روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثاني 2 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثاني 2 بقلم رانيا عمارة 

بعد اختفاء چيهان، اضطربت الأمور داخل العائلة، وحين عاد شوقي برفقة أخيه عصام إلى المنزل، كادا أن يبلغا سرعة الضوء، إذ كان شوقي يقود المركبة بأقصى سرعة، فيما يجلس عصام إلى جواره محذرًا إياه من الاصطدام الكارثي، فكل شيء كان على وشك الانهيار.
اندثر وهج الغروب، وغرقت الشوارع في ظلام دامس بلا حس، كل شيء ساد عليه السكون، لكنه لم يدم طويلًا؛ إذ انفجرت الأصوات في منزل عائلة الدميري، حيث أُلقي غياب چيهان فوق كاهل الجميع، وكل فرد في العائلة كان يتساءل عن سبب تأخرها حتى هذا الوقت المتأخر من الليل.
لم تهدأ الأم، بل زاد نحيبها، متوجسة أن مكروهًا أصاب ابنتها المستضعفة على يد الأبالسة، فيما كانت علياء، زوجة شقيق زوجها، تحاول تهدئتها، متمنية لو تستكين لثوانٍ كي يتمكنوا من البحث عن حل. لكن قلب الأم لم يهدأ، وكانت تهز الحي بصراخها كما لو كانت تستنجد بالطبيعة، تطالبها بأن تلفظ ابنتها التي ابتلعتها بالخطأ.
اجتمع الجميع قبالة المنزل، حتى الأجداد الذين لم يكونوا قادرين على النهوض لدقائق، لكنهم وقفوا إلى جانب العائلة في محنتهم العسيرة.
بينما كانت منى تقدم مساعدتها لريم التي كانت تنتحب خوفًا على أختها، توقفت سيارة أمام المنزل، ونزل منها الرجال على عجل، متوجهين نحو العائلة ووجهيهما يحملان طابع الذعر. تقدم شوقي من زوجته متسائلًا عما حدث، راغبًا في سماع التفاصيل قبل اختفائها، فاستفسر بنبرة مهزوزة:
_لسه ملقيتوهاش؟!
قررت “ريم” التطوع بالإجابة نظرًا لحالة والدتها المستعصية، محاولةً التماسك رغم أنها ترهق نفسها بما يفوق طاقتها. تنهدت وقالت باستياء:
_لفينا في كل حتة نسأل عليها، محدش يعرف عنها حاجة.
اِنهمرت دموع منى من عينيها، وخطت إلى الأمام، مُظهرة تعاطفها مع ما حدث لابنة عمها، ثم قالت بشجن:
_مش لاقينها يا عمو شوقي، ده احنا قلبنا عليها الدنيا ومسيبناش حتة إلا لما روحناها، مش عارفة إيه اللي ممكن يكون حصلها.
نطقت “علياء” بوجه عابس يعكس ما يعتمل في صدرها من أحزان:
_لا حول ولا قوة إلا بالله… احنا مفيش قدامنا غير إننا نروح قسم الشرطة ونقدم بلاغ باللي حصل.
نطق “عصام” وكأنه تائه في بحر من التساؤلات، قائلًا:
_استنوا بس الله يكرمكم! هي كانت فين آخر حاجة؟
أجابته “أسماء” ببكاء حار لا يتوقف:
_راحت تجيب الدوا لجدتها من الأجزخانة، من بعدها وهي مرجعتش… أنا خايفة بجد لا يكون حصلها حاجة….
نظرت إلى زوجها، ضامة يديها إلى صدرها، ودموعها تتساقط بلا انقطاع، مُردفة:
_أنا قلبي حاسس إنها حصلها حاجة يا شوقي، أبوس إيديك تروح القسم تشوف چيهان مالها!
نظر شوقي إلى أخيه عصام بنظرة تحمل الكثير من الأقاويل الصامتة، محركًا رأسه بطريقة تعكس رغبته في التحرك. ثم عاد لركوب السيارة برفقة عصام، متوجهين سويًا إلى قسم الشرطة.
كانت عملية البحث طويلة، حيث كان الوصول إلى القسم يتطلب قطع مسافات كبيرة عن المنطقة السكنية. سارت السيارة بين الأزقة والطرق المظلمة التي لا يظهر فيها سوى ضوء المصباح، الذي أصبح الدليل الوحيد في تلك الطرق المريبة.
أما أمام المنزل، كانت النساء يبكين خوفًا من سماع خبر يهز كيان الأسرة ويفتح أمامهم أبواب الظلام، فحياتهم لا تستحق سوى الاستقرار، لا أكثر.
جلست منى وريم على الرصيف، تستريحان وسط الهدوء، لا يصل إلى آذانهما سوى صرير الحقل، واستعبار أسماء، التي تشبه بومة تنعب على صغارها فوق جزع الشجرة.
نظرت الجدة إليهما بحزن، لكنها كانت غير قادرة على تقديم المساعدة، فكل ما تملكه هو الدعاء. أما الجد شعيب، فظل واقفًا متكئًا على الجدار، فقد منعه عجزه من الحركة بسهولة.
