روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثامن 8 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثامن 8 بقلم رانيا عمارة 

رجلٌ بسيطٌ وجّه إلى رمزي سؤالًا أبسط منه، خرجت حروفه بنغمة بالكاد مسموعة وسط صخب حفل المولد، حيث أُقيمت الحفلات بين هتافات الحاضرين، والموسيقى الصاخبة، وضحكات الأطفال، مما خلقَ ضجيجًا عاليًا يُعيق آذان المستمعين عن التقاط الاستفسارات المهمة.
وقفت زوجته خلفه بصحبة أطفالهما الذين كانوا يتناولون الحلوى اللذيذة، تتابع الأحاديث الدائرة بين زوجها ورمزي، بينما چيهان ابتعدت عن الحي، كأنما دفعها خوفها بعيدًا حتى لا تنكشف نواياها أمامهم، إذ كانت كمن يضمّ أسراره بين ذراعيه خشية أن تُفضَح.
ورغم الحيرة التي خيّمت على عقل “رمزي” بسبب تصرف چيهان الغريب، نظر إلى الرجل بتردد، يبحث بين زوايا فكره عن الكلمات، ثم أجابه في النهاية بوضوح، قائلًا:
_منعرفش، أنا غريب وأول مرة آجي هنا.
رمق “الرجل” چيهان رمقة سريعة، لم يكن يقصد بها اكتراثًا، بل كان هو الآخر يبحث في ذهنه عن إجابة. تطلّع إلى وجوه المارة من حولهم، ثم قال بثناء:
_تسلم، ألف شُكر.
زفرت چيهان بعدما ترصّدت الأسرة من بعيد، فرأتهم يسيرون في اتجاهٍ مغاير، يسيرون بدفءٍ أُسريّ فوق أرضٍ مغمورة بأكياس الحلوى الفارغة. كان الزوج ينظر إلى زوجته ويتحدثان باهتمام عن الاتجاه الصحيح للوصول إلى محطة القطار. ظلوا لدقائق يسألون المارة: رجالًا ونساء، حتى ارتاحت قلوبهم، وكأنما ملكوا خريطة الوصول في أيديهم بسلام، ثم اختفوا عن الأنظار، حاملين معهم المخاوف التي تسبّبوا لچيهان فيها.
في تلك اللحظة، اقترب “رمزي” من چيهان بالقرب من جدارٍ يبلغ ارتفاعه مترين، كان بمثابة حصنهما الوحيد للهروب من المواقف المُفزعة. كانت الأسئلة تقفز من عينيه، متلهفًا لمعرفة الأسباب التي دفعتها إلى الابتعاد بهذه الصورة عند رؤيتها تلك الأسرة، فسألها بفضول:
_مالك خوفتي كده ليه لما شوفتي الراجل واللي معاه؟ تكونيش تعرفيهم كويس ولا في بينك وبينهم حاجة؟
ارتبكت “چيهان”، وتوترت حواسها وهي تحاول الإمساك بمشاعرها الخائفة، لتخفيها ولا تُظهر ذاتها متأثرة أمامه، لكنها فشلت، فانكشف ما يعتمل في داخلها، وقالت بتلعثم:
_الراجل ده يبقى ابن عم بابا، ولو كان شافني كان هيوصلهم الخبر في ساعتها، أصلًا مكنش هيسيبني أمشي من هنا غير لما يرجعني ليهم.
ضحك “رمزي” بسخرية، وكانت نغمته العالية توحي بالاستهزاء، فقبل أن تقلل چيهان من قدرته على حمايتها، كانت قد قلّلت من ذاتها أولًا. لذا قال بامتعاض خفي:
_واللي معاكي ده إيه؟ كوز درة لما مبقاش عارف أحافظ عليكي؟ الحاجة اللي تدخل حوذتي مياخدهاش مني الجن الأزرق!
ردّت “چيهان” بخجل، تُحرّك شفتيها بتردد، متجنّبة النظر مباشرة في عينيه الحادّتين، وقالت بصوت خافت:
_أنا مش فاهمة إنت تقصد إيه بالظبط.
أجابها “رمزي” بوضوح، فقد ضاق ذرعًا برفضها المتكرّر، كأن كرامته هي التي تقوده نحو ما لا يُراد له:
_على العموم اللي احنا فيه ده مش هيفضل كتير، هيجي يوم وهترجعي لأهلك بس لما أكون أنا واثق من حمايتي ليكي حتى ولو من على بُعد.
تغلّبت “چيهان” على خجلها الذي كان يُطوّقها من كل الجهات، ثم نظرت في عينيه بشجاعة، وسألته سؤالها المعتاد، ذاك الذي كانت تطرحه بعد كل مرة لا تجد فيها إجابة واضحة:
_برضه مش عايز تقولي ليه بتساعدني وبتحميني من شره على الرغم إنك بتعمل نفس اللي هو بيعمله؟
تبدّلت إيماءاته، وظلّ صامتًا لا يُجيبها، إذ كسر استفسارها المتكرر ضوضاءه الداخلية. لم يكره فكرة أن يُريح قلبها، ذاك القلب الذي زرع فيه بيديه أشواك الشك، لكنه كره صراحته المستمرة.
