روايات شيقة
رواية إيبار الفصل الحادي عشر11 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل الحادي عشر11 بقلم رانيا عمارة
التبريرات ما هي إلا وسيلة يلجأ إليها ساذجٌ محاولًا محاماة نفسه من اتهاماتٍ سديدةٍ أُلقيت على عاتقه. إذ كان رمزي يحس بمدى ما وصل إليه من طرقٍ وعرة، لكنّ التراجع فيه ثأرٌ خفيٌّ يظهر دون ترتيباتٍ مسبقة. الأمر ليس بمجرد مشعوذٍ قد تراجع عن مبادئه فجأةً ليطفو في عالمٍ مزيَّن بالأخلاق والمحاسن، بل أكبر بكثيرٍ مما يُتخيَّل.
الدماء الطاهرة تدنست بدماءٍ شيطانيةٍ جعلت الشر يتدفق من بين عروقه، بل ويحركه كما تهوى غواياته. العهد بينهما وثيق، لا يقطعه سوى دمه إن تنحّى ليلةً عن الاتفاقات الكامنة بين قصص الشر.
فإن خضع لتأنيب الضمير، لن يجد سوى قناةِ ماءٍ تتسرّب فيها دماؤه، بلا مناشدةٍ أو رحمة. فبينما عاد من عالم الحكايات إلى واقعه المرير، تعجب من نفسه، كأنما زال الجدار الفاصل بينه وبين چيهان التي أنصتت له ببكاءٍ سافرٍ، إذ كانت متورمة الجفنين، الشفتين، كأنما بشرتها انتُهِبَت حمرةُ البندورة منها. والأخير يلوم ذاته التي ضعفت فجأةً، شعر وكأن مشاعره تعرّت قبالتها. فمنذ أن عرفها اعتبر الجبروتَ خليفته، وهو يسير كأسدٍ مقدامٍ لا يَهاب بل يُهاب من حوله. سرعان ما استفاق من غيبوبته النفسية، وحمل نفسه فوق طاقتها، وهو يصطنع القوة، ويستعيد جبروته بطاقةٍ أشدّ.
فبعدما أخرج كلماته التي شكّلت علّةً كبيرة، لم يتغيّر شيء في قلب “چيهان”، إذ نظرت إليه بعنادٍ، وقالت بحسمٍ قاطع يوثب من كلماتها:
_كل اللي قولته ده مش هيفيد بحاجة… ربنا يحب العبد اللي يقرب منه ويتوب، ساعتها هيفتحله بدل الباب مليون! اللي بيعمل خير بيقعدله، وبرضه اللي بيعمل شر وبيتسبب في أذى الناس بيقعدله… الحياة مش وردية ولا هي سايبة، هتفضل تغلط وهتلاقي مفيش أي عقاب، هتفرح وتكمل في طريقك وإنت شايف إنك صح، لكن اللي متعرفوش إن ربنا يمهل ولا يهمل! يعني رصيدك كل يوم بيقل عن اللي قبله، والعقاب بيكون أشد وأقوى مليون مرة!
لم يكن “رمزي” ممن يتأثرون بهذه الكلمات التي من المفترض أن تُحيي فيه ما مات، لكنه لم يقتنع بما قالته چيهان، ورفض سماعها، فظهر كمحبٍّ للأنانية، مالكٍ لشخصيةٍ ديكتاتورية لا تتقبل المواعظ، فقال بتضايق:
_أنا مبحبش أسمع الكلام ده! بُصي يا ست چيهان، أنا مراعي كويس إنك واحدة تحب دينها وحافظة الكلام ده صم زي حروف اسمها، وبرضه مراعي إني واحد قلبه مبيلينش، وإني هعيش وهموت وأنا في السكة دي مش هغيرها… بس مش عشان أنا وحش! لأ ده عشان دي أصولي ودي حياتي، وأنا مش ملزم كل شوية أكرر الكلام ده وأعيد وأزيد فـ…..
قاطعته “چيهان” في الحال، حينما وجدتْ لا جدوى من النقاش معه، صرخت بأعلى صوتها، قائلة:
_يبقى طريقك غير طريقي! إيه يخليني أعيش هنا مجبرة وأنا مش عايزة؟ حجة إيه اللي ماسكهالي إنك بتساعدني وبتصد عني الأذى؟! مانت تقدر تعمل كل ده وأنا وسط أهلي من غير ما أضطر أقعد معاك في بيت واحد وإنت عارف كويس إننا مينفعش نكون مع بعض لأن ده لا يرضي دين ولا مجتمع ولا يرضي حد! لو فاكرني زي الستات الزبالة اللي بتجيلك تبقى غلطان، دي ستات بايعة دينها وعندها استعداد تعمل أي حاجة حرام عشان تطلع غِلها!
ردَّ “رمزي” بصوتٍ حادّ، معترضًا على ما قالته چيهان، فقال:
_مين قالك إني معتبرك زيهم؟ أنا لو شايفك زيهم مكنتش ساعدتك! افهمي بقى واسمعيني كويس! إنتي مش هينفع ترجعي بيت أهلك ومش هقدر أقولك ليه.
