Uncategorized
رواية إيبار الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم رانيا عمارة
نَزيفُ النّازفِ أراقَ ذُبولَ مُهجةٍ قاسية،
ولوحَ الإشفاقُ اليابسُ في أوبةٍ نافعة،
يسري طغيانهُ سيرَ الأسودِ في ليالٍ شانئة،
فزَخَرَتِ الألسنةُ بأقاويلَ شائنة،
وفي محرابِ الذَّوْدِ مُناوِئٌ اخترقَ الحصونَ الغالبة،
ليستأثرَ بقوّتِه ورصانتهِ على حدودِ الطاغية.
تبدلّت الأحوال في لحظاتٍ قليلة من القوة إلى الإذعان، والعالم يذيع نائبةً حلّت على الرؤوس: رمزي! الشاب الذي فدى الشيخ ضرغام بجوارحه، ضحّى بحياته من أجل سلامته حينما انقضَّ ليفديه من الرصاص القائظ، لتستقر الرصاصة في كتفه بألمٍ شنيع لا يُطاق. خرجت صرخاته للعلن، ورجال الشيخ ضرغام يحملونه إلى داخل السيارة، يتحركون به كمن يسابق الزمان لإغاثته من الموت.
هناك، داخل الوحدة الصحية في البلدة، هرعوا به إلى الداخل بين زحام المرضى وأُسرهم، يتخبطون بين الأطباء والممرضات، والدماء تسيل بلا توقف كلما ضغط رمزي على صدره، فازدادت صرخاته حتى جذبت الأنظار إليه جذبًا.
بدت الممرضات يجرين نحو الغرفة برمزي، يستكشفن سبب الدماء المنهمرة من كتفه على جلبابٍ متسخٍ بضريبة الذود، وبينما كانت “إحدى الممرضات” المتوشحة بزيها الأزرق الرسمي تسأل أحد الرجال، قالت:
_سكينة ولا رصاصة؟
أجابها “أحد رجال الغُفر” بقلق، موضحًا ما حدث لرمزي بإيجاز:
_جاته رصاصة في صدره، يا ريت تعينوه!
نزل “أحد الأطباء” على درجات السُّلَّم مهرولًا حتى وصل إليهم بسرعة، وأعانهم على حمله إلى الطابق الثاني وهو يقول بإسراع:
_سندوه معي… يلا بينا!
صعد الرجال به إلى الطابق الثاني، وهو ما يزال مُستغيثًا بأهاته الصاخبة التي جذبت الأعين جميعها إليه. وهناك، داخل إحدى حجرات الكشف، جلس رمزي على السرير يصرخ بصوت عالٍ، لا يطيق الرصاصة في كتفه، تلك التي انغمست بين اللحم والعظام وأفقدته لتراتٍ من الدماء. وقبل أن يبدأ “الطبيب” في عمله، وقف عند بداية الباب بتردد، واستأذن من الرجال، قائلًا:
_بستأذنكم عشان بنشلحله مكان الجزء المصاب!
نظر رجال الغُفر إلى بعضهم بإحراج، ثم ردّ أحدهم بالموافقة:
_اللي تشوفه يا طبيب.
صكَّ الطبيب الباب، واقترب من رمزي مظهرًا أنه جزءٌ من عملية التخطيط التي لن تكتمل بدونه، فدومًا تسطير الخطط يحتاج إلى رأسٍ مُخطِّطة، وأيادٍ تنفيذية وتقويمية.
ذاك الرجل الثلاثيني الذي اتفق معه مرزوق قبل الذهاب إلى دار الشيخ ضرغام لتنفيذ عملية الاغتيال، والجديد أنهما يُمثّلان صلة رحم قريبة، مما أعانهما على تنفيذ الخطة بإحكام، وكأنهما يُحيطانه من جميع الزوايا بطرقٍ داهية، تلك التي إن انكشفت تبعزقت النفوس، وتشتّتت بين ظلمة الانتقام.
في وقتٍ بائد، وبينما كان مرزوق يجتمع مع الطبيب المدعو كارم بعد الاتفاقية المسبقة، أكّد عليه “مرزوق”، قائلًا:
_مثل ما اتفقنا يا دكتور كارم، بجيبهولك وتقول اللي قولناه، وإن عدّت السالفة على خير، لك الحلاوة.
بينما كان الطبيب “كارم” جالسًا على مكتبه يعبث بأقلام الجاف المبعثرة بين الأوراق، ثبّت المُعاهدة بينهما، ليخبره أن كل شيء يسير وفقًا للاتفاقية، قائلًا بثقة:
_تمام، لا تشيل هم يا مرزوق، جيبه إنت وباقي السالفة عليّ!
انتهى المشهد بالعودة إلى الحاضر، ورمزي حيال الطبيب كارم، مستلقيًا على سرير الكشف بأنينٍ حار يتزايد بصرخاتٍ مسموعة، حتى نهض واقتلع جلبابه، ووضعه على سرير الكشف، وخلع بدلة الوقاية عن صدره، وكذلك كيس الدماء الذي فرغ تدريجيًا خلال مسافة الطريق.
حينها، ارتدى الطبيب قفازاته البيضاء، وأخفى البدلة الواقية وكيس الدماء الفارغ داخل حقيبة بلاستيكية سوداء، ليدفنها أسفل المكتب بين تكدّس الحقائب الأخرى، وكأن لا أثر لها في الوجود.