لم يكن البوح بالحقيقة حلًا دائمًا، فالصمت أحيانًا يقي المرء عواقب لا تُحتمل. لم يشأ أن ينبش في جرحه الغائر بحثًا عن إجابة رئيسية بدأت تُبدّل من سلبياته، وتدفعه نحو روضةٍ مملوءة بالنُبل والانكفاء. فقال بوجهٍ عابس، يخفي خلف ملامحه مشاعر أكثر نضجًا:
_عشان إنتي بت ناس، طاهرة من جوا، ومتستاهليش.
ابتسمت “چيهان” برقة، وقد غلّفتها كلماته الثابتة بغبطةٍ اختبأت وراء بسمة هادئة، ثم قالت له براحةٍ تسري في عروقها:
_ممكن أطلب منك طلب؟
ردّ “رمزي” بجفاءٍ يتملّكه رغم لين مشاعره، وهو يطوي كفًّا على كفٍّ باستغراب، وقال:
_إيه يا ترى؟ عايزة إيه؟
كانت في داخل “چيهان” رغبة جامحة في تهذيب سلوكه وتليينه، لذلك قالت بتمنٍّ صادق:
_ممكن متإذيش حد؟ إنت عارف مدى اللي بتعمله ده ممكن يوصلك لإيه؟ ده مش ذنب عادي! ده كفر بالله، عارف يعني إيه؟ يعني خرجت من رحمة ربنا….
ثم أعدلت من جلستها، وبذلت قصارى جهدها في رسم خريطةٍ من الطهارة له، محاولةً أن تُلتمس ملامح الخير المدفونة داخله، وتمحو أثر “مصعب” الذي دسّ فيه قيَمًا بذيئة، وأذاقه من خلطته المتدنّسة، ثم أردفت:
_ربنا مبيغفلش عن الظالم ولا بيسيبه كده، آه ممكن غلطاتك كترت أوي ومشوفتش عقابه لحد دلوقتي، بس مش علشان إنت صح، علشان حسابك كل ما بيتقل بيكون صعب عليك أوي، مش هتستحمله!
لم يقتنع “رمزي” بما قالته كعادته، وبدا مستنكرًا كل كلمة خرجت من فمها، كأنها أضاعت وقتها في تهذيب زائغٍ تائه بين مثالب الحياة. فأحنى شفتيه بسخرية، وقال بحدّةٍ في صوته:
_بقولك إيه! أنا اللي هطلب منك طلب عشان نكون على نور، طول مانتي ماشية معايا متعمليليش فيها شيخة بتدي دروس… هقولك لآخر مرة رمزي مبيمشيش غير على كيفه وبس… ومتكتريش كلام عشان موركيش الزعل اللي على حق، اتفقنا؟
لمعت الدموع في عينيها، فقلبها الرهيف لا يطيق قسوة الكلمات التي انطلقت كسكاكين حادّة تبتر روحها. تحشرجت الكلمات في حلقها، وشعرت بخنقةٍ تطوّقها كيدٍ بلا تفاهم. لامس “رمزي” إحساسها، وتسرب إليه الندم على قسوته في حديثه.
تنحنح بصوته، لا يزال مشدودًا إلى كبريائه، ثم نظر في عينيها التعيستين، وواصل حديثه:
_خلاص، مانا برضه مغلطتش لما قولت إنك زي العيال الصغيرة، أهو كلامي طلع صح….
تضايق من استيائها، ومن رقّة عاطفتها التي لا تتّسق أبدًا مع صفوه المتعكّر، لكنه، وعلى الرغم من ذلك، قرّر أن يضحّي بمشاعره من أجلها. جذبها من ثيابها برفق، دون أن يلامس يديها، فأظهر بذلك جانبًا من محاسنه التي طالما اختبأت خلف قناع الشر. ثم تابع حديثه، وهو يسير بها في الشارع:
_يلا بينا، احنا بالشكل ده هنقضي حياتنا كلها هنا….
وأردف بتضايُّق:
_الله يخربيتك يابا إنت اللي بليتني بكل ده، مش كان زماني قاعد في دارنا مرتاح؟
رغم ضوء القمر الذي رسم على وجهها خيطًا من الحزن، سارت معه چيهان بعينين تسيل منهما دموع خفيفة. كان الفراغ يداهمها، ينزع من عمرها أوقاتًا لن تتكرّر، فلا تدري إلى أين تنصرف، ولا كيف سيكون مآل الأمور في نهايتها.
سارا معًا بمحاذاة المولد، حيث تنبعث من داخله أصداء رعناء، وسط ضجيجٍ عشوائي، يملأه “الخُرَق” الذين يتشبث بهم الحمقى كما يتشبث الآباء بأبنائهم. لم تتخيل چيهان يومًا أن يضعها القدر في ظروف قاهرة كهذه، تتنقّل في الشوارع كالمتسوّلين، حتى عقلها لم يعد يستوعب حجم الخطر إن عادت إلى عائلتها. فرغم اتحادهم الظاهري، يبقى رمزي وحده القادر على دفع الأذى عنها، بطريقته الخاصة، حتى وإن عاد ذلك عليه بالسلب.
