روايات شيقة

رواية إيبار الفصل الثامن عشر 18 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الفصل الثامن عشر 18 بقلم رانيا عمارة 

لم تسعَ حياته لتدخلات من الأغراب كرجلٍ ذو وجه غامض أنار غارة من الانفعال في سفحٍ اكتظّ بالأسرار. لا يجد أحدهما مفتاح غشيانه سوى والده الذي ربّاه بشطط تحت مسمّى “أبٍ مُحب”، جاذبًا المصالح بيديه نحو عزيزه الوحيد، فسعى منذ مولده إلى أن أيفع شابًا يملأ ثيابه بصفات الرجولة والترفُّع. فالمسميات في عالمه تختلف اختلافًا كليًا عن واقع البشر، الذي يرفض بكل سماته أن تُنسب العزّة إلى من أغوتهم أنفاسهم حبّ النيران، والأطياف المفزعة المتراقصة وراء ظهورهم.
إذ يعترض “رمزي” على تلقي نصيحة حتى ولو كانت بحجم جناح بعوضة؛ فأفكاره منبعها واحد، وهي رأسه التي تُفكّر، تُدبّر، وتُعالج القرارات بلا شريكٍ يجادل.
لم تكن من وجهة نظره نصائح عابرة أتت من قلبٍ واعظٍ خشي قسامة شابٍ في ريعان شبابه من انتقام الرحمن الشديد له، بل كان الوضع يوحي له بأن الجميع يُشارون نحوه كأنهم جندٌ من جنود إبليس الملعون. فلا أحد يعرف الحقيقة التي تكمن داخله… هو فقط.
لقد تعرّى فكريًا قبالة الجميع، بما فيهم ذاك الغريب الذي حرّك الغضب داخله بمساعدة چيهان، فكانت نظراته الساخطة تعاتبها في صمت، وتارةً يُحرّك بصره نحو الشيخ نعمان وكأنها لحظات ما قبل العاصفة.
تحرّك بخطواتٍ هادئة لكنها تحوي في طياتها آلامًا تهاجمه، حتى استقر بثباتٍ في وجه الشيخ، وأبدى رفضه الصارم لتدخلاته في حياته، فقال بوعيد:
_إنت خرفت يا راچل؟ ولا كبَر سنك خلاك ما تعجل؟ توهتك السنين لين تحكيلي بالحكي ذا؟ متخافش مني ولا من اللي أجدر أسويه فيك؟
لم يضع الشيخ “نعمان” تهديده في الاعتبار، متسلحًا بالقرآن الكريم وآياته الصاعقة لأعظم جانّ من خُدّامهم. رفع رأسه بشجاعة، وقال:
_عيب لما ترد على راجل كبير في سني ومقامي، ومتعملوش اِعتبار بما إنه في مقام والدك….
حينما تذكّر مصعب، الذي لا يُشكّل أي مقامٍ أخلاقي، تابع بتعديلٍ وندم:
_ولا أستغفر الله العظيم، ربنا ما يجعلني زيه ولا في مقامه الخاضع في يوم من الأيام… أنا راجل دين وعيشت سنين عمري في الخير مش في الشر، ربنا يستلم أمانته وهي راكعة على السجادة بلا ضرر ولا ضرار.
لا تعرف “چيهان” لماذا ارتجف جسدها في هذه اللحظة، كانت على عتبتي الجنة والنار، ترى التناقض العجيب بينهما، خاشية النظر في عيني رمزي المنهمك في صياحه الحاد، الذي جذب الرجال من حولهم، وهو يقول بنظراتٍ محتدمة:
_خلّك تحترم سنّك، لا يچيك شاب من عمري ويكسر هيبتك في ختام عمرك…
وواصل لچيهان بغضبٍ منفجر:
_تروحي تتخبّي وراه بعد كل اللي سويتِه علشانك؟ تخليني جدامه كني شيطان، يا بت الأچواد، بدل ما تجولين الله يچزاك خير؟ حسابي معك ما خلص… بعدين بنحسبه.
كادت الأرض أن تبتلع چيهان من هول القلق والتوتر، إذ ترمق هذا تارة، وذاك تارة، متخوفةً مما ينتظرها بعد العودة إلى دار عائلة رمزي. لكن الشيخ “نعمان”، الذي أصرّ على نشر الحق وردم الباطل، نصحه بلطف، على الرغم من طريقته الزنيمة معه، وقال:
_الآنسة چيهان أنا معرفهاش غير من نص ساعة، واللي وضحلي عنها إنها بنت حلال واللي زيها في الزمن ده يتعدوا على الصوابع… بغض النظر عن أسلوبك معايا اللي يفتقر للإحترام والمبادئ لكن أنا بقولك أهو! أبوك مش هينفعك لو ربنا قبض روحك في أي ثانية… ياما ناس ماتت كانت صاحية كويسة ومفيهاش حاجة وفجأة…..
قطع “رمزي” محاولاته الخائبة بصوته الصاخب، وهو يقول بعنادٍ يرفض نصائحه:
_بجولك يا رچال، شكلك بينك وبيني سالفة ما هي هينة، وآني ما راح أسيبك، بعرفك مجامك على حجيجته… وبعلّمك كيف تخاطب رمزي الطوخي، وتچي تصوّره شيطان بهالطريجة!
