روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثلاثون 30 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثلاثون 30 بقلم رانيا عمارة 

في البداية كانت القلوبُ متماسكةً، جبّارة، متساجلةً مع الأزمات، كصخرةٍ ازدادت صلابةً، وفجأةً تفتّتت بشظايا المَخافة، فعاش ناجي حياته معتقدًا ذاتهُ رجلًا باسلًا لا يهاب أشباحًا ولا وزّابين، وفي عُلوّ الجمل رهبةٌ سرت في عروقه، أشابت شعراته السوداء، وأوقفتها كمن مرّته أسلاكُ الكهرباء في ظلامٍ ردع الجميعَ عن إغاثته.
ظهرُه يعلو شيئًا فشيئًا بطريقةٍ شنيعة كادت أن تفتك به، وكلماته تكدّست في حلقه، والهواءُ ارعوى عن الوغول لرئتَيه، متحولًا إلى سفينةٍ فضائية قاربت من اختراق الأوزون، لكنه حينما عاد لموضعه، كان ناجي قد فقد وعيه للتو، وتسربت مياهه كالطفلِ الصغيرِ المرتاعِ من سيرة “الندّاهة”.
لم يكن بأعماقِ الصحراء سوى “رمزي” وناجي والجمل، وسرعان ما قفز رمزي من فوقه، وأنزل ناجي على الرمال، وتخبط وجهه بقوةٍ ليُفيقه من إغمائه، مناديًا بصوتٍ عالٍ، والأخير ما زال عاجزًا إزاء رعبٍ لا يُحتمل، فقال:
_ناچي! يا ناچي رد عليّ! ناچي!
تلقّى ناجي صفعاتٍ مؤلمةً على خديه، أشبه بضرباتٍ فتاكةٍ في ساحة قتال، وكأن “رمزي” استغلّها فرصةً ليُخرج فيه آلامه النفسية المكبوتة، وهو يواصل:
_يا ناچي اصحى! يا ناچي وش في جلبك الخفيف؟ وآني اللي كنت أجول إنك سيد الرچاچيل، حتى الزراري فيهم شچاعة عنك.
استفاق “ناجي”، وتحرّرت قيوده من الغيبوبة المُستحوذة عليه، وانفتح جفناه بالتدريج، وهو يرمق الجمل بعينٍ هلوعَة، خشية أن يهاجمه، فبعد ما شهدته عيناه، تيقّن من أنه متلبّسٌ بقوةٍ غامضة، وخرجت حروفه متفرّقة، مشيرًا بالسبابة نحوه، قائلًا بخوفٍ:
_الجمَل طال يا رمزي، الچمَل فيه شي، چتتي انلخبَطت، مرعوب واجد.
بسط “رمزي” كفَّه وراء ظهر ناجي يُسانده على النهوض، ليسترسلا رحلتهما التي كانا قد شرعا في أولى خطواتها، وبينما يرفعه بمؤازرةِ أخٍ يُعزِّز أخاه ويقدّره، قال:
_انشف يا ناچي، ما هوش چمَل يعلى ويوطى، دي شغلة هينة يا ولد، طيب لو شوفتهم عحجيجتهم، بيشلّوك من الزنجّة وعيال الحتّة يرموا عليك طوب زي المچنون؟
تشبّث “ناجي” بكفّيه في كتفي رمزي، وقال صارخًا:
_لا أبوس إيدك ما أجدر أشوفهم! يخرب داري يا رمزي! من يوم الباب تجّفل لوحده وآني نايم في نص السرير بين أبوي وأمي.
ضحك “رمزي” بسخرية، وأشار له براحة يده نحو الجمل، ثم أمره قائلًا:
_اركب يا ناچي، خلاص جربنا نوصل والدنيا بتليل!
ازداد “ناجي” تشبثًا بجلباب رمزي كالصبي الهَلِع في حضن والدته، وأعرب عن رفضه ركوب الجمل بعدما شاهده من مخاوف، قائلًا باحتجاج:
_لا أبوس رچلك لا! آني ما راكب هالچمَل مرة ثانية….
وحرك عينيه ببطء نحو الجمل، يرمقه بطرفهما، وكأنه إن نظر إليه دفعةً واحدة، سيُدير له وجهه ويُلقي عليه التحيّة، ثم أردف بجسدٍ يتراقص على نغمات الخَوَر:
_هالجمَل ملبوس يا رمزي، وآني ما بركبَه مرة ثانية مهما صار، ولمن نرچع بالليل والدنيا ظلام، هذا ما بعيد يچيبلي راسي يا رمزي… أبوس إيدك خلّي هالچمَل بعيد!
غلت دماءُ “رمزي” تحت جلده، ولم يعد يحتمل الصمت، فخرج عن سكونه، وحمل ناجي بصلابةٍ، وأجلسه بالإكراه فوق حدب الجمل، وهو يعوّل كالنساء، وقال بانزعاجٍ، وهو يرى مهامه تتعطل على يد ناجي، ذاك الذي لم يفده، بل أخره عن تحقيق الآمال:
_اركب يا ناچي، ما وجت دلع هالحين، الليل هيليل وحنا بنتعازم، تركب ولا لا؟
وثب رمزي بخفةٍ فوق الجمل ناحية المقدّمة، وبدأ يتحرك به، وأذناهُما تُصغيان لخريره الملامس للرمال، وحينما اتّجها نحو <موط>، قال “ناجي” برهبة، ويداه تتشبّثان بارتياعٍ في جلباب رمزي:
_ما برچع معاك عالچمَل، لو تبي ترچع ارچع لوحدك وتحمل اللي بيصيرلك، بس آني باخذ سيارة وأرچع عالدار، ما بنتظر المرة الچاية لما يجرجش عضمنا إكمنه غلاوي.