أخذها إلى عالم أكثر هدوءًا، حيث السكون يغلف الزوايا. وهناك، طرق رمزي باب منزل عتيق، فخرجت إليهما سيدة طاعنة في السن، قاربت الثمانين، أرهقها العجز، وبرزت التجاعيد على وجهها كخرائط الزمن، ظهرها أحدب، وخطوتها الواحدة تستغرق منها أربعين ثانية.
فتحت لهما الباب بابتسامة لم يظهر منها سوى فمها المجوّف، وما لبثت أن عانقت رمزي بحنان، وقالت:
_يا جلب ستك… وينك يا رمزي؟ طول هالمدة ولا سألت عني! خسارة تعبي عليك… أمك شلونها؟
رد “رمزي” باشتياق، وهو يضمها لصدره بقوة:
_يا ستي، وحشة الدهر ما توفي غيابك… سنين وآني مشتهي ريحة حضنك الطيب.
تفوهت الجدة “منيفة” بشوق:
_جلبي بكا عليك لين جال يا ويلي… كنت أرفع يدي للسمى أدعي أشوفك جدّامي، والحمد لله ربّي چابك لي… طمّنّي عنك يا غالي، بخير إنت؟
أجاب “رمزي” ببسمة هادئة:
_أي والله يا ستي، آني بخير، وزاد خير يوم شافتك عيني.
وسط أجواء اللقاء الحميمة بين الجدة وحفيدها، كانت چيهان تتفحّص المنزل بعينيها، تلاحظ بشاعته، خاصةً لافتقاره إلى السيراميك الذي يحفظ بهاء المكان. الأرض مغطاة بطبقات من الأتربة، لا يسترها سوى حصير مقطوع، بينما الأضواء تتسلل بخجل من مصابيح مهترئة، يتخللها الصدى بشدّة.
كان منزل “منيفة” رمزًا للفوضى والعشوائية، غير أن تلك الفوضى لم تكن بإرادتها، بل فرضها العجز الذي طال يدها ومواردها.
وبعد تبادل العناق بين رمزي وجدته، رمقت “منيفة” چيهان بذهول، فقد رأتها فتاةً في مقتبل العشرين، ذات بشرة فاتحة وقامة مشدودة تُسرّ كل من يراها. اعتقدت أنها زوجة حفيدها، ففتحت ذراعيها، وضمتها إليها بضمة حانية، ثم قالت بفخر:
_يا مرت الغالي… شلونك يا حبيبتي؟ إن شاء الله رمزي ما كدّر خاطرك، إكمنه ولد حبّاب للنقرة وسوالف المشاكل.
نظرت “چيهان” إلى رمزي بصدمة كبيرة، وقد تجمّدت الحروف على شفتيها، كأنها أُصيبت بحبسة مفاجئة، لا تقوى على النطق، وهي تتلفّظ بصعوبة:
_مرات مين؟ لا يا طنط في حاجة غلـ….
لكن قبل أن تتم كلماتها لتنفي علاقتها برمزي، بدا كأنه قصد أن يثبت المعلومة في ذهن الجدة، فابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال بتأكيد:
_خليكي ساكتة يا ستي، البنية تستحي… بس جوليلي، مش ذوجي زين؟
تلفظت “چيهان” بصياح، قائلة بانفعال:
_ذوق؟ ذوق إيه، وبتستحي إيه؟ قولها الحقيقة!
ضحك رمزي، وجذب جدته بلطف، كأنما يُعيد إليها دور الطفلة المدلّلة، يحميها بذراعي الطمأنينة، ليجلس معها على الأريكة الصغيرة التي تسكن زاوية الحجرة. أما چيهان فكانت تقف في موضعها مندهشة، تتأمّل الموقف في صمت، حتى قطعت “منيفة” حيرتها بسؤال فضولي، وقد أمالت رأسها برقة:
_هاه يا رمزي، إنتوا مزعلين من بعض ولا شلون؟
تطايرت قهقهاته العالية في الهواء، فأجابها بمزاح:
_لا يا ستي، لا زعل ولا خلاف… بس هي مشدودة عليّ من إمبارح، وما أدري ويش السبب.
حدّقت چيهان بهما بصدمة عارمة، واجتاحتها دوّامة من الدهشة، دوّامة تفاقمت حين التفتت “منيفة” نحوها، وقد انفرجت ملامحها ببسمة حكيمة، مقدّمة لها من رصيد خبرتها ما رأت أنه نُصح مستحق، فقالت برفق يحمل في طيّاته توجيهًا عميقًا:
_لا يا زينة، المرا الشاطرة اللي لا تزعل ولا تخلي زوچها يزعل منها… خلي رمزي بحدق عيونك، وهو والله ما يوم يكسرك ولا يوچع خاطرك… رمزي طيب طيبة ما تخطرش عالبال.