بعد نصف ساعة، وصل الأخوان إلى مقر قسم الشرطة، حيث قدما بلاغًا باختفاء چيهان، لتبدأ الشرطة تحرياتها للبحث عن الحقيقة. بينما في مكان آخر، كانت دقات قلب چيهان المذعور تتسارع كأنها طرق على الطبل، وقتما استفاقت من كابوسها، وعيناها ترى خيالات غير موجودة، أشياء غريبة لا أصل لها. تظهر برهة، ثم تختفي في لحظة، ثم تعاود الظهور مثل الشمس التي تنشر أشعتها في الأرجاء ثم تختفي سريعًا عن الأنظار.
منذ وصول چيهان إلى المكان المجهول، لم تكن ترى سوى كلمات غريبة تخرج من شفتي “رمزي”، ورموز عجيبة تظهر على الجدار المقابل لها.
حدَّقت فيه صامتة، كأنها ترتعب من فكرة تبادل النظرات معه، لكنه دون أن ينظر إلى عينيها، قال بحدة:
_بتبصي عليا ليه؟ في حاجة غريبة في وشي وأنا مش واخد بالي؟
ارتجف جسد “چيهان” في رهبة، فقالت بتردد:
_إنت عرفت ازاي إني بصيت وإنت مبصتش؟!
نظر “رمزي” لها بقسوة، وحدثها بفظاظة:
_ليه حد قالك إني بلعب؟ ده أنا أجيب قرار عيلتك كلهم لو حابة.
اِزدرمت “چيهان” ريقها بصعوبة، وقالت باِرتعاب:
_أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا حاسة إن في حاجة مُريبة، إنت بتستخدم السحر؟!
ضحك “رمزي” ضحكة ساخرة، فقال بلا اكتراث:
_حد كان قالك إني شيخ جامع؟
وأردف بحدة مفاجئة، متوعدًا إياها:
_خليكي في حالك، أنا لحد دلوقتي مش عايز أأذيكي! بس لو فضلتي تسألي كتير هتضطريني أنفذ اللي أبويا قالي عليه!
تلفظت “چيهان” بفزع، معبرة عن قلقها من حديثه المُلتبس بحركاتها المتوترة، قائلة:
_أنا من حقي أعرف أنا بعمل إيه هنا! إنت مين وبأي حق تخطفني وتحطني في المكان الحقير ده؟!
نهض “رمزي” ليوازيها بجرأة، ناظرًا في عينيها بحدة، مظهرًا وجهه الحقيقي الذي لم يُكشف بعد، وقال بتهديد صارم:
_مش عشان كلمتك مصراوي تحسبي إني ولد ساهل، كلمة توديني وكلمة تچيبني! لو شوفتي وچهي الثاني، والله لا تزعلي زعل ما بعده زعل! إياكِ تخيّبي، لا تندمي ندم العمر! دار أبوي أطهر من اللي يتشدّدلك، الدار اللي كبّرتني وعزّتني، وعلمتني أكون راچل واجف على رچولي. خلي بالك، لو زعلت، زعلي ما هو هيّن، وإنتي مش قدّه!
تفاجأت “چيهان” بتحول شاسع في لهجة رمزي، بعدما كان يحدثها بطريقته الخاصة، أصبح كالراديو الإذاعي لا يُقيدُه شيء عن التحدث، مُبينًا لهجته الحقيقية التي ترعرع عليها. رمقته بذهول، وهي لا تفهم شيئًا من حديثه المتسارع، فقالت بتعجب:
_أنا مفهمتش حاجة منك، أنا مش عايزة أعرف جيبتني هنا ليه! كل اللي عايزاه منك تسيبني أمشي… أرجوك سيبني أمشي أنا كده هموت!
رد عليها “رمزي” بطريقة قاسية، ردوده تخرج من قلب لا يعرف عنوان الرحمة، قائلًا بترهيب:
_إنتي كده كده هتموتي، مستعجلة على إيه؟
نهضت چيهان في الحال، محاولة فك قيودها التي كانت تردعها كلما حاولت الفرار. تعافرت بكل طاقتها، على الرغم من علمها بفشلها منذ البداية. كالعاصفة الرعدية، تزايدت كلماتها برعب يغزو قلبها، قائلة برهبة:
_أموت؟ أنا مش عايزة أموت، ليه أموت أصلًا؟ ليه أموت وعشان إيه؟ إنت تعرفني؟ أذيتك في حاجة؟ سيبني أبوس إيدك، صدقني أنا مظلومة ومعملتش أي حاجة، أرجوك!
رد “رمزي” بحدة تُظهر مدى القسوة التي ورثها عن والده، قائلًا:
_أنا مش هعيد كلامي كل شوية! قولتلك مية مرة أسكتي مش عايز أسمع صوتك، وإلا هتندمي ندم عمرك كله!