أوعز “رمزي” بيديه في الهواء بتهكُّمٍ جلي، مندهشًا من أعصاب ناجي التي كحبلٍ مشدودٍ على وشك الانقطاع، يُسمَع صريره تحت وقع الجدالات، فقال وهو منهمك في طريقه:
_براحتك يا ناچي، والله لو كان كل هالشي صار جبْل الچواز، ما خليتك تتزوچ.
حرّك ناجي وجهه المكفهر بطريقةٍ توحي باللامبالاة، فخوضه الزواجَ، من وجهة نظره، لا علاقة له بالأعصاب المتينة، وكأن رمزي يقيس أهليته بناءً على قدرته على تحمّل ألاعيب الشياطين المُشيبَة للشعور، والقاتلة للأرواح.
ما جاءا من أجله يُشكّل بداية النهاية، لتتحوّل المطاردات التي عاشها مع چيهان في الأشهر الماضية، والحرب الشرسة التي أشعلها مصعب ضدهما، إلى أمرٍ دانٍ، يقترب من العاقبة كلّ ثانية.
فصول القهر والاستبداد ستُختَتم إن ركّز رمزي عينيه في رأسه، واتّبع الخطوات بدقّة، وحرص حرصًا شديدًا ألّا يسقط في دسائسه الكائدة، فطاقته مُحمّلة على كاهليه، وهو في ساحة صراع بمفرده، وأيادٍ عدّة تلاحقه بالسيوف.
لكن الهوى اختُزن في مُهجته حافزًا قويًا لمواصلة معاركه، فكانت نظرةٌ واحدة من المُحب بمثابة بلسمٍ يطيب الجراح ويضمدها.
بعد دقائق، وصلا سويًّا إلى دارِ شابٍ يعرفه رمزي، قصده دونًا عن غيره، واستعان به نظرًا لابتعاده عن البلدة، وهذا ما سيمنحه دعمًا خالصًا، وإعانةً في الوصول إلى المُبتغى، فاستقرّا بالجمل إزاءَ أحد المنازل المُزيّنة بالألوان اليانعة، ومدّ رمزي يدَيْه بلمسةٍ وقائية من السرقة، وربط الحبل بإحدى الأشجار، ثم دخلا سويًّا إلى أزقّةٍ ضيّقةٍ مكتظّةٍ بأشجار النبق على الجانبين.
وقد بدأت الشمس في الأعالي تميل نحو الغروب، وهناك، إزاء منزلٍ صغيرٍ لكنه منظّم، مكتسٍ بطلاءٍ ممزوجٍ ما بين الأحمر والأخضر والأزرق، فتتراقص الألوان في لوحةِ الحياة كألحانٍ تعزفها أناملُ البشرية، حتى خرج أحد الشباب من الدار، متوسط القامة، متزيّن وجهه باللثام، مُلتحفًا بعباءته البدوية، وبمجرد أن رأى رمزي، تقدّم نحوه وعانقه عناقًا حارًّا، مُصافحًا إيّاه بحميمة، متسائلًا بدهشة:
_رمزي؟ شلونك يا حبيبي؟ ما شفتك من زمان.
ربت “رمزي” على ظهره بحرارة، وقال بابتسامةٍ واسعة كالقمرِ ليلةَ اكتماله:
_آني بخير، إنت شلونك؟ طمّنّي عليك.
ابتسم الشاب المدعو “مرزوق” معبرًا عن سعادته بلقائه، قائلًا بلهفةٍ تجري كسيلِ المياه في مجرى الأنهار:
_الحمدلله كله طيب.
أشار “رمزي” إلى ناجي شارحًا صلة القرابة بينهما، موضحًا أنه ابن خاله، وتابع بفخر:
_ناچي ولد خالي، وهو بمنزلة خويّا الصغير….
ثم أشار بابتسامةٍ هادئة نحو صديقه، واسترسل:
_ذاك مرزوج صاحب الطفولة، رچال غويث وعمره ما خان العشرة.
امتدت يدَا “ناجي” و”مرزوق” ليُصافحا بعضهما في اللقاء الأول بينهما، إذ بادر مرزوق بالحديث قائلًا بابتسامة:
_هلا بيك يا ناچي، نورت الدنيا كلها.
=الله يخليك يا مرزوج باشا.
الكرم عِزّةُ الكرماء، يدٌ سخيةٌ تمتدُّ لا تنتظرُ مقابلًا…
الكرمُ وجهٌ بشوش، يُظلِّل بالحفاوة ويستقبل بأعظمِ الجلل،
الكرمُ روحٌ أرحبُ من فدادينٍ وقصورٍ تضمُّ أثمنَ المتاع، وتؤوي الوجل.
أسمى “مرزوق” ذراعَه كملكٍ سامٍ يرحّبُ بضيوفِ قصره المهيب، يوجّههم للدخول إلى داره كما يعتبُ الفرسانُ عرينَهم، وابتسامةٌ مرسومةٌ تلوحُ على وجهه، لكنها متواريةٌ خلف لثامه، خرجت كلماته محمَّلةً بالتبجيل، قائلًا:
_اتفضلوا، الدار داركم!
