتحة واحدة، وخطوبة واحدة، وكتب كتاب واحد، وفرح واحد… يعني لازم في كل مناسبة من دول نكون على سنجة عشرة.
ضحكت “ريم” بحياء، وأخبرته برقة وعذوبة:
_عندك حق… بس أنا بجد مش عارفة ومحتارة أوي.
السقوط في الحب يتطلب مجهودًا خاصًا يتجسد في أفعال صادقة تدل على حقيقة المشاعر، وكلمات داعمة كالمُضمخ بالجرحات تطيبها بلمساته الساحرة وتخفي أثرها من الوجود. فكلما مرت الليالي، تعلقت ريم بعمرو وتفاقم حبها له، فتراه مختلفًا عن باقي الرجال، حيث تضعه دومًا في مقارنة مع محبوبها السابق فتجد الفرق شاسعًا.
تيقنت أنها أضاعت وقتها مع من لا يستحقها، وأن الحياة تتطلب الصبر دومًا لتأتي بأفضل نتيجة. وبينما تتحاور معه، خرجت منى من شقة والديها بوجه عابس بعدما تشاجرت مع والدها الضَنين الذي يخشى قضاء حاجته فيخَمص، تاركة اللهب يأكل والدتها علياء التي صرخت بقهر من زوجها الذي عدَّ حبات البيض ودون عددها في ورقة لصقها على باب الثلاجة.
نزلت بحنق إلى شقة جديها المسنين، وهاتفها يرقد في سبات في جيب بيجامتها، الذي خرج منه رنين متتالي. جلست على الأريكة التالدة قبالة جدتها “روحية” التي كانت تقطع أوراق الملوخية وتشاهد المسرحية بقلب مسرور، غير عابئة بمسؤوليات الحياة كالسابق، إذ نظرت لحفيدتها وقالت بنبرة مكهدلة:
_إيه يا منى، مالك؟
ردت “منى” بتضايق جلي، فهي غير قادرة على ردم المشكلات كما فعلت في السابق:
_أبويا يا ستي مطلع عينينا، منه لله، ده وصل بيه الحال بينيمنا من غير عشا عشان يحط القرش على القرش.
تفوهت “روحية” بنُصح، راغبة في ترسيخ الاحترام في نفسها:
_يا بت متقوليش كده، ده مهما كان أبوكي اللي جابك للدنيا! الحياة بقيت غالية، وهو كتر ألف خيره بيجهزك لجوازك.
نطقت “منى” بصياح، مستنكرة مساعدة والدها لها:
_محصلش ده رمى لأمي خمسة وعشرين ألف جنيه في حجرها وقالها جهزيها بيهم، وعارفة عشان أجيب جهاز زي بقية صحباتي البنات عملت إيه؟ روحت أدور على شغل في العيادات ومكاتب التنضيف، ولما ربنا كرمني بشغل بقى عاوز ياخد الفلوس مني عشان يشتري بيها الأرض….
وتابعت بصراخ وهي تصفع وجهها بحرقة:
_اللهي لا يكسبك ولا يربحك، والفلوس اللي بتاخدها مني تصرفها على مرضك… أمال أنا عايزة أتجوز وأطفش من وشه ليه؟ ما هو من اللي بيعمله فيا.
تفوهت “روحية” بصياح، مرشدة إياها إلى الأخلاق النبيلة:
_بس يا بت عيب! إنتي عاوزة الناس تقول عليكي قليلة الرباية وإنتي بتتكلمي كده على أبوكي؟
نهضت “منى” مكانها وخرجت من المنزل، وهي تجلجل في جدتها بلا توقف، قائلة بتأنيب:
_منك لله يا ستي روحية، إنتي اللي ربتيه التربية السودة دي وخلتيه يعمل فينا كل ده، يا ريتك ما خلفتيه ولا كان كل ده حصل.
