روايات شيقة
رواية إيبار الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم رانيا عمارة
خطيرٌ إحساسُ الحماقةِ المصاغُ ببراعةِ الأفاكين. تأقلمتُ أسابيعَ مديدةً يُخيَّل إليك فيها الوهمُ أمورًا لا مساحةَ لها في الحياة، أطيافًا غادرت الحياة منذ أعوامٍ، تاركةً رِدفها تساؤلاتٍ عجيبةً تنبض بدماءِ المرّية.
عاشت منيفة في حجر أبنائها. العجوزُ المتوفاةُ في عمر الخامسة والسبعين عامًا لم تنتقل إلى بلادٍ نائيةٍ عن واحة الداخلة، بل نشأت وشبَّت وتوفيت فيها. لا أملاك لها على بقاعٍ خارج المحافظة، امرأةٌ بدويةٌ مُسنةٌ اختارت أن تستلقي تحت ظلال أبنائها الرجال. كانت تقطن في دار عاصم بين زوجته وأبنائه، لكنها حينما غادرت عالمها وانتقلت إلى دار الآخرة، تركت حزنًا دفينًا ينهش أرواحهم، وهم يتذكرونها بشوقٍ في كل ليلة.
أما عن الدار التي سكنتها چيهان برفقة رمزي، فهي دارٌ قديمةٌ توفي مالكها منذ عشرين عامًا، ذاك الذي لا يملك وريثًا يتولى أملاكه من بعده. ظلت على هذا الحال سنواتٍ، موصدةً، والأقفال المتينة تحرس أبوابها، حتى شبكات العناكب كانت دلالةً صريحةً على هجرانها.
تراجعت چيهان بالذاكرة إلى الوراء، متذكرةً موقفًا تكرر مرارًا وتكرارًا دون منطق. أَيُعقل كلما قرأت القرآن في حجرتها خرجت منيفة من الدار قبالة عينيها؟ تاراتٍ أخرى تتلاشى كنفايا الدخان فجأةً، ويختفي أثرها من الوجود. كانت الهواجس تعصف بذهن چيهان كلما اختفت، وتشعر بأمورٍ مريبة، تفسيرها الوحيد أنها شبحٌ يرتعد من قراءة القرآن، ويفر متعذبًا إلى الخارج.
بالإضافة إلى اعتراض منيفة على تناول الطعام إزاء چيهان، دومًا تتحجج بآلام الأسنان، فتبسط كفها الهزيل على خدّها وتتأوه بتمثيليةِ حاذقٍ يُدرك جيدًا تفاصيل مسرحيته الخنّاسة.
الليلةُ التي هربا فيها من ظُلمة الكهف منتقلَين إلى دار الجدة منيفة، كان الألم مشتدًا على چيهان، فخضعت للنعاس دقائق، وفي ذات الوقت كان رمزي يتمتم طلاسمه وهو يقود الدراجة النارية، لكن بصوتٍ خافتٍ لا ينصته أحدٌ غيره، يُمهّد الطريقَ لفيلمٍ بارعٍ هو بطلُه. كل شيء حينها جعل الأمور تتداخل في التباسٍ مُبهمٍ ينير العقول نحو اكتشاف المجهول.
ضجرت چيهان من كذبه عليها حينما عادت إلى الواقع المرسوم بخطوطٍ خدّاعة، متضايقةً من أنها عاشت هذه المدة في تغافل، واتبعته مغلقة العينين دون إرادةٍ منها، ليقابلها بجرحٍ وخيانةٍ للثقة. فتزعزعت صورته في عينيها، وشعرت أن لا فائدة من تقديم النصائح له.
لم ترَ العالم كما رأته من قبل، الأشجار والنخل قبالتها ما هي إلا أشواكٌ عملاقةٌ غُرِزت في مهجة الصفاء، آلمتها بجروحٍ نازفةٍ لا تُداوى، والطيورُ المحلقة في السماء أصبحت غربانًا مزعجةً تؤلم أذنيها بصوتها المنفر، والفواكهُ أحسّتْها بنكهةِ المرار، والسماءُ تغيم بغيوم القهر.
خرجت “صبا” إلى رمزي ووقفت حيال البوابة الحديدية، ورفعت ذراعها له، ونادته بصوتٍ عالٍ، قائلة:
_يا رمزي يا ولد العمة! رمزي!