الخُطى في دارٍ غريبة تبثّ الفزع في قلوب الوالجين، رهبة أوليّة بسيطة تجعل أعينهم متسمّرة في مركز رؤوسهم، كما لو دخلوا دارًا مهجورة خلت من ضجيج البشر الذي ينشر الطمأنينة؛ لتكون هادئة لكنها تبثّ الرهبة.
من العسير أن تجتمع التناقضات، فالمستحيل نفسه لا يعرف لقاءها. انطبق هذا الخوف البسيط على مهجة ناجي، وهو يسير في النهاية وراء الاثنين، يتتبع بعينيه المنزل البسيط خوفًا من ظهور غير المألوف في لحظة غير متوقعة، لكن رمزي، بجرأته، دخل ببسالة، وكأنه أَلِفَ ذلك المنزل، وأحيا فيه أكثر من مالكه وأسرته.
وبينما وصلوا إلى بهوٍ ذي مساحةٍ معقولة، تتجسّد فيه روح الطبيعة، والجلساتُ العربيةُ مُطِلّةٌ مباشرة على السحب دون سقف، تميّزت بوهجها —نهارًا وليلًا—، وألوان القماش تسرد عراقة البدو وحرصهم على الحفاظ على تراثهم، رغم الاستحداثات المجتمعية.
جلس الثلاثة على الركنة البدوية، وأنوار الغروب تتلألأ على وجوههم. حينها أبدى رمزي رغبته في مساعدة مرزوق له في خطةٍ مُحكَمة، كان قد رسم تفاصيلها في ذهنه بدقة، وكأنّ ذهنه يتفوق على أسراب من الحواسيب المستحدثة.
الخريطة الذهنية التي خطّها كانت بيدٍ متمكنة، وعقلٍ يُدرك جيّدًا ما يُخطط من استراتيجيات وطيدة،
جعلته مستعدًا لوصفها لمرزوق، ذلك الذي أصغى له باهتمام، يقرأ الخطة في عينيه قبل أن يُنصت لها بأذنيه، وهذا ما جعل رمزي يستعرُ حماسةً في عرضه.
وفي حين تغيّرت المواقع والوجوه والأحداث إلى منزل عائلة الدميري، كانت ريم قد غاصت في هدوء النوم وراحته بعد يومٍ شاق، بدأته داخل لجنة الامتحان، ثم خرجت مع عمرو إلى إحدى المقاهي بجنوب سيناء، وانتهى بها اليوم إلى نعاسٍ حادٍ ألقى بها في أحضان النوم.
كانت الساعة حينها تشير إلى السادسة مساءً، فاستيقظت بين الأجواء الحالكة في غرفتها، وخرجت تتثاءب بإرهاق، وفي المطبخ، كانت والدتها، أسماء، تصنع الغداء، تراصّت على رخامة المطبخ أطباق الفلين التي تحتوي على الجمبري، والأسماك البوري، والسبيط المجمّد… وعلى بُعد خطوات، عبوة الأرز.
وفي يد أسماء بصلةٌ تقطّعها، والدموع تتساقط من عينيها.
اقتربت “ريم”، تدلّك عينيها برفق، ثم سألتها بفضول:
_إنتي بتعملي أكل إيه يا ماما؟
ثم نظرت إلى النافذة المفتوحة التي يتسلّل عبرها نسيمٌ بارد، وكانت “أسماء” تشطف حبات البصل تحت الماء الجاري بعد أن نزعت عنها قشورها، مجيبةً بانشغال:
_أبوكي بعتلنا جمبري وسمك وسبيط، بقالنا كام يوم مقضينها فراخ، قال يجدد شوية.
قطعت أسماء البصلة باحتراف داخل وعاء بلاستيكي واسع، تجتهد بدورها كأم مُلزمة برعاية زوجها وابنتها. كانت تتعايش مُجبرة في صفوٍ مُتكدّر بالأحزان، موقنة أن شجنها على ابنتها چيهان لن يتبدّد، ولو قضت عمرها كله تنادي عليها بين الأحياء. كأن فؤادها يتمزّق، ومسارات حياتها تتعثر بالعراقيل كلما تركت الحزن يتملّكها.
أما “ريم”، فكانت تحمل في قلبها أشجانًا عميقة مثلها تمامًا بسبب غياب چيهان، لكن دخول عمرو إلى حياتها منحها طمأنينة وراحة كبيرة، أعانتاها على تخطي أزماتها بنجاح. وقالت في تلك اللحظة، بعقلٍ مشتّت لم يُفِق بعد من أثر النوم:
_طيب أنا هدخل أغسل وشي.
تحركت ريم بخطواتٍ متعثّرة في الطرقة المظلمة التي لامسها ضوء خافت منبعث من حجرة أسماء، وقبل أن تخطو نحو المرحاض، قالت “أسماء” بصوتٍ عالٍ:
_بعد ما تخلصي تعالي قطعيلي السلطة، وبطّني السمك في الدقيق!
