روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الحادي والاربعون 41 بقلم رانيا عمارة 

لم يقتصر دمارُ ريم نَفسيًا فقط، بل جسديًا، والعِلة تَنالها من جميع الجهات، لم تَقترف ذنبًا سوى أنها ألقت ثقتها فيمن لا يستحقُّ الثِّقة، منبعُ الأزمات، وقلوبٍ سادها الشَّر، فلا يَهتزوا رُعبًا من الخالق، معتقدين أنّ الفساد الذي يُبثّ في الأرض لا يُحسب، وكأنّهم جاؤوا العالم لينتقموا دون أن يُقتص منهم، لكن عَدل الرَّحمن فوق كل ذي قُوّة، الجميعُ متناهون الصِّغر أمام قُدرته، يكادون أن يَتلاشوا من الوجود.
الحيواناتُ تملك رَحمة عظيمة تجاه بعضِها، فلا غدرَ سوى من البَشر الذين أشدُّ ضررًا من السِّباع، فالمؤذي الحقيقي على وجه الأرض هو الإنسان، الذي فاق حُدود الطُّغيان بمعانيها المختلفة.
الألمُ يَترك جُرحًا عميقًا في النفس لا يُشفى بسهولة، وأحيانًا لا يُشفى من الأساس ليبقى على حاله كما هو. لكن بقدر ما الجروح تترك آثارها، إلّا أنّها تُفيقُ المرءَ من تَخبطاته وأخطائه، تجعله أكثر وعيًا وإدراكًا. فليس ما يُربّي المرءَ والديه، بل الحياة التي كالمَدرسة، تكون قاسية لكنها تَطبع الخبرات والتجارب كعَلامة لا تُنسى في أعماق الوجدان، وتُنير العقل بمواقف الحياة الصَّعبة، تجعل من يحياها أشدَّ رَصانةً وقُوة لا يكتسبها من سِواها.
ما أصعب أن تبني مُستقبلًا في خَيالك يتضمن كل ما يأمله القلب، وفي عاقبة الأمر تكون حصيلتُك الفشل؟ حينها تَتيقن أنّك خائب، وتُخبر ذاتك أنك لا تَستحق الحياة ولو لثانية، وكأنّ الحياة صُنعت خصيصًا لنجاحك في المحطّة الأولى من رِحلاتها… الحياةُ محطّات عِدة، ولا بدّ أن تُلاحق قِطار أحدِها وسط عشرات القطارات، والمُحاولة سيدةُ الفَلاح، هازمةُ الانهزام، تَفتح أزقّةً متأزقةً بالعَزيمة والإصرار.
شُعورًا قاتلًا حينما بَنت ريم حياة كاملة في مُخيّلتها، مُتخيِّلة كيف سيبدوان ليلةَ زفافهما وسط أضواء الفرح المُتوهِّجة، وحشد العائلات المتجمِّعة من أجلهما. تخيّلت كم طفلًا سينجبان، وبأي أسماء سيختارانها، وملامحهما في العجز، وهل سيستمرُّ الحُب إلى الأنفاس المحتضرة أم سينهار بعد أوّل شجار في عُشّ الزوجيّة؟
بعدما كانت تطمح بحياة هادئة بجوار محبوبها، أصبحت الآن أكبرُ آمالها أن تَقصيه من قلبها، وتَتناسى كل ما حدث بينهما. حتى في غَفوتها يدور سؤالٌ واحدٌ بتردّد: لِماذا حدث كل هذا من العَدم؟
فقدت كل ما أحبّته ورَمت عليه آمالها، خسرت الأصدقاء، الحُب، حتى العائلة التي لا تَشعر بآلامها.
خبرُ غِشيانها كان عسيرًا على القلوب الصافية، أمّا التي حَملت بغضاء فارتاحت فرحًا. الحُزن عظيم، وخاصة في قلبها، تَضخم داخل روح لا تَطيق ذاتها.
خَطا “شوقي” ناحية الطبيب مع بعض أفراد العائلة بما فيهم زوجته أسماء، وجميعهم يَتحرّكون بحزن مُخيم على الأجواء، ليسأله بنبرةٍ مُرتعشة:
_ريم كويسة يا دكتور؟
حرَّك “الطبيب” رأسه بإيماءة، مُجيبًا بتأكيد:
_أه الحمدلله كويسة، بس محتاجين حالتها النفسية تتحسن عشان صحتها.
ردّت “أسماء” بحزنٍ، وأشجانها تكبس على روحها، تكاد تخنقها:
_طيب ينفع ندخلها دلوقتي؟
أجاب “الطبيب” باعتراض، موضِّحًا احتياج ريم للراحة لمدّة لا تقل عن نصف ساعة، إلى أن تَستفيق من غيبوبتها:
_لا مش هينفع دلوقتي، نُص ساعة وتدخلولها، وزي ما قولتلكم حالتها النفسية في الوقت ده مهمة جدًا.
ازدادت أسماء بكاءً، مما جعل سهر و”ابتهال” يُعانقانها؛ إحداهما تُربّت على كتفها بشفقة، والأُخرى تُواسيها بالكلمات الطيّبة، قائلة:
_اهدي يا طنط أسماء، عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم… يمكن ربنا شايلها الأحسن، احنا إيه عرفنا بس؟
تحرّك الرجال وراء الطبيب إلى مكتبه، والبعض الآخر إلى خزانة المال ليدفع حساب المستشفى، وبينما الجميع منهمكون في مسؤولياتهم، نهضت منى وهناء بخطوات هادئة حتى أحاطت النساءُ والدة العروس الشاجنة، تلك التي بكت بحرارة، وكفّها يضغط على صدرها بألم، قائلة بتهشّج:
_صعبان عليا يا ابتهال كل ده يحصلنا واحنا فرحانين والناس موجودة وخلاص فاضل على كتب الكتاب دقايق بسيطة… صعبان عليا بعد ما اشترينا شوية من جهازها واختارنا ألوان الشقة والسيراميك كل ده يحصل…
ثم مسحت دموعها بكمِّ فستانها البسيط ذو اللون الكحلي، وتابعت بدموعٍ منهمرة لا تكاد تتوقف:
_هو حرام علينا نفرح بولادنا زي بقية الناس؟ عيالي كلهم راحوا مني، حتى ريم اللي باقيالي ملهاش بخت ولا نصيب في حاجة.