اقترب من “رمزي”، ولصق مضمد الجروح على كتفه، وبينما يقوم بدوره الهام، قال رمزي:
_السالفة اللي بيني وبينك لو وصلت لحد، بزعل منك كثير، بس عشانك من طرف مرزوق، وهو خويي وقريبك، آني واثق فيك، وإن شاء الله تطلع قد هالثقة.
ضحك الطبيب بخفة، مندهشًا من جرأته في الحديث معه إلى حد الوعيد، لكنه تغاضى عن أسلوبه الفظ، ليُنهي المهمة التي التهمت أوقاته الثمينة، وقال:
_لا تخاف، محدٍّش بيدري بشي، هاذي سالفة بينا احنا الثلاثة، وبتظل سر على طول.
زفّر “رمزي”، متنهدًا بعمق، وحينما لامس لمعة الوفاء في عيني الطبيب، لان أسلوبه الجاف، وقال بطريقة أكثر لطفًا:
_ولأنك وقفت معنا، بيكون لك الحلاوة.
ابتسم الطبيب، واستدار ناحية خزانة المستلزمات الطبية ليستجلب أدوات التطهير وحمالة الذراع الزرقاء، مُنتهجًا منهجًا صُوريًا لا حقيقة له على أرض الواقع، كما لو كان الجميع يمثّلون في فيلمٍ دراميٍّ يقوم ببطولته رمزي. ثم عاد إليه متابعًا عمله، وهو يُطهر جرحًا زائفًا ويلصق عليه المزيد من الضمادات، حتى سيَّج ذراعه بلفائف الشاش الأبيض، واختتم المشهد بإلباسه حمالة الذراع.
استغرق العمل ربع ساعة، والغفر في الخارج على حافة الانفجار من فضولهم المتفاقم حول حالته الحرجة، وبمجرد أن أنهى “الطبيب” دوره، أخبر رمزي قائلًا:
_خلاص، كفّينا ووفّينا.
وربّت على ذراعه بخفة لينهض، فنهض “رمزي” كممثل بارع، أقنع الجميع بعِلّةٍ كاذبة، فلن يستطيع الوصول إلى نهاية الرحلة إلا بإسلاك بداية الطريق، وإن كان وبيلَ المخاطر. وقبل أن يخرج من الحجرة، أعاد تحذيره للطبيب من إفشاء السر، قائلًا:
_لا تنسى، إن حكيت لحد، أول من يضرّ نفسه هو إنت!
توقف الطبيب عن عمله، صاغيًا إلى إنذاره الخطير، فأومأ له برأسه في صمتٍ بمعنى: “لا تخف، لن أتحدث.” حينها خرج رمزي من الحجرة، فوجد رجال الشيخ ضرغام في انتظاره، اللذين هرولا نحوه بقلقٍ، وسألوه مستشفين الإجابة من علامات وجهه المتوجعة. سأله أحدهم باهتمام:
_إنت بخير يا خوي؟ من وين طلّعوا الرصاصة؟
وسأله الآخر بنفس الاهتمام:
_شكلك تعبان كثير، طمّنا عليك يا خوي!
ثم سانداه ليكون في المنتصف بينهما، يسير بتألُّمٍ شديد أثّر على خطواته وتحركاته، لكنه طمأنهما بقوله، وهو يتلفّظ بإرهاق:
_جات سليمة، الدكتور طلّعها من كتفي، كانت قريبة تفوت شوي وتدخل جلبي تذبحني.
انصدم الرجلان، مما جعل أحدهما يقول بذهول:
_يا ساتر يا رب، لو كانت جات في الشيخ ضرغام، كانت بتصير مصيبة كبيرة.
نزل الرجال على الدرج ببطء، متفادين لمس الجهة المصابة من كتف رمزي، بينما الأخير يتساءل بصدمة:
_منو الحقير اللي اتجرأ يضرب نار على الشيخ ضرغام؟ منو هو وشنو حكايته وياه؟!
أغمض “رمزي” جفنيه، وضغط على أسنانه بتأوّه، فجاءت حروفه مطليّة بألوان العذاب، وهو يتلفّظ بتحذير:
_انتبهوا للعدا اللي ناويين يصيدوه وهو بروحه، لا حد منكم يتركه ولا يغيب عنه طرفة عين… الحمد لله إنها جات فيا أنا، أنا مش غالي، بس هو له حبايب كثير، وبيزعلوا عليه.
لم يكن فكره عاديًا، بل ذا عقلٍ متمايز وفريد في عصرٍ سادت فيه الغباوة، رغم وجود الدهاء. لكن ليس كل داهٍ حصيفًا، فقد يكون خبيثًا بغباء. ولأن كل إنسان يرى ذاته لامعًا بلا عيوب، يكن الحُكم على نفسه مشوّشًا، على عكس الحُكم الذي يأتي من اتحاد الأغراب. لكنه حقًا ذكي، وليس بسبب حديثه عن نفسه، بل لأن تصرفاته هي ما أثبتت الحقيقة، وهو يُقنعهما بأسلوبه المُراوغ بمدى خوفه على الشيخ ضرغام. بالإضافة إلى ذلك، زرع الانبهار في رؤوسهما وهما يَرَيانه باسلًا فدى العمدة بروحه، ما جعل أحدهما يقول بدهشة:
_إنت رجال، وأنا واثق إن العمدة ضرغام، بعد اللي سويته عشانه، كبرت فعينه كثير.
استند “رمزي” إلى ذراعيهما اللتين عاونتاه على الخروج من الوحدة الصحية، حتى اقتربوا من السيارة الراسية قبالتها، وقال بتألُّمٍ يتسرّب من روحه:
_المهم إنه بخير، وما صابه شيّ.