كان رمزي في هذه الأثناء يصبّ الشاي داخل الأكواب، ويوزّعه على الرجال، أعدّه بطريقةٍ مميزةٍ بطعمٍ بدويٍّ فريد. وحينما انقطعت أحاديثهم بندائها، نهض حاملًا في يديه كوب الشاي، وخطا إليها بثباتٍ حتى وقف أمامها، منتظرًا سماع ما ستقوله، فتابعت بخجل:
_معلش يا رمزي لو بطينا عليك، بس نبغى منك تچمعلنا الخوخ والعنب اللي فوج الشچر، اللي تحت حد لمه، وما بجى إلا اللي فوج، وذا يحتاچ حد طويل يچمعه لنا.
دلف رمزي وراءها إلى الحديقة بسُكنى، فيما كانت چيهان تقف في زاويةٍ قريبةٍ بملامحٍ ساخطةٍ تروي قصصَ الخداعِ الأليم، ذراعُها الأيمن مستندٌ على الذراع الأيسر، تقف صامتةً لكنّ عينيها تصرخان باعتراضٍ عمّا تعرّضت له من اختلاقاتٍ كاذبة.
وقف “رمزي” قبالة الأشجار ينظر إلى الأعلى بعينِ المعاينة، وكأنه يختبر المسافات ليقرر إن كان الحلّ في يديه أم سيحتاجون إلى سلّمٍ خشبي. وبينما يتفحّص الأشجار، وضع كوبَ الشاي على حافة السور المتساوية، وقال:
_سهلة، وما تحتاچ سلم ولا حاچة ثانية.
تشبث بذراعيه في الشجرة، وبمجهود بسيطٍ دون عناء بدأ يقطف حبات الخوخ من على الأشجار. لاحقته صبا بالوعاء البلاستيكي، مستقرةً أسفل الشجرة، وهو يقذف الثمرات داخل الوعاء ببراعة، وعلى حافة جذع الشجرة تقف العصافير مغرّدةً، مفشية ألحانها الجميلة.
ظلّ يقطف ثمرةً وراء الأخرى، وفي كل مرة يلقي بها في الوعاء. كانا أشبها برامٍ كرة القدم والقابض عليها، فلم تكن مهمةً صعبةً كما تخيّلا، لأن في وجود رمزي يلين الحديد، ويسهل العسير.
سألها “رمزي” مستفسرًا وهو يقفز على الأرض بخفة:
_تبي العنب من الشچرة اللي هناك؟
أجابته “صبا” بكل تأكيد، قائلة:
_أيوه، الله يزيد خيرك.
خطى رمزي للأمام، وصبا تتبعه نحو شجرة العنب، حاملةً الوعاء بثبات، لكن فجأة التفت إلى چيهان ليجدها عابسة الوجه، ضامّةً ذراعيها لبعضهما بتضايق. لكنه رغم ذلك تابع طريقه حتى وصل إلى الشجرة. هناك، وبكل لُيونة، رفع ذراعه وقطع عناقيد العنب ووضعها داخل الوعاء، حتى انتهى من جمع الفواكه فيما لا يزيد عن خمس دقائق. فابتسمت “صبا” بكل امتنان، وقالت بثناءٍ لعنايته لهما:
_تسلم يا ولد العمة، الله يحميك، ألف شكر والله….
ثم وضعت الوعاء على الأرض، تجمع له وللرجال الفواكه الطازجة. فاستخرجت الكيس البلاستيكي من جيب عباءتها، ووضعت فيه ما جمعته خصيصًا لهم، وقالت بسخاء:
_خذ هذول لك وللرچاچيل، جسّمهم بينكم!
قبض “رمزي” على العبوة البلاستيكية بامتنان، وقال بجهامةٍ يُخفي وراءها ابتسامةً ممتنة:
_لو احتاچتوا شي آني في الخيمة مع الرچاچيل، ديري بالك عچيهان ولا تباعدوا عن عيوني!
خطا خارج الحديقة، وقبل أن يخرج ألقى نظرةً سريعةً على چيهان، فوجدها ترمقه بحدّة، وشراراتُ الاحتدام تتطاير من عينيها. وفي تلك الأثناء، ردّت “صبا” ببسمةٍ أخوية، قائلة:
_حاضر، لا تخف!