تدخلت “هناء” في الحديث، وأظهرت براعتها في التمثيل الحاذق، مُبدية كامل تعاطفها مما حدث لريم، قائلة بطريقة ملتوية كذيول الأفاعي:
_والله كلنا ما مصدقين اللي حصل ده يا مرات عمي، طب أسألي مُنى، طول الليل بندعي لريم إن ربنا يكملهالها على خير، بس متزعليش والله يمكن زي ما ابتهال قالت يكون ربنا شايلها حاجة أحسن من كده…
ضحكت منى ضحكة خفيفة، لم يلحظها سوى أختها، تلك التي خَبطتها بمرفقها في الخفاء بأسلوب داهٍ لا يراه غيرهما، وتابعت بلطفٍ:
_خير يا مرات عمي، خليكي مؤمنة بالله بس، ومتشيليش الهم!
تحرّكت النساء بأسماء بكل تعاون، يجلسن معها على مقاعد الانتظار، وكل واحدة منهن تلقي عليها دعمًا يطيب جروحًا تضرمت بأحزان قاسية. لم يتوقع أحدٌ منهم ما حدث، فالمجهول مستتر في عالم الغيب الذي لا يتطلعه سوى الرحمن، أما من صَنعت الشر وبثّت فسادها في الأرض، كانت تدرك جيدًا ما سيحدث للطرفين، بيدٍ كتبت مشهدًا حزينًا من دوافع الغيرة القاتلة.
الرجال تحرّكوا سويًا في بهو الاستقبال الرحيب بعيدًا عن السيدات، حتى هم لم يتوقعوا أبدًا الحدث الذي زلزل استقرارهم وزرع الآلام في طريق بهجة العروسين. كيف لعمرو أن يتبدّل بهذه السرعة وكأنه شخصٌ آخر بلا عقل يزن الأمور؟
كان “شوقي” جالسًا، وعلى جانبيه: الأيمن هشام، والأيسر أخاه عصام، وقُبالته الأخوان – عبد الحليم وأسعد – باسطًا كفيه على رأسه كأنه يحاصر الأفكار الشنيعة، متلفظًا بكلماته الساخطة، معبرًا عن حزنه لما وقع، فقال:
_دي مش غلطته، دي غلطتنا إننا ادناله بنتنا من الأول، ده كان كويس معانا من أول يوم لحد قبل كتب الكتاب بدقايق، فجأة اتقلب حاله لدرجة إنه يغلط فينا… بس أقسم بالله ما هيطول ضوفر منها تاني، عمري ما هديله بنتي بعد اللي عمله فينا، كفاية منظرنا قصاد الناس.
رد “عصام” بشفقةٍ عليه، إذ قال بعقلانية:
_قدر الله وما شاء فعل، فكك من اللي حصل، عوضها هيجي، محدش بياخد غير نصيبه، قول الحمدلله!
تنهد “شوقي” بحزن، ورفع بصره إلى السقف، موجّهًا حروفه إلى السماء، وقال بتعاسةٍ:
_الحمدلله.
مرّت الدقائق بتبرّم، كل لحظة كانت تتفاقم فيها الأوضاع الآسنة، العائلة التي تحرّكت باضطراب بين زوايا المستشفى، جميعهم منتظرون الوقت المناسب ليدخلوا إلى ريم في حجرتها ويقدّموا إليها المَعونة النفسية، فيما أسماء لا تزال باكية برجفةٍ سحقت فؤادها الذي لم يعد يحتمل الفُراق.
انقضت الأوقات حتى حانت اللحظة التي استفاقت فيها ريم من غشيانها، عيناها تنفتحان برفق داخل حجرة واسعة، ألوانها قاتمة مثل المشاعر المتكدّسة في سريرتها تمامًا، لكن الضوء المتسلّل عبر النافذة كان كضيّ الأمل في نفقٍ مُظلم. يدها اليسرى تؤلمها من آثار الكانيولا المثبّتة بإحكام فيها. وجدت العائلة حولها، والدتها تقف بجوارها بفيض من الارتياح بعدما استفاقت من غيبوبتها وعادت إلى عالم مليء بالآلام، منى بجوارها تواسيها في محنتها، ناشبة باليد اليمنى، والجميع حولهما بقليل من الهدوء.
لامست “أسماء” يدي ريم بحنان، وقالت بابتسامةٍ منقوشة على وجه فاض دمعًا:
_حمدالله على السلامة يا ريم، الحمدلله جات بسيطة والدكتور علقلك محلول حديد….
ثم حركت كفها على رأسها بلُطف، وقالت بابتسامةٍ معكّرة بالحزن:
_بقيتي كويسة؟
بمجرد أن تذكّرت “ريم” ما حدث، انزلقت دموعها بغزارة، متسائلةً لما عادت إلى واقعها الحالك بالمخاطر من جديد؟ فقدت محبوبها بعدما فقدت كل شيء، وباتت وحيدة تتخبطها الحياة بيدٍ قاسية، وتزيحها إلى أعماق الوحدة المؤلمة.
كان معها في أمورها السيئة قبل الجيدة، يشاركها الحزن ويستاء عليها من ذرة التراب، الآن تلاشى بعدما شرخ قلبها بما فعله، اتضحت الأمور إليها وروحها تحن إليه، لكنه اختار ذاته وغادر، تاركًا النيران تلتهمها من أصوابٍ مختلفة. جالت بعينيها الباكيتين، وقالت بنبرةٍ خافتة لا تُسمع:
_سابني يا ماما، باعني وأنا معملتش حاجة، صدقهم وكدبني وداس على قلبي ومشاعري….