أصرّ الرجال على توصيل رمزي إلى داره بالسيارة، لكنه رفض، زاعمًا اعتراضه على إنهاكهما معه في ظل ظروفه القاسية. لكنهما، بإلحاحهما، ذهبوا به في السيارة حتى وصلوا إلى دار الخال فهيم، فخرجا به يساندانه حتى البوابة. حينها خرج “ناجي” كجزء من التمثيلية، متدعّيًا صدمته مما حدث، فسأله بصراخ:
_مالك يا رمزي؟ ويش جرى لك؟ طحت عالأرض ولا شي ضربك؟
ثم أعانهم في إسناد رمزي وولج به إلى الداخل، فشرح أحدهم نبذةً بسيطة عمّا حدث قبل أن يغادرا، قائلًا:
_الحمد لله جات سليمة، كانت محاولة اغتيال قوية على الشيخ ضرغام، بس خويّنا فدى بنفسه عشانه، وبفضل ربك، عدّت على خير.
صاح “ناجي” في الرجال، متخوّفًا على رمزي من تدهور حالته الصحية، قائلًا بلومٍ جلف:
_ورمزي وش ذنبه في اللي صار؟ ولد عمتي كان بيضيع من بين يدينا… من هم هالكلاب اللي سوّوا هالسواة؟ والله ما بسيب حق رمزي!
ردّ أحد الرجال عليه بخجل، مطأطئًا رأسه لأسفل، والذنب يجتاحه من كل صوب كطلقاتٍ نارية أصابته:
_الشيخ ضرغام بيعوّضه عن اللي صارله، واحنا متأسفين على اللي جرى.
اندمج “ناجي” في المشهد التمثيلي لدرجة الضجيج الصاخب، وكأنه استغل الفرصة لينفجر في وجهيهما، قائلًا بحدّة:
_ولا ملايين الدنيا كلّها تعوّض ذرة من رمزي، رمزي هذا خويّي، ما هو بس ولد عمتي، ولو صار له شيّ، أنا اللي بروح فيها!
خرجت چيهان إلى السطح، صاغيةً لعجيج ناجي اللافح، فحاولت أن تتمدد بأطرافها لتتمكن من رؤية أوضح. ومن بين الزجاج المشروخ، استطاعت أن ترى رمزي وهو مستندٌ إلى ذراع “ناجي”، فكانت صيحاته اللازعة تتردد في الآذان بخوف، ليختم حديثه بانفعال:
_توكلوا على الله، وربّك بيعوّض على رمزي في اللي صار له من وراكم.
رفع الرجال كفوفهم في الهواء بإشارة تُعلن المغادرة، يشيران لناجي وهما يتجهان نحو السيارة، ليقولا:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
=يلا السلام عليكم.
رفع ناجي ذراعه بغضبٍ، وردَّ بخشونة:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إلى أن غادر الرجلان في السيارة عائدان إلى دار العمدة، وبينما يقف “رمزي” إلى جوار ناجي، قال بابتسامة:
_عفارم عليك يا ناجي، تنفع ممثل تمام التمام، خلّك مثل ما إنت لين ما تمر السالفة، وانتبه زين، لا تزلّ بلسانك وتقول إنه تمثيل، الشيخ ضرغام لو درى بشي، بيشعلها علينا كلنا!
كانت غيداء تتصنّت على أحاديث لا ينبغي لها سماعها، تقف مستترةً وراء الباب، ودلالات الصدمة مرسومة على وجهها، تحاول استنتاج مضمون الحديث بينهما. حينها قال “ناجي” لرمزي بيقين:
_لا تخاف يا رمزي، سرك في بير، حتى أبوي وأمي وربعي ما بيعرفوا بالحقيقة!
ابتسم “رمزي” برضا، وربّت بيده على ظهره، واتجه ناحية المصعد الكهربائي ليستدعيه من خلال الزر، وقال:
_طيب، بطلع أرتاح الحين… وزي ماتفقنا.
خطا ناجي وراءه ليصعد معه في المصعد، لكن إلى طابقه الذي يسبقه بطابقٍ واحد. ثم دخلا الاثنان سويًا، وقال “ناجي” بصوتٍ يحمل معاهدة رجالٍ أقوياء لا تنكسر تحت أي ظرف:
_ماشي يا رمزي، اللي تشوفه بعينك نمشي عليه.
وبعد لحظاتٍ قليلة، وصل ناجي إلى طابقه وخرج مودّعًا رمزي وداعًا مؤقتًا. تحرّك المصعد بعده إلى الطابق الأخير، والأفكار تتوالى في ذهن رمزي باستمراريةٍ مؤلمة، بعدما تولّى دور القائد في معركةٍ قتالية لا يشغلها سواه. فالموازنة في الحياة جموحة، واستمرارية المعارك بلا أسلحة تُعد موتًا صامتًا بلا منجاة.
في الأعلى، خرج رمزي فتفاجأ بچيهان تنتظره على الباب، على غير عادتها. كان وجهها محمّلًا بصدمةٍ كبيرة، وهي تراه أمامها معافى خرج من داره وعاد عليلًا. توافدت الأسئلة إلى ذهنها بفزعٍ حول ما أصابه، والقلق يلتهم بقايا أمانها. حتى هو ذُهل من تواجدها مذعورةً في انتظاره. وقبل أن يُبادر بأي كلمة، سألته بخشية:
_مالك؟ إيه اللي حصلك ده؟ إيه اللي حصل؟ إنت كويس؟
دخل “رمزي” معها إلى الشقة، مطمئنًا روحها المتعطشة للسكينة، ووقتما أغلق الباب وراءهما، قال:
_أنا كويس، متخافيش!