زفرت “ريم” بانزعاج من طلبات والدتها، إذ كان الكسل يُشكّل ثِقلًا كبيرًا على كاهلها، فهي منهكة طوال الوقت ولا تقوى حتى على تحريك ملعقة صغيرة. عبّرت عن موافقتها، لكن بطريقة يملؤها الملل والتذمّر، قائلة:
_حاضر لما أخلص، يا رب أفوق بس.
اِنقطعت خطواتها على وقع طرقات الباب المتوالية، فغيّرت مسارها وتوجّهت إلى الصالة. فتحت الباب، واثقة تمامًا أن الطارق أحد أفراد العائلة، لكنها تفاجأت بسكونٍ يخيّم على زوايا الدار، ما دفعها للخروج إلى الخارج تنظر في كل اتجاه بفضول. وعلى حافة الدَّرَج المُطل على الطابق العلوي، رأت ذيلًا أسود يتحرك… لربما ذيل قط، لكن لا! كان أطول من أن يكون كذلك، بدا وكأنه ذيل مخلوقٍ أكبر حجمًا!
اتسع بؤبؤا عينيها، وازدادت نبضات قلبها برهبة، كأنها تقف بين طريقين: الشجاعة، فتتقدم لمواجهته واكتشاف أمره، أم التراجع وكأن شيئًا لم يكن؟
تردد نعيق الغراب في رأسها، ذاك الذي رأته في منامها ليلة البارحة: “إذ بغرابٍ أسود يقف على نافذة جدها شعيب، بهيئةٍ بشعة، ينقر الزجاج وينفذ منه إلى الداخل، ثم يقف على ذراع جدها، وكأنهما من سربٍ واحد. ”
لكن ما حدث لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل كارثة وقعت على أرض الواقع، إذ تعالت صرخات جدتها من الأسفل، فشتّتت انتباهها ومحَت من ذهنها ما رأته على حافة الدَّرَج.
يومٌ كئيب، مغموس في النحوسات، وهي تهرول نزولًا على وقع صرخات “روحية”، اندسّت إلى منزل الأجداد، فوجدت الجد شعيب مُلقى على الأرض، مكتسيًا بزرقة الموت، جسده متصلب وجاف كالخشب. لامسته ريم بفزع، وهزّته بعينين مشدوهتين، بينما كانت جدتها روحية تعول قائلة:
_يا حاج شعيب، الله يرحمك، لا إله إلا الله…..
خرجت الدموع من عينيها بانهمار، مردفةً لريم بتوجيهٍ صاخب:
_اتصلي بأبوكي وعمك بسرعة!
أجابت “ريم” وهي تصعد إلى منزلها بسرعة:
_حاضر.
تحركت ريم بخُطى سريعة جدًا نحو الأعلى، كلّ ثانية كانت تستدعي التعجيل؛ فلربما لا تزال الأنفاس في صدره، ولعلّه لم يغادر الحياة بعد. وبمجرّد أن خطت إلى الصالة، وجدت والدتها “أسماء” أمامها، مصدومة، كأنها لم تفهم بعد سبب الصراخ، فسألت بفزع، قائلة:
_في إيه يا ريم؟!
في تلك الأثناء، نزلت علياء ومنى تخطُوان بتعجيلٍ نحو الأسفل، ووجهيهما محمّلان بظلال الرعب. وبينما دخلت “ريم” إلى حجرتها تُحضِر هاتفها على عجل، أجابت بصوتٍ مرتجف:
_جدو…. جدو واقع وجسمه متخشب، ربنا يسترها يا رب.
صرخت أسماء، ودلفت إلى حجرتها، وفي رأسها تدور قائمة من المخاوف، من بينها خوفٌ أن تكون قد انتهت رحلته في الحياة، فرفعت حجابها فوق رأسها، وهَمَّت مسرعة إلى نساء العائلة اللواتي كنّ يعولن في الأسفل إعوالًا حارًّا، فيما كانت ريم تحاول ربط جأشها، وأناملها تتزلّق على الشاشة بارتباك، حتى اتصلت بوالدها وأخبرته بما حدث، منتحبة، وحروفها تبزغ كفرخٍ يحاول الخروج من قشور بيضةٍ صلبة.
لم يتأخر شوقي، بل أزمع على المجيء برفقة أخيه عصام، وهشام، مستدعين طبيب القلب في زيارة عاجلة.
في الأسفل، اندمجت صيحات النساء كصيحةٍ واحدة. الجدة روحية كانت تجلس على أريكتها المُهترئة، تضرب يديها في فخذها بإعوالٍ لافحٍ يَخْرق طبول الأذان. علياء ومنى جالستين على ركبتيهما، تقلقلان جسد الجد علَّه يستفيق من غيبوبته، حتى دخلت عليهما أسماء، وعلى عقبها ريم، كلتاهما متخشبتا الأبدان، صُعِقَتا بما رأته أعينهما على ملامح الجد الهاجع في رُقاد الموت.
ملامحه لم تكن تدلّ على فقدان الوعي، بل كانت تُشير بجلاء إلى أن هذا هو اليوم الأخير في حياته؛ لكنه لم يستدعِهم ليشبعوا من وجوده بينهم، وكأنه اختُطف فجأة… دون وداع.
وخلال ربع ساعة، دخل عصام وشوقي في المقدّمة، وراءهما هشام و”طبيب القلب” الذي حمل حقيبته ودخل بها إليهم، ليجد جثة راقدة بلا أنفاس. وبدون أن يحتاج إلى كشفٍ طويل، مدّ يده بالقرب من شريان معصمه، يقيس النبض وهو متيقن من وفاته. حينها، استدار نحو الجميع، وقال بأسف:
_الحاج للأسف مش محتاج كشف… البقاء لله.