قطعت “أسماء” حديثها وهي تُربّت على جبينها بهدوء، مُرددة بحزن:
_معلش يا ريم يا حبيبتي، مكنش من نصيبك من الأول، مكنش ليكي، اهدي بس واحنا هنجوزك لسيد سيده، بس اهدي!
انفجر صوت “ريم” بكلماتٍ صاخبة، وهي تقول بنواح:
_لما هو مش ليا بيدخل حياتي ليه؟ ليه ربنا يعلقني بيه وفي الآخر يسيبني ويمشي؟ ليه الدنيا بتفرح لتعبي ووجعي يا ماما؟ ليه؟
انغمست “منى” في الحوار، وقالت بابتسامةٍ مريبة تسكنها أفراح صاخبة تكفي بلادًا برمتها من شدتها:
_خلاص بقى يا ريم، متكبريش الموضوع، يعني هو إنتي أول واحدة تفركشي؟
عدّلت “هناء” حديث أختها وكأنها المحامية خاصتها، تقدّمت بخطى رزينة نحو السرير، وقالت بابتسامة:
_لا يا منى ما هو برضه اللي حصل يوجع أي حد، ريم اشترت حاجات كتير من جهازها، وعمرو كان فاضله حاجات بسيطة في الشقة، بس لولا النصيب اللي بيخرب أي حاجة….
وأردفت لريم بدعمٍ:
_شدي حيلك يا ريم، مانا زيك أهو كنت مخطوبة ومحصلش نصيب بس ربنا في الآخر كرمني بهشام، بكرا ربنا يعوضك باللي يستاهلك.
عانقت “أسماء” ابنتها ريم وحاوطتها بجناحي الأمومة الحامي، كأن طاقة دعم خفية تتسلل بلُطف من قلبٍ داعم إلى قلبٍ أرهقته الأيام. مرّرت أناملها بلُطف على جبينها وهي ترتجف بؤسًا، تراها وكأنها لا تزال طفلةً في العاشرة من عمرها تحتاج الأمان والدعم، وقالت:
_احنا مؤمنين بالله ومش هنعترض على قضاؤه، أكيد ربنا بعده عنك عشان فيه شر ليكي احنا منعرفوش، بس تأكدي يا ريم إن ربنا مش هيضرك ولا هيحرمك من حاجة إلا وفيها ضرر ليكي.
ربّتت أسماء على كتفي ابنتها بمواساة، تُزيل عنها دمعًا كجمرِ جوى الدماء، مستشعرةً مدى النكبة التي أصابتهم في لحظة فرحٍ تحوّل إلى جنازةٍ مشعّة بالبكاء، وكل واحدٍ منهم يسعى جاهدًا إلى إخراجها من ظلمةِ الحزن إلى نور الواقع الذي لا بُدَّ من المَحيا فيه.
الكُرَب بلغت ذروتها لدرجةٍ لا تُحتمل، الجميع يعانون من ابتلاءاتٍ أشكالًا وأنواعًا، نعم لا يطيقها إنسانٌ ولا يستطيع مواجهتها بهذا اليُسر، إلّا أن الذي يعاني من المشكلات الروحانية، وخاصة السِّحر الذي يربط الإنسان من جميع جوانب الحياة –صحيًا، نفسيًا، ماديًا، اجتماعيًا، عاطفيًا– وغير ذلك، يعيش مقيّدًا عن كافة ملاذ الحياة.
إن أحبَّ غدره مَن يُحب، وإن سعى في مشروعٍ مهني فشل لأسبابٍ وكأنها تفجّرت من سفح الأرض فجأةً. يُخطط في ذهنه، وبمجرّد التفكير يجد كل شيءٍ قد زُرِع بالتعقيدات في لحظاتٍ مفاجئة. يتمنّى الزواج فينتهي بمشكلاتٍ وعراقيل، على الرغم من وجود الحب لدى الطرفين.
حتى من يتمنّى النجاح الدراسي يجد فشلًا ورسوبًا بدلًا مما كان يطمح إليه. سُمِّيت “العَكوسات” لأنها عكسُ كل ما يتمناه المرء ويتوق إليه؛ تستهدف تعكير صفوه بكل ما يكرهه ولا يطيق وجوده في حياته، عن طريق “عارضٍ” لعين يعترض خططه بتسخيرٍ من جندٍ من جنود إبليس لعنه الله.
ظلّت العائلة حتى الساعة الواحدة ليلًا في جوف المستشفى إلى أن بدأت ريم تتحسّن صحيًا وتستمدّ قُوّة طاقتها، ومن ثم عادوا بها إلى المنزل. كانوا يعتقدون أن انكفاءهم لدارهم سيكون بسعادة بعد إتمام عقد قرآن العروسين، لكن القدر أهداهم فِراقًا شتّت شَملهم، ونسج القهر على وجوههم.
دخل شوقي وأسماء يساندان ابنتهما، ووراءهما عصام وزوجته علياء، أمّا منى فصعدت إلى المنزل لترتاح من مشقّة الطريق، فكان يومًا حافلًا بالمشكلات المتواصلة.
دخلوا بها إلى حجرتها فجلست على سريرها مغمضةَ الجفنين، كأن النظر يُرهق قلبها ويُذكّرها بكل ما حدث. وإلى هذه اللحظة لا تزال تشعر بأحزانٍ كالمسامير المغروزة في أعماق فؤادها. وبعدما اطمأن “عصام” على ابنة أخيه، التفت نحو شوقي وقال:
_احنا هنسيب ريم ترتاح بقى، والصبح هننزلكم نقعد معاكم شوية… تصبحوا على خير.
رد “شوقي” باستياء شديد ساكنًا على وجهه:
_وإنت من أهله.