دلف إلى الصالة، وهي تتبعه بقلق، مترصدة خطواته. أما هو، فاقتلع حمالة الذراع ووضعها جانبًا، والفزع لا يزال مخيمًا على وجهها من منظر جلبابه الملطخ بالدماء، وكأنه كان على أعتاب الموت في حادث سير أو شجار عنيف. فسألته باستغراب، وهي ترى تناقضاتٍ عجيبة على هيئته:
_ازاي كويس؟ إيه الدم ده كله؟ إنت عملت حادثة لقدر الله؟
انشرح قلبه وهو يرى لهفتها عليه في عينيها، تلك التي روت ما لا ترويه الألسنة. أحسّ أنه مقدَّس المكانة، وأن في قلبها موضعًا واسعًا لا يسع سواه. لم يأتِ روعها هباءً، حتى إنها لم تحاول أن تستر قلبها الولهان؛ ظهرت طبيعية، دون ادعاءٍ للاكتراث، فهي كما هي، تتصرف بطبعها.
ابتسم “رمزي” ابتسامة لطيفة، وقاربها بخطواتٍ بسيطة، متمنيًا أن تُجيبه بما يأمله فؤاده. تباعدت چيهان إلى الوراء بخجلٍ ممتزجٍ بفزعٍ جليل، فسألها:
_إنتي خايفة عليا للدرجة دي؟
تبعثرت حروفها، وابتلعت ريقها بصعوبة، كأن الكلمات قد تاهت وسط أزقة التلميحات، فأجابت بتلعثم:
_لا مش بخاف عليك طبعًا، وأنا هخاف عليك ليه؟ أنا بس خوفت زي ما أي حد بيخاف، أصلًا أي حد هيشوفك هيعمل زيي وأكتر كمان.
لم يقتنع “رمزي” بإجابتها المستترة وراءها حكاياتٌ صامتة من الهوى، فإن دخل مسابقةً في قراءة لغة العيون، ما خسر خسارةً فادحة إلا أمام عينيها الوحيدتين؛ إذ أثبتت جدارته كقارئٍ عبقري لا يُجيد سوى قراءة مشاعرها. فابتسم بازدراء، وقال:
_غريبة يعني، محدش من الناس اتخض أوي كده لما شافني حتى ناجي….
تضاربت دقات قلبها، وازدادت أنفاسها في ذروة الخجل. حينها، قصد “رمزي” زرع السكون في حقلها الهادر، وقال:
_على العموم متقلقيش، أنا كويس وكل ده تمثيل مش حقيقي… حبيت أقولك الحقيقة، بس ياريت متتكلميش قصاد خالي ومراته وعياله، حتى صبا متقوليلهاش حاجة، أنا قدام كل الخلق مضروب برصاصة في كتفي!
كما حصرها في زاويةٍ متأزّمة، جعلت أفكارها مذابة بلا ردّ، استخدمت ضده سلاحه الحصيف، وهي تسأله سؤالًا أكثر اعتياصًا من سؤاله، فقالت بترقّب:
_اشمعنا أنا بالذات اللي قولتلي الحقيقة وخبيت على الدنيا كلها؟
تبخّر الرد في رأسه، واستطعم ما أذاقه لها من استفسارات عسيرة بلا إجابة، لكنه حاول الإفلات من مأزقه، وهو يُجيب بمنطق:
_عشان عاهدت نفسي مكدبش عليكي في أي حاجة تاني.
لم تعجب “چيهان” أكاذيبه التي مارسها على من حوله، كأنها منبعٌ يهرب فيه من الحقيقة التي لا يستطيع مواجهتها. فشبّكت ذراعيها في بعضهما باعتراض، ورفعت حاجبيها بتضايق، وعاتبته بضمير حي يعكس مساوئه، قائلة:
_يعني تكدب عليا أنا مش عادي لكن تكدب على كل الناس عادي؟ الكدب في الحالتين حرام علفكرة، وقبل ما أي كلمة تخرج من بوقك تكون متأكد وواثق منها مليون في المية، مشاعر الناس مش لعبة في إيدك، ولا هما مُغفلين… إنت تقبل حد يكدب عليك ويقنعك بحاجات عكس الواقع؟
جلس “رمزي” على الأريكة بجسد مرهق، لم يكن في مزاجٍ يحتمل التوبيخ والعتاب، فقال بتضايق:
_وهو أنا بكدب عشان كداب؟ أنا بعمل كل ده عشانك إنتي، مش إنتي عايزة ترجعي لأهلك؟ يبقى اللي ليكي ترجعيلهم لكن الطريقة مش بتاعتك ومتدخليش فيها.
لكن “چيهان” هذه المرة كانت أشدّ إصرارًا على أن تُنمّق سلوكه، وتُعيده إلى رشده، وإن اضطرت لسلك طريقه الشائك معه من أجل الصلاح. فجلست على الكرسي المقابل له، وقالت بنبرة جادة وقوية، لكنها مُهذبة وتحمل روح الإرشاد:
_لا طبعًا مفيش حاجة اسمها متدخليش فيها، أنا هتدخل فيها وغصب عنك كمان….