اختفت منى عن الأنظار، فاتجهت إلى عملها بامتعاض، وكل خطوة تخطوها تزلزل الأرض بسيقانها، كأنها امرأة فقدت زوجها، ترى الحياة باهتة بلا ملامح، وتُقارن نفسها دومًا بريم ابنة عمها، فيخيل لها أن ريم تعيش منعمة في فردوس السعادة، مستلقية على بساط مريح، ووالديها يقدمان لها كل ما ترغبه على أطباق ذهبية رُصعت بالحنان والمحبة.
لكن الجدة “روحية” وقفت تترقبها من نافذة المنزل، لترى كيف تصفع وجهها وتسير وتحدث نفسها كالبلهاء التي فقدت عقلها، فقالت بدهشة:
_البت اتخبلت وماشية تكلم روحها… لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تربعت الجدة على أريكتها تفكر إن كانت تفتتح الموضوع مع ابنها الأكبر “عصام” وتمنحه نصائحها الغالية ليُلِين قلبه بأسلوبها الرصين، فيصبح أكثر رأفةً مع زوجته وابنته؟ لكن ما عاشه في ستون عامًا لن يتغير، وإن قدمت له جبالًا من الأموال. أم أنها تصمت وتحتفظ بكل ما سمعته في سَريرتها حفاظًا على الأسرة من عواقبه المعتوهة؟ اختارت في النهاية الصمت ليكن جواب سؤالها.
تنتقل المواقع إلى موطن اشتعل بحرارة أجواء لا تُقهر، هناك بين خيام الواحات، في خيمة وارفة، يولج لها هواء يجدد الطاقات، وينزع البؤس بلمساته الرطبة. إذ كان رمزي مستلقيًا فيها طوال الليل، تارة يتقلب يمينًا بزجر، وأخرى يسارًا بضيق صدر، مفكرًا في كل كلمة قالتها چيهان، يعيد النظر فيها مرارًا وتكرارًا.
هناك طفرة من السخط تريد الخروج من أعماق ذهنه كلما تذكر صفعة چيهان له في الجبل، لكنه بعيدًا عن أي شعور كان مقيد الحركة، فلا يستطع مجازاتها، ولا تنفيذ وعده لها في السابق. حتى حين أخبرته بأنها لن تتزوج أحدًا مثله، تزايد الانزعاج الذي كاد أن يلتف حول عنقه كالأفعى فيقتله، لكن وجود خاله فهيم داخل الخيمة، يحاوره لمدة لا تقل عن ساعتين، قد خفف من شدة التفكير.
أراد “فهيم” معرفة كل شيء خاص بچيهان، فبعدما شرح رمزي الموضوع من أبعاده المتنوعة، ابتسم الخال وقال بتصديق:
_أبوك ذا ما وراه إلا البلا، عمره ما كان هَيِّن، وكل ما يمضي وجت، ينكشف ستره على مصيبة أكبر من اللي جبلها.
اعتدل “رمزي” في جلسته، مقتلعًا جلبابه وواضعًا إياه جانبًا، ثم تنهد بقهر وقال:
_وش أسوي، هو حد اختار أبوه؟ آني يوم نورت الدنيا، لجيت هالجّدر السواد جدّامي، بس اللي يبرد الجلب إن أختي هذي، بت چدعة وراعية، طالعة لأمها البندرية.
رد الخال “فهيم” بقناعة، مؤيدًا حديثه العقلاني:
_صدّجت يا رمزي، بس خلاص، خليكوا ويانا هِنا، وابعدوا عن أبوك ووچعه اللي ما له آخر، وآني واثج إنكم بتلجوا راحتكم بينا….
نهض مكانه، متكئًا بأصابعه على الأرض حتى استقام، وتابع بابتسامة أبوية:
_آني بروّح، وراي مشاغل، وإنت خليك مرتاح، إنت بين أهلك وربعك!
اضطجع “رمزي” على الفراش، ملامسًا حرارة بسيطة في الأجواء، فيصدر من حولهم رغاء الجِمال كنغمة عذبة، وقال وهو يرى خاله يخرج من الخيمة بانشغال:
_تمام يا خال، ألجاك بالليل في الزفّة.