ربتت علياء على كتف أسماء في صمت، وخرجت وراء زوجها حتى صعدا إلى دارهم بخطى تصف عمرًا شُغِر بمآسي العجز، والخطوات الثقيلة المحسوبة، هنا قد عادت الحياة إلى مسارها الحقيقي عدا روح ريم المضنية بآلام لا تشرحها الألسنة، فقط بالعيون يُحكى كل شيء، وفي تلك الأثناء المليئة بالحزن، قالت “أسماء” بنبرة حزينة:
_أساعدك تغيري الفستان يا ريم؟
صرخت “ريم”، وأزاحت علبة المناديل الورقية من الطاولة المجاورة لسريرها بعنف، وقالت بلا استيعاب:
_لا سيبوني في حالي! سيبوني!
رد “شوقي” بتعجب، وكأنه استعاد قوّته وعاد إلى طبعه الحاد، ليقول باعتراض:
_هو في إيه؟ هتعملولنا مناحة على واحد ميستاهلش؟ ما خلاص راح لحال سبيله، هنعطل نفسنا ونقعد نسمع العياط والنحنحة؟ نصيبك ومحدش بياخد غير نصيبه، خلاص خلصنا!
اندهشت “أسماء” من أسلوبه الجاف، الخالي من أي حنانٍ أبوي قد يقدمه تجاه ابنته في أوقاتها الحزينة، فالتفتت نحوه وقالت بانتقاد:
_إيه الأسلوب ده يا شوقي؟ هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟ واسي البنت بكلمتين يهونوا عليها، مش كده!
خرج صوت “شوقي” عاليًا، وهو يصيح بطريقة فظة تفتقر إلى الإنسانية، فقال:
_ده أسلوبي ومش هغيره، اللي عاجبه عاجبه واللي مش عاجبه يخبط دماغه في الحيط… أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقص وجع دماغ يا أسماء، الموضوع انتهى وملهاش نصيب فيه يبقى منقعدش نوجع دماغنا بكلام مالوش لازمة بقى!
أزاحته “أسماء” برفق خارج الغرفة، وصكت الباب حتى لا تزداد أخطاؤه وتتفاقم لدرجة وكأنها القشة التي قسمت ظهر البعير. ظلت ريم على سريرها تنتحب بحرقة أشدّ، منصتة لصياح والدتها لوالدها خارج الغرفة، وهي تُشكل أفعاله بما يتناسب معهما، قائلة بسخط:
_يا أخي حرام عليك، هتفضل لحد امتى قاسي ومش بتتعاطف مع حد؟ هو إنت مستهون باللي حصل لريم؟ أي واحدة غيرها كانت عملت أكتر من كده كمان!
ظلا يتشاجران حتى دلفا إلى حجرة النوم، فأوصدت والدتها الباب حتى لا تصغي إلى ما يقولانه فتزداد كراهيتها لوالدها وتنفر منه، بعدما سبب لها عقدًا نفسية شنيعة تعاني منها منذ الصغر وحتى هذه اللحظة. دومًا ما كانت تشعر وكأنها يتيمة الأب، مفتقدة إلى حنانه الحقيقي، تجد آباءً حنونيين يدللون بناتهم بالفعل والكلمات المعسولة التي تزيدهم استحقاقًا بالنفس وتجعلهم أقل عرضة للسقوط في علاقات فاسدة لمجرد تعطشها إلى الحُب.
ازداد نواحها ودفنت رأسها في وسادتها بدموعٍ مكتومة وأنفاسٍ تعلو، وظلت نصف ساعة تبكي متواصلة بلا توقف. حتى قبضت على هاتفها وفتحت تطبيق المراسلة، دخلت إلى رقم عمرو، وجدته قد حظرها، ما جعلها على شفة الجنون من سلوكياته المتغيرة في لحظات.
كان يخبرها في آخر رسالة بمدى حبه واعتزازه بها، ما دفعها لتنقلب إلى صراخٍ وتلقي هاتفها على السرير بقسوة. بدأت ترتجف بجنون، وقد ذاب المكياج على وجهها تمامًا، وجنتاها متدنّستين بقتمة الكحل، وأنفها محمرّ وجفناها متورّمان قهرًا، فالآن لا نصيب مع الحب.
قفزت على الأرض بصراخٍ هادر، ثم هدأت بتصرّفات عشوائية غير متزنة. صديقاتها اللواتي دعتهم لعقد القرآن لم يهتمن بالرد أساسًا، قابلهن بالبرود، حتى من ردّت لم تحضر، وكأن ريم لا تمثل لهن أي أهمية من الأصل.
خطت “أسماء” على وقع صراخ ريم إلى داخل حجرتها، فأغمستها بين ذراعيها، والأخرى تتهشّج بقهرٍ عظيم، نيران ملتهبة داخل صدرها تتفاقم باشتداد. جلست معها على السرير، مربّتةً على رأسها بلمساتٍ حانية، حتى مدت أصابعها نحو علبة المناديل وبدأت تجفف لها دموعها، ومدّتها بكل ما في استطاعتها، قائلة:
_لو عرفتي حكمة ربنا من اللي حصل، عمرك ما كنتي هتزعلي لحظة…أه هتزعلي شوية على الذكريات الجميلة والمشاعر الحلوة ما بينكم لكن في مثل بيقول يا حبيبتي: تعب ساعة ولا كل ساعة، لو إنتي في شوكة دخلت في إيديكي، مش هتوجعك طول الوقت؟ هتوجعك طبعًا، طب لو روحتي للدكتور يشيلهالك؟ هتوجعك شوية بس بعد كده هترجعي البيت وكل يوم الألم يخف يخف لحد ما يختفي خالص وتنسي إنه كان موجود… الفراق مش بيموت، اللي بيموت بحق وحقيقي هو إنك تكملي في علاقة كانت غلط من الأول…
جففت “أسماء” دموع ابنتها، واسترسلت بحكمٍ رزينة:
_أهو صدق عننا كلام محصلش وإنتوا لسه مخطوبين، أمال لو كنتوا اتجوزتوا وخلفتوا ودخلتوا في الجد، كان وقتها لما تفكري تسيبيه؟ هيبقى في رقبتك عيل واتنين وتلاتة ووقتها هتطلقي، لكن إنتي أهو الحمدلله آنسة وبطولك وألف مين يتمناكي يا ريم….