حينما تسرب الذعر إلى قلبها من نظراته الشاخصة، منعت نفسها من الحديث خوفًا من صلابته وطريقته التي تفتقر إلى اللين، فشعرت بدقات قلبها تتسارع كأنما يرتد صداها كضربات الطبل في قاعة فسيحة.
أما هو، فصوَّب نظراته الحادة صوبها، كأنما يهددها في صمت عميق دون أن ينطق بكلمة واحدة، متمنيًا عودة والده في أقرب وقت ليتحمل المسئولية الثقيلة عنه، فهو لم يعد يحتمل أكثر من ذلك.
بدأ في أداء دوره، وهو يواصل الأعمال المشؤومة التي كلفه بها مصعب، ينشر الأذى في حياة البشر مقابل المال، ويسعى وراء الشهوات التي تلقي بسالكها إلى الهلاك. كان يحضر الأرواح الخفية وهو يتمتم بكلمات مرعبة لم تعد تستطيع چيهان تحملها، ومنذ وصولها إلى هنا، بدأت الحقيقة بكل تفاصيلها تتجلى أمام عينيها.
في ذات الوقت، كان الأب والعم قد توجها إلى قسم الشرطة، عائدين بخيبة أمل كبيرة، كمن ذهب بكوب ملآن بالأمل وعاد به فارغًا، رؤوسهم منحنية للأسفل بعد أن استفسرا عن غياب چيهان، الذي أثار الرعب في قلوب العائلة. أخبرهم الضابط أن إذا غابت في الحي المشؤوم، فقد خرج الأمر تمامًا عن السيطرة، وأنه لا أحد يمكنه رفع كأس النصر بإيجادها. ومع ذلك، وعدهما الضابط أن الشرطة ستؤدي دورها وتبحث عن الحقيقة.
كانت ليلة شاقة، ولا جفن يغمض للعائلة، خاصة أسماء التي كانت تعول ليلًا ونهارًا منادية ابنتها بصراخ لا يتوقف، كأنما الوقت يمر على سكاكين مصلوبة، فتجرح القلوب وتسبب نزيفًا استياء على ما آلت إليه الأمور. حتى الأب شوقي، اجتاحته ثورة نفسية منعتْه عن متابعة أعماله، فظل جالسًا في داره إلى جوار عائلته، يفكر في ماذا سيحدث إذا فقد چيهان كما فقد ابنه الأكبر “يوسف”.
يوسف، لقد طالت الأشواق التي غرزت أنيابها في صدري ومزقته. يومها سمعت صدى شرخها يتردد في أذني وقتما وصلني خبر وفاتك وأنت في العشرين من عمرك. شاب فتّان، رائع، ترتاح العيون للنظر إليك، كانوا يغيرون من بياضك، وعينيك الملونتين بالزرقة. لربما حقدوا على عائلتك لامتلاكهم شابًا بهذا الجمال الفاتن، النادر.
كسرني الحسد، حطمتني العين، بغضتها وقتما خسرتك بسببها، فالأعين تركت داخلي جرحًا لا يُشفى مما فعلته بي.
كأنما حدث نفسه بهذا كله لثوانٍ دون مقصد، حيث لم يتمالك أعصابه، وخانته قدماه، فاتكأ على الجدار ليتمالك دموعه، يترجاها أن لا تنزلق فتفضح ضعفه أمام الجميع.
مرت أربعة ليالٍ على هذا الشظف، ويبدأ اليوم بذهاب شوقي برفقة عصام إلى قسم الشرطة، وينتهي إلى عودتهما بلا نتيجة قد تهدئ القلوب المدمرة.
عبَّر شوقي عتبة منزله ليجد زوجته أسماء أمامه، عيونها مغمورة بالدموع منذ أول ليلة، خلفها ابنتها ريم بنفس الدموع، كلتاهما في وضع مأساوي، خاشيتين سماع خبر يزيد من وطأة الأمور.
وفي صالة شقتهم، حيث الأنوار مطفأة، وبعض الأبواب مفتوحة والأخرى موصدة، نظرت “أسماء” إلى زوجها في قهر، وسألته بقلق جلي، قائلة:
_وصلتوا لإيه يا شوقي؟ مفيش جديد يبرد نار قلبي؟
تنحنح “شوقي” بصوته، فقال بتردد، وعيناه تجولان الجدران من حوله بحيرة:
_مفيش جديد زي كل يوم، مانا مش هضحك عليكي وأعشمك بحاجة أنا ذات نفسي مش شايف فيها أمل.
رمقته “أسماء” في دهشة، ووجنتاها الموردتان تحكيان قصة عذابها، قائلة:
_اضحك عليا، قولي أي حاجة يا شوقي، قولي الشرطة بتدور ويمكن في أمل يلاقوها، قولي أي حاجة تبرد نار قلبي اللي مش بتهدى!
عبر شوقي باب الغرفة وجلس على سريره غارقًا في التفكير، فالقلق كان ينهشه كداء خفي يتوارى داخله ثم يعاود الظهور، حتى بات كل شيء من حوله باهتًا، بلا لون أو معنى، والكلمات تخرج من فمه متعثرة كأنها تناضل للفرار.