نطقت “چيهان” ببكاء، فخرجت حروفها بعويلٍ، وهي على حافة الانهيار:
_ليه؟ ليه؟ إيه يخليني مرجعلهمش؟ ليه كلامك اتغير؟
انحصر الردُّ في حلقه، فلم يجد إجابةً مُرضية تُغذّي عقلها التائه. ظلّ يرمقها في صمت، وهي تحدّق فيه ببكاءٍ مرير. وبعد دقائق، أجابها بإيجاز، فكان الردُّ غامضًا ويثير التساؤلات، قائلًا:
_عشان أبويا هيعرف مكانك لو عملتلك مية سد!
استفسرت “چيهان” بفضول، مضيّقةً عينيها باستفهام، ونزعت دموعها بأيدٍ مرتجفة، وسألت:
_يعني إيه؟!
على الرغم من تضايق “رمزي”، خاصةً أنها حصرته بسؤالها في خانةٍ ضيّقةٍ جعلته يفكر في كل كلمة ألف مرة، حتى لا تنكشف لها أسرارٌ لا ينبغي معرفتها، ثم قال:
_هفهمك بعدين، بس الرجوع دلوقتي مش في صالحك، عشان أبوكي وأمك وصلهم خبر إنك اتجوزتي في السر، ومش بس كده لأ الدنيا والعة حريق وبيدوروا عليكي، ولو رجعتي هتندمي من اللي هيعملوه فيكي!
استشعرت “چيهان” أنه صنع الأكاذيب لتبقى بجواره، لم تُصدقه، فنظرت في عينيه باحتقار، وهي تراه حيالها كاذبًا لا يخشى الخداع، ثم قالت بإفحام:
_إنت كداب! وعشان أثبتلك إنك كداب وبتقول أي كلام أنا هرجعلهم بالعند فيك، ومش هيحصل أي حاجة من اللي بتقولها دي، لأنهم هيموتوا عليا ونفسهم أرجع ليهم… أنا حاسة بكده!
عجَّ “رمزي” في المكان، فجرح صوته الحي، حيث وقف قبالة الجدار وظل يوطئ يديه فيه بقسوةٍ عارمة، فيزداد صراخه، وهو يقول:
_نفسي تصدقيني مرة! نفسي تشوفيني إنسان طاهر! نفسي متحسسنيش إني أحقر وأزبل واحد شوفتيه في حياتك!
تراجعت چيهان بفزع للوراء، كمن سمع رعدًا قشعَّر بدنه من هوله، لتجده يواصل بصياحٍ يغلف وراء كلماته عتابًا:
_إحساسك غلط وهيوديكي في ستين داهية، أبوكي وعمك هيقتلوكي عشان يغسلوا عارهم، لأنهم وصلهم كلام بالكدب عليكي، فهمتي ولا بحرق دمي معاكي على الفاضي؟
تحركت “چيهان” بعويل، فهي إلى الآن لم تقتنع بخطورة الأمر. وبينما كانت ترتعش، اجتاحها دوارٌ عصف بروحها، فتشبثت بجدران منزلٍ يجاورها، وأغمضت عينيها بتعب، إذ كانت أنفاسها تتسارع من وقع الكارثة، وقالت:
_أسكت بقى! تعرف تسكت؟ سيبني في حالي دلوقتي!
اقترب “رمزي” منها بهدوء ليرى ما ألمَّ بها، فاستشعر وكأنه كان قاسيًا في نصحه، مفتقرًا إلى أسلوبٍ مهذبٍ يسمو بمقامه في عينيها. مدَّ يده لها برفق، وتغيرت نبرته إلى طريقةٍ أهدأ بكثيرٍ من قبل، وسألها:
_جرالك إيه يا چيهان؟
تباعدت چيهان عنه بجسدها خوفًا من أن يلامس يدها بالخطأ، فتقع في إثمٍ لن يغتفر. فكانت لا تزال ضحيةً لدوارٍ عنيف، حيث تسير ببطءٍ للأمام دون وعي، وهو يتتبعها بقلق، خائفًا من إصابتها بمكروهٍ يكون هو سببًا فيه. فتابع حديثه:
_متخافيش، أنا مش عايزك تخافي من أي حاجة طول مانا موجود! مفيش مخلوق غلى وجه الأرض هيقدر يطول شعره منك… أنا بس مش طالب منك غير إنك ترجعي معايا على الدار، إنتي مش شايفة نفسك عاملة ازاي؟
نظر إلى الشمس بخوفٍ من أن تطبع عليها حرارتها، وتابع بنصيحةٍ لينة:
_ارجعي معايا ارتاحي، وأنا هجيبلك دوا من الأجزخانة!
تلفظت “چيهان” بحروفٍ متفرقة، والألم يداهم جسدها بشراسةٍ كلما تفوهت:
_وإنت… عارف… أنا عندي إيه؟
أجاب “رمزي” بثقةٍ تغلف ردوده:
_عارف من غير ما تتكلمي، جالك دوخة وصداع فجأة، ورجليكي مش شايلاكي، كأنك جالك دور عيا من بتوع الشتا.
ابتسم لها بلطفٍ مفاجئ، كأنما استعان بجنيٍ لطيف ليعيد تهذيبه، ويعلمه أصول الحديث العاطفي. وأشار لها بيديه كأميرٍ يشير لأميرته بالتحرك في قصرهم الرحيب، المزدان بالرحمة والوداد.