نطقت “ريم” ببكاءٍ عالي، مشفقةً على روحها، وكأنها شحاذة تطلب من الدنيا أقلّ الأماني لكن بلا جدوى:
_محدش بيتمناني يا ماما… أنا عمري ما حسيت إني بني آدمة زي بقية الناس من حقي أحب وأتحب، كل ما أتعلق بحد وأتعشم بيه يجرحني ويدوس على قلبي ويسيبني ويمشي، بيدخلوا حياتي بيخربوها، عمرو أنا حبيته بجد وتخيلت معاه كل اللي كان نفسي فيه، بيت وأسرة هادية وحب ومودة بينا، بس في الآخر اتكسرت زي ما كل مرة بيحصل.
تشبّثت “أسماء” بكفي ابنتها، ونظرت في عينيها بثقة، وقالت بابتسامةٍ مطمئنة:
_ربنا هيعوض عليكي باللي يستاهلك… اللي يصدق الناس ويكدبك ميستاهلش إنك تزعلي عليه ثانية، فوقي لنفسك وارمي اللي حصل ورا ضهرك!
ردّت “ريم” بأسى، غير قادرةٍ على تحمُّل المزيد من الحزن، وقالت:
_مابقتش قادرة، أنا تعبت أوي، والله تعبت!
ربّتت “أسماء” على يديها بحنان، مظهرةً تعاطفها معها، وقالت:
_هتقدري والله، اهدي بس!
ثم ضمَّتها إلى صدرِها بحنانٍ متزايد، تُمرِّر يداها على ظهرِها بلُطف، مَسحت على أحزانِها بمحبةٍ أُموميّة صادقة. لم تَشعر ريم بكلِّ ما تَعيشه كأنها داخل كابوسٍ مُفزع، بدأت ترتاح وهي تَغفو في أحضان والدتِها بفستانها الأبيض الذي تَعكرت بهجته بهجران محبوبِها لها.
بدأت عيناها تَنغلقان شيئًا فشيئًا بعد ساعاتٍ من البكاءِ المرِّير، حتى غَفت واندمجت في نومٍ عميق كان ملجأَها الوحيد للفرار من الكارثة. فرفعت والدتُها الغطاءَ فوق جسدها، ورَبتت على رأسها برأفة، ثم نهضت لتُطفئ الأنوار وتخرج وتَصُك الباب برفقٍ وراءها، ودخلت إلى حجرتِها تُغير ثوبًا ابتلَّ بدموع الأسى، محاولةً تناسي ما حدث.
مَرَّت الأيّام لكن الحُزن لا يُغادر ريم، تلك التي انفردت دومًا في حجرتِها تنتحب بمرارة، لا تُطيق النظر في عيني أحد، ولا أن تُعامل بشرًا كانوا منبعًا لزيادةِ آلامِها.
لم تجد راحةً في مُجاورتهم، بل وجدَتها في الانفصال عن العالم. كانت تَسعى جاهدَة أن تقرأ الروايات لكن بلا شغف، ما يجعلها بعد أول صفحة تَضع الكتاب جانبًا بضيقِ صدر. حتى المسلسلات، التي وكأنها تقضم جُزءًا صغيرًا من كلِّ حلقة، دومًا ما تَمسك بهاتفها على أملٍ أن يتحقق المُستحيل، وتجد رسالة اعتذار طويلة من عمرو، يُعبر فيها عن نَدمِه فيما حدث. لكن صورتَه الشخصيّة لا تزال في اختفاء، دلالةً أن الحظر لم يُلغَ بعد.
هناك في الواحات، الغَرام يزيد، والإعزاز يَتَّخذ مساراتِه بين اثنَين لم يَشعُرا بحقيقة مشاعرِهما إلا في هذه الفترة. وفي دار عائلة فهيم، كانت النساء يذهبن يومًا إلى حجرةٍ مصنوعة من “البوص” بلا سقف، وكأنها مَسرح مَن يجلس فيه يُشاهد جمال السُّحب في السماء، مفروش بسجادة بسيطة، وفي مُنتصفه فُرنٌ طُوبي بسيط.
قررت غزالة أن تَصطحب چيهان مع غيداء وصبا لصِناعة الخُبز البدوي، بهدف إخراجها من وحدتِها والمَلل الذي تَحسّه كل ليلة. أُعجبت “چيهان” بالفكرة ووافقت عليها، لكنها قبل أن تَتخذ أي قرار نهائي، قررت أن تأخذ موافقة رمزي تقديرًا لمنزلتِه في حياتها. فرفعت هاتفَها بتردّد، واتصلت به وهي خجولة من حديثِهما سويًا، إلا أنها كانت مُضطرّة لتُخبره بوجهتها. وبعدما استجاب للمكالمة، قالت:
_طنط مصممة إني أروح معاهم وهما بيخبزوا، أنا قولتلها هشوف رمزي وبعدين هرد عليكي، حبيت أعرفك.
في تلك الأثناء كان “رمزي” مُضطجعًا على الأرض في خيمة خاله فهيم، وناجي يتحرَّك قُبالة الخِيم بليونةٍ يصنع الشاي لرجال البدو من الأقارب.
أحسَّ رمزي بهُدوءٍ يَتسلَّل إلى قلبِه وهو يُصغي إلى صوتِها النّاعم، مما جعله يعتدل ويُغيِّر وضعيّتَه بالجلوس، ثم أعْدَل الهاتف باكتراث، وقال:
_وعشان إنتي احترمتيني وممشيتيش من ورايا، مش همنعك، بس هتروحي بشرط! متبعديش عنهم ولو لثانية واحدة، ولما تخلصوا رني عليا آجي أخدك!
ارتبكت “چيهان”، فأصابها شعورٌ وكأنها مع زوجٍ لها تتناقش معه في أمورها الشخصيّة، بل ويضع شروطًا نبَعت من قلبٍ ارتاع خوفًا عليها. فردت بتَلجلجٍ واضح:
_هو إيه ده؟ هو أنا صغيرة لما أرن عليك تيجي تاخدني؟ مانا زي ما روحت معاهم، هرجع معاهم عادي.