اندهش رمزي من جرأتها، إذ لأول مرة تخرج عن صمتها بأحاديث تتجه في مسار أشد جَسارة، فاسترسلت بحزم:
_أنا سكت كتير ومش هسكت تاني خلاص، ما دام في طريق بيجمعنا يبقى من حقي أتدخل بدل ما نغرق بالكل… السكة المقرفة اللي إنت فيها دي لازم تغيرها ومش بمزاجك، لا غصب عنك وعن الظروف، أنا نصحتك كتير وإنت مش بتسمع لنصايحي وولا كأني بتكلم بس أنا مش هيأس… لو عايز تخسر الدنيا خليك زي مانت، ولو عايز تكسب الآخرة لازم تتوب وتبعد عن كل العك اللي في حياتك…..
بترّ “رمزي” كلماتها، وخرج عن صمته قائلًا باعتراض:
_چيهان! أنا قايلك بدل المرة مليون، لا تتدخلي في اللي ما يخصّك، لا تتعدّي الخط الأحمر اللي بيني وبينك، وتخليني أبدّل عليكي، وبدل ما أكون سندك، تلاقيني خصمك! أنا صابر على كثير منك، مع إني ما شوفت منك غير وجع الراس وحرقة الدم، السالفة هذي تنتهي ولا تنعاد، مفهوم؟
نهضت “چيهان” من موضعها، وظلّت ثابتة على موقفها، وقالت بإصرارٍ لا يلين:
_الموضوع ده مش هيتقفل، وطول مانا هنا هفضل أتكلم فيه لحد ما ألاقي نتيجة واضحة، الساكت عن الحق شيطان أخرس! وأنا لو سكت وأنا شايفاك بتعمل الغلط أبقى مشاركة فيه، إيه الصعب في إنك تبعد عن الطريق ده وتقرب من ربنا وتجدد علاقتك بيه؟ مش خايف تموت لقدر الله فجأة؟ مش خايف ربنا يقبض روحك وإنت على معصية ويبقى سوء الختام؟
نفس الجملة تكررت منذ خمسة عشر عامًا، مع أفراد وأماكن مختلفين… فطيمة، رمز المرأة التقيّة، ومصعب، الرجل الملعون الذي لا يتأثر إلا بنداءاته الداخلية. في منزلهما القديم المتدنس بأعمال الشرك بالله، دخلت “فطيمة” على زوجها وهو منهمك بين صور ضحاياه، ما جعلها تصرخ فيه قائلة:
_اتقِ الله يا مصعب، حرام عليك اللي تسويه في خلق ربك، ما تخاف تموت وإنت على معصية؟ ما تخاف تقابل وجه الله والنجاسة معلّقة فيك، ويقبض روحك على سوء خاتمة؟
استقام “مصعب” كإعصارٍ ناريٍّ جرف كل ما في طريقه، وأزاحها بقسوة دون اعتبارٍ لها، قائلًا بصراخ:
_لا تدخلي في اللي ما يخصّك يا فطيمة! لا تخليني أعمل فيكي زي ما عملت في غيرك، وربي أخليك تيجيني راكعة تحت رجلي تطلبي السماح!
بكت فطيمة، وخرجت من الحجرة فاقدة الأمل، فتلاقت بطفلها رمزي وغفت بين أحضانه، وكلاهما يبكيان بقهرٍ من قدرٍ أليمٍ لا يتغيّر. استفاق رمزي من ذاكرته المنشغلة بأشجان الماضي على صوت بكائه وهو صغيرٌ يتردد في أذنيه، حتى خرج من عثرات الماضي برمّته، على عتاب “چيهان” في الحاضر، وهي تقول بنُصح:
_والله العظيم، أبوك ولا مية واحد زيه هينفعوك! كل إنسان بيتحاسب لواحده واللي كان بيشجعه على الشر مش بعيد يتوب من بعده لما يلاقيه عبرة سيئة، مفيش حاجة في الدنيا دي كلها بتنفع المؤمن غير المصحف، والقرب من ربنا.
انطلقت “چيهان” مسرعةً إلى حجرتها، وأحضرت المصحف، ثم عادت إليه ووقفت حياله، وهي تفتح صفحاته الطاهرة وتقول:
_شايف المصحف الشريف؟ هو ده اللي هيخرجك من حزنك، وهيصرف عنك أذى الشياطين، ده اللي هيغير حياتك للأحسن، هتحس إنك مكنتش عايش من قبلها، حياتك هتتغير ١٨٠°، وربنا هيدفع عنك شر البشر اللي بيمكروا بيك وبيكيدولك العدوان… كل حاجة هتتغير صدقني!
ثم مدّت إليه المصحف بنبرة تشجيعية، مردفة بتحفيز:
_خده اقرأ فيه، سيبك خالص من كتب السحر، مش هينفعوك، ده اللي هينفعك… هو ده اللي فيه راحتك!
لمعت عينا “رمزي” بشغف، وقلبه غامر بآلامٍ نفسية عجز طريقه الحالك عن علاجها. إذ تباعد بجسده، وقال برفض:
_ما ينفع ألمسه، أنا مش طاهر، دمي من دمهم، اللي يجري في عروقي هو نفس السواد اللي فيهم، لا تصعّبيها عليّ أكتر ما هي صعبة!
تعجبت “چيهان” من احتجاجه، فعرضت عليه حلولها المتألقة بأنوار الإيمان، وقالت:
_الموضوع مش صعب! أدخل غير هدومك واتوضى وتعالى! ربنا لما بيلاقي حد بيقرب منه خطوة بيسهلهاله أميال!