تلاشت آخر بقايا الأمل في قلب أسماء، فلم تجد ما يخفف عنها سوى احتضان ابنتها، وكلتاهما تبكي بحرقة، إذ لم يكن بوسعهما سوى المواساة، انتظارًا ليوم يحمل إليهما الفرج.
انطلقت كلمات “ريم” من شفتيها دافئة بحنانها، وقالت:
_هنلاقيها إن شاء الله، أكيد هنلاقيها، أصل هي هتروح فين يعني؟
دخلت “منى” إليهما لتواسيهما في ما أصابهما، فتحتضن زوجة عمها بحنو، وتعبّر عن شفقة عميقة نحو عائلة لا تستحق سوى أن تذوق طعم الحياة ولو لمرة واحدة. كان الحزن جليًا على ملامح وجهها كالشمس الساطعة، ولكنها ابتسمت ابتسامة خفيفة، محاولةً نشر الأمل بين الأجواء، وقالت بصوت خافت:
_اهدي بس يا طنط أسماء! هو إنتي يعني فكرك إن اللي حصل ده مأثر عليكي إنتي بس؟ والله العظيم أبدًا أنا من يومها وأنا نفسيتي وحشة أوي ومتأثرة باللي حصل لچيهان بس ساعات بيجيلي احساس إنها بخير وإننا أكيد هنلاقيها.
تأوهت “أسماء” من شدة اشتياقها لابنتها، وقالت بصوت مرتجف:
_خايفة عليها يا مُنى، دي حتة مني، ازاي بس تختفي كل ده وقلبي يطاوعني آكل وأشرب وأنام عادي كده؟ ده إنتوا لو تخشوا قلبي هتلاقوا فيه بركان نار….
ثم رفعت يديها إلى السماء، وألقت بكلمات استغاثة إلى ربها قائلة:
_يارب أنا معدتش قادرة على اللي بيحصلي ده، كل ده كتير عليا، يارب أسترها عليها لو عايشة، ولو ميـ…..
لكنها قبل أن تواصل حديثها، دخل زوجها من الغرفة، معترضًا على نواحها المستمر الذي لا يكاد يهدأ، مستنكرًا رد فعلها الذي بدا له مبالغًا فيه من وجهة نظره الخاطئة، وقال:
_بقولك إيه أنا مش عايز صداع! أنا راجع من برا دماغي هتنفجر من اللي فيا، فاهدي وبطلي دوشة لحد ما نشوف هنعمل إيه!
لم تكن تلك المرة الأولى التي تكشف فيها قسوة زوجها؛ فهو، قبل أن يكون زوجًا ذا طباع شديدة، كان أبًا يعشق الأنانية، يفضل ذاته التي دائمًا ما وضعها في المرتبة الأولى. لم يكن انزعاجه كما ادعى، بل الحقيقة هي أنه لا يطيق كثرة الجدالات حتى وإن كانت تعود عليه بالنفع. صمتت أسماء، وانكفأت على معاركها النفسية الخاصة، فقد كانت تعلم أن الألم لا يشعر به سوى من غرق فيه.
أما في مكان آخر، حيث كان منزل هناء، تلك التي أنجبت فتاة وولدًا، تتراوح أعمارهما بين الخمس والسبع سنوات، فهي تعمل معلمة لمادة الدراسات في مدرسة من مدارس رأس سدر. تزوجت من زميلها في الجامعة، الذي يشاركها نفس المهنة لكنه يدرس مادة الرياضيات.
كان قلبه الطيب يعينه على فعل الخيرات مع فقراء المدينة، دائمًا ما يترك أثرًا طيبًا على الأرض منذ خطوته الأولى فيها. ربما كانت ظروف عائلته المادية قد جعلته يختبر آلام الفقراء الذين يتوقون لحياةٍ كالتي يحياها الأغنياء، لكن القدر لا يمنحهم الفرصة.
تعيش هناء مع زوجها هشام في منزل عائلته المكون من طابقين: الأول للوالدين، والثاني للزوجين وطفليهما. بينما كانت “هناء” تؤدي دورها كمعلمة في حجرة منزلها، محاطة بأطفال من الطبقة البسيطة، كانت النافذة مفتوحة تحمل عبق الأراضي الزراعية من حولها. طرقت الحماة الباب، فنهضت كأنما يدفعها فضولها لمعرفة الطارق، وبينما كانت تسير، قالت لطلابها بصوت مرتفع:
_حلوا الصفحة دي لحد ما أشوف مين بيخبط!
بدأ الطلاب في حل ما كلفتهم به هناء، عقولهم شاردة بين الأسئلة الصعبة التي يواجهونها، غير قادرين على إيجاد الإجابة المناسبة. وفي الوقت الذي كانت هناء تفتح فيه الباب، فوجئت بوالدة زوجها، تلك السيدة البسيطة في هيئتها، داكنة البشرة، مرتدية جلبابًا يحمل طابع الريف.