بسط رمزي ذراعه وراء رأسه بانشغال، لكن حماوة الطقس المفاجئة أجبرته على الخروج من الخيمة. بين الخيام كانت حجرة صغيرة مساحتها متر في متر، مصنوعة من أعواد البوص القاصلة بلا سقف، وعلى عتبتها درجة سلم واحدة من الطين اليابس، بها منضدة عالية، وعلَّاقة للثياب، ومكعب صابون فوق دلو بلاستيكي أزرق. دخل رمزي المرحاض وأغلق الباب ليبدأ رحلة تحممه التي ستزيل عنه الحرارة الخانقة.
كان يرى الجِمال من الداخل وهي تقترب من حجرته، لكن ذلك المشهد اعتاد رؤيته منذ أن كان صبيًا يلهو معهم ببراءة.
في حضرة الليل، تغيرت الحركات بين نصب شادري الزفاف والمعازيم الذين وفدوا للحضور. انقسم الحفل إلى نصفين: رجال، ونساء، كلٌ بمفرده حفاظًا على عادات البدو التي تمنع انكشاف نسائهم أمام الأغراب، هكذا ظهرت نخوتهم الشامخة حد الجبال.
وفي عيادة شيخ القبيلة ومعاونيه، اكتظ المكان بالحشد وهم ينحنون برؤوسهم نحوه، ويقبلون رأسه بكل توقير، إلى أن جلس كل منهم على كرسيه في انتظار ظهور العريس الذي سمّوه بلغتهم المميزة “الفارس”.
في هذه اللحظات، تجول والدا العروسين بين الرجال الذين نهضوا لعناقهم وسط ذُرور الفرح، مقدمين التهاني والتباريك بإعزاز كبير.
بينما كانت الزغاريد تتعالى من شادر النساء، حيث كن في غاية الجمال، كل واحدة تتألق في رونقها الخاص، ظهرت النساء كأقلام في علبة ألوان فاتنة، والعروس مرتدية فستانها الأبيض، والتاج كنجمة ساطعة تزين رأسها.
بعد دقائق، حضر “شاعر شهير” بصحبة فريقه، في دخول مميز جذب جميع الأنظار من حوله، يسير بعظمة ورأسه مرفوع، مرتديًا جلبابًا باهظ الثمن اشتراه من دول الخليج في حفلته الأخيرة.
وقف على المنصة بعد تحيات الحضور، والميكروفون في انتظار كلماته، فقال بابتسامة، وهو يرفع كفه للأعلى بحماس:
__مبروك مبروك مليون مبروك للفارس اليوم، معكم شاعر الغنا سالم بن ركان، واليوم ببدأ غنائي عشان الحفل يولّع وتعمّ الفرحة كل اللي حاضرين!
قرّب الميكروفون له، وكان فريقه كامل الاستعداد يعزف لحن يخطف كل اللي موجودين إلى عالم عامر بالفرحة، وبدأ يغني قائلًا:
_حيّوا الفارس لا طلّ، زين الطيب من أصل
هذا ولدنا ما يذل، سيفه ما يوم انسَلّ….
في قلب الشادر الممتد بأقمشةٍ مزينة، تجمعّت النسوة في دائرةٍ واسعة، تعالت الزغاريد، ورفرفت الحناجر بأنغامٍ بدويةٍ عتيقة. جلست العروسة في الوسط، يحيطها الحناء والكحل والعطر، وهنّ يرددن بفرح:
_يا وردة في كفّ فارس، الليلة تزفين، يا فرحة الدار، ويا بهجة العين، من دارك لدار الرجالة، تمشي بخُطا الطيبين.
انطلقت النيران في السماء بلا توقف، ليصبح كل صدح حولهم نسيجًا واحدًا، وفي لحظة دخول العريس مهندمًا بزيه الخاص للزفاف البدوي، تزايدت الزغاريد من أفواه النساء المبتهجات، ألسنتهن تتراقص ببهجة، انذعرت چيهان من أجواء غير معتادة، وفي لحظات قليلة انسحبت من بين الحفل، وعادت إلى مقطنها الصغير في منزل عائلة رمزي.