رفض “رمزي” النِّقاش في ذلك الأمر، فخرج صوته حازمًا، لكن بأسلوبٍ لطيف، وهو يقول:
_چيهان! اسمعي الكلام هو مش أي عِناد وخلاص! وإلا متروحيش خالص، لو حصلك أي حاجة في السكة أنا مش هسامحك.
اندهشت “چيهان” من حديثه، فأبدت تعجّبَها، قائلة:
_يعني إيه لو حصلي حاجة مش هتسامحني؟ أديك قولت حصلي أنا مش حصلك إنت.
تنهد “رمزي” بعمق، وطوَّق ذِراعه حول رأسه، فزفَر بضيق، وأجاب:
_ مبتعرفيش تسمعي الكلام من سكات لازم كل كلمة تسألي وتعملي تحقيق…
وتابع موضحًا عواطفه القلقة نحوَها:
_أنا عايزك ترجعي لأهلك زي ما جيتي، ولو بعد الشر حصل حاجة هحس بالذنب ناحيتك، وده عشان مصلحتك إنتي مش عشاني!
سألته “چيهان” باستفزاز عن سؤالٍ يخشى وقوعَه على أرض الواقع، ما فرَّ منه هاربًا طويلًا، مُحاولًا إقصاء ولو الفكر فقط من ذهنه. فقالت:
_عادي يعني إيه المشكلة لو حصلي حاجة؟ هفرق معاك في إيه أساسًا؟
مرَّر “رمزي” كَفه على وجهه بغضب، منزعجًا من سؤالِها الذي، إن حدث، للَفَظ أنفاسه الأخيرة قهرًا عليها. صمت لبرهة، ثم قال:
_تريديني أموت صح؟ لا تخرّچيني عن شعوري يا چيهان وتحزنيني منك، ما أبي كلامي يكون قاسي معاكي، إنتي ما تعرفي الخوف اللي چوّا قلبي عليكي كيف… روحي يا چيهان وديري بالك على روحك، وزي ما قِلتلك، لما تخلصي رني عليّ أچي آخدك!
تنهدت “چيهان” بحيرة، وقالت بنبرةٍ ودودة:
_طيب، مع السلامة.
ردَّ “رمزي” بلُطف، مسلطًا الضوء على مشاعره المدفونة:
_سلام.
انتهت المكالمة بينهما بأفئدةٍ تَتَرَقَّص عشقًا، فوضع رمزي هاتفه على حافة الوسادة، وضمَّ كفيه إلى رأسه وهو يتلفَّظ أنفاسَ الحب. وفي تلك الأثناء، والقُلوب تتطاير داخل الخيمة، دَلَف “ناجي” حاملًا كوبين من الشاي، وجلس إلى جانبه بابتسامةٍ عريضة، وقال:
_عوّاد مولع بالغرام، نفسه تكون وياه بس ما في حيلة.
مدَّ “رمزي” يداه ليقبض على كوبِ الشاي، ثم ارتشف منه قليلًا، وعيناه تُجولان حوله بانشغال، حتى رفع بصره إلى ناجي وابتسم بسخرية، وقال:
_عوّاد اللي تحكي عليه ما له نصيب فيها، ما ياخذ إلا وچع القلب وهو يشوفها تضيع منه كل يوم عن قبل، ولما كل واحد يرچع لحياته، ساعتها عوّاد صفحته انقفلت.
ضحك “ناجي” بدهاء، مُستخدمًا تلميحاتٍ مفهومة من كلا الطرفين، ليتساءل بفضولٍ:
_ويا ترى عوّاد يعرف إنها شايلة نفس الهوى، ولا من طرفه لحاله؟
زفرَ “رمزي” باختناق، وأجابه بالحقيقة التي يَحسُّها من أعماق فؤاده الولهان:
_حاسس بس تلقاه ما متأكد… وبعدين خلاص، لا تحكي عن عوّاد، ما ورانا غيره ولا شو؟
ثم ارتشف من الشاي مرةً أخرى بملامح قاضِبة، وتابع باشمئزاز:
_شايك مُر مثل الحبر، يا ريتني ما ذقته.
ضحك ناجي بجَذل واحتسى مشروبه الساخن، رامِقًا رمزي بنظرات شك فكاهية. الوضع الآن أصبح مكشوفًا دون كلمات، لدرجة لاحظها الأغلبية، لكن رمزي لا يرى حلًا سوى السكون، في علاقة مستحيلة لن تتحقق، وإن خطى بذراعيه بدلًا من قدميه، ولو سقطت السماء على الأرض في عناق عنيف، لن يحدث ما يتوق إليه فُؤاده. فالعلاقات المشابهة لهذه العلاقة يتعارض معها الدين والمجتمع، لن يمنحهما القدر الفرص حتى للتجربة، وستكن محتمة بالفشل لا محالة. هذا ما كان يراه رمزي بعين العقل التي لا تُخطئ في موازنة الأمور.
خرجت چيهان مع غَزالة وصَبا وغيداء إلى موطن الإبداع، حجرة البوص المتباعدة عن المنزل باثنين كيلو مترًا. كانت غيداء تَسير إلى جوارِ صبا وچيهان، وغيداء تُعقبهم.
تميزت حياة البدو بشوارعها الصحراوية الواسعة، المنازل شُيدت بالحجر الجيري أو الرملي، المسعفين بالنخيل أو القصب لأسقف عالية. لكن لا تزال مظاهر التجدد موجودة لبعض البدو الذين صنعوا منازل حديثة فاخرة بالطوب الأحمر، تبدو وكأنها أحياء للأثرياء كما في المدن تمامًا، والأطفال تلهو في الشوارع بالطائرات الخشبية التي صُنعت داخل جميع منازل المصريين، وذيولها من الشرائط الورقية المرفرفة بين الرياح.