من الطبيعي أن تشعر “هناء” بالسعادة لوجودها، لكن ظهورها جلب لها شعورًا آخر، فقد أوضح لها تمامًا ما جاءت من أجله. وضعت يدها على خصرها بعدم رضا، وقالت بقسوة تنبع من أعماق شخصيتها المتسلطة:
_خير يا أم هشام، عاوزة إيه؟
نظرت لها “حنان” في دهشة، وقد بدا على وجهها استنكار واضح، حيث التوى فمها مؤكدًا استيائها من الطريقة الجافة التي استقبلتها بها، خالية من أي ترحاب كان من المفترض أن تتوقعه من زوجة ابنها، وقالت:
_عايزة فلوس الجمعية، إنتوا اتأخرتوا أوي يا هناء.
شبكت “هناء” كفيها في بعضهما اعتراضًا، وقالت بضجر:
_مانا قولتلك إن هشام ممعاهوش فلوس ده لسه مقبضش من عم شوقي، وحتى لو قبض احنا هنسيب التزاماتنا ومصاريف العيال وندفع الجمعية دلوقتي؟
أجابتها “حنان” بامتعاض:
_واحنا ذنبنا إيه نشيل شيلة مش شيلتنا؟ ده احنا ورانا مصاريف جوازة محمود والحاج ضهره اتقطم، ده بدل ما هشام يساعدنا ويحط إيده بإيدينا في الظروف اللي زي دي؟
ردت “هناء” بلا مبالاة، غير مكترثة بحماتها التي كانت تثِير شفقتها، وقالت:
_والله اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع، ادفعولنا إنتوا الجمعية من معاكم ولما هشام ربنا يكرمه هيبقى يدفع المرة الجاية.
تلفظت “حنان” بابتسامة متصلبة، فلم تتمكن من تنفيذ ما طلبته منها هناء بعد الظروف العسيرة التي تمر بها، وقالت:
_يا بنتي بقولك ممعاناش، هو أنا بشتكيلك من الحال عشان تقوليلي ادفعوا؟ خلي في شوية رحمة.
ردت “هناء” بانزعاج:
_بقولك إيه يا أم هشام حلي عني دلوقتي أنا عندي دروس ومش فاضيالك، لما ابنك يرجع نبقى نشوف الموضوع ده.
أوصدت هناء بابها قبل أن تسمع ما ستقوله حماتها، كانت الحركة مُهينة، تخلو من أي احترام أو مبادئ. لم تكن الحماة تدرك مدى ما فعلته في حياتها لتجد نفسها تواجه زوجة ابنها بهذا القدر من الجفاء. شعرت وكأنها تتحدث إلى صخر لا قلب له ولا شعور.
نزلت بخطوات متثاقلة نحو دارها، تفكر في ظهر زوجها المثقل بالمسؤوليات دون أي عون. كان حفل زفاف ابنها الثاني، “محمود”، قد اقترب، ونصف التجهيزات لم تنتهِ بعد.
نظرت إلى السماء وهي تنزل على الدرج القديم، خائفة من السقوط إذا لامست سيقانها الدرجة المكسورة، فقد تكون النتيجة مصاريف إضافية تصبح كالقشة التي تقسم ظهر البعير.
أما هناء، فقد عادت إلى طلابها تشرح لهم الدرس، على الرغم من أنها لم تكن قادرة على التحدث بارتياح، لكنها أصرت على تقديم خدمتها لطلاب المدينة لتساعد زوجها في عبور بوابة الرخاء الاقتصادي بسلام.
تبقت ليلتان فقط ويطل مصعب بخدمته القاسية، والغريب أن القلق يزداد في قلب “رمزي” مع مرور الأيام، خائفًا مما سيفعله والده مع الزهرة المتفتحة التي لا تستحق هذا الاضطهاد، لكنه كان يعنف ذاته الطيبة، ويجبرها على ألا تستسلم مهما حدث، مؤمنًا أن النتيجة ستجلب الثراء للجميع، وتكون مرضية لكل منهما.
كلما رق قلبه، نظر إليها بحقد ليؤكد لنفسه أنه كان دائمًا جديرًا بالثقة، وأن قرار والده كان الصواب. أما هي، فقد أضعفت روحه بنظراتها المذعورة، التي كانت كسهام حانية تصيبه بشعور الوهن.
بعدما أنهى جلسته في تشويه حياة شاب ثلاثيني العمر، أوصد كتابه كما لو كان ينهي مهمة شاقة أرهقته، ثم استقام بهيبته، رامقًا چيهان بتردد، لكنه فجأة صرف نظره نحو الجدار، محدثًا نفسه، وقال بتضايق:
_فاضل يومين بالعدد وأبويا يرجع الدار… أنا بس خايف أصل البت دي بالذات شكلها لا ليها في الطور ولا الطحين… دي أهلها قالبين عليها الدنيا شبر شبر، وهي ذات نفسها مرعوبة مني…
كأنما استمعت “چيهان” لأحاديثه الداخلية، فحدثته بتردد، محاولةً إعادته إلى صوابه بطريقة غير مباشرة، مظهرة دورًا ليس دورها، فتنحنحت برقة، وسألته كأنها لا تعلم الحقيقة، قائلة:
_أنا عايزة أقوم أصلي… فاتني أربع أيام بسببك وأنا لحد دلوقتي معرفش أنا هنا ليه، وبعمل إيه! كل ما أسألك تتعصب عليا ومش مديني فرصة أتنفس حتى.