ثم تقدم نحوه بهدوء، وتابع بوعيدٍ جلي:
_آني ياما حطّيت رچاچيل في راسي، وما طلّعتهم إلا وهم مدفونين تحت التراب. ما أسيب اللي أعاديه إلا وهو يصيح ويستغيث، والناس حوالينه تجرا عليه الفاتحة.
لم يكترث الشيخ “نعمان” بسيل الوعيد اللامتلاحق، فكان رؤوفًا برمزي من حاله المَزري، الذي خُيّل له أن الانتقام أمرٌ يسير، فخُدّامه يعاونونه على كل ما يريده. نعم، لحظةٌ تحوي لذّة الانتصار، لكن عواقبها وخيمة. فابتسم بتهكُّم، وقال بصوتٍ مسموع:
_الشر عمره ما ينتصر على الخير… بسم الله الرحمن الرحيم “ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون” صدق الله العظيم….
وواصل بثقةٍ نابعة من سفحٍ أناره نور الإيمان:
_وده مش كلامي ده كلام ربنا اللي خلقني وخلقك، مفيش أضعف من بني آدم اللي في ثانية يتقلب حاله بأمر من الرحمن، بسم الله الرحمن الرحيم “إِنَّما أَمرُهُ إذا أَرادَ شَيئًا أَن يَقولَ لَهُ كُن فَيَكونُ فَسُبحانَ الّذي بِيَدِهِ مَلَكوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرجَعونَ” صدق الله العظيم.
خرج “رمزي” عن شعوره، إذ نشب بقبضته بقسوةٍ في ياقتي جلباب الشيخ، ناظرًا إليه بحدّة توحي بمعارك عنيفة قادمة. أمّا چيهان، فرفعت كفّيها إلى فمها بصدمة، وعيناها مشدوهتان من مشكلةٍ صنعتها دون قصد.
تلون وجه رمزي بجمرة الغضب، وهو يصرخ في وجهه بإهانة، قائلًا بوعيد:
_چاي تتمجوي عليّ يا جلب أمك؟ تحسب روحك شيخ وبطل، وتبي تورّيها إنك ما لك مثيل؟ تجول عنّي شيطان؟ زين… آني شيطان، وفعلي يرضيني. عاچبك وإلا لا، اشرب من بحر المالح، ما هزّني رضاك ولا زعلك.
تكدّس الشارع برجال البدو، منهم من عاد من عمله مبكرًا جاذبًا نُوقه بحرص، والبعض خرجوا من ديارهم على وقع شجارٍ رجّ الحيّ من شدّته، حتى وقفوا في دائرةٍ حول خصمين يتنازعان: أحدهما اختار دنياه، والآخر تخيَّر آخرته بقلبٍ هوى دينًا اعتبره حِرزًا آمنًا يحتمي فيه من مآسي الحياة.
لحظاتٌ أشبه بمعارك عنيفة لا تستحق الخلاف، لكن رمزي، بعناده المعروف، اعتبر الشيخ نعمان معاديًا له، يُلقيه بسِهام الأقاويل الكاذبة، بل ويشوّه هيئته أمام الجميع لتصبح الكراهية أضعاف ما هي عليه.
متسائلًا في سريرته عن أسباب استطالته له إلى هذه الدرجة، فلا يمحو هذه التساؤلات سوى أنه اصطدم مع مصعب في مواقف حادّة من قبل، مما كوّن عداوة صريحة بين الطرفين.
في لحظةٍ مفاجئة، أزاح رمزي الشيخ بقوة إلى الوراء دون أن يضع اعتبارًا لمقامه الجليل، فظهر جزءٌ بسيط من جهامته، وهو يسير بحنقٍ إلى الأمام، عائدًا إلى الدار، وفي نيّته خريطةٌ ذهنية لتنفيذ ثأره ممّن أشعره بدمامته، حتى “چيهان”، التي دفع ظلم والده عنها، كانت أوّل من اتحدت مع ذاك التقيّ نحوه.
لا يدري: تراجعه عن تنفيذ أمرٍ معها هي بالأخص؛ أكان ضعف شخصية أم قلبًا خفقَ تعلّقًا نحوها؟ لكن تصرفها المتهور جعله يتمالك مشاعره الواهنة، ويتّخذ قراراتٍ أكثر صرامة. وبينما اختفى عن الأنظار، ترك خلفه رهبةً تثقل عاتق چيهان، إذ تنظر حولها بأسفٍ ولا تجد كلماتٍ مناسبة، فشعرت بمدى ما ارتكبته بدافع التضرّع لمن يقبض المساعدة في حيازته.
نظرت إلى الشيخ نعمان بخجلٍ يشوب حواسها، وقالت برأسٍ مائلٍ للأسفل:
_أنا آسفة، مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.
لكن الشيخ “نعمان” وضع رمزي في أولويات قائمته، ليجعله حالةً أشد تعسّرًا، تطلبت جهدًا قويًا لإقصائها من بين الظلام، لذلك قال بإصرار:
_ارجعي البيت وتعالي المسجد بكرا ضروري، الأخ ده باينله مواله معايا موال، وخدي بالك أنا مش هسيبه ولا هسيب أبوه! أبوه ده نشر الفساد في الأرض واتسبب في موت شاب زي الورد، وابنه بيكمل مسيرته، بس بعون الله أنا اللي هقضي عليهم واحد واحد، وكله بكتاب الله.