لا تزال “چيهان” تصغي في صمت، يغمرها الذهول. كيف تحوّلت في ليلة وضحاها من فتاة عزباء هاربة، لا تضع الزواج في حسبانها، إلى زوجة ابن الساحر ذاته، ذاك الذي يسعى جاهدًا لإهلاكها؟
وحين بلغ بها الذهول منتهاه، قررت أخيرًا الخروج عن صمتها، تلفّظت بحدة وقد احمرّ وجهها:
_أنا مش مراته! مش مراته! إنتوا ليه مش مديني فرصة أرد أصلًا؟
أصر “رمزي” على رأيه، وراح ينسج الحكايات الوهمية لجدته، في محاولة لإقناعها بزواجه من چيهان. كان صوته واثقًا، ونبرته لا تعرف التراجع، فقال بثقة لا تعرف الشك:
_كل ما نزعل، تروح تجول للناس معرفوش… والله يا ستي، ما عدت داري شسوي معها… ما فهمت ليه تنكر العِشرة اللي بينا.
غمز رمزي بعينيه، مشيرًا لچيهان بأن تكف عن الشقاق وتكذيب روايته، فازدادت دهشتها، ولم تقوَ على النطق بكلمة، إذ سُلّطت عليها حروفه الزائفة كأنها قيود من صمت. بدا عليه الاستمتاع بتمثيليته أمام الجدة، وهو يقنعها بأمور لا أصل لها سوى خياله.
وفي تلك اللحظة، مدّت “الجدة” ذراعها المرتجف نحوه، وقبّلت رأسه بشوق يكاد يقفز من هاوية الاشتياق في صدرها، ثم قالت بابتسامة دافئة:
_المهم إن الهوى موچود… كليتوا وإلا بعدكم؟ طمنوني!
تلفظ “رمزي” باشتهاء، فقال ببشاشة:
_ما ذُجنا لجمة… أبغيك تعلّمي چيهان من وصفاتك، خليها تاخذ من علمك شوية، ترى هي بالنهاية بعدّها صغيرة، ومن ناس الحضر كمان.
نهضت “الجدة” من مكانها كصبيّة في مَيعة شبابها، كأن ضلوعها تترقص على ألحان الرشاقة، وهي تسير بهدوء تام نحو مطبخها المحدود، فكانت مساحته لا تتجاوز اثنين مترٍ مربع، لا حياة فيه، وأدواته بدائية ومحدودة، بما يتناسب مع بيئتها البسيطة.
وبينما كان دفء الأجداد ينتشر في زوايا المنزل الصغير، قالت قبل أن تخطو داخل مطبخها:
_نعلّمها يا رمزي يا غالي، بس تلزم تشغّل عجلها معاي… أنا بدخل أطلع الفرخة تفك، وبعدين أخليها تچي، أوريها السنع كيف يكون.
بعدما اختفت الجدة داخل مطبخها، تستخرج الدجاجة من ثلاجتها العتيقة، تلك التي نقش الزمان عليها علاماته، وكل زاوية فيها تحكي حكاياته الأخَّاذة، استغلت “چيهان” الفرصة ووقفت في مواجهة رمزي، بعينين يغمرهما السخط، مندهشة من كل كلمة تفوّه بها بالكذب، وحرصها على ألا تسمعها الجدة كان واضحًا، إذ نطقت بغيظ مكبوت:
_إيه اللي إنت قولته ده؟ وإيه التدبيسة الزفت دي؟ مرات مين وكلام فاضي إيه؟ وهو إيه اللي متخانقين؟ ده أنا لسه عارفاك من قريب!
نهض “رمزي” كوحشٍ لطيف، لم يجرؤ على التمادي معها، إذ كان الضعف يتملّكه كلما التقت عيناه بسحر عينيها، فبدت له كمرآة تعكس صدقه الضائع، وجعلته عاجزًا عن الكذب أكثر. قال بهدوء، وهو ذائب في ملامحها التي تسلب روحه دون استئذان:
_وإيه المشكلة؟ هو الكلام بيلزق؟ ومين قالك إني عايز أقول للعالم إنك مراتي؟ ده كفاية بس نشوفية دماغك، إيه يا شيخة؟ ده الحجر على كده لين لو اتحط في مقارنة معاكي!
استقامت “چيهان” بثبات، وشبكت ذراعيها باعتراض، تُظهر رفضها القاطع لكل ما زجّها فيه، بسبب والده الذي لا يستحق سوى الخلود في مصحّةٍ نفسية، بين مَن يشبهونه في الجنون والضلال، ثم قالت بنبرة حادة تخترق الصمت:
_أنا مش راضية ولا مبسوطة بأي حاجة بتحصل… ده مبقاش واقع، لا لا ده جو أفلام خيالية إنك تخطفني وتوديني لأبوك وسبحان الله فجأة تقرر تساعدني، وشوية شوية نبقى هنا في بيت جدتك، اللي الله أعلم هي جدتك فعلًا ولا دي حوارات بتمثلوها عليا.