تحركت چيهان بخطواتٍ متثاقلة فوق الأرض الصحراوية، تلك التي يغمرها الحجارة والطوب. فربما أهل الحي لم يضعوا النظافة في اعتبارهم بعدما تراصت أكياس القمامة قبالة كل دار. فدنستها الزجاجات البلاستيكية مقلوعة الغطاء، وبقايا الطعام التي عبثت بها أيدٍ قطط الشوارع، فمزقت الأكياس بمخالبها الحادة.
بعد مسافةٍ بسيطة، لمح رمزي عصًا مخفية بين أوراق الأشجار على الأرض، فسارع بالخطى نحوها والتقطها، ثم عاد إلى چيهان ومنحها إياها برفق. فاستندت الأخيرة عليها، وسارت تمشي بتباطؤ، مترقبةً لحظة سقوطها. لكن رمزي كان وراءها يطمئن على رحلتها الصغيرة حتى وصلا إلى دار الجدة. ودخلا سويًا، وبمجرد أن رأت منيفة، چيهان في حالةٍ يرثى لها، فتحت لها ذراعيها وضمتها إلى صدرها بحنان أم بديلة. وقتها قال “رمزي” بتنبيه:
_خدي بالك منها يا ستي، خليها تدخل الغرفة ترتاح، وآني بروّح أچيبلها دوا وبرچع، ما راح أطوّل!
ردت “الجدة” بقلقٍ لا يُخفى، قائلةً باعتراض:
_وش فيكي يا چيهان؟ أمورك طيبة يا غالية؟
تقدمت بها نحو الغرفة، وعلى الرغم من إرهاق الجدة، وعمودها الفقري المحدب الذي لم يعد يقدر على حملها، كان أشبهً بعمود منزلٍ متآكلٍ أوشك على الانهيار. كانت تعاونها على الدخول حتى استلقت على السرير بألمٍ عصف بها. مدت منيفة كفها المجعد كخريطةٍ من العجز رسمها الزمن، وبسطته فوق جبينها لترى حرارتها، فتفاجأت بلهبٍ مفزعٍ. وبسرعةٍ دخلت المطبخ تصنع لها الكمادات الباردة قبل أن يتدهور حالها، فكانت چيهان في عالمٍ آخرٍ من الإعياء الذي سلب طاقتها.
بينما كان رمزي متجهًا في طريقه إلى الأجزخانة، مرَّ قبالة القهوة البسيطة التي يكسب منها سليمان نتيجة دأبه. كانت شاغرةً بالرجال من كافة الأعمار، كلٌ منهم منهمك في احتساء مشروبه المفضل. فالبعض اكتفى بالمشاريب، والآخرون حبذوا لعب الطاولة والشطرنج.
لم ينسَ رمزي ما حدث بينهما منذ أيامٍ قليلة. ظل الفكر في ذهنه لا يفارقه أبدًا، ونار النخوّة تهب على جسده تكاد تحرقه من وطأتها. إذ في هذه اللحظات، هدأت خطواته ليشابه مَن يسيرون على قشور البيض. أما سليمان، فقد وضع المشروبات على الطاولة، مؤديًا عمله ببراعةٍ وهو لم يكن يدرك ما ينتظره. وبمجرد أن التقت عينيه بعيني رمزي، سقط أرضًا يصرخ، فعانى فجأةً من صرعٍ على الرغم من سلامته البدنية. كان يعول كالنساء، ويتلوى كثعبانٍ فقد سُمّه. في لحظةٍ اختفى رمزي عن الأنظار وتابع طريقه، تاركًا الانتقام وراء ظهره.
اجتمع الرجال حول سليمان يتفقدون حالته، فاستدعى الأمر أن يتصلوا بسيارة الإسعاف التي جاءت بعد خمس دقائقٍ فقط من المكالمة. وكأنها تشهد فيلمًا من الثأر بطله رمزي. بدأ المسعفون في نقله بأعجوبة وهو يصرخ متألمًا، فكان يثبته مكانه رجلان، والسائق يقود مسرعًا على نغمة الإسعاف، حيث السيارة تنطلق بين زحام العربات بسرعةٍ هائلة.
في مكانٍ آخرٍ، لم يكن عمرو يستطع تأجيل ما تطمحه ذاته، متمنيًا لو أن تمر الليالي بهدوءٍ ويصل إلى مراده. إذ قرر أن يفتتح موضوع الزواج مع عائلته، مستغلًا فرصة تواجد والده “فاروق” بينهم.
فيما كانت الأسرة مستريحة على أرايك الصالة، ووالده يشرب الشاي الغني بمذاق النعناع، وقبلهم على الطاولة تسكن أطباق كعك البرتقال، والفتيات أخواته: دنيا، غادة، فاتن، جالساتٍ متزيناتٍ برداء البيجامات البسيطة. والدته على كرسيٍ منفردٍ تشاهد المسرحية المحببة لقلبها، والأضواء حولهم تعتمد على أشعة الطبيعة، الشمس الزاهية التي أنارت كل شيء حتى قلب “عمرو” فبدأ يشعر بالوقوع في الحب.