ردّت “چيهان” بحشمةٍ ظهرت في إيماءات جسدها وصوتها الخافت، قائلة:
_حاضر، هاجي لحضرتك بكرا إن شاء الله زي ماتفقنا.
اختلجت چيهان في خطواتها، تفكّر بعمقٍ فيما ينتظرها هناك في المنزل، فهي تعلم جيدًا أن رمزي لن يتركها وشأنها بعد ما حدث، فهو لا يكترث للنصائح، بل يعتبرها جورًا على حدوده الشخصية، مما يزيد من غضبه ليجعله يثور منفجرًا كالبركان المحموم.
وقبل أن يتحرك الشيخ “نعمان” خطوةً، لاحظ الرجال مقتحمين الموقف، وكأنهم إربًا منه، فرفع يديه في الهواء يصفّق بانزعاج، وقال بنبرةٍ عالية:
_يلا يا أخوانا اتكلوا على الله من هنا، سوء تفاهم وراح لحاله… يلا كله يشوف مشاغله!
رحل الرجال عن موطن المشكلة، ليخرج كلٌّ منهم يتابع ما كان يفعله من قبل، وكأن الشيخ نعمان طوّى الصفحة الأولى من كتابٍ وافِر، استعدادًا لصفحات ستحترق من معارك عظيمة طرفاها: هو ورمزي. فبعدما انفضّ الشارع من أرجل جيّاشة، وأفواه ناطقة أصدرت صخبًا، ساد السكون المكان، حينها اتجه الشيخ نعمان إلى دار الحالة ليبدأ دوره كمعالج شرعي، وفي ذهنه يقينٌ بأنه الوحيد القادر على نزع الأشواك من ورودٍ شوهت.
بينما في منزل ريم، كانت قد جلست على الأريكة تبكي، ووالدتها بجوارها تربّت على ظهرها بمواساة، غير قادرة على تحمّل حسرات أنهكت جوهرًا صافيًا لا يشوبه سوى الرحمة والحنان. قبالهما كان “عمرو” جالسًا على كرسيٍّ انفرادي، وفي عينيه سَنا من الشفقة، فكلّما انهارت ريم شعر قلبه يتحطم بشظايا باترة.
كان الهوى سيّده، الذي دفعه لحديثٍ رؤوفٍ يدعمها، ويزرع بصيلات الأمل في مُهجتها الحزينة. ما دام الحنو يرفرف بجناحيه في حياتهما، فوصالهما لا ينقطع إلا على أيادٍ قاسية لا تُقدّر حبًا صادقًا.
بين حينٍ وآخر يسقط حجابها وهي تنتحب بحرقة، فتعاود إصلاحه، وتمسح دموعها بكمّ بيچامتها المبتلّة بدموع الشجن. كل مرة حاولت فيها الخروج من بؤرةٍ قصيّة، عاودت السقوط فيها بلا إرادة. الحياة ربما تعاند سعادتها ولا تقبل أن ترى سطور البهجة على جبينها.
تفوه عمرو بدعمٍ، وجهه مبتسم، لكن داخله أوجاع تشابه آلامها، قائلًا:
_والله العظيم هتدخلي الإمتحانات وهتعدي منهم، أنا علفكرة من كام سنة شيلت تلات مواد، أه كلنا اتضايقنا جدًا والخبر كان يقهر بس دخلت امتحنتهم وعديت الحمدلله… إنتي كمان لازم تثقي في ربنا وترمي حمولك كلها ورا ضهرك، واللي معوضتيهوش هتعوضيه الأيام الجاية.
ظلّت ريم ساكنة، بعينيها المستقرتين على كتف والدتها، تكتم صوتها في ثيابها، ثم عدّلت جلستها وهي تنظر صوب الأرض بجروحٍ نازفة. لكن “أسماء” أبدت تعاطفها، وقالت بمواساة:
_خلاص يا ريم محصلش حاجة، ياما كلنا دخلنا الإمتحانات وطلعنا بمواد والدنيا مخربتش، كل حاجة بتعدي.
ردّت “ريم” بأصواتٍ شاهقة، والحروف متفرّقة في كلماتها:
_لا حصل، وحصل كتير أوي، صحابي كلهم نجحوا وعدوا ومكنوش بيذاكروا ولا بيفتحوا كتاب أصلًا، كلهم بيحتفلوا بنجاحهم دلوقتي، لكن أنا اللي ذاكرت وتعبت وطلع عيني أشيل مواد وأروح أمتحنهم تاني وسط البهدلة والقرف… أنا زهقت من دي دنيا ومابقتش قادرة أستحمل، أنا تعبانة أوي، تعبانة والدنيا جاية عليا.
ازداد نحيبها أكثر من قبل، متحيّرة بين شهقات البكاء، وعمرو ووالدتها يمنحانها طاقتهما الداعمة، فيثبتان مكانتها الجليلة في حياتهما، فردّت “أسماء”:
_خلاص بقى احنا فينا اللي مكفينا، أبقي روحي امتحني وسيبيها على ربنا، محدش هياخد أكتر من نصيبه.