تحوّل “رمزي” من هدوئه إلى عاصفة نارية من السخط، فقد رأى أن چيهان تجاوزت حدودها بما يكفي، إذ سمح لها مرارًا بانبثاق مشاعرها السلبية في وجهه، وكل مرة كان يختار الصمت، يخفي وجهه الحقيقي خلف ستار الصبر، فقط لأنه يُدرك أن رقة مشاعرها لن تتحمّل سكينًا باتكًا من سكاكينه. لكن الآن، قال بنبرة مشدودة، حاسمة كحد السيف:
_بقولك إيه إنتي تعبتيني معاكي، وخلتيني على أخري، أنا مش مجبر أشرحلك كل حاجة، بس اللي لازم تفهميه كويس مينفعش حد يعرف إن أنا وإنتي مترافقين من غير جواز… تعالي على نفسك زي مانا جاي على نفسي وقولي إنك مراتي لحد ما نشوف هنعمل إيه بعد كده!
ردت “چيهان” بصياح، قائلة برفض:
_إيه مترافقين دي؟ أنا بنت ناس علفكرة مش واحدة جايبها من الشارع، وإن كان عليا لو تسمحلي أمشي همشي في وقتها من غير كلمة وهرجع لأهلي… إنما قعادي هنا بسببك إنت!
وتابعت ببكاء نابع من روحها المُرهقة:
_ومش هقول إننا متجوزين لأننا فعلًا مش متجوزين، وأنا أصلًا مقبلش أتجوز واحد زيك!
وقعت جملتها الأخيرة عليه كالصاعقة، ارتعد جسده مستشعرًا إهانتها له، لكن الحقيقة التي تطوف داخلها دومًا ظهرت له دون تزييف؛ فهي لن تقبل يومًا أن تتزوج شخصًا بهذا الفسق، ذاك الذي خسر دينه ودنياه وهو يمارس صناعة الأسحار المُهدِّدة لحياة المسلم الطاهر، الذي لا يملك في يديه سوى قول: “حسبي الله ونعم الوكيل”
.وعلى الرغم من جمال رمزي، وملامحه الفاتنة لأي فتاة، واهتمامه بمظهره، وشَعراته الناعمة، وقامته الطويلة، إلا أنه يفتقر إلى تعلُّم المبادئ الإنسانية والأمور الدينية. تقتصر حياته على الاقتراب من الرحمن، وتكفير الذنوب التي ارتكبها بقيادة مصعب.
رمقها رمزي وكأن لهب الغيظ طَمَرَ عينيه، ثم خرج بخطوات ثقيلة من دار الجدة. وقف في الخارج يطوف حول ذاته بتضايق، غير مستوعب ما قالته له چيهان بكل وقاحة، فشعر بصغر حجمه قُبالها، وخشي أن تتدنّس روحها الطاهرة بتصرفاته الخسيسة، وكانت النتيجة أنه أغلق باب التعامل معها، حتى وإن كان لا يزال يحميها.
جلست چيهان على الأريكة تبكي بحرارة، فخرجت “منيفة” من المطبخ بثقل الهرادب، متكئة على عصاها التي هي ذراعها الأيمن لا تستغني عن إعانتها لها، ولازمتها على الأريكة، ومدّت ذراعها برفق نحوها، تربت بشفقة على كتفها المرتعش، وقالت:
_ياه، لهالدرچة الخلاف بينكم كبير؟ مهما صار، لا تخلوا الشيطان يدخل بينكم… تراكم مالكم غير بعض، وبعدين رمزي، حنية الدنيا كلّها فيه، سأليني آني… كان يچي وهو زغير، يجعد بحضني، وأضفر له شعره، إكمنه من يومه وشعره ناعم ومسبسب، طايح على عيونه… بس سبحان الله، كبر وصار رچال بلحية، وفرح جلبي إنه تزوّچ.
مدّت ذراعها بلُطف، ومرّرت كفها على بطن چيهان بفضول، حيث توقّفت الأخيرة عن النشيج، وعيناها ترمقان “منيفة” بصدمة، متسائلة في داخلها عن سبب هذا التطفل، كما لو أن عينيها مشدوهتان باتساع الكهوف، فقالت الجدة بشغف:
_جوليلي يا زينة، ما عمَّر بطنك ولا لسه ربك ما كتب بالخلفة؟
ارتجفت چيهان وباعدت يديها عن بطنها برفق، حيث احتجزت الكلمات في حلقها، وهي ترى الجدة منيفة وكأنها تشاهد فيلمًا وهميًا عن زواجها من رمزي، بل وما يفاقم الوضع سوءًا هو سؤالها عن خبر الإنجاب. فتلعثمت “چيهان” وقالت بحيرة:
_بقولك إيه يا طنط… ممكن أدخل أوضة النوم أرتاح شوية؟
أجابتها “منيفة” بتأكيد:
_ادخلي، هذا دارك، لا تستحي ولا تخچلي!
نهضت “چيهان” بسرعة، وقالت بعجلة في صوتها:
_شكرًا.