تنحنح بصوته خجلًا، ثم قال بتردد:
_أنا عايز أطلب حاجة كده، وياريت محدش يكسفني!
وضع “فاروق” الكوب برفقٍ على الطاولة لينصت له باهتمام، وسأله شابكًا ذراعيه في بعضهما باصغاءٍ:
_خير يا عمرو؟ عايز تقول إيه؟
ابتسم “عمرو” ببهجةٍ، كمن رفرف الأمل من حوله، قائلًا:
_كل خير إن شاء الله… أنا قررت أكمل نص ديني وأتجوز!
سألته أخته الكبرى “غادة” باكتراث، إذ قبض الفرح على حياتها حين استمعت إلى خبرٍ سارٍ انتظرته هي وأخواتها منذ زمنٍ طويل، قائلةً:
_طب براڨو عليك، خطوة حلوة… معاك فلوس تتجوز؟
وبّختها والدتها “حياة” بطريقةٍ هزلية، قائلةً بمزاح:
_بس يا بت!
وواصلت حديثها إلى عمرو، وفرحةُ الأم تملأ عينيها:
_وأنا موافقة يا عمرو من غير ما حتى أعرف هي مين… بس الأهم إنك تجيبلنا واحدة محترمة بنت ناس، متكونش بيئة زي المرة اللي فاتت ولسانها عايز قطعه!
ضحك “عمرو”، والفرح يلوح في أفق حياته، وقال:
_لا من الناحية دي متخافيش! المرة دي غير كل مرة، المرة دي بنت هادية وفي حالها، ملهاش في المشاكل ولا طولة اللسان… لما تشوفيها هتحسي إنها بنت من بناتك.
ردت “حياة” بفرح، فسألته بفضولٍ:
_طيب وتطلع مين؟ حد نعرفه ولا منعرفهاش؟
ضحك “عمرو” بخجل، مجيبًا وهو يترقب ردود الفعل في عيني حياة:
_إنتي بس اللي تعرفيها، وبالأمارة روحنالهم مرة في بيتهم… أنا مش هحيّرك، البنت دي تبقى ريم بنت الحاج شوقي!
تفاجأت والدته، فكان القدر ملائمًا لقلبها الذي رغبها زوجةً لابنه منذ الوهلة الأولى. شعرت بأن ريم ذات شخصية متباينة، كلؤلؤٍ متألّق في مكانٍ سامق، لا يقدر الوصول إليه سوى من يملك سُلّمًا. وجهها يشعّ بالإيجابية من أول نظرة، على الرغم من الطاقات السلبية التي سحقتها سحقًا، فهي لا تزال محتفظة بصفاء روحها. وبينما البهجة وفدت دون سابق ميعاد، سأله “فاروق” مستفسرًا:
_طيب يا عمرو إنت متأكد من البنت دي وأهلها كويس؟
ظهرت البهجة على شفتي “عمرو”، وهو يقول بحماس:
_طبعًا واثق ومتأكد، أنا بس لسه مفتحتش الموضوع معاها، بس الأكيد إني هفتحه والنهارده كمان!
شاركت “فاتن” الحديث، فهي الأخت الصغرى لعمرو، بالغةٌ من العمر ثمانية عشر عامًا، وفي عامها الأخير من الدراسة الثانوية، حيث تستعد لدخول مرحلة جديدة ملأى بالتجدد والحيوية على عتبات الجامعة. فبعدما سمعت الخبر المُبهج، سألته بدهشة:
_هتفتح الموضوع معاها النهارده؟! يابني إنت كنت قايل قبل كده إن موضوع أختها ده حصل من يجي شهرين، يعني إنت متعرفهاش غير من قريب، لحقت تحبها؟!
قطع عمرو سؤالها الفضولي بإجابةٍ واضحة، قائلًا:
_أنا معجب بيها أوي وعايز آخد خطوة، ومتأكد إن الحب بينا هيزيد في فترة الخطوبة… أنا بس اللي مقلقني إنها ترفض أو مطلعش في دماغها من الأساس.
اقترحت أخته الصغرى “دنيا” فكرةً تستقصي من خلالها إن كانت ريم تبادله نفس المشاعر، خوفًا من أن يُظهر ما يُكنّه من إعجاب فتكون النتيجة قاسية، فقالت:
_خلاص إنت تجس نبضها بالكلام، لو حسيت إنها معجبة بيك قولها، لو محستش يبقى ربنا يعوض عليك.
بينما كانت الغبطة تلوح في أفق حياة أسرة النحَّاس، تسللت الفرحة إلى وجه الوالد “فاروق”، وهو يرى طفله، الذي في الماضي كان يحبذ مطاردة القطط واللهو معها، قد شبَّ في الحاضر ليخطو خطوةً هامة، ويتجرأ أن يُكمل نصف دينه. حينها استشعر الوالد بأن شعراته الشائبة، ببياض الكهل، لم تمرّ هباءً، وأنه بعد سنواتٍ من التربية الشاقة، سيجني ما زرعه، وهو يرى ابنه إلى جوار من انجذب لها قلبه، فقال بابتسامة:
_كبرت يا عمرو وجه اليوم اللي نفرحلك فيه بجوارة تريح القلب، يارب يكتبلنا الخير المرة دي، وتكمل إكمننا موعودين.