نظر رمزي لها نظرة تحمل في طياتها الاستهزاء، وقال:
_تصلي؟ عايزة تصلي عشان تخربيلنا اللي احنا بنعمله؟ تكونيش عايزة تقري سورة البقرة كمان؟ ولا تحبي أجيبلك ورقة الأذكار؟!
ابتلعت “چيهان” ريقها بصعوبة، تصارع خوفها، ثم قالت بجرأة مفاجئة:
_أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه بالظبط، وإيه الحاجات الغريبة اللي إنت بتعملها دي؟ ليه مشوفتكش ولا مرة لحد دلوقتي بتصلي ولا بتقرأ قرآن؟!
ضحك “رمزي” بسخرية، وأجاب بثبات:
_عاملة نفسك مش واخدة بالك؟ ده أنا عارف إيه اللي بيدور جوا دماغك حرف حرف وسامعه كمان!
ارتجفت “چيهان”، لكنها تمسكت بدور الجاهلة التي لا تدرك ما يحدث من حولها، وقالت برهبة:
_طب أنا بقول إيه دلوقتي في دماغي؟
نطقت “چيهان” كلماتها السرية في رأسها دون أن تخرجها من بين شفتيها، متعمدةً اكتشاف الحقيقة، وقالت برجفة:
_مؤذي!
ليثبت “رمزي” لها قدراته الخارقة في سماع كل ما هو ظاهر وما كان مُضمرًا، أعاد نطق ما قالته، ولسانه يتخبط سقف فمه ببطء، وعينيه لا تفارقها أبدًا، قائلًا:
_مؤذي… بس أنا مش مؤذي يا أخت چيهان، أنا عبد المأمور يعني من الآخر أنا أوامر ماشية على الأرض.
كانت “چيهان” تعلم أن فك قيودها أمر مستحيل، ومع ذلك حاولت مستجمعةً ما تبقى لها من طاقة، لكنها عندما فشلت كعادتها، حدقته بارتعاب، وقالت بصوت متقطع وجسد ينهار من الارتعاش:
_اتقي الله، بقى بتعصي ربنا وبتنفذ أوامر البشر؟ محدش فينا يجي حاجة في ربنا، احنا أصغر مما تتخيل، واللي بتعمله ده هتندم عليه بعدين ندم عمرك كله!
نطق “رمزي” بصياح، وملامحه بدأت تتغير إلى شر مفزع، لا يطيق أقوى الرجال تحمله. كان غير مقتنع بسيل التوبيخ، وكأنما يحادث ابنة الإمام، حيث رد بحدة:
_إنتي هتتحديني؟ ما عاش ولا كان اللي يتحدى رمزي الطوخي، ومتلوميش إلا نفسك يا بنت أسماء.
سمرها “رمزي” بين قبضتيه، يحرك كفه على وجهها، ولسانه ينطق بكلمات مُبهمة، ومع كل كلمة تنزف چيهان الدماء من فمها، شعرت بحركة غريبة داخلها، شيء مجهول يسبح في جسدها، وفي كل حركة تتألم، حتى كاد الغثيان يقتلها من شدته. ثم جاء الإغماء كرحمة تنهي آلامها، فغفوت في عالم ملئ بالظلمة والهمهمات المجهولة.
بعدما تيقن “رمزي” من سباتها الذي لم تختاره بيدها، استمع إلى طرقات الباب، فاتجه ليفتحه وخرج بثبات، ينقش على الأرض طغيانه وجبروته. قبالة الباب، كانت امرأة مرتدية النقاب، طالبةً منه أن يُجدد عذاب قريبتها. دخل معها في غرفة حالكة، انتشرت فيها أضواء خافتة أوضحت ما يوجد داخلها من فساد. كانت الكتب متراصة بجانب بعضها، إلى جانب الشموع والمواد التي تساعد على إنجاز الانتقام.
استعان بقرين الضحية، بمعونة خدامه الذين كانوا دائمًا تحت طاعته فيما يرغب، ولكن قبل أن يبدأ، نظر إلى المرأة، وسألها بتحذير:
_أوعي يكون حد خد باله منك وإنتي جاية!
ردت المرأة بثقة لا تُخفى:
_لا أنا واخدة بالي كويس أوي، قولي العمل اتفك ولا لسه موجود؟
عاينها “رمزي” بابتسامة واثقة وقال:
_عيب عليكي دي متشحترة على آخر آخرها من بعد ما خطوبتها الأخيرة اتفسخت والواد حط عليها حطة جامدة أوي… قلبها ده بقى كده.