جنحت إلى الغرفة في سكون تام، وفي كل خطوة تخطوها، كانت تحدق بما حولها كأنها تراقب الأساس المتهالك والأرضية المهشمة. كانت تفحص الجدران، وتنظر إلى المصابيح كأنها في انتظار خمودها في أي لحظة. لم يرتاح بدنها في هذا المكان المظلم، فالكآبة تحيطه من كل صوب. وبينما دخلت، اقتلعت نعلها، ووضعته جانبًا كمن يجلل سموًّا مقدسًا، وجلست على السرير المغمور بالأتربة، فانتفض جسدها معلنًا اشمئزازه بكل وضوح. تتوافد الأسئلة عن قدرة الجدة على التعايش في بيئة لا تصلح للحياة. وإن تبدلت الأدوار، لكانت چيهان قد اهتمت بكل تفصيلة فيه بكل شغف.
دخلت منيفة المطبخ تحضر الطعام بقلب فرحان بعودة رمزي. لم تتخيل أن تراه قبل مفارقتها للحياة، فهناك شعور يؤكد لها أن يومها الأخير بات قريبًا جدًا. لكن رغم ذلك، كانت تعد لهما الطعام بمحبة صادقة.
مرّ شهر، والحنين يغمر “أسماء” لعودة ابنتها. لم تعد تطاق الحياة بدونها، حيث جمرة الأشواق تثير خوفها في كل ليلة، وهي تفكر في مصير ابنتها. فلا تعلم إن كانت لا تزال دؤوبة في الحياة، أم أنها غادرتها من الأساس.
وقتما جلست على الأريكة تندب حظها، والحنين يُظهر آلامها بجلاء، خرجت ريم من غرفتها مميلة رأسها للأسفل في حسرة بعدما أنهت مكالمتها الهاتفية مع عمرو. فلا خبر أزاح الهلاك من كاهلها، أو محا عبوسها الدائم. كل شيء كما هو، بل ويزداد سوءًا. وبمجرد أن رأتها والدتها، نظرت لها وسألت بتمني:
_عرفوا مكانها فين؟!
جاورتها “ريم” على الأريكة، تعاني من صعوبة إجلاء لسانها بالخبر أكثر من المشكلة ذاتها. حيث لامست بعينيها أثاث المنزل لثوانٍ، ثم رفعت وجهها نحو والدتها، وقالت بتجهُّم:
_محدش عارف يوصلها… بس متقلقيش، عمرو راح سأل في السجل المدني مع صاحبه المستشار، والحمدلله مفيش أي دليل إنها لقدر الله توفيت، معنى كده إنها عايشة!
تفوهت “أسماء” بصراخ، وهي تصفع وجهها بيديها بكل قسوة، دليلًا على الحسرة:
_أنا كده قلبي بيوجعني أكتر، ولما هي عايشة وكويسة مرجعتش ليه؟ ازاي محدش عارف يريحلي قلبي برجوعها؟ يارب، بنتي راحت مني، يارب تريحلي قلبي بخبر حلو… احنا داخلين في شهرين على الحال ده، حسبي الله ونعم الوكيل.
ربّتت “ريم” بتحنان على كتفي والدتها، فثبتت جسدها المنهك بيديها، ونظرت في عينيها بثبات، وقالت بمواساة:
_مش إنتي لواحدك اللي قلبك بيتقطع عليها يا ماما، أنا كمان قلبي واجعني أوي، مش عارفة ألاقيها من إيه ولا إيه بس….
انزلقت دموعها على ثيابها وهي تنتحب، غارقة في اشتياقها لأختها الوحيدة، لا مأمن من بعدها، ولا محبة صافية تجدها من الأغراب. لكن وسط لُبّ الألم، أرادت تنبيه والدتها، فواصلت بحذر:
_ماما أوعي تقولي قصاد بابا إن عمرو معاه رقمي أصلًا إنتي لحد دلوقتي متعرفيش إنه راح يسأل، متتكلميش في حاجة لحد ما بابا يجي يبلغك عشان المشاكل بس!
ردت “أسماء” باستياء بلغ حدته:
_ماشي يا ريم.
عانقت ريم والدتها، والاثنتان تبكيان بحرارة، كل منهما تتذكر الماضي الأليم، والمخاوف المهلكة التي قصمت ظهرهما من وطأتها.
بينما في منزل آخر، تحيا هناك عائلة “الموصلي” في بلدة تبعد عن بلدة عائلة “الدميري” بخمسة عشر دقيقة لا أكثر. دار مهترئ ذو طابع ريفي، بسيط لدرجة مألوفة، حيث تتشابه المنازل مع بعضها في الحي، خاصة أن الجيران يحبذون الاتباعية، وينفرون من الطوابع الريادية، فيمثلون رابطة متينة من التقاليد الثابتة.
هناك، ينعم “محمد” مع عائلته البسيطة في دار مكون من طابقين: الأرضي تعيش أسرته فيه، والثاني شقة بلا محارة، كأنما الطوب ينادي النقاشين ليحفزهم على ضرورة الانتهاء، فلم يعد هناك الكثير من الوقت إلى أن يحين موعد الزفاف.
والده تزوج على والدته وهو مراهق يبلغ الخامسة عشر من عمره، فزارت الشجارات الأسرة كزلزال دمر استقرارهم فجأة. لكن والدته في النهاية رضيت بواقع الأمر، وقررت أن تخرج للعمل بذاتها، إذ تبيع الخضروات في الأسواق، فكانت كعمدان المنزل الصلبة التي إذا انحنيت سقط كل من فوقها.