تزايد نواح النساء، فتقدّم “عصام” نحوه، وأجبره على الكشف، قائلًا بإلزام:
_اكشف عليه يا دكتور، اتأكد إنه مماتش!
تدخّل “هشام” في الحوار، وأبدى موافقته على تشخيص الطبيب، قائلًا باقتناعٍ يتخلّله الثبات:
_يكشف عليه إيه يا عم عصام؟ الراجل جسمه مزرق وزي الخشبة يعني مفيهوش الروح.
ردّ “الطبيب” مستخدمًا المنطق، مؤكّدًا أن المريض قد توفّي، فلا داعي لتشخيصه، قائلًا:
_زي ما الأستاذ ده قال، احنا هنحتاج تصريح دفن….
ثم التفّ حول الموجودين وتابع باستفسار:
_مين فيكم هيروح الوحدة الصحية يطلع شهادة الوفاة؟
حاول “شوقي” تمالك أعصابه، وصلب جسده الذي فقد قوّته في لحظاتٍ معدودة، مستندًا على كتف هشام بحزن، وجفناه ينغلقان شيئًا فشيئًا، لكنه، وعلى الرغم من وهَنه، قال موجّهًا حديثه لهشام:
_روح طلعلنا شهادة الوفاة وبعدين اعمل تصريح الدفن، الورق كله عندك هناك في المكتب….
واستدار نحو والده بأسًى، متابعًا:
_لا إله إلا الله… إنا لله وإنا إليه راجعون.
بينما كان “هشام” يسارع إلى الخارج، متجهًا أولًا إلى مكتب العمل لإحضار الأوراق المطلوبة، ثم إلى الوحدة الصحية لاستخراج شهادة الوفاة التي تُبيّن أن الوفاة طبيعية ولا شبهة فيها، قال:
_ربنا يصبركم ويصبرنا… لا إله إلا الله… إنا لله وإنا إليه راجعون.
اِنصرم هشام إلى المكتب، مغادرًا دار العائلة، والأدوية تتردد في أذنيه، وكأنه وسط تتابع من الزلازل المدمّرة. كلهن يَعُولْنَ في الداخل بحرقة، حتى روحية التي سقطت بجوار زوجها، تُرجّه رجًّا عنيفًا، وكأنها تُحيي الأمل في إنعاشه مع كل رَجّة، بعد زواج دام ستين عامًا. تارةً أحاقتهم الليالي بالفرح وسط المناسبات السعيدة، وتارةً تغمرهم الأحزان، لكنها تُقوّي علاقتهم ببعض، ففي كل تعاسة مرارة من اشتداد يتبعها.
لامست يداها وجهه باكيةً بحرارة، كادت أن تُذيب جسده الصلب كثَلْجٍ متحجّر، فعانقتها منى، وأغاصتها في حنانها الذي لم تملكه يومًا، تُواسيها بكلماتٍ هادئة، والدموع تزرف من مدمعها. فراقه قاهر، أزاد آلامهم، فضاقت الأرض بهم بما رحُبت.
وبينما هم في بلدة موط، خرج رمزي بعد الاتفاقية برفقة ناجي، بعد أن أدّيا واجبهما. فازداد مرزوق مقامًا في كيل الوداد، ولمع بين نجومه كنجم الرمح السماويّ المتمايز، اللامع فوق اللامعين.
موعد الرحلة بات على الأَشْرَاف، والجميع في حالة استعداد للتمثيلية العظمى التي سيقيمونها على شيخ البلدة. لكن “ناجي”، الذي لم يستوعب مدى دهاء رمزي وعقليته الألمعية، سار معه، والسماء مُتكحّلة بالدَّيجور، وقد ألقى الليل سدوله على العالم، والقمر كمصباحٍ وَهّاج في الأفق، سأله باكتراث، قائلًا:
_بالله عليك يا رمزي، وشّ ذا الكلام اللي دار بينك وبين مرزوج؟! ما تدري لو درى الشيخ ضرغام، وش بيسوي فيك؟! ولا يمكن عاچبك مرجد السچن وناوي تعمر فيه؟
خطا “رمزي” بجواره كالأَسَدِ المهيب، حتى وصلا إلى الجمل، فأعتق رباطه، وقفز على ظهره بليونة، وقال:
_الشيخ ضرغام هيوصله العلم منين غير منّك يا مرزوج؟! بس آني واثج في مرزوج، وعارف إنه ما يخون العهد ولا يكسر كلمة، البلا والبلاوي عليك إنت، يا ترى جدّ الأمانة؟ ولا الحكاوي أهون من عزيمتك؟
لم يكترث “ناجي” بما قاله، بقدر ما رآه يقود الجمل استعدادًا للإياب في نفس الطريق الصحراوي المُظلم. قد تكون هناك أحداثٌ جديدةٌ في انتظارهما، فقال بحرص:
_ما هنطج بشي… هو إنت ناوي ترچع بالچمل من نفس الدرب يا ولد الناس؟
أجابه “رمزي” بوضوح، مؤكدًا العودة من الطريق نفسه:
_أيوه، راچع من نفس الدرب… ومو راچع بروحي، إنت هترچع معي. وإن ما رچعت، ساعتها أعرف إنك ما رچّال، ولا تستاهل تنجالّك يا رچّال!