أشار “رمزي” إلى كوب مهشم كرمز على قوة فعلته الملعونة، فهدأت نيران المرأة حينما شعرت أن خطتها قد مرت بنجاح. ابتسمت وقالت بسعادة:
_عاوزاك تقفلها باب الجواز ده خالص، مش عايزة كلب يعبرها ولا يبص في وشها… أقولك؟ عاوزة الناس تشوفها خنزير، وياريت لو في باب للرجوع ما بينهم تقفله على الآخر، مش عاوزة نسبة أمل ولو صغيرة.
ضحك “رمزي” وقال بابتسامة:
_متقلقيش كله في التمام، أبويا بس لما يرجع هيظبطهالك على الآخر، بس في شوية خامات جاية من برا حاجة جامدة أوي هتجيب الناهية.
ازدادت المرأة سرورًا، وخطتها تسير كما أرادت بل وأكثر. كانت في أتم استعدادها لتقديم كل ما تملك من أجل مشاهدة إعصار ناري يدمر صفو الضحية. وضعت ضميرها تحت نعلها دون شفقة، وحماسها يتفاقم داخلها عند التفكير في مقابلة “مصعب” بعد عودته من السفر. فقالت بارتياح:
_وأنا عيني لأبوك بس زي ما اتفقنا كله من بعيد لحد ما أتجوز، ويا ريت تلوحلي راس خطيبي، مش عاوزاه يشوف غيري خالص، عاوزة أكون أنا اللي على الحجر.
رد “رمزي” بتأكيد:
_متقلقيش من حاجة، عاوز أقولك اتجوزي إنتي بس عشان تاخدي راحتك مع أبويا أكتر ووقتها هيعملك اللي ما يتعمل هيخليهالك تمشي في الشارع كما ولدتها أمها تكلم نفسها.
أنزلت المرأة “بيشة” نقابها لتستر وجهها قبل المغادرة، متخذة احتياطات احترازية خشية أن ينكشف وجهها لأحد فتواجه مشكلات لا تقدر على مواجهتها. ثم نهضت مسرعة، تلقي نظرة فضولية على “چيهان”، وقالت:
_أنا همشي يا رمزي، أبقى شوفلي لو اتفك اعمله تاني، وأنا هبقى أكلم عم مصعب من هناك.
رد “رمزي” باتفاق، وهو يدقق نظره في كتابه:
_طيب امشي إنتي عشان أشوف شغلي.
قالت المرأة باستعجال وقتما فتحت باب المنزل لتخرج:
_ماشي سلام.
بعد خروجها من المنزل، تابع “رمزي” ما كان يشغل ذهنه. فتح كتابه ليتابع آخر التطورات في حياة الضحية، فوجدها قد فقدت كل ما ملكته، انشق قلبها، ورأت الحياة كما لو كانت شاشة سوداء بلا ملامح. لكنه لم يتعاطف معها، بل أشعل المزيد من المشكلات في حياتها كحل مؤقت حتى عودة والده من السفر، ذلك الذي كان قد تولى المهمة كاملة من قبل، وهو يخرب كل ما تبقى من شتات روحها المنهكة.
في منزل عائلة الدميري، كانت “منى” تؤدي الصلاة في غرفتها بخشوع، جميع حواسها مندمجة في العبادة. سلمت يمينًا ويسارًا، ثم أنهت صلاتها ووضعت السجادة جانبًا برفق. بعدها خرجت من شقتها ونزلت إلى منزل عمها. كان الباب مفتوحًا كما لو أن الدار يرحب بكل من في هذه الأسرة بسخاء. بينما كانت “أسماء” و”ريم” جالستين على الأريكة، وقد اجتمع قهر العالم على وجهيهما، عانقت “منى” كلًا من زوجة وابنة عمها، وجلسَت معهما، وقالت بابتسامة:
_خير إن شاء الله، متقلقوش من حاجة… عمي شوقي موصلش لحاجة جديدة عن الموضوع ده؟
أجابتها “ريم” بوجه شاحب، فقد كان الاستياء نغمة حياتها التي كلما ترددت، ازداد الألم. قالت:
_مفيش جديد، لو كان في جديد كنا قولنا…
ثم رمقت منى باستغراب، وأردفت بتخمين:
_إنتي كنتي برا ولا خارجة؟
ردت “منى” بوضوح:
_أنا كنت برا بشتري حاجات للبيت قبل ما محمد يعدي عليا عشان هنروح سوا نختار سيراميك الشقة… أنا بصراحة قولتله الكلام ده مش وقته خالص لأن الظروف صعبة دلوقتي بس بيني وبينكم قولت أهي فرصة أختاره وبعدين نبقى نشتغل في الشقة على أقل من مهلنا تكون چيهان رجعت بألف سلامة و…..