وبعد دقائق، وصلت غزالة بالفتيات وفتحت الباب بالمفتاح، فدخّل الجميع إلى الحجرة. كانت مساحتها خمس في ثلاث أمتار، مرصعة بالبوص، والتنور الطيني جاهز للاستخدام. جلست النساء جميعهن فوق الحصير المصنوع من سعف النخيل، والأقدار النحاسية والبلاستيكية مُتراصة إلى جانب أدوات العجن والخبز.
وبينما الأياد تتعاون لوضع وعاء بلاستيكي واسع ونخل الطحين، كانت كل واحدة منهن تقوم بدور خاص عن الأخرى. غزالة ثَبَّتت الوعاء بيديها، وغيداء تفرغ لها الطحين بكمياته الكبيرة داخل الغربال، فتبدأ الوالدة برجه فينفصل الطحين الناعم عن المخرز، أما صَبا فتذيب السمن البلدي داخل القدر على بابور الغاز. چيهان كانت تتابعهم في صمت، مكتسبة مهارات جديدة لم تُقابلها في دار العائلة.
أسكبت غيداء الماء الدافئ بالتدريج على الطحين فيما والدتها تُعجن بمهارة، وتدمج المكونات مع بعضها بسرعة.
رشت صبا القليل من الملح على الخليط، وبعد مجهود شاق لجعل العجين ناعمًا، بدأت صبا تصب السمن فوق العجين، وغزالة مستمرة في دمج المكونات ببعضها حتى تمام الاندماج. كانت الرائحة مميزة، تحوي مظاهر الإجادة الرهيبة. وبينما تُترَك العجين ليرتاح لمدة نصف ساعة، التفتت “غزالة” إلى چيهان وقالت ببسمة سَمحة:
_چيهان بقى، بتساعدنا وحنا نبطّط العچين ونخبزه كمان، ويطلع منها مثل السكر.
ضحّكت “صبا” مُقابلة يقين حماتها بنفس الثقة، فردت بالنيابة عن چيهان، قائلة:
_بيطلع أحلى خبز في الدنيا كلها، كفاية بس چيهان تحط إيديها فيه.
ابتسمت “چيهان” برِقة، وقالت بصَوتٍ عَذب:
_ربنا يخليكي يا طنط إنتي وصبا، أنا صحيح معرفش بصراحة بتعملوه ازاي، بس اديني بتعلم منكم.
قهقهت “غزالة” بنبرةٍ عالية، مؤكدةً أن چيهان ستبدع في صُنعها، فتخرج الإبداع الكامن في روحها لتبهرهن. لذلك قالت بودادٍ:
_بتشوفي وبتتعلمي، وبتصيري أحسن منّا بعد.
انقضت نصف ساعة في تبادُل الأحاديث بينهنّ، وكأنّهنّ يسلين أوقاتهنّ إلى أن تحين الخطوة التالية. فالآن انقسمت النساء إلى ثلاثة أجزاء: الأول – غيداء وغزالة – تقسمان العجين إلى كور صغيرة متساوية وترصانها داخل صينية نحاسية واسعة، الثاني – چيهان – تُفرد الكور بالنشابة لتصل إلى سُمك أقل وحجم أكبر، أما الثالث – صَبا – التي أشعلت فرن الحَطب، وبدأت تضع فيه الخبز المبطَّط.
أقل من دقيقة وينتفخ الخبز بشكل ملحوظ فتخرجه بالملقاة وهي عصاة طويلة تشبه المجرفة نوعًا ما، ثم تضع الخبز في وعاء واسع مغطى بالفراش. استمرت العملية لأربع ساعات كاملَة، وخلالها كان رمزي كل نصف ساعة يتصل بچيهان ليطمئن عليها، ما أثار استغراب النساء من اهتمامه المُفرط بها.
فبعدما انتهين من المهمة الشاقة، اتصلت چيهان برمزي لتخبره كما أمرها. لم تمر رُبع ساعة حتى وصل إليهنّ برفقة ناجي، كانا يسيران بجانب بعضهما في شوارع البلدة. “ناجي” الذي استغرب خوفه عليها بطريقة مبالغة كمن يحمي قطعة أثرية من النهب، فخرج صوته وهو يقول بازدراء:
_ياه يا رمزي، عليك سوالف! حنا خطوتين ووصلنالهم، ليش خايف عليها بهالشكل؟
أجابه “رمزي” بإيضاح، إذ كان مُنذعرًا عليها من أن يتكرّر الموقف الذي حدث لها في غيابه. لكن الظروف حينها حتمت عليه قيودًا لم يختَرها، فيخرج للدفاع عنها. لقد تعهّد مع نفسه ألا يُصيبها مكروهًا لا في وجوده ولا غيابِه، فقال:
_بعد اللي صارلها وأنا غايب ومسچون، من حقي أخاف عليها يا ناچي، وبعدين خلّك ساكت أحسن.
وقفَا الاثنان قبالة الحجرة، مستنشِقان روائح الخبز السائغ، تبدو شبيهة إلى حدّ كبير بروائح المخبز، ما يرجع إلى براعة النساء وإجادتهنّ لفنون الخبز. وبمجرد أن بصَرَتهما “غزالة”، ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بمَسرة لرؤيتهما:
_كيفك يا رمزي يا ولد الغالية؟
ردّ “رمزي” ببسمةٍ هادئة:
_بخير يا عمة غزالة، شو أخبارك؟
مدّت “غزالة” يَداها داخل الطبق الواسع، تجمَع الكثير من الخبز بسخاء فائض، في نفس الأوان الذي قالت فيه محبورة:
_الحمدلله والله….
ثم ملأت وعاءً بلاستيكيًا ببعض الخبز الشهي، وقالت بابتسامة:
_ذا ليك إنت وچيهان، ودير بالك، چيهان هي اللي سوتهم بإيديها الحلوين، ذي طلعت حيلة بشكل!