ردّت “حياة” بإيجابية تنفي مخاوف زوجها فاروق، إذ كان يفكّر بطريقةٍ سلبية نابعة من تجارب سابقة لم تحظَ بالنجاح:
_لا تفائلوا بالخير تجدوه، إن شاء الله كل اللي عايزينه هيحصل، ومفيش حاجة هتحصل تاني….
وتابعت لعمرو بفرحة:
_مبروك يا حبيبي ألف مبروك.
ضحك “عمرو” بخجل، فأجاب ببسمة هادئة:
_الله يبارك فيكي يا ماما.
كان قرارًا نهائيًا ينقصه الرد الأخير من ريم، صاحبة الشأن. ففي تلك اللحظات المُبهجة، غاص عمرو في حلم يقظة، متخيلًا ذاته جالسًا على منصة العروسين وإلى جواره ريم، وحولهم أضواء متلألئة توحي بالفرح، وعلى جانبيهما العائلة، الأصدقاء، والمعارف، كلٌّ منهم يعبّر عن بهجته بطريقته الخاصة. لكن، قبل أن يتخذ عمرو الخطوة الأولى تجاه ريم، كان لا بدّ من أن يستمع إلى رأيها حول شأن الخطبة في هذا الوقت، فكان يعلم، خير علم، أنها ليست الظروف المناسبة في غياب چيهان، لكن ربما باحتفال بسيط يُمحي الأشجان التي ألفت أسرتها.
فيما كانت أسرة “عمرو” ترتشف الشاي وتتناول كعك البرتقال قبالة شاشة التلفاز، نهض من مكانه ودخل حجرته. إذ وقف حيال المرآة، يؤدي دورًا كما لو أنه اختبارٌ قبل عرض مسرحي، يراجع هيئته وطريقته الخاصة حينما يفتتح معها الأمر، ليحكم إن كان العرض ملائمًا أم ينقصه بعض التدريبات المكثفة.
فقال، وهو ناظرٌ إلى ذاته في المرآة، كأنه يخاطب ريم:
_بُصي يا ريم، الصراحة أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مش هينفع يتأجل أكتر من كده!
لم يعجبه الأداء، فوبخ نفسه بحدة، وتابع:
_لا مش حاسسها، حاسس في حاجة تانية أحسن من كده!
حرّك إبهامه على جبينه بتفكيرٍ يستجلب أفكاره المُختبئة في ثنايا ذهنه، وواصل:
_أقولها مثلًا… لو حد اتقدملك دلوقتي هتعملي إيه؟ ولا أقولها واحد صاحبي شافك وأعجب بيكي وعايز يتقدملك؟ ولو رفضته يبقى أنا في دماغها ساعتها أقولها بقلب جامد….
كأنما سقط في بؤرةٍ من الإحباط فجأة، لتجعله يقول بيأسٍ يتراقص على شفتيه:
_نفترض إنها رفضتني أنا كمان، هيبقى إيه وضعي ساعتها؟
حكّ كفيه ببعضهما باستعداد، كمحاربٍ أعلن دخول حرب بكل بسالة، وتابع:
_أنا هقولها واللي يحصل يحصل، وأهو يبقى وقوع البلا ولا إنتظاره… توكلت على الله.
أخذ خطوته ناويًا أن يقدّم لها عرض الزواج بطريقة غير مباشرة، لكن ذلك سيتم في الوقت المناسب له. فبينما جلس يفكر في زاوية الغرفة على السرير، نجد في مكانٍ آخر، في موقع عمل شوقي، حيث استقر على مكتبه، وإلى جانبه هشام الذي فرغ تركيزه برمّته في شاشة هاتفه، ينتقل بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، متناسيًا ما وراءهم من مهامّ شاقة بعد قليل.
مرَّ الصبيان من حولهم، منهم مَن يكسر الصخور الضخمة بالحفّار الهيدروليكي، مدقّقًا النظر خشية الوقوع في خطأ لا يرحم، إذ الآلات لا تتفاهم ولا تمنح مساحة للجدال، ومنهم مَن ينقل الحجارة المهيضة إلى داخل عربات النقل، فهناك في الأعلى أيادٍ عدّة متعاونة في انتظار رفعها.
كان “شوقي” حبيسًا لأفكاره القاتلة بشأن هروب چيهان، إذ يرى مشهدًا فاضحًا لها وهي تعود برفقة أطفالٍ بلا نسب، محلّلًا المعضلة بعين الأب الواعي. وفي تلك اللحظة، مرَّ منعم يأمر الصبيان بتوسيع الطرق المسدودة لتتمكّن سيارات النقل من العبور بسلاسة، فناداه شوقي بأعلى صوته، ليبثّ في داخله وعيدًا خفيًا، قائلًا:
_تعالى يا منعم عايزك!
وقف “منعم” على سيفه، وقال باحترام:
_أوامرك يا عم شوقي!