لم تُشفِ ردود أسماء جروح ابنتها، بل زادت من تلوّثها بردودٍ مختصرة أشعلت الغضب في صدرها، فنهضت بغيظ، وقالت صارخة:
_ده اللي ربنا بيقدرك عليه كل مرة تشوفيني فيها تعبانة وبعيط، احنا فينا اللي مكفينا، احنا مش ناقصين وجع قلب، لكن تكملي جميلك للآخر عمرها ما تحصل، أنا مش عايزة منك حاجة ولا من أي حد فيكم، إنتوا كرهتوني في عيشتي.
دخلت حجرتها موصدة الباب بارتجاجٍ عنيف، وهي لا تزال تبكي، وكأنها وصلت إلى ذروة انهيار ما تبقّى من شتاتها. فبينما كان “عمرو” يتابع مشاهد الانفجار، وجّه نُصحًا ليّنًا إلى أسماء، لعلّها تكون أكثر رحمةً مع ابنتها، وقال:
_معلش طولي بالك عليها يا طنط، هي برضه اللي بيحصلها كتير مش قليل، ما هي حاجة توجع لما الواحد يعمل اللي عليه وميلاقيش نتيجة، ساعتها بيحس إن كل حاجة اترميت على الأرض.
ردّت “أسماء” ببكاء، فغياب چيهان عنها أسقط جبالًا من الهموم لا تقدر على صدّها، مميلةً رأسها للأسفل بقهر:
_وأنا اللي حصلي مش شوية، أنا فقدت ابني الوحيد وهو شاب، كان زمانه دلوقتي متجوز ومخلف ومالي عليا حياتي لكن ربنا اختاره….
تنهدت، وقالت بحسرة أمٍّ فقدت أغلى ما تملك:
_سبحان الله كان ابن موت، أصله كان طاهر أوي زيادة عن اللزوم ومختلف عن باقي الناس…
حبست دموعها، وأنفاسها تتعالى، وواصلت:
_كان جميل جمال مالوش وصف، ولما راح خد روحي معاه، كنت متعلقة بيه أوي، كان كل ما يخرج للجامعة يقولي عايزة حاجة يا حبيبتي أجيبهالك معايا وأنا راجع؟ أقوله لا يا حبيبي أهم حاجة ترجعلي بالسلامة…
تأثّر عمرو من سردها القاهر لمشاعره المُرهفة، وهي تواصل ببكاء حاولت ستره، لكن الفشل كان حليفها، لتردف بجسدٍ مرتعش:
_من وقتها مبقاليش غير چيهان وريم، چيهان بقى محدش فينا يعرف مصيرها، وده اللي مولع النار في قلبي مهما حاولت أعيش من غيرها، لازم كل يوم أعيط في أوضتي من زعلي عليها.
اِرتعد “عمرو” متأثرًا بوصفها لجرحٍ غائرٍ لن يُدوى، فمن فارق الحياة يقبض على الأمل بمغادرته، فلا تكون هناك احتمالية لعودته مهما حدث، وهذا ما جعل الحياة كشاشةٍ سوداء قبالة عينيها. قرر أن يمدّها بالمعونة الكلامية ليزيح عنها ما أرهقها، لذلك قال:
_شدي حيلك يا طنط، ده اختبار وإنتي قده، أكيد يوسف في أحسن مكان دلوقتي عشان كده لازم قلبك يطمن، لكن چيهان أنا مستعد أساعدكم تلاقوها وإن شاء الله رجوعها هيكون قريب وهنفرح كلنا….
سُجِنَ الكلام في حلقها، وصدى بكائها يتردّد في الشقة برمّتها، فبسطت كفّيها على وجهها تمسح الدموع الحارقة، في حين تابع “عمرو” قوله:
_اهدي بس يا طنط وروقي دمك، خلينا مع ريم دلوقتي نواسيها في اللي حصلها لحد ما الفترة الصعبة دي تعدي على خير، ومتاخديش على كلامها اللي قالته، هي بس كانت محتاجة اللي يطمنها مش أكتر.
أصرَّ عمرو أن يُوصِل خيط الوداد المنقطع بينهما، فوساوس الشيطان تستغل مواقيت الخلاف لتبثّ أفكارًا حادّة في العقول، ومن ثم تشتعل نيران الشجار، فيبتسم مؤكِّدًا قدراته على نشر الآثام بين العائلة.
فبعد مرور خمس دقائق من تبادل الحوار بين عمرو وأسماء، قررت الوالدة أن تطرق باب حجرة ريم، فبعدما فتحت ريم لها، عانقتها والدتها وقبّلت رأسها، وفي كل لمسة أمومية منها تزيح عن كاهلها حزنًا أليمًا.
خرجت ريم مع والدتها إلى الصالة وجلست على الأريكة لتستمع إلى مواساة عمرو لها، وقد أظهر حبًا لها لم تقابله في شخصية خطيبها السابق “محمد”، ذاك الذي كلما استمع لشكواها لقّبها بعاشقة المشكلات.
كان يتهرّب من علاقة تمثّل ضغطًا على حياة لم يعد يطيقها، فالحنان لم يكن في قاموسه على الإطلاق، مما أعطى مساحة لتجديد الخلافات.