فجّر “رمزي” سرًّا فتاكًا يزلزل الكيانات الصامتة، سرًّا مدفونًا لا يعرفه غيره ووالده. تنهد في بداية الأمر بتردد، ثم قال بوضوح:
_أنا انولدت مسلم، وعشت مسلم، ولما أمي توفّت، أبوي دخل بيا الديانة المسيحية….
انتفضت چيهان بصدمةٍ عنيفة زلزلت كيانها، وتراجعت إلى الوراء وهي تسمع لأول مرة خبرًا كهذا. حينها، تابع “رمزي” برجفة:
_أنا وأبوي دخلنا المسيحية من سنين، ما عدت مسلم، ومحدٍّش من أهل أمي يدري بالسالفة ذي.
لم تتحمّل چيهان وقع الصدمة عليها، ففرت داخل حجرتها، وصكّت الباب وهي في حالة ذهول عارمٍ قبض على حواسها وإدراكها، فجعلها في صمتٍ تام. كلما سعت لحلّ مشكلة، انبجست لها طائفة من المشكلات من سفح الأرض. أيمكن أنها عاشت في كنفه أشهرًا، ظنًّا منها أنه مسلم الديانة، وفي نهاية الأمر اكتشفت أنه مرتدٌّ عن الإسلام؟
وُلد وعاش مسلمًا، لكن بأمر من والده الذي تعدّى حدود الكفر، غيّر له مساره، كأن رمزي عجينة يشكّلها في يديه وفقًا لأهوائه، متناسيًا غضب الرحمن عليه، وكأنه لم يكترث بالعقوبة الإلهية التي تنتظره في نهاية الطريق.
لكن رمزي، الذي خضع لقوّته، بدأ يفلت من قبضته شيئًا فشيئًا. كان يحتاج من يُعينه ولو بكلمة دعم، ليتأكد من كون قراراته صحيحة، لكنه في نفس الآن ضحية لحيرته، فلا يجد في سريرته قرارًا يُنهي المأساة التي لازمته طوال حياته في مجاورة أبٍ كافرٍ عارٍ على الإسلام والمسيحية اللذين يتبرآن من أفعاله المتدنّسة.
فكيف لرمزي أن يُجدّد دماء شرايينه التي حُقنت بدماء الأبالسة ليصبح جزءًا لا يتجزأ عنهم؟ كيف سيمكنه أن يتزوّج كأي شاب ويُنجب طفلًا يرث طاقته المتلطخة بلعنة الأجداد؟ أراد أن يحيا ويموت دون أن يتسبب في ظلمٍ لأحد، حتى وإن غلبته مشاعره.
على نحوٍ آخر، في منزل عائلة الدميري، التي تضاربت صرخات النساء فيها، ممتزجة بآهات الفراق وآلام الوداع الأخير، تكدّس المنزل بالأقارب — رجالًا ونساءً — حتى عمرو وأسرته جاءوا لحضور جنازة الجد شعيب، والعم الأصغر المدعو “نجيب”، الذي جاء مفزوعًا على خبر وفاة والده، برفقة زوجته وأطفاله. كانت النساء مجتمعات داخل صالة المنزل، جميعهنّ مرتديات العباءات والأحجبة السوداء، والرجال متكدّسين في مدخل المنزل، ينتظرون خروج رجالٍ آخرين بالجد شعيب بعد الغُسل والتكفين.
فيما على الأريكة، الجدة “روحية” تصرخ بقهرٍ بعد فقدها لزوجها الذي عاشت تحت ظلاله سنواتٍ مديدة، مغمورة بالذكريات الجميلة. وعلى سيفها <ابتهال> و<سهر> زوجتا — عبد الحليم وأسعد — حفيديها، تضرب يديها بقسوة على ساقيها وهي تبكي صارخة، وتقول:
_الله يرحمك يا حاج شعيب… وجعت قلبي عليك يا حاج، لو كنت أعرف إنك هتتاخد مني على فجأة مكنتش خرجت من الأوضة وسيبتك لواحدك.
ربّتت “ابتهال” على كتف روحية، معتبرةً إيّاها في مقام جدّتها، وقالت بمواساة:
_هدي نفسك يا ستي روحية، الحاج شعيب ارتاح من التعب اللي كان فيه، والله ربنا بيحبه.
نطقت الجدة “روحية” بصرخاتٍ تفوق نواح النساء، وكأنهنّ يتسابقن في درجات الضجيج دون مقصد:
_أهدى ازاي وأنا عيشت معاه أكتر ما عيشت مع أبويا وأمي وأخواتي؟ هيجيلي الهدوء والراحة منين يا ابتهال؟ هتيجي منين بس يا رب؟
بينما كانت “حنان”، والدة هشام، تقف حزينةً إلى جوار علياء، رفعت كفًّا فوق الآخر بحزنٍ ملحوظ، وقالت بشفقة:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم… ربنا يرحمه ويغفر له.
وفي زاوية بعيدة، كانت ريم تقف متاخمةً لحماتها “حياة” وأخوات عمرو الفتيات، وجميعهنّ تتوشّحْنَ علاماتِ الاستياء على ثيابهنّ المُكتسية بدُجنةِ الجنازة. بكت ريم حزنًا على فراق جدّها، متذكرةً لحظاتها اللطيفة معه في الصغر. حينها، التفتت “غادة” نحوها وعانقتها بحنان، قائلة:
_اهدي يا ريم، اهدي يا حبيبتي!