رصَّ “شوقي” الكلمات قبالته بشكل صريح، قائلًا بتحذيرٍ:
_الأمر لله وحده… أنا مش عايزك تتكلم مع حد في حاجة من الكلام اللي سمعته يوم ما الراجل العبيط ده جه هنا، ده راجل مخرف وبيقول أي كلام! أنا بنتي الحمدلله طلعت عند خالتها قاعدة كام يوم عشان الأمور في البيت مكنتش ولا بد… احنا بناتنا تمام مفيهمش حاجة تعيبهم!
ردّ “منعم” بخجل، والكلمات تبدو مشوشة حيال عينيه، متسائلًا:
_طب وأنا الكلام ده لا مؤاخذة يخصني في إيه؟!
تلفظ “شوقي” باِستبانة:
_ميخصكش في حاجة، بس عشان متاخدش صورة وحشة عن البت، چيهان دي من صغرها وهي رايحة جاية على الكُتاب، وأخلاقها في العالي… مانا أصلي عاوز أرد كرامة بنتي ومش لاقي الراجل ولا عارف أوصله.
انغمس “هشام” في الحوار، فترك هاتفه على المكتب، وأبدى رأيه بمودّةٍ خالصة، لذلك قال:
_الراجل اللي تشيله مصيبة مديني رقم غلط، ده أنا اتصلت عليه يجي عشر مرات وفي الآخر اللي ردت واحدة وقالتلي الرقم غلط.
قال “منعم” بابتسامة، مؤيّدًا حديثه عن كثب:
_أنا الصراحة عمري ما شوفت الأبلة چيهان، بس أنا متأكد من كلامك ده، وعارف إن عيالك كلهم متربين أحسن تربية.
استلّ “شوقي” مائتي جنيه من جيب بنطاله بحركةٍ مائلة، ثم اعتدل في جلسته، وأعطاه المال في يده، رغبةً منه في تحسين مظهر العائلة أمام العاملين في المكان كما لو كان يرسم صيتهم على لوحةٍ، وقال بابتسامة بسيطة:
_خد دول! هات ازازتين شربات، وروح انشر الخبر وسط زمايلك! قولهم إن الراجل ده نصاب وعامل شويتين عشان مستلمش الشحنة في ميعادها!
سرعان ما لبّى “منعم” مطلب زعيمه، فقال باستجابة:
_من العين دي قبل العين دي.
حينما خرج منعم من ساحة العمل ليبدأ في تنفيذ الأمر، نظر “شوقي” إلى الأرض بعينٍ منكسرة، كما لو كانت تعرض حياله شريطًا شاجنًا. لم يتوقع أن تفصم چيهان ظهره، فيميل بخزي قبالة كل ما ارتكبته من مصائب، فقال في سريرته:
_ماشي يا چيهان، اللي أبوه وأمه مربهوش، بكرا الأيام تربيه.
انطفأ بريق الشمس من العالم وهي تغادر برفق، فهدأت حركة البشر مقارنةً بالتكدّس وقت الظهيرة، حين يكون الجميع في حالة من الانشغال؛ الأطفال والمراهقون في طريقهم إلى مدارسهم، الشباب متقدّمون نحو الجامعات، والكبار إلى أعمالهم في شتّى الأماكن والوظائف. لكن الآن، تحوّلت السماء من الزرقة النقيّة إلى البرتقالية الغاسقة، وكان رمزي قد عاد حاملًا الأدوية، فمرّ بجوار المقهى، مستمعًا لحديث “رجلٍ ثلاثيني” يتحدث في الهاتف بنبرةٍ مسموعة، قائلًا:
_يعني هو اتشخص صرع؟! طب ازاي بس… لا إله إلا الله، ده كان كويس وعمره ما اشتكى من حاجة!
كأنما الشيطان استتر وراء ابتسامة رمزي الخنَّاسة، وهو يشعر بقوته الأثيثة، يشعر وكأن العالم برمّته، بعظمته واتساعه، ما هو إلا لعبة صغيرة يتحكّم فيها كما يشاء. ظلّ يسير بارتياحٍ بدني، وهو يتوعّد سليمان بأن ما أصابه ليس سوى لسعة بسيطة من نيرانه المتقدة، فما ينتظره أبشع بكثير.
وحينما دخل الحجرة، اعتدلت چيهان في جلستها، ورفعت طرف العباءة تستر به ساقيها المتعرّيتين، وكانت منيفة إلى جوارها، تصنع لها الكمادات الباردة، ناشرةً لمسات من الحنان على جبينها.
مدّ “رمزي” يده للجدة بعبوة العلاج، ونقل لهما الإرشادات التي سمعها من الصيدلي، قائلًا بنُصح:
_الكيسة فيها أربع صنوف: واحد حب للحرارة، والثاني للرشح، والثالث يسكِّن العظام، والرابع إبرة للحرارة…
ثم تطلّع إلى چيهان، وهي جالسة بإرهاقٍ واضح، مسترسلًا:
_الإبرة سِتي منيفة هي اللي بتعطيكي إياها، ولا تخافي، إيدينها خفّاف مثل الهوا.
لكن “چيهان”، التي تنزعج من سماع اسم الإبرة، ارتجفت باِرتعاب، رافضة أن يتم علاجها بإبرة قد تؤلمها. لذلك قالت بإعياء:
_لا لا أنا مبحبش الحقن، بخاف منها وجسمي بيرتعش لو سمعت اسمها.