بينما عادت چيهان إلى مسكنها، توضّأت ووقفت على سجادة الصلاة تبدأ صلاتها، رفعت يديها لأعلى لتقول: “الله أكبر”، وفي نيّتها قضاء ما فاتها من صلوات.
قد بدأت الشمس على المغيب وكأنّها تنشر الأجواء البنفسجية في السماء لتعطي مظهرًا مدهشًا يدلّ على عظمة الخالق وإبداعه، حتى الجبال بين الصحراء رقدت بين الظلال، تسكن في نومٍ هادئٍ بين صمت الأفق اللامحدود.
عاد “رمزي” من الخارج محتدمًا ووجهه يعكس ما يعتمل في وجدانه، خطواته قاسية، نظراته ملتهبة، كأنّ عينيه لديهما القدرة على التحوّل من البراءة إلى العنف في ثوانٍ قليلة.
فاقتلع نعله بحدّة مُصدرًا ضجّة، ووقف قبالة الطاولة يجذب زجاجة المياه من فوقها، إذ رفعها نحو فمه وارتشفها دفعةً واحدة دون أناة، إذ خرجت چيهان لتجده بين أحضان الغضب.
بدأت تتحرك نحوه بحذر، وهو غارق في شرب المياه، حتى أفرغ الزجاجة وألقاها بجهامة على الأرض، فانفزعت چيهان مما فعله وتراجعت إلى الوراء، وقد التفت بجسده نحوها، وجزّ على أنيابه في لحظاتٍ مروعة وكأنّه ذئب شرس عاد إلى موطنه الحقيقي بعد غياب، وقال بصياحٍ حادّ اخترق أمانها:
_ريّحتي جلبك عجب ما كسرْتيني؟ جوليلي، ريّحتي وإلا بعد؟
أظهرت “چيهان” اعتراضها على أسلوبه الجاف معها، فقالت بنبرة حادّة هي الأخرى:
_متتكلمش معايا بالطريقة دي تاني، أنا بنت ناس مش واحدة جايبها من الشارع!
انتشرت دلالات السخط على جميع حواسه، فتقدّم نحوها قليلًا لتكون المسافة بينهما أمتارًا محدودة، وعيناه تشعّان غضبًا لا مثيل له، وقال بصخب:
_شلون تبييني أحاكيكي زين وإنتي تجللين من جدري بكل ديرة؟ تشوفيني ملعون وحجير، وكل ساعة تسوين عليا عرض… وآخرها تروحين لذاك العچوز اللي ما يُسمّى، علشان يعيد عليّ نفس الهذرة اللي حفظتيني إياها كني حافظها مثل اسمي.
ردّت “چيهان” بصياح، مؤكّدة رغبتها في مساعدته على الخروج من دوّامة الشر التي ترعرع فيها، قائلة:
_أنا مش بحقر منك ولا قصدي أعمل كده من الأساس، أنا مش عايزة غير إنك تفوق وتلحق نفسك! المصيبة إنك مش شايف نفسك غلط وإن ده العادي، لكن لا ده مش طبيعي! والله العظيم مش طبيعي، أنا صعبان عليا واحد زيك في بداية حياته يبدأها بشر وأذى مع إنه كان في إيده يمشي في الخير، ويقرب من ربنا عشان….
اجتثّ رمزي ردّها قبل أن تُكمِله، ليتابع هو بصرخةٍ مدوية:
_آني جلتلك مليون مرة لا تتدخلين في شي ما يخصّك، لأنك إنتي ما تفهمين ولا كلمة، تتكلمين وخلاص. لو تعيشين حياتي من أولها لآخرها، كلامك كان بيطلع العكس… بس إنتي ما عندك غير كلمتين تكررينهم بدون عجل.
قطعت “چيهان” ردَّه، وكأنها تعيد ما فعله معها، فخرجت الدموع وهي تقول بأسى:
_الكلام ده واقع مش كلمتين بردد فيهم زي ما بتقول، إنت اللي معمي ومش شايف غير نفسك… منين خسرت أبوك عشاني ومنين مش عايز تتوب وتبطل عشان ربنا مش عشان حد؟
رمقها “رمزي” بحدّة، وفي كل نظرة يخرج لهيبٌ من بين عينيه، وهي تتابع بنبرةٍ مرتجفةٍ أشدّ وهنًا:
_عارف؟ أنا مفيش حاجة صعبانة عليا وسط ده كله غيرك إنت.
دخلت الحجرة وهي تبكي، وأوصدت الباب بأيدٍ مرتعشة، وكأنها دخلت حربًا لا جدالًا عاديًا، فجلست على السرير رافعةً يدها إلى قلبها المتألّم، يتحشْرَج صوتها من مشقّة الجهاد، فلا تعرف مصيرها في عالمٍ حالكٍ كهذا، وإلى أيّ وقت ستظلّ مقيّدة بين عائلات لا تعرفهم. فلا دواء لها سوى صلاتها التي نهضت من أجلها، ووقفت على السجادة بجسدٍ ينفض عويل الأحزان، ورفعت يديها لأعلى تقول “الله أكبر” بنبرةٍ عالية، وفي منتصف صلاتها ركعت وكأنّ السجادة تحتضنها بحنانها، تلك التي ابتلّت بدموعها المتواصلة، وهي تدعو بأمل:
_يارب إنت حاسس بيا وبحالي، إنت الأقرب ليا من حبل الوريد… اللهم إني أسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تزيل عني الحزن وتبدل أيامي الصعبة رخاءً وسعادة… اللهم لين قلب رمزي واجعله يبتعد عن مسار الشر وأن تهديه، وترده إليك ردًا جميلًا يارب العالمين.