خرج خمسة رجالٍ من حجرة النوم حاملين الجد شعيب داخل الكفن، يسيرون به إلى الخارج. وبمجرّد أن خرج، ازدادت صرخات النساء بشكلٍ مفزع، جميعهنّ يولولن — كبارًا وصغارًا —. وقف “شوقي” في الختام، يلقّنهنّ وعيده النابع من احتجاجه على الصرخات المتوالية بلا توقّف، قائلًا بتهديدٍ صريح:
_محدش يصوت! والله العظيم اللي هتصوت هتزعل مني! اللهم بلغت اللهم فاشهد!
كانت سيارة تكريم الموتى راسيةً قبالة بوابة المنزل، تكاد تختفي وسط الزحام الذي بلغ عدده مئات الرجال. خرجت “روحية” وراء شوقي، متشبثةً بذراعه، وهي ترى الرجال يضعون الجد داخل التابوت في السيارة، تقول بتوسلٍ والدموع تنحدر من عينيها:
_ألمسه يابني للمرة الأخيرة، إيدي تلمس أبوك يا شوقي، عشان خاطري!
جرت منى، وابتهال، وسهر وراءها، يحاولن جذبها إلى الداخل، فيما كانت تقاوم للوداع الأخير. فاستدار “شوقي” نحوها، وأبعدها، وقال بنبرةٍ حادّة:
_ادخلي جوا يا حاجة!
جذبتها سهر من ذراعها، فيما كانت الأخيرة تملك روح المقاومة، مُصِرّةً على ألا تخطو دون ملامسته، قائلةً بنواح:
_مش هدخل غير لما أودعه للمرة الأخيرة، مش هشوفه تاني يا عيال، مش هشوفه تاني.
فلتت “روحية” من قبضاتهن، ووقفت قبالة التابوت، تلامس وجه شعيب المستتر بين لفائف الكفن، وفي كل لمسةٍ ينقبض فؤادها وترتعش أوتارها، وهي تقول بوداع:
_في الجنة ونعيمها يا حاج شعيب، اسبقني على هناك، هجيلك عالطول مش هطول!
وفي الخلفية، كان يتردّد صوتُ الرجال، وأحدهم يقول:
_إنا لله وإنا إليه راجعون.
عانق الابن الأصغر “نجيب”، الشاب البالغ من العمر أربعين عامًا، والدته روحية، يغطي آلامها بذراعيه الحانيتين، قائلًا بأعينٍ باكية:
_ادخلي جوا يا أمي، ادخلي وادعيله من قلبك!
وتابع للنساءَ الباكيات، الماكثات قبالتهم:
_خدوها جوا، متسيبوهاش لواحدها!
تآزرت أيادي النساء للولوج بالجدة إلى الداخل، فيما صكّ الرجال حقيبة السيارة، فتحرّك السائق إلى أقرب مسجد، تتبعه سياراتٌ محمّلة بالرجال. كانت لحظاتٍ صعبةً ومؤلمةً للقلوب، وكأن الموت زخرفَ الأحزان على أفئدتهم المتأثرة بالرحيل. حتى إذا وصلوا إلى المسجد، حملوا التابوت، وفرّوا به إلى الداخل، يقضون صلاة الجنازة بأعينٍ التهبت من فرط الاستعبار.
في بهوٍ صغير، على سيف التابوت، تجمع عددٌ من الرجال بصمتٍ في أعماق المسجد الذي شهد ذكرياتٍ أليمة. انتصب جثمان الجد شعيب، ملفوفًا في الكفن الأبيض على النقّالة، والجميع في حالة وقوف، تعلو وجوهَهم مشاعرُ الحزن القاتلة.
خرج الإمام إلى مقدّمة الجمع، ورفع يديه للتكبير بالقرب من الميكروفون، ليُصغي إليه الجميع، قائلًا بصوتٍ جليل:
_الله أكبر.
رفع الجميع أيديهم معه، ثم أنزلوها. فنظر الإمام إلى شعيب، المتوفّى، وبدأ بتلاوة الفاتحة بصوتٍ خافت، ثم كبّر للمرة الثانية بصوتٍ يرنّ في أرجاء المسجد:
_الله أكبر.
ظلّ الإمام متابعًا صلاة الجنازة بخطواتها الصحيحة، والرجالُ مصطفّون وراءه في صفوفٍ متساوية، يرتسم الاستياء على وجوههم. وفي ختام الأمر، تعاون الرجال على حمل المتوفّى، ثم خرجوا به إلى سيارة تكريم الموتى، واتجهوا إلى المقابر لدفنه.
بينما في منزل العائلة، كانت النساء يبكين بحرارةٍ في كل أركان الدار، ذلك الذي احتشد بالنساء داخل الصالة وغرف النوم، حتى المدخل لم يخلُ من النساء اللواتي تربعن بجانب بعضهنّ على الأرض.
في الخارج، أنهى بعض الرجال نصب شادر العزاء، استعدادًا لوفودٍ من رجالٍ آخرين، وصوت القرآن الكريم لا ينقطع من بينهم، فقد تجلّت صعوبة التوديع ومرارتها على كافة النفوس الحاضرة للجنازة.
حتى المطبخ، تعاونت فيه هناء وزوجات إخوتها، يُحضّرن الطعام الذي سيُقدّمنه لأهل العزاء، إذ انبلجت روح التعاون كمثالٍ واضحٍ للأخوّة الصادقة.