شارك أبناؤها: محمد، مروان، في مصاريف الحياة ليكونا مساندين لها في المحن التي فُرضت عليهم بالقوة، بينما كانت الوالدة “عجيبة” مستقرة على فرشتها في السوق، تنظف الطماطم، وتزيل الوحل العالق في حبات البطاطا، والمارة يسيرون من حولها، مَن اشترى وغادر، ومن وفد يتساءل عن الأسعار. كانت تتحدث مع ابنها “محمد” قائلة بانشغال:
_آني منعلمش حاچة عن الكلام اللي بتجوله ده… بس اللون اللي إنت مختاره للصالة مش داخل دماغي….
ثم وضعت الطماطم داخل الكيس، وهي في عملية تبادل؛ إذ تسلم الطلبات للزبائن، وتستلم الأموال التي وضعتها في حُوذَة جلبابها، وواصلت لابنها:
_احنا مش عاوزين نكلف يا محمد، خُش باللي تجدر عليه، مش هنموت نفسنا يعني.
حينما تكون الظروف المادية متعسرة، يصبح من الصعب إرضاء جميع الأطراف. فهو يعاني من تدهور الأوضاع، وعلى الرغم من ذلك، يود لو أن يجلب لها نجمة ساطعة من سماء الغرام ليُثبت للجميع مدى حبه لها. تنهد وهو يتابعها تؤدي أعمالها بشغف، وقال:
_والله ياما لو معايا فلوس تكفي ما كنت استخسرت فيها جنيه واحد، بس ربنا العالم بالظروف، أنا ممكن ألم الدنيا ونعمل حاجات على القد بس تكون حلوة برضه.
بينما ربطت “عجيبة” كيس الخضروات بسرعة احترافية، رمقته لثوانٍ، ثم تابعت عملية البيع، وقالت:
_الله ينور عليك… انچزوا بجى ده إنتوا بجالكم يچي شهر ونص مأچلين كل حاچة، وكل ما تجولها تروحوا تچيبوا العفش قبل ما يغلى تتلككلك بأي حچة، وفي الآخر لو چيبنا حاچة غالية هتجولك مبتسألونيش ولا بتاخدوا رأيي.
رد “محمد”، مشفقًا على ظروف عائلة منى:
_ما هي برضه مش عايزة تعمل أي حاجة غير لما بت عمها ترجع الأول، ياما دي مختفية بقالها يجي شهرين، وأبوها وعمها لفوا على الأقسام قسم قسم محدش بيديهم معلومة مفيدة….
وتابع بحدب في كلماته:
_مُنى نفسيتها متأثرة أوي من بعد اللي حصل، ومن ساعة ما كنا في المعرض وهي حالفة عليا ما نكمل أي حاجة غير لما چيهان بنت عمها ترجع بالسلامة.
نطقت “عجيبة” بتأثُّر:
_ربنا يرچعها لأهلها بالسلامة.
رد “محمد”، متمنيًا لو أن تسير المياه في مجراها كما في السابق، وتعود الأمور لنصابها الصحيح:
_يارب…. طيب أنا همشي بقى، سلام.
وقتما خرج من موضعه، متجهًا إلى خارج الأسواق، رفعت “عجيبة” يدها له، مودعة إياه. فخوف الأم الحنونة طغى على روحها القاسية بطبعها في تلك اللحظات، وهي تقول بنُصح:
_خد بالك من روحك!
ظل يسير بين الشوارع المكتظة بالباعة والزبائن، أصواتهم تتخلل رأسه، فتقتحم أفكاره التي طغت على مهام الحياة. إذ ليلًا ونهارًا يفكر، وكأن المسؤولية تضغط على رأسه بقوة لا تُرحم. أما والدته “عجيبة”، فقد كانت تعاني من أشعة الشمس الحارقة التي لونت جسدها بحمرة المشقة وجني الأموال، فكانت تَبرك على فرشتها في السوق منذ الساعة الثامنة صباحًا إلى الخامسة قبل المغرب، فتعود إلى دارها بأرجل متوجعة وعظام لا تطيق سوى النوم على الفراش.
بينما عاد شوقي من عمله مثقل الجسد، جلس على الأريكة، يجذب الهواء من حوله بعدما أهلك صحته بين تكسير الصخور الصلبة وقيادة السيارات الحاوية للصبيان، حيث تتجه نحو الجبال برفقة آلات عنيفة لا تتهاون مع أخطاء البشر. الخطأ الصغير بمثابة كارثة عاتية، فلم يذيقوا الطعام هذا اليوم سوى مرة واحدة، ما جعل الوهن يتملك الجميع.
عاد محملًا بخبر چيهان فوق كاهله كأشيب انتزعت قوته منه بالإجبار، ووجهه يفسر ما لا تبوح به الأفواه. لقد كان عمرو واضحًا معه، متجنبًا زرع الأمل الوهمي في قلوبهم.