لم تكن تعلم أن رمزي يستمع إلى دعائها من الخارج، شعر بضُرمةٍ باردةٍ مرّت على قلبه، لكن كبرياءه لا يزال يقوده، وشيطانه يأمره ألّا يستمع إلى موعظتها، بل أن يَجْرُشها تحت قدميه بضميرٍ هاجع.
لكنّ رهبةً سريعةً زارت روح رمزي وهو يستمع إلى إحدى السيارات المارّة في الشوارع، رجلٌ ينادي بأعلى صوته من الميكروفون مُعلنًا وفاة شابٍّ في البلدة، ما جعل قيوده تنكسر دون إرادة منه، وقد نادى الرجل بابتئاس، ناشرًا الحزن في أحياء البلدة:
_إنا لله وإنا إليه راچعون… اليوم توفى فجيد الشباب “سالم بن فايز الحويطي”، إثر حادث سير أليم، وعلى كل من يعرفه الحضور للعزا وتجديم الواچب، والله يرحمه ويچعل مثواه الچنة.
انتفض رمزي في حالة من الرهبة لأول مرة تجتاحه، وكأن الله أرسل له علامة سريعة يثبّت بها طريق الحق الذي وصفته چيهان، لكنه سريعًا ما تناسى قاصدًا أن يثبت لذاته أن لا شيء في هذه الحياة يستطيع كسر رباطة جأشه، وإن كان خبر وفاة شابٍ من عمره.
خرج من المنزل يفكّر ويعيد النظر في الأمور، في حياة لا تستحقّ المعارك، خاصةً في زمنٍ سعى فيه الجميع لبرهان تفوّقه على الآخرين، كمن يعيش في سباقٍ يتطلّب البَدران، وهناك بين الخيام، وقف إلى جوار النوق محاولًا إشغال نفسه فيها، لكن ما ضاق صدره أسلوبه الفظّ مع چيهان، التي رغم ابتعادها عن ملاذها الآمن في أحضان عائلتها الحقيقية، كانت تسعى لدفعه نحو الصلاح، هي الوحيدة التي لم تطلب منه خدمة، أو تنصحه لهدفٍ يصبّ في صالحها، بل العكس، تحوّله من الظلام إلى النور لن ينتفع به أحدٌ سواه.
أدرك قيمة النصح ولو غلبه أسلوبٌ قاسٍ، وبعد دقائق من الندم المُبطَّن، جذب الجمل نحوه ثم صعد على ظهره واندسّ في أعماق الصحراء بمفرده، وفوقه السحاب تسير في تناغم مع حركاته.
ركض الجمل به في منطقة بعيدة عن البشر، ورمزي يختار بعينيه موضع جلوسه، رغم أن جميع البقاع من حوله بلا اختلاف يميّزها، وبعدما استقر الجمل في موضعه المطلوب، كان المشهد مُذهلًا؛ الشمس تتحرّك ببطء نحو الغروب، والسحب تزيّن السماء كأنها أقطانٌ رشيقة، والهواء يتزايد بعليلٍ بارد كلّما قارب من الليل.
برك الجمل، تاركًا رمزي ينظر للوحة الطبيعة الباهية من حوله، عقله منشغلٌ فيما حدث، يعاتب نفسه على أمورٍ لم يَخْتَرْها مختارًا لها.
البؤس كبس على أنفاسه حينما تذكّر وفاة والدته في ليلتها الأخيرة منذ أعوام، حيث كان صبيًّا صغيرًا يدرك بعقلية الكبار، لكنه لا يجيد اختيار شيء لذاته.
في منزلٍ تتراقص فيه الأشباح، دخل حجرتها ليخبرها أنه نجح في الصف السادس الابتدائي، ناويًا أن يُكمل تعليمه ليصبح في المستقبل رجلًا ذا مقامٍ سامٍ، بين يديه ورقة النتيجة، والابتسامة واسعة على شفتيه، وبمجرد نظرته الأولى لها ارتجف بدنه، وهو يجدها على سريرها تتلوّى بألم، وأصابعها لا تطيق حتى ملامسة الفراش، السبّابة مرفوعة لأعلى محاولةً نطق الشهادة.
انقضّ عليها تاركًا ورقته تسقط بلا اكتراث، كان كل ما يشغله والدته التي تلفظ أنفاسها الأخيرة في الحياة، لكن سكرات الموت كانت هادئة رغم تألّمها البسيط. تلك الوالدة التي اكتسب جميع ملامحها، حتى حضنها الحنون الذي كان يحتضنه كلما بكى من وطأة والده مصعب عليه، فهي موطنه الوحيد الذي يسكنه براحةٍ وفيرة.
الوالدة المتديّنة، التي طالما نصحت مصعب ألّا ينتهج نهج السحرة البارعين في تدمير البشرية، لكن مصعب بطبعه الذي لا يستجيب سوى لصدى أفكاره، كان يعنّفها بالضرب والسباب الحادّ. خشيت أن تُنجب منه مرةً ثانية، فيزداد عدد الضحايا، فمثل هؤلاء الطاغين لا يناسبهم سوى الموت، ليرتاح الناس من شرورهم.