دخلت الشقة المحصورة، وصكت الباب وراءها، وعبرت إلى السطح لتشاهد الحفل من الأعلى، وجدت رمزي يتراقص مع العريس ناجي والشباب حولهم يصفقون، تضايقت من غيابه عنها طوال اليوم على غير المعتاد، ظلت تترصده بأعين محتدمة حتى دخلت حجرتها وأوصدت بابها، وتربعت على سريرها باستياء.
قاومت شعورًا عجيبًا غمرها لأول مرة… الاحتياج! لا تعلم لماذا انجذبت نحوه ذات المرة أكثر من ذي قبل، ظل قلبها يخفق بقوة، وأنفاسها تترقب بشوقٍ رفضت وجوده في حياتها.
ضمت سيقانها لبعضهما وسندت رأسها عليهما بدموع خرجت لا إراديًا… الخطر داهمها وقتما شعرت بتعلق لم يكن عليها الوقوع فيه، فالهوى لا يحضر بموعدٍ بل في أزمنةٍ غير مُرتقبة.
وسط انشغال الحفل، لم تخرج چيهان من رأس رمزي لحظة، فكان يفكر فيها، راغبًا في معرفة إن حضرت مع النساء أم غابت بسبب صحتها المتدهورة، لكنه ردع أفكاره وواصل رقصاته مع العائلة، مجبرًا ذاته على تناسي ما يرفض العقل سهوته.
بعد ما حدث لسليمان من تدهور حالته المرضية على يد رمزي، حكى لأخواته الشباب الذين ربطوا الأحداث ببعضها فتأكدوا من أن رمزي السبب الوحيد لهذه المصيبة، فالصرع أثر على حياته بشكل سلبي، تقفز هجماته الشنيعة على جسد سليمان بلا رحمة فيسقط صارخًا، يتلوى بين أنياب الألم.
وليقطع الأخوات دُبر العلة، ويصلوا إلى حلول قد تعاونهم في تخطي الأزمة، ذهبوا به إلى منزل الجدة منيفة، وقبل أن يلتفت الأخ الأكبر “عماد” نحو الدار، سأل سليمان:
_إنت متأكد إن ده بيته؟
رد “سليمان” بنبرةٍ واثقة:
_والله هو، وكانوا داخلين البيت قصاد عيني.
نظر الأخ الأصغر “شهاب” إلى منزلٍ عتيق، موصدٍ بقفلٍ كبيرٍ تكاثرت عليه العناكب، بل وصنعت بيوتًا خيطية حوله، ما يوحي بأن المرة الأخيرة التي دخل فيها أحدهم إلى المنزل كانت منذ سنوات، فقال بدهشة:
_ازاي طيب؟ ده العناكب معششة على القفل، ده باينله مقفول من سنين… حتى بُص التراب!
ولامس الأتربة العالقة بنقوشات الباب، وتابع:
_أهو مليان تراب، ازاي الكلام ده من كام يوم ويلحق يجمع التراب والعناكب دي كلها؟!
تلفظ “سليمان” بصراخ، كاد أن يجن من قوته:
_أقسم بالله العظيم دخلوا قصاد عيني، وقبل ما يحصل اللي حصل وأنا رايح جاي قصاد البيت كنت بشوف فيه ناس، وست كبيرة كانت بتطلع تتسند على عكاز… هو أنا مجنون يعني يا جدعان؟
نطق “عماد” بتفكير، كأنه يستجمع الكلمات المتفرقة:
_تعالوا من ورا نشوف!
بينما خطى الجميع وراء المنزل، يسيرون على أراضٍ مظلمة، والأجساد تنذر بخطر مجهول، وقفوا جانب بعضهم البعض، ينظرون من نافذة الصالة بترقبٍ على وجوههم.
تراجع “شهاب” صائحًا إلى الوراء حين لمحت عيناه منيفة تتحرك بين الظلام بلا ملامح، حتى لصقت وجهها في النافذة بشراسة، فكسرت جزيئات الزجاج.
فرّ الجميع هاربين من مشهد جفف الدماء في أجسادهم، مدركين أنهم جميعًا على حافة الجنون كأخيهما سليمان تمامًا، فما ينتظرهم أشنع مما يتخيله العقل اليقظ.
يتبع..