انحصر “ناجي” في زاوية مُنقبضة كصدره المنقبض، وهو يرى رجولته متوقفة على تحمّله أهوال الصحراء ليلًا. كان يستطيع أن يكسب صحته النفسية والعقلية ويستأجر إحدى السيارات ويعود إلى داره سالمًا غانمًا، لكنه، وبكبريائه، غيّر الاتفاقية، مُقررًا أن يعاود معه من الطريق نفسه، فرفع رأسه بسُمُوق، وقال باستعداد:
_رچّال، وسيد الرچّاچيل، واللي يجول غير كِده يبقى ما يعرف الصِّدج من الكذب… هاچي معاك، وما يهمني لا چن أزرج ولا سحّاب أسود!
بمجرد أن نطق جملته الأخيرة: <الجن الأزرق>، التفت له الجمل بنظراتٍ مُريبة، فأصابته غمرةُ الخوف، وارتعد بدنه، وثيابه المبللة لم تجف بعد. فابتلع ريقه بصعوبة، وتابع:
_بس وربك يا رمزي، خلّيه ما يرمجني بنظرة، ولا يجرّبلي بحركة… آني رايد أخلف، والعيال رزج، ما ينفع ينجطع!
ضحك “رمزي” ضحكةً هادئةً كعادته، وأشار له بالركوب، قائلًا:
_اركب يلا، خلصنا السيرة!
ركب ناجي وراءه، ويلوح حول فؤاده شعورٌ بالرهبة لتكرار نفس التجربة السيئة، وقد كان إحساسه في محلّه، خاصةً حينما تحرّك رمزي بالجمل، وانغمسا في أعماق الصحراء عائدَين إلى بلدتهم.
كانت السماء مُضاءة بالنجوم، كأنها مصابيح تتراقص، وتشعّ ضوءًا لطيفًا على الصحاري. الساعة الأولى كانت هادئة، توحي بأن الرحلة في أمان. لكن، ومنذ بداية الساعة الثانية، ظهر لهما ضوءٌ أبيض من بعيد، كأن أحدهم يمسك مصباحًا، ويظهر ويختفي في ثوانٍ قليلة، من مكانٍ إلى آخر ناءٍ، المسافةُ بينهما تستغرق دقائق للوصول.
تشبّث ناجي في ثياب رمزي، وأخرج نغمات الفزع، ثم ردّد آيات القرآن بارتجاف، حتى مرّت الساعات وكأنها أعوامٌ من الرعب. فهي تجربة قاسية لن تتكرّر، وإن دفع رمزي له آلاف الجنيهات.
دخل داره مبتلّ الثياب، يرتجف، وساقاه تتخبطان في بعضهما. نهضت زوجته “صبا” من على الأريكة، تتفحّصه بصدمة، وكأنها ترى زوجها الباسل المقدام مجرّد فأرٍ صغير يرتعب من مواء القطط. سألته، ودلالات الفضول على وجهها، قائلة:
_شو بك يا ناچي؟ وش اللي مهدّ حالك كِذا؟
أجابها “ناجي” بحسرة، وهو يقول بصياح:
_باركيلي يا صبّا… راچلك ما طلِع رچال!
دلف إلى حجرته، تاركًا الهواجس تنهش في قلبها، إذ مرّت الكلمات للوهلة الأولى وكأنها توحي إلى أشياء أخرى، ما جعلها تضرب يدها على صدرها، مترقّبةً الخزي يناديهم بين أهالي البلدة، قائلة:
_يا نُكبة سودة!
في الأعلى، دخل رمزي المنزل بعد ساعاتٍ طويلة من إرهاق الطريق، الذي استغرق ثماني ساعات ذهابًا وإيابًا، معتقدًا أن چيهان قد غفَت في نومها، فمرّ بجوار حجرتها بعدما صكّ باب الشقة، وفي يده حقيبة بلاستيكية سوداء تحمل شيئًا هامًا، وقد ارتسم الذهول على وجهه، وهو يرى باب حجرتها مفتوحًا على مصراعيه، وهي تجلس على الأرض بحزن، بين الخزانة والسرير، ضامّةً أطرافها لبعضها، وكأنها في جنازةٍ لافحة، ورأسها مستند على ركبتيها في وضعٍ غريب.
تنحنح “رمزي” بصوته، ووضع الحقيبة البلاستيكية على السرير، وقال:
_چيهان!
رفعت چيهان رأسها ببطء، وعيناها براقتان بدموع التبرُّم، فتابع بارتباك:
_قومي عايز أتكلم معاكي شوية!
نهضت چيهان بتمهّل، واتبعته إلى أن خرج إلى السطح ووقف عند الحافة. وقفت موازيةً له، والاثنان يتأملان القمر والنجوم السابحة في السماء.
لم يكن هناك حديث، بعدما أخفى “رمزي” عنها حقيقة الجدة منيفة، لكنه أراد أن يُصلح من سلوكه دون الاعتراف بذنبه. كان يستخدم أساليب ملتوية، خشية أن يُرى في هيئة الهزيل نفسيًا، أو أن يستهين به أحدهم، ما جعله يقول:
_أنا عارف إنك بنت ناس وأهلك مبسوطين ومربيينك أحسن تربية… وعارف إنك اتاخدتي من بينهم على فجأة من غير ما ترتبي لكل اللي حصل ده، وعارف إنك نفسك ترجعيلهم وترجعي لحياتك من قبل ما تعرفيني… بس أنا جاي أقولك إن النهارده كانت أول الخطوات في الرحلة، وأوعدك إنك هترجعي لأهلك بخير…..