فبينما زوجته وابنته تقفان حوله بقلق، مهتمين بما سيقوله وكأنهما لا تدريان التفاصيل، قالت “أسماء” بخوف جلي:
_طمني يا شوقي، عرفوا چيهان فين؟
طأطأ “شوقي” رأسه، وسؤالها يذبحه من الداخل مائة مرة. لم يكن يدر ما سيقوله لها، وروحها تظهر على وشك السقوط في لهفتها على ابنتها، لكنه استجمع قوته، وتنهد، وقال:
_الحكومة مش عارفة توصل لسكتها، بس اللي عرفته إنها عايشة… بس ما دام هي عايشة لحد دلوقتي مرجعتلناش ليه؟ أنا الشك ابتدى يدخل قلبي.
حدقته “أسماء” بصدمة، محاولة أن تفهم ما في مُهجته من مقاصد غامضة، فسألته برجفة:
_تقصد إيه يا شوقي من كلامك ده؟
أجابها “شوقي” بحدة في صوته، إذ قال بصياح:
_قصدي واضح يا أسماء، بتك لا اتخطفت ولا اتنيلت، بتك ماشية بمزاجها من قلب البيت، في حد هو اللي بيخططلها، مش بعيد يكون عيل من العيال الشمال.
دوت “أسماء” صارخة، فاستنكرت تُهم زوجها الباطلة في حق ابنتهما، وقالت:
_چيهان متربية أحسن تربية، يا أخي دي لو بنت أخوك اللي اختفت كان زمانك بتتكلم عليها أحسن من كده، إيش حال لو كانت بنتك اللي من لحمك ودمك….
والتفتت نحو ريم ببكاء، وتابعت:
_دي مكنتش تروح في حتة إلا ورجليها على رجل أختها، أو منى بنت عمها… الناس كلها بتشهد بأخلاقها وأدبها ولا عمر حد يقدر يتكلم عليها كلام زي ده!
جلست أسماء على الأريكة تنتحب بشدة، جسدها غير قادر على تحمل سهام الإدانة التي تغرز واحدة تلو الأخرى من فم “شوقي”، كقلب قاس لا يعرف عنوانًا للرحمة. فبينما استحوذ الصمت على الجميع، وظلوا في حالة من التأمل، خطرت فكرة حاذقة في ذهن شوقي لعلها تكون محاولة صائبة ضمن محاولات خابت.
نظر لريم بعقل مشغول، وقال بتوجيه:
_خُشي يا ريم دوريلي على الأچندة، ولا دفتر المذكرات اللي أختك كانت بتكتب فيه ساعات، يمكن نوصل لحاجة!
نَكَست “ريم” رأسها للأسفل، وشفتيها مقلوبتان باستياء عارم، فجلَت كلماتها برقة تعيسة، وهي تتلفظ:
_ماشي.
كل ما في المنزل يروي أخبارًا تلهم بما لا يسُر النفوس: الأحزان تلقي بظلالها على الأرضية، المصابيح مميلة بشجن قاسٍ، الستائر تحجب السعادة التي طالما تمنتها الأسرة طويلًا. فبينما خطت ريم نحو الخزانة لتبحث بين الثياب عن دفتر الذكريات الخاص بچيهان، حركت يديها بلُطف يتعارض مع قلبها الباكي، لكنها ازدادت تبصرًا بحقيقة لا تُخفى، حينما اختفت ثياب چيهان من الخزانة تمامًا، حيث الأرفف فارغة لا يوجد بها سوى أمتعة ريم لا أكثر. ولكي لا تسيء الظن، أو اعتقادًا منها أن الشرود نال منها في الفترة الأخيرة، قررت البحث بتعمُّق أكثر من اللازم، فخرجت من حجرتها، وعينيها لائجة في حيرة.
نهض “والدها”، مستعجبًا علامات القلق التي ظهرت دون مبرر، فسألها باهتمام، قائلًا:
_فين الأچندة يا ريم؟
تاهت الكلمات في حلقها، كانت تجوب بعينيها في المنزل، وهي صامدة. فازداد “شوقي” فضولًا في الكشف عن المجهول، فصب نظراته على زوجته لعلها تدرك ما كان يجهله، فقال:
_ما تقولي حاجة يا يا أسماء!
بعدما أنصت لصرير الحقل بعيدًا، اقترب من ابنته ريم ببطء. كان في كل خطوة يبحث عن إجابته المفقودة، يتأمل النظر في وجهها، منتظرًا إجابتها بحماس كاد أن يهلكه، إلى أن أجابته “ريم” بوضوح، قائلة بتلعثم:
_هدوم چيهان اختفت من الدولاب، والله كانت موجودة الصبح وأنا شايفاها بعينيا والله!
تزايدت الشكوك إلى حد الموت، حينها أدرك شوقي أن غياب چيهان لم يكن صدفة بحتة، بل تدبيرات مُجهزة في السابق، وليست على يد الأشرار، بل بالاتفاق مع أطراف مجهولة. وقتها اغمرته نوبة سخط حادة جعلته يشك في ماهية الأمور، فالهواجس نالته لتضعه في دائرة واسعة يدور فيها بلا مخرج.
زر الذهاب إلى الأعلى