بترت أسماء حديثها بهدوء، وقالت بتفاهم:
_ده حقك يا منى يا بنتي، إنتي مش مطالبة تبرري بكل ده، إنتي إيه ذنبك بس لما حالك يقف؟
ابتسمت “منى” وقالت بأمل كأنما يسري في عروقها:
_أنا هأجل فرحي لحد ما چيهان ترجع لحضننا يا مرات عمي، إنتوا متعرفوش غلاوتكم عندي عاملة ازاي، ده احنا دم واحد وملناش غير بعض.
ردت “أسماء” بإعزاز:
_ربنا يخليكي، طالعة أصيلة زي أمك، ادعيلنا يا منى ربنا يبردلنا النار اللي جوانا….
وتابعت بنحيب:
_مش هقدر أعيش من غير چيهان، أنا حاسة إني في كابوس.
ربتت منى على ظهر زوجة عمها، وقالت بحنان:
_بدعيلها والله من غير ما تقولي، اهدي بس!
وأردفت لريم:
_ما تقولي حاجة يا ريم بدل مانتي بتعيطي كده!
ردت “ريم” ببؤس، فلم تلتقِ بإحساس إيابها، كأنما هذا الشعور قطع اتصاله بقلبها الذي كان دائمًا يستنتج الأمور استنتاجًا صحيحًا، قائلة:
_أنا مفيش كلام أقوله، أنا هدخل أرتاح شوية.
استقرت “ريم” على سريرها، متكئة ظهرها في غرفة لا يتسلل لها شعاع الشمس. كانت تفضل الهروب من الواقع وبين يديها هاتفها، تشاهد مقاطع الفيديو تارة، وتقرأ الروايات تارة أخرى. كانت تفكر: ماذا لو التقت بأحلامها يومًا بعد سنوات من الضياع؟ هل ستفرح أم تفقد لمعة الحبور من عينيها؟ كل شيء كان باهتًا، حتى الفرح لا إحساس له.
في الوقت الذي خرجت فيه “منى” من المنزل، زار “ريم” النعاس، تتثاءب وتشعر بحرقة العين، والدموع التي لا تزرف. تذكرت وقت الثانوية العامة، كلما أمسكت كتابها انتابها النوم، ثقل الرأس، دموع العين وحرقتها غير المبررة، دوار يجعل جسدها في حالة عدم اتزان. فتهجر كتابها وتعاود الجلوس على سريرها، فتهل عليها طاقة من الحيوية والنشاط وتعود إلى طبيعتها.
لكنها كلما فكرت في الجد والاجتهاد، احتضنتها الطاقة السلبية، فاعتقدت أنه ربما كسل منها لا أكثر.
بعدما غفوت “ريم” على سريرها، تجمد جسدها كما لو كانت هناك قوة خفية تقيدها. كان جسدها في حالة شلل تام، لا حركة ولا صوت يخرج. فقط عيناها مفنجلتان، تدوران كعجلة دوارة في غرفتها، وكلما حاولت النداء على أحدهم، استغاثت به، فشلت.
حاوطتها الأيد من ظهرها، ورجتها بقوة، وفي نفس اللحظة رأت طيفًا أبيض بلا ملامح، وإلى جانب أذنيها صوت مزعج جدًا شبيه بزَنِّ الباعوض المستفز.
بعد دقيقة انفكت القيود، وتحررت “ريم”، لكن بصراخ وقلق شديد ترتعد له السماء. لكن مشكلات الأسرة في هذه الفترة العصيبة أنزلت عليهم التجاهل، فكانت المشكلة أكبر بكثير من صرخة “ريم” في غرفتها.
لم تطل “ريم” الاستيقاظ طويلًا، فأصابتها حالة نعاس غمستها في كابوس مؤلم. كانت في مكان ضخم يبدو كقصر أو مبنى مظلم، لا أحد يدب فيه الحياة. كانت “ريم” تسير بمفردها، وإذا بها في ممر طويل يحوي الكثير من الغرف الفارغة، لكن بعض الناس كانوا يركضون هاربين، كل واحد يبحث عن غرفة يختبئ فيها من هجمات الوحوش المفاجئة. كانت “ريم” تختبئ في إحدى الغرف مع بعض الناس، لكن فجأة اقتحم الوحش الغرفة وانتهك الأمان. لكي تهرب، قفزت من النافذة مسرعة، لكنها كانت تهرول بأعجوبة. كلما سارت على الأرض، عادت إلى نفس الموضع. وهناك في الشارع الكئيب، كانت كائنات عملاقة يبلغ طولها خمسة أمتار تطارد الناس، بما فيهم “ريم” التي فرت هاربة، لكن الوحش لاحقها وأمسك بها. فاستيقظت وهي تصرخ للمرة الثانية.
اعتقدت أنها ستجد من يعاونها على تخطي الأزمة أو يقدم لها التواسي، لكن الغرفة لا تزال محتضنة بالهواء. قررت في تلك اللحظة قراءة القرآن ليشفي جروحها الروحية.
فما لبثت أن قرأت آية الكرسي، وترددت بها، إلى أن استمعت لصرخات عالية في الحي، تنذر بكارثة انهارت على محفل العائلة بعد أيام من الترقب الموجع.
زر الذهاب إلى الأعلى