تحشرجت الكلمات في حلقه، وامتنعت، وهو يواصل بحزنٍ مخفيٍّ وراء كلماته:
_أنا فترة في حياتك وهتنتهي وكل حاجة هترجع لأصلها، بس يا ريت لما تفتكريني افتكريني بالخير وافتكري إني كنت بساعدك وبحافظ عليكي مش بأذيكي زي ما بتقولي…..
ارتجف جسدها على وقع كلماته… كيف لها أن تكون فترة وستنتهي؟ كم تمنى المرء ألا يفيق من كابوس أزعجه، لمجرد أنه وجد فيه ما افتقده؟ الجملة التي حرّكت مشاعرها، وجعلت الدموع تتألق كأشواكٍ مؤذية في عينيها. لكنه، وبنفس النبرة المنكسرة، المكتسية بثباتٍ نسبي، استرسل:
_في حاجات كتير إنتي متعرفيهاش ومش هينفع تعرفيها لأن؛ مش لازم كل حاجة تتحس تتقال….
مسح وجنته بلُطف، وتنهد بعمق، وواصل مُدققًا النظر في السماء، وكأنه يخاطبها:
_ومش كل حاجة الواحد بيتمناها بيلاقيها، في حاجات مستحيل ومتنفعش مهما حصل، بس ده مش موضوعنا….
استدارت چيهان برأسها في زاويةٍ أخرى، وجفّفت دموعها في كمّ عباءتها. كانت تكبت مشاعر لا تقوى على كبتها. ظلّت صامتة، لأنّه إن خرجت كلماتها المرتجفة، سيُفضح كل شيء… كل شيء!
غيّر “رمزي” الموضوع، ودخل في مسارٍ أكثر لطافة، متابعًا:
_أنا جيبتلك الدراجون اللي بتحبيها….
اندهشت “چيهان” من معرفته بنوع الفاكهة المحبّبة إلى قلبها، وسألته بتعجّب، قائلة:
_عرفت منين؟ لقيتها ازاي أصلًا؟!
سؤالها عجيب، إذ معرفته لم تقتصر على نوع الفاكهة المحببة إليها، بل شملت كل أمورها العامة والخاصة، كأن حياتها ليست إلا كتابًا مكشوف الصفحات، تلك التي قرأ سطورها باهتمام، واهتم بما تفضله وتبغضه، فأجاب بثقة في كلماته:
_أنا عارف كل حاجة عنك، الكبيرة والصغيرة… روحي قطعيها واعملي حسابي، متبقيش بخيلة!
ثم ابتسم بعُذُوبة بعدما أراد تغيير أجواء الحزن إلى عالم متسع بالهُزال، فلا عائد عليهما سوى القهر. حينها دخلت جيهان حجرتها، وفتحت الكيس، وأخرجت منه فاكهتها المفضلة: “فاكهة التنين”، أو تلك التي تُسمى “دراجون فروت” بالاسم الأكثر شيوعًا.
قبضت عليها وهي تتمعن في ملامحها، إذ كانت فاكهة استوائية بيضاوية الشكل، قشرتها وردية وبها زوائد خضراء، وقلبها أبيض منقّط ببذور سوداء، مذاقها خفيف، كأنه مزيج بين الكيوي والبطيخ.
ولجت بها إلى المطبخ المحصور، تشطف الفاكهة تحت المياه المتدفقة من الصنبور، ثم بدأت تقشّرها بالسكين بحرص. وبينما تحاول الانشغال في تقطيعها، تسربت الدموع، وفؤادها يتقلقل بتعاسة، بعيدًا عن ظروف لصبة عاشتها في عالم لا يشابهها، وسط أناس غرباء، وشابٍ أغرب، أُجبرت على النكوص معه إلى البلاد هربًا من توعد مصعب لهما.
لم ترتَح في اجتماعهما تحت سقف واحد دون رابط شرعي، على الرغم من أنها التزمت طوال الحقبة الماضية، وستلتزم، لأن العفيفات لا تُغريهن أهواء الأبالسة.
لكن شعورًا بالتقصير الديني ينتابها، وفي الوقت ذاته تتألم كلما قاربت العودة إلى أهلها، وكأن الحكاية تُختَم بسطورها بعدما نُقِش الغرام على ورقاتها.
انتحبت بحرقة، وانهمرت الدموع على ثيابها، فتمددت بجسدها قليلًا، فوجدت رمزي يقف بظهره نحو سور السطح، ينظر إلى السماء بحزن، وكأنه يرغب في الانغماس معها في أحاديث أكثر حرية، لكن الدين والظروف لا تسمح، فليس كل مرغوبٍ مسموحًا في مجتمع يعترض اجتماع عفيفة محصنة مع ساحرٍ ترعرع على مبادئ شيطانية لعينة.
لكن القلب الذي تسلّل إليه التولّه بان خائرًا أمام وهج الحب.