لامس رمزي أصابع والدته، وهو ينهار بالصراخ وأنفاسه تتعالى خوفًا من أن يخسرها، وهي تلامس وجهه البريء بيد الأم الحنونة، ناظرة في عينيه، وحروفها المتفرقة تخرج منها بصعوبة، وقالت:
_اسمعني يا رمزي، يا ضنا جلبي… ما كتبلي ربي غيرك، ولو كان كتبلي العمر ما كنت بأظلمك إنت وإخوانك مع واحد مثل أبوك…
تابعت، وعيونهما تتقابل في نحيبٍ صامت:
_إياك يا جطعة من روحي، تسمع كلام أبوك… آني ودي ألجاك بچنة ربّك، ما ودي أشوفك تروح للنار. ما أرضى ولدي، اللي سهرت وتعبت عليه، يصير صورة من أبوه الظالم…
ضمّ رمزي يدي والدته إلى رأسه وهو يعول بحزن، بينما هي تردف بأنفاس متقطعة وتأوّه موجوع:
_إذا بإيدك تسوي الخير، سوه يا وليدي… سوه ولا تضرّ خلج ربك. ودي أروح لربّي وآني جلبي مرتاح عليك يا رمزي… أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
هكذا ودّعت الحياة، فغمس “رمزي” وجهه في أحضانها صارخًا، لا يطيق فراقها، وصدى صرخاته يتردّد بلا انقطاع، وهو ينطق بألم:
_ياما! لا تخلّيني بهالدنيا لحالي! ياما، لا تروحين… ما لي غيرك، وآني أحبّك حب ما ينوصف!
أفاق من ذكرياته الأليمة على وقع صراخه في الصحراء، مرددًا في الحاضر باشتياقٍ عنيف:
_يمّه! وحشتيني، والله تعبت من دونك… محتاچك چنبي، الدنيا ما عاد فيها من طيبك، اللي مثلك راحوا وانتهوا….
لكنه تذكّر چيهان فجأة، حضرت إلى باله بلا استئذان، كان يراها والدته منذ أول ليلة اختطفها، كأنها هي بشخصيتها المميزة تمامًا، في حياة امتلأت بالفساد والظلم، الوحيدة التي رأى فيها مَن أنجبته إلى الحياة.
شعور غريب جعل دمعة صغيرة تنزل من عينيه لأول مرة، لكنه سرعان ما مسحها بكمّ جلبابه، فالموقف ذاته يتكرّر، والفارق بينهما سنوات، وأشخاص، وأماكن مختلفة. في تلك اللحظة قبض على الرمال بين يديه وأطاح بها بعيدًا وهو يصيح قائلًا:
_آني مآني أبوي، ولا راح أكون مثله… ما أبغى أصير مصعب، ما أجدر أكون هو!
وتابع بصعوبة وهو يرمق الجمل، مخاطبًا إيّاه كأنه يفهمه:
_بس كيف؟ جولي، كيف؟ العهود والوعود… كيف وآني دمي منهم؟
جلجلت الصحراء بصوته، متابعًا بعويل:
_بس آني مآني هو، ولا راح أكون هو، آني هو آني، ما أحد غيري، فهمتني؟
لم يفهم الجمل سبب هذا الصراخ، لأنه ببساطة حيوان يجهل إدراك لغات البشر، في حين قبض رمزي للمرة الثانية على الرمال ورماها بعيدًا بانفعالٍ جلي على وجهه، ثم تربع على الأرض متعبًا من ماضيه المؤلم الذي لا يرحمه.
ظهرت التباينات في موقعين؛ أحدهما الأول، في منزل قديم تسكنه عائلة بسيطة، هناك وقف الشيخ نعمان بينهم يعالج حالة جديدة: “سحر تفريق بين زوجين أدى إلى الطلاق”، بعدما ضحّوا بأنفسهم وسط معارضات من العائلتين استمرت خمس سنوات، لتكون النتيجة مشكلات لا حصر لها جعلت الزوج يرمي يمين الطلاق لأول مرة.
هنا ظهرت مشكلة انتشار السحر في المجتمع العربي بطريقة واضحة، فالبُعد عن الدين كان السبب الأول في الانحراف نحو طرق مشبوهة.
بدأ الشيخ نعمان الكشف عن الحالتين، فظهرت له مصائب لا حصر لها، إذ كان الزوجان مربوطين عن الإنجاب، كلاهما يعاني مشكلات مستعصية على الرغم من عدم وجود سبب طبي واضح، فقد زارا جميع الأطباء الذين أكدوا أن صحتهما جيدة ولا يوجد ما يعيق الإنجاب.
أحسَّ الشيخ “نعمان” بضيق، وأبدى الحقيقة بلا تزييف، قائلًا:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، احذروا كل الحذر، غيروا عتبتكم لأنكم للأسف وبدون تزييف واحدة حاطاكم في دماغها، ومصممة على حاجات الله لا يجيبها ولا يوصلكم ليها يارب.