نهضت “منيفة”، ولامست يديها بشفقة، فاستشعرت حرارتها العالية. ظهرت بسمة على ملامحها، وقالت:
_لا تخافي يا چيهان، تدرين؟ إني آني اللي معطية الإبر لكل هالعيلة؟ وما قد سمعت واحد منهم تذمّر….
وتابعت لرمزي وهي تربت على كتفه برفق:
_خلّك عند مرتك بهالوقت، لا تخلّيها ولا لحظة، ومن اليوم وإنت تنام يمّها، وما تعود تسيبها بعدين!
ردت “چيهان” بصراخٍ، سرعان ما تلفظت باعتراض:
_لا لا يا طنط، أصل أنا تعبانة وهعديه فمش هينفع خالص، يا ريت كلكم تبعدوا عني عشان متتعدوش!
أجابتها “منيفة” بابتسامة مُريبة:
_حنا ما نِتعب ولا نِمرَض.
اندهشت چيهان من رد الجدة، فكيف لا تتأثر بنزلات الأنفلونزا وهي في النهاية بشرية ضعيفة، يجتاحها النَصَب ويُسيطر عليها وهي راقدة على فراشها واهنة؟ لكن على الرغم من ذلك، لم تكترث كثيرًا، فالمرض أنهكها وجعلها جسدًا بلا روح. أغلقت جفنيها بألم، تاركةً رمزي ومنيفة يخرجون من الحجرة ليمنحوها قسطًا من الراحة. كانت تتمنى لو أنها تنسطح على السرير في غرفة مظلمة، كما لو أنها تحاصر الألم فتقتله، لكنها لم تكمل ثوانٍ قليلة إذ فتحت عينيها وكأن منيفة ليس لها أثر بينهما.
أحسَّ رمزي بذبذبات عالية كزن الباعوض تتزايد إزعاجًا في أذنه، إذ رفع كفيه على أذنه ليحجب الطنين المؤلم عنه. في الخارج، بالصالة، وقع الطبق الزجاجي على الأرض فانتشرت أجزاءه مسببةً صدحًا عالٍ. سرعان ما دخل رمزي حجرته وأوصد بابه، ينظر ما يحدث في كتابه المؤقت، باحثًا عن إجابة تروي سؤاله. فكانت الكارثة، إذ كان مصعب يحاول جاهدًا اختراق الجدران الحامية، والجسد الأثيري بات على وشك الانهدام فتنكسر أجزاؤه، وهناك يدخل مصعب بكل سهولة حينها.
كان ينتاب رمزي لسعات حادة في جسده أشبه بصعقات الكهرباء، وهو يتصفّح صفحات الكتاب العتيق بأنامل يقظة، وكل ورقة فيه تُخفي نفسًا يتردّد بين السطور. كان يبحث عن مفتاحٍ يتيح له أن يلمس الطاقة لا أن يراها فحسب، شيئًا يُعرّيه من الغيب، ويفضح ما يختبئ خلف الحجب، وفجأة، استوقفه رسمٌ غريب في هامش إحدى الصفحات، لا عنوان له، ولا ذكر في الفهرس.
“خاتم ثاميائيل”دائرتان متداخلتان، تحفُّ بهما ثمانية رماح دقيقة، تتقاطع أطرافها عند عينٍ مقلوبةٍ في المركز،عينٌ كأنها تُحدّق فيه حقًا، بل وترمش ببطء.
مدّ رمزي إصبعه ولمس الرسم، فارتجّ جسده كأن صاعقةً مرّت خلاله، دفقة من نارٍ رفيعة انسابت في عروقه، تسلّقت ذراعه، وخبطت قلبه بقبضةٍ من برق.
جلس رمزي، واضعًا يده على صدره، مغمض العينين، يركز تنفّسه ناحية قلبه، الطاقة حينها لم تبدأ من العقل، بل من الصدر، بدلًا من استخدام تعاويذ السيطرة، بدأ رمزي في إرسال “ذبذبة طاقية دافئة”، لونها غالبًا وردي شفاف، من قلبه إلى جسد چيهان الأثيري، فاستطاع من خلالها أن يلامس هالتها، ويرى مواضع الاختراق التي انتابتها، كرر العملية مع ذاته إذ تأكد كونهما أوراقًا مكشوفة بلا ساتر.
لقد نجح مصعب في خطته، متفوقًا على رمزي، فاستغل فقدان حوذته لكتاب التحضير الأصلي، حيث اعتمد على كتاب بديلٍ ضعيف الطاقة بعدما فشل في إيجاد الكتاب من قبل. فنزع مصعب خدام “رمزي” كأنه يجذب خيطًا نحوه بكل سهولة. وعندما تدفقت الدماء في رأس رمزي، وهو يطوف حول ذاته بقلقٍ يبحث عن الحلول التي تاهت عنه، أول ما فعله هو الدخول إلى الحجرة، ونادى چيهان بنبرة مهزوزة، فقال:
_قومي يا چيهان بسرعة! أبويا كسر الحاجز وعرف مكانا فين! أنا وإنتي بقينا مكشوفينله!