ارتعش جسدها وهي تنتحب بمرارة، ثم جففت دموعها، وخرجت إليه حاملةً الطبق في يديها، ومدّته إليه، فالتفت ناظرًا إلى عينيها التي اكترث بها أكثر من كونه يجرب فاكهة جديدة لم يسبق له أن قابلها.
في لحظاتٍ قليلة، سهام التتيُّم تقابلت في نظرات وَلَه، فلاحظ “رمزي” الدموع مرقرقة في عينيها، ما جعله يقول:
_مفيش حاجة تستاهل.
لكنها امتنعت عن الرد، ووقفت بعيدًا تُفكّر، إن فشلت في إحكام مشاعرها الحزينة، خَشيت أن تتحدث معه فتنكشف الآلام. كانت ظاهريًا تتابع رد فعله وهو يتذوق الفاكهة لأول مرة، لكن الباطن قلبٌ يصرخ، رافضٌ للانفصال.
أعاد “رمزي” بصره إليها، وسألها بتعجب:
_مبتاكليش ليه؟!
استدارت “چيهان” ناحية الشقة، مُدّعية أن النعاس زارها، لكن الحقيقة تكمن في صوتها المهزوز، الذي أصاب الحروف المارّة بلعنته الفاضحة، فقالت محاولة الثبات:
_عايزة أنام…. تصبح على خير.
توقّف رمزي عن المضغ، وركّز نظراته عليها وهي تدلف إلى الداخل، حتى دخلت حجرتها وأوصدت الباب، منصتًا لمزلاج الباب يتحرّك، والمكبس ينطفئ، وساقاها تتحركان نحو السرير.
لم تقوَ، مهما حاولت التمثيل، فجلست على السرير وتهدّجت بقوة، وهي تضع يديها على صدرها بألم، حينما وجدت مشاعرها تتجلّى.
رفعت كفّها إلى فمها تكتم نحيبها، كأنه كابوس ذو حدّين: طُرقٌ زاخرة بالأشواك، وحدائق مُترعة بالأشواق. هوى لم تتمنَّ الوقوع فيه يومًا، لكن القلب أعظم سلطانًا.
أما هو، فتخيّلها ما زالت قُبالتَه، عقله رافض الاقتناع باختفائها عنه، إذ وضع الطبق على حافة السور، وتحرك بالقرب من حجرتها، وهو لا يزال لم يخطُ باب السطح، يحاول إملاء نظره منها قبل أن تنكفئ الطيور إلى مواطنها.
في صباح يوم جديد، بتوقيت الساعة الحادية عشرة، تحرّك مرزوق مرتديًا جلبابه الأزرق من لُبّ موط إلى “العوينات”، متحرّكًا بثبات بالقرب من دار الشيخ ضرغام، وسلاحه يغفو في ثيابه بطريقة حاذقة لا يلحظها أحد.
وعلى بُعد أمتار، كان “رمزي” يسير رافعًا هاتفه، وكأنه منهمك في حديث هام، وكان يعجّ بصوته الحيّ، وعيناه مترصدتان كالنسر لخروج الشيخ ضرغام في أي لحظة مع حراسه، وقد نطق بصوت حاد:
_لا الكلام ذا ما يخصّني، إنت الغلطان مو آني، فلوسي ترچعلي كاملة، وإلا العيب بيچيك من ساسك لراسَك، سامع ولّا مو سامع؟
الشيخ ضرغام الذي اعتاد كل يوم، في توقيت الحادية عشرة، أن يخرج مصطحبًا رجاله إلى الأعراف البدوية التي يُمثّلها كرجلٍ حاكم، يحسم الأمور، ويزعم أهالي البلدة بنظامه السديد. كان وراءه اثنان من رجال الغفر، يعاونانه في فتح باب سيارته المرسيدس، لكنه، وقبل أن يركب، لاحظ “رمزي” مرزوق يطلق النيران من مسافة ساحقة على الشيخ ضرغام، فأنزل هاتفه وجرى نحوه بسرعة، قائلًا:
_انتبه يا شيخ ضرغام!
فداه رمزي بروحه حينما غرزت الرصاصة المتضرّمة في صدره، فسقط فوق الشيخ ضرغام، كلاهما منحدران إلى الأسفل، وغبار الأرض الصحراوية يدنّس ثيابهما، فيما رفع الغفر أسلحتهم يطلقون النيران على مرزوق، الذي فرّ في لحظات كشبحٍ منكود اندثر بين أدخنة الفوضى.
تدفّقت الدماء من كتف رمزي، وهو يصرخ صراخًا حادًا يُسمَع أنينه على مسافاتٍ متناهية، وسرعان ما رفعه الغفر إلى الأعلى بدماءٍ متجانسة مع الرمال، في مشهدٍ كامد يُرثى له. فطلب منهم الشيخ ضرغام الذهاب به إلى المستشفى في أقرب لحظة، اعتقادًا منه أن الرصاصة اخترقت قلبه. وبالفعل، حملوه داخل السيارة، وخرجوا به بسرعاتٍ عالية إلى الوحدة الصحية، وهو ينزف دماءه حتى فقد الوعي.
كأنما هو مشهدٌ سينمائيٌّ أخرجه رمزي بنفسه، لعب على أوتار الفزع، ليُقنع الجميع أنه فدى الشيخ ضرغام بجوارحه، وكأنّ حياته لا ثمن لها من أجل حمايته.
زر الذهاب إلى الأعلى