ردَّ الزوج بصدمة، فقال كمن غرق بلا ساتر نجاة:
_وش تجصد بكلامك يا عم الشيخ؟
أجابه الشيخ “نعمان” بصراحةٍ:
_ربنا يحفظكم ويسترها معاكم، المدام معمولها سحر أرحام، إكمنها كل ما تحمل يقوم الجن رافصها في بطنها عاملها إجهاض والأعوذ بالله، ومعاكم سحر تفريق، مش كل ما تدخل البيت تتشاجروا مع بعض من مشكلة تافهة ومش مستاهلة؟
بينما امتلأ الغيظ روح الزوج، ردّ بيقين:
_إيه نعم، آني مطلّجها طلجة جبل يومين، وباجيلها معي طلجتين. أدخل البيت وآني رايج وما فيني شي، بس سبحان الله، تحس البلا يدور علينا… كلمة من هني وكلمة من هني، والدنيا تولّع، ما تهدأ.
جلس الشيخ “نعمان” على الكرسي، يمسح العرق من جبينه، مغمض العينين ويفكر لثوانٍ، ثم رفع رأسه، وقال:
_متخافوش، أنا مش هسيبكم بعون الله غير وإنتوا كويسين ويا بعض….
وضحك بمزاحٍ:
_وإن شاء الله تعزموني على سبوع أول مولود ليكم وتدعولي دعوة حلوة من القلب.
قالت الزوجة ببكاءٍ، متمنية انتهاء الجحيم الذي يعيشان فيه:
_على روسنا يا عم الشيخ، وإحنا رهن إشارتك… بس بالله عليك لا تخلينا، ترانا متكسّرين ومتدمرين بالحيل، والله العظيم.
رد الشيخ “نعمان” بابتسامة نابعة من يقين واستقامة، إذ يخشى استغلال الحالات لصالحه كما يفعل بعض الرقاة:
_متشيلوش هم حاجة، واللي هطلبه منكم يتنفذ بالحرف عشان منديش فرصة للأعداء يجددوه وينتصروا عليكم!
أومأ الزوجان برؤوسهما استجابة، فمن يكره التعافي وتذوق طعم الحياة التي فقدها؟ بدأ الشيخ يطلب منهم الأعشاب والبخور التي سيستخدمانها خلال فترة العلاج، وبين الحين والآخر يطمئن الزوجة الباكية، زارعًا الأمل في قلبها.
أما المكان الثاني، فكان يعج برائحة التنجس، حيث جلس مصعب على حصيرته في منزله المليء بأدوات السحر الملعونة، تحيط به همسات الشياطين النسائية. امرأة في نهاية العشرينات أتت للانتقام من خصيمتها المظلومة، وقلبها المملوء بالشر يرتاح مع بدء تأثير السحر.
رفع “مصعب” رأسه ببطء نحوها، وقال بنبرة خاضعة:
_شغّال وكلّه تمام، بس كبدها خرب، وتلف على المستشفيات تدوّر على من يتبرّع لها، لو بفص واحد حتى… بس الدنيا مسدودة بوچهها، وراح تظل مسدودة لين ما تطيح وتفارج الدنيا وهي واجفة.
سألت “السيدة” بأسلوب مكترث:
_آه أنا عرفت من عمتي إنها تعبانة وبيلفوا بيها، بصراحة قلبي ارتاح راحة كبيرة، وكمان عرفت إن خطيبها خانها وسابها….
ثم ضحكت وتابعت:
_بركاتك يا شيخ مصعب، ده إنت مجرم وبتجيب من الآخر.
رد “مصعب” بثقة، معتبرًا ذاته في قمة هرم السحرة الذين لا يُضاهون، وقد غاص في بحر من الكفر والضلال لا قرار له، فقال بصوتٍ ثقيلٍ يتخلله فخر مريض:
_وعشان كذا… كلّ شي وله تمنه…
ثم سلمها زجاجة صغيرة بحجم ثلاثين مللي، تسكنها مياه سحرية بلون الدم، تتلألأ تحت ضوء الفتيل كأنها تحمل أرواحًا محبوسة، وقال بنبرة واطئة يلفّها الخبث:
_خذي هذي، وانثريها على عتبة دارهم… وانتِبهي، لا يشوفك أحد، وإذا شافك واحد، تسدّحي واستعبطي!
استلمت المتدنسة الزجاجة، وأصغت لتعليمات مصعب بالحرف الواحد، ثم انطلقت لتنفيذ الهدف، فصعدت ببطء نحو الدار، تتابع بعينيها إن كان أحدهم قد خرج من منزله، أم يسكنون في غفلةٍ ولا يدرون مدى الخسة التي جعلتها تخون ثقتهم بها.
كانت ترتجف لأنها تعلم قذارة ما تصنعه، لكن بداخلها رغبة جامحة في أن ترى ابنة عمتها راقدة بين التراب بسبب علة انتشرت بتأثير السحر، وكأنها أولئك الكفرة الذين يعتقدون أنفسهم حكام العالم، يحركونه وفقًا لأهوائهم.
استخرجت الزجاجة برفقٍ من حقيبتها، ورشّت على عتبة الدار، موزعة الماء القذر بالتساوي بشكلٍ عرضي، لكن فجأة، يأتي تنبيه الرحمن لها كفرصة أخيرة، والباب يفتح فجأة على يد عمتها.
زر الذهاب إلى الأعلى