ارتسمت البسمة على شفتي “رمزي” بفخرٍ، فنظر إلى چيهان فَجَدَها خجولة، تعبث في أصابعها بحياء، لا تنطق ولا ترمقه، بل مجاورةً لصبا وكأنها تحتمي فيها من شُعَفة الإحراج. فرفع بصره إلى زوجة خاله، وقال بتمدح:
_چيهان من يومها وهي حيلة، دي أحسن واحدة تطبخ، دي لو فتحت مطعم، الشيفات يقعدوا بالديرة يا مرت خالي.
كلّما مدَحها ازدادَت دلالًا. كيف لا تسقط رغمًا عنها في الغرام بعدما وجدت كلّ ما تطمَحه فيه؟ عدا المعضلات الجانبية التي تعيق أي علاقة من الاستمرار.
لا كمال في شيء، الجميع، مثلما يمتازون بميزات، تتأثر شخصياتهم بسلبيات، وهذا مألوف في الطبيعة البشرية. ضحكت چيهان بخجل، فضحكت صبا وغزالة هما الأخريات. وبينما “غزالة” تمدّ رمزي بالوعاء، قالت بمدح:
_باين عليها والله يا رمزي من غير ما تحكي، أكيد أمها كانت حيلة، عشان كذا طلعت حيلة مثلها.
ابتسم “رمزي” برِقة، ورفع هاتفه لينظر إلى الساعة. بات موعد العمل قريبًا، لا بدّ أن تغادر چيهان إلى المنزل ليطمئنَّ أنهَا بخير. ثم رفع عينيه وقال:
_طيب يا مرت خالي، أنا باخد چيهان وبنرچع للدار، عندي شغل كمان شويّ.
تمددت يَدَا “غزالة” نحو الخبز لتجمَع البعض من أجل صبا وناجي، وهي تقول بانشغال:
_ماشي يا غالي، ديروا بالكم على نفسكم!
نهضت چيهان بخجل حتى خرجت وراءه، فيما ولج ناجي وجلس إلى جانب والدته وأخته وزوجته يأكل الخبز ويحادثهم في أمور عائلية هامّة.
تحرّكت چيهان بجوار رمزي وهو يحمل الوعاء، يسيران في الشارع متجهين إلى المنزل، وقد أصرّ ألا يحملَها شيئًا، رافضًا أن يُثقل كاهلها ولو بقُشّة صغيرة.
وبينما كان منغمسًا في طريقه، رمقته چيهان بنظرات مستهامة؛ فبرغم ما يعلمه قلبها من سلوكياته الخاطئة، رأت فيه حصنًا منيعًا وسندًا راسخًا، رجلًا حقيقيًا هو الوحيد الذي يمنحها دفء الأمان الذي لا تجده إلا معه.
ابتسمت ابتسامة سريعة وأدارت وجهها ناحية أخرى، ليباغتها هو بذات النظرات الصامتة التي تتحدّث عن حكايات الألم. ظلّا على هذا الحال حتى وصلا إلى المنزل، فصعدا معًا. وبعد أن وضع “رمزي” الوعاء على الطاولة، تحرّك نحو الخارج حتى استقر عند باب الشقّة، وقال:
_أنا ورايا شغل كمان شويّ، ما هرچع إلا الصبح، لا تطلعين من الدار، لو محتاچة شي قوليلي وأنا أچيبه لك قبل ما أمشي.
شبكت “چيهان” أصابعَها ببعض، وأمالت رأسَها للأسفل بخَجل، وردّت بخِفة صوت:
_لا شكرًا… ترجع بالسلامة.
ردَّ “رمزي” وهو يتحرَّك إلى الخارج بثَبات:
_الله يسلمك.
صكَّ رمزي الباب واتّجه إلى عملِه في نفقِ بيارون، لم يمرّ ككُلِّ مرّة نحو رجالِ الغُفر، بل اختصر الطريق، وقفز فوقَ الشَّجرة، وعبر من الأنبوب بنفس خُطوات كل مرّة.
وصل إلى المدخلِ الواسع بمفترقِ الطرق، لكنَّ نفسَ الباب الذي عبره كأنّه قُيِّد ليفتح الفُرصة للعبور من بوّابةٍ جديدة، في رحلةٍ أشد مغامر وحماسيّة. لكنّه قبل أن يُفكر حتّى بدفعِ البوّابة، سمع صوتًا يتحرّك في نفسِ الطَّريق الذي سلكه. التفتَ حوله، فوجد ناجي. فما الذي جاء به إلى هنا بمُفرده دون أن يُطلب منه؟! لربّما اكتسبَ شجاعةً مُفاجئة. فسأله “رمزي” باستغراب:
_وش اللي چابك هني يا ناچي؟ كيف دخلت ووين وصلت لين هنا؟ وبعدين أنا ما قِلت لك إني چاي.
أجابه “ناجي” بصَراحة، مُبينًا خوفه عليه من عواقبِ نفقِ بيارون:
_حسيت إنك چاي لهني، اتصلت عليك من برا ما رديت عليّ، قٌلت لازم أدخل واللي يصير يصير… يا رمزي أبوس إيدك لا تكمّل في المشوار هذا، آني قلبي عليك، وخايف من اللي يمكن يصير لك.
اندهش “رمزي” فأبدى استغرابَه من حضوره، قائلًا:
_أنا مستغرب وچودك هني… أطلع يا ناچي، ما في حد بينأذى غيرك إنت، على الأقل أنا عارف وش أسوي زين.
نطق “ناجي” بإلحاح، متمنيًا لو أن يُنهي أفكاره بالخروج من هنا في أقرب فرصة قبل فوات الأوان:
_يا رمزي اسمعني عشان خـ….
انقطع حديث ناجي على انفجار إحدى المصابيح، فانقطعت باقي الأضواء وبات النفق مظلمًا، وظهرت أصوات غامضة تحمل قصص الرعب بمعانيها. تبدو اللعنة وكأنها ستحطّم الجميع، بما فيهم ناجي الذي تجرأ على عبور النفق ودماؤه دخيلة على جنود قصيان. حين يظهر القصاص، سيسلك منحنيات تصعق كل من بات في طريقها.
يتبع…..
الثاني والاربعون من هنا
زر الذهاب إلى الأعلى