فتحت “چيهان” عينيها ببطء، غير قادرة على الرد أو الحركة. كان جسدها أشبه بالكتلة الثلجية. نظرت له بعقلٍ غائب وعينين مشدوهتين، حيث اضطر أن يجذبها للنهوض. فنهضت معه، وتساءلت بألم:
_أنا تعبت خلاص، مابقتش قادرة على البهدلة دي!
حمَّل رمزي عبوة العلاج في قبضته اليسرى، وخرج من الحجرة، وهو يقول بانشغال:
_استحملي شوية كمان، واسمعي كلامي!
خرجت “چيهان” وراءه، متكئة بيدها على الجدران وهي تسير بوهن، وقالت:
_طب وجدتك مش هتيجي معانا؟
أجاب “رمزي” بالنفي، وابتكر كذبة صغيرة كي لا تنكشف الحقيقة:
_لا ستي منيفة هتروح عند أي حد من قرايبها، مش هتغلب يعني، احنا اللي المشكلة كلها فينا، لو فضلنا هنا دقيقة هيخرب كل اللي عملناه.
دقت المخاطر بابهما، وهما يسيران كالمشردين في الشوارع. حمل رمزي أمتعته على كتفيه، وقرر أن يتجه إلى مكان جديد وسط أهل البدو في الواحات، حيث تسكن عائلة والدته من بينهم ابن خاله “ناجي”، شاب بالغ من العمر تسعة عشر عامًا، مثل چيهان تمامًا. بشرته حنطية وقامته قصيرة، من يراه يعتقد أنه في الخامسة عشر من عمره. جسده الهزيل حوى عقلًا ألمعيًا ببراعته.
بينما كانا يسيران، أمرها رمزي بأن تخفي ملامحها بالحجاب كما لو أنها ارتدت نقابًا بلا سِدارة، حتى هو طوَّق الشال حول ملامحه ليصبحا مجهولين الهوية، إلى أن استقلّا إحدى السيارات سويًا.
احتشدت الحافلة بالركاب، فاستقر رمزي وچيهان في المقعد الأخير بهدوء. وضعت چيهان حقيبتها كحد فاصل ليردع الاختلاط بينهما، إلى أن اكتمل العدد وتحرك السائق بالعربة. سندت چيهان رأسها المتألم على الكرسي الذي يقابلها، كان في داخلها فوضى تتمثل في الهواجس والآلام: البدنية والنفسية. لم تشعر سوى بتكسير عظامها كما لو أن أحدهم ينشر عظامها بلا رحمة.
رمقها رمزي في صمت عدة مرات، حتى استخرج من حوذته البرشام المسكن وزجاجة مياه صغيرة، فمدّهما لها بكل تعاطف. في الحال تناولت چيهان دواءها وعادت إلى لحظات السكون، خيط من الطمأنينة يلامس قلبها وهي إلى جوار من يساندها، ويدفع عنها أضرار ناس منعدمة الرحمة. منذ تلك اللحظة، والكثير قد انقلب إلى راحة غير مفهومة قد غيرت معالم الحياة التعيسة.
هناك في منزل “ريم”، جلست على الأريكة قبالة شاشة التلفاز، ليس لأنها مهتمة بمتابعة المسلسلات، بل كان عقلها شاردًا. تفكر في زميلاتها: شمس وديانا، اللتان لم تظهرا منذ آخر مرة، بل تعيشان في حياة بعيدة عنها. ربما يعتقدان أنها دائمًا تسيء الظن فيهما أو ينتظران منها معاملة خاصة فتقابلهما بخيبة الأمل، أو قد انهارت العلاقة بلا أسباب منطقية. كل هذا أثر بالسلب على ريم، وهي ترى ذاتها منفردة بانطوائية بلا صديق كسائر الناس، حتى علاقتها بأسرتها منهارة، معتمدة على السطحيات دون مشاعر محبة.
قطع عمرو حبل أفكارها وقتما أضاءت شاشة هاتفها باسمه، فنهضت مسرعة إلى داخل الحجرة، وأوصدت بابها برفق. استقرت على سريرها، وأجابته بنبرة خافتة:
_مش قولتلك متتصلش عليا؟ لو سمحت يا عمرو أنا مش حابة إن بابا يعرف حاجة ويفهم غلط!
ابتسم “عمرو” بأدب جم، وقال بروح مرحة:
_مانتي خلاص مش هتخافي منه تاني لما أتصل بيكي.
سألته “ريم” بتعجب، قائلة بحيرة:
_ازاي يعني؟!
أفصح “عمرو” عن مشاعره بوضوح، متنكرًا لكل العروض التي صاغها من قبل، وكأنه ألقى بها وراء ظهره، ثم أخرج ما في قلبه، يترقب ردها بشغف لا يهدأ:
_يعني أنا عايز أتقدملك، شوفتي وضوح وصراحة أكتر من كده؟
لم تسعفها الكلمات أمام مطلبه، كأنما وجدت نفسها محاصَرة في زاوية ضيقة من الإحراج، فاندفعت الدماء إلى وجنتيها، تصبغهما بحمرة الخجل، ولسانها يتعثر بين محاولة وأخرى، حتى غلبها الصمت، وارتبكت دقات قلبها بحيرةٍ تسكنها، إذ بدا لها أن القدر أزاح الستار عن فرصة مجيدة لا تُهدَر.
يتبع…..