في منزل الأشباح، حيث القوة الطاغية على البشرية، والتجلّي بكل معانيه حول الظلم والإساءة، كان “مصعب” جالسًا على الأريكة، وبين يديه صورة رمزي حينما كان يبلغ الثامنة عشرة من عمره. كان يدقّق في ملامحه بأسى، غير مقتنعٍ بأنه ضحّى بالعهود من أجل دخيلةٍ بينهما، خاض حربًا على والده، وتخلّى عن ميثاقهما بلا عقلٍ يفكّر، وكأن چيهان استلبت منه فكره بسحرها الخاص. ما جعله ينظر إليه بحسرة، ويقول بعتابٍ:
_كذا يا رمزي، تبيع بوك علشانها؟ تخسرني علشان مره غريبة؟ أنا عارف إنك طحت في اللي ما كان يصير تطيح فيه يوم، بس قلبك ذا بيكون سبب هلاكك! أنا نصحتك وسويت اللي عليّا، وباعطيك فرصة أخيرة تفكّر عدل وترجعلي، وإذا ما رجعت… ناري بتاكلك إنت وهالعيلة كلها… وساعتها، ما حد بيفزعلكم مني….
بينما الشرّ يشرد من عينيه كأضواءٍ مجحفة، تنهّد وقال بتوعّدٍ قاسٍ:
_مآني عارف كيف طلعت من طوعي… وإنت كنت دراعي اليمين، روح يا رمزي هات الخامات، تروح، روح جهزلي الكتب ورتّبلي القعدة، تروح، روح خُد حق تعبي وشقايا، تروح. كنت تمشي على العجين ما تلخبطوش، بس اليوم، كإنك ما تعرفني، ولا كإني بوك. صرت تعاملني كأني عدوّك. ومدام حاطني بهالخانة، لا تزعل لا على روحك… ولا على الست چيهان، اللي نهايتها بتكون على يدي عن قريب.
تلقّى مكالمة هاتفية من إحدى الفاجرات، فاستجاب لها وهو يستمع إلى شكواها ببالٍ واسع، مستعدٍّ للتضحية بأعضائه من أجل المال. وبعد ثلاث دقائق، بدا كأنه مصلح اجتماعي يحلّ المشكلات من ناحية، وساحر يضع العراقيل من ناحيةٍ أخرى، قال بحزم:
_لا لا، ما في حاجة اسمها من غير اسم الأم. اعرفيلي اسم أمها شنو، وهاتيلي شي من أثرها، وتعالي نحسب الحسبة ونشوف تتكلف كم.
غاص في أعماله، منشغلًا بكل ما فيه من تركيزٍ وقوّة استغلّها في بثّ الأذى. ينتهي من مكالمة، فيتلقّى أخرى، وكأنه سِلسالٌ من الطغيان لا ينتهي. فلا يمكنه العيش دون أن يكسب دأبه من نشر الفساد. وهنا ينطبق المثل: “مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ”. يَحيى من دموع الضحايا، واستغاثاتهم بالرحمن، ومن موتِ الشبابِ بالأمراض اللعينة التي يزرعها في أجسادهم. من يماثلونه، لا بدّ من إبادتهم خيرَ إبادة من على وجه الكرة الأرضية، ليتخلّص الناس من شرورهم.
وبينما تناسى رمزي مؤقتًا، وتغافل عن عقابه، كان هناك من يتذكّرونه، ويفكّرون فيه بعمق. بالتحديد في دار الشيخ ضرغام، عمدة البلدة، الذي جلس على عرشه، حِياله كلّ ما لذّ وطاب من فواكه طازجة.
لا يستطيع طرد رمزي من تفكيره، خاصةً كلما تذكّر أنه أفداه بروحه حتى درجة التضحية. يشعر بالذنب، وأحيانًا بالرغبة في معرفته عن قُرب. حاول التلهي، لكنه أحسّ بدافعٍ قوي لاستجلابه إلى السرايا خلال أيام؛ ربما ليعرض عليه عرضًا ماليًا يُعوّضه عمّا حدث له بسببه.
لم يقتصر الانشغال برمزي على مصعب والشيخ ضرغام فقط، بل “چيهان” أيضًا، التي مكثت داخل حجرتها ساعات، تفكّر بخوفٍ من القادم، غير متهيّئة لدخول معركةٍ بلا أسلحة.
تسلّلت إليها برودةٌ هادئة، تحوي معها إصرارًا لا يتزعزع، وكأنه رهانٌ بينها وبين نفسها على أن تغيّره للأفضل، لتحصد ثمرته بعد أشهر، وربما تكون أعوامًا من الزراعة. لم تعرف لِمَ قررت أن تتشبّث بخيطٍ مُذاب، وكأنه النجاة الوحيدة وسط النيران.
فتحت الباب وخرجت، لتجد رمزي مضطجعًا بثيابٍ صيفيةٍ جديدة على أرضية السطح، ويداه أسفل رأسه. خطت نحوه بشجاعة، ووقفت حياله بثبات، وقالت بثقةٍ غريبة:
_لما قولتلك تدخل تتوضى عشان تقدر تمسك المصحف وإنت طاهر قولتلي إنك ارتديت عن الإسلام من سنين بسبب أبوك، يعني دي مكنتش إرادتك، وأنا شايفة إنك تنطق الشهادتين وترجع للإسلام تاني، وأعتقد مفيش مبرر تاني تقدر تهرب بيه، ربنا رحمته وسعت كل شيء، ولو رجعت لعقلك هتعرف إن اللي بتعمله ده أكبر رحمة ليك من اللي ممكن يكون مستنيك.
يتبع…