تحّرك رمزي بين الرجال يوزّع عليهم الفواكه بالتساوي، كلَّ رجلٍ حبّتين من الخوخ، وعنقودَ عنبٍ أحمرَ زاهٍ. بدأ كلٌّ منهم يغسل فاكهته باستخدام القِربَة، ثم يقضم منها، فيجد عذوبةً تتشعشع في جسده كأنها أزهارُ التنعم.
فيما جلست “صبا” على دِكّةٍ خشبيةٍ ألواحُها متباعدةٌ ككراسي الفصول، واستخرجت عبوة المناديل من حوزتها، ومسحت حبات الخوخ لتتمكن من أكلها هي وچيهان. لكنها رفعت عينيها نحو چيهان في لحظةٍ مفاجئة، وقالت بابتسامة، مشيرةً بيدها الحانية نحو المقعد:
_تعالي يا چيهان اجعدي، ليش واجفة؟
جلست چيهان على سيفها، وأصابعُ يديها متشابكةٌ بتفكيرٍ ناءٍ شتّت انتباهها. وبعدما طهّرت “صبا” حبات الخوخ من الأتربة، مدّت إلى چيهان واحدة، وقالت بتودد:
_خدي ذوجي وجوليلي رأيك!
التقمت “چيهان” الخوخ، لكنها وسط زوبعةِ المشاعرِ المتقلّبة، لم يهمّها سوى معرفةِ المجهول، وهي تنبش بأسئلةٍ لن تعود عليها سوى بهواجسَ متفاقمة. فاعتدلت في جلستها وهي تستدير نحو صبا، التي التهمت الخوخَ باستمتاع، وسألتها بطفيفٍ من التردّد:
_وهي ليه جدتك منيفة سابتكم وعاشت في محافظة تانية؟
اندَهشت “صبا” من سؤالها، فأبدت تعجبها باستفسارها، متسائلة:
_مين جال إن ستي منيفة عاشت برّا الواحات؟ طول عمرها عايشة هني وما جدّمت تطلع برّا.
زفرت “چيهان” بغضب، والأمور أصبحت أكثر اتضاحًا، فأكملت سيل استعلاماتها، وقالت بريبة:
_ازاي؟ معقول ملهاش أملاك برا مثلًا؟ بيت أو شقة أو أي حاجة من دي.
تجاوبت “صبا” معها بعفوية، خاصةً أنها لا تعلم ما يستتر بينها وبين رمزي من حقائق مخيفة. اعتقدت أنها تتحاور معها في أحاديث عابرة بهدف تسلية الأوقات والتلاهي عن الملل الذي استحوذ على حياتها، فأجابت بصراحة:
_لا والله ما عندها شي، الحمد لله چدي وستي دايمًا ثابتين عند رچالهم في الواحات، ليّ أعمام في الخارچة وستّي كانت تروح تزورهم دايم، وچدي الله يرحمه بنى خمس ديار، اثنين هني، واحد لأبوي عاصم وعمي فهيم، والثلاثة الباجيين في الخارچة.
رفعت “چيهان” كفها على رأسها بانهاكٍ سرى في خلايا ذهنها، لم تقاوم الضيق الذي فاح من عينيها، وكأن رمزي هو من أشعل لظى الحزن في روحها. فنهضت بسخط، وقالت باستعجال:
_طيب أنا جاتلي دوخة، هطلع أرتاح شوية.
وضعت “صبا” الخوخ داخل الوعاء، وحدّقت بها بدهشة، إذ لم تكملا ربع ساعة وسط الحديقة. تحاول فهم ما يدور في وجدانها، فأبدت دهشتها قائلة:
_كيف حالك يا چيهان؟ سلامتك ألف سلامة، بس احنا ما كملنا ربع ساعة هني… إنتي زينة؟
أجابت “چيهان” وهي محرجةٌ منها، لكنّ الظروف أرغمتها على الارتحال من هنا. الكلمات المكبوتة تُثقل كاهلها، فلا بدّ من أن تفهم من رمزي سبب ادعائه أمورًا كذوبة، فقالت:
_معلش هطلع أرتاح شوية ولو بقيت كويسة هجيلك.
ابتسمت “صبا” واحترمت رغبتها في الارتياح، فردّت بصوتٍ هادئ يشبه ظلّ النسيم:
_تمام يا چيهان، المهم راحتك.
لا أرجلَ للكذب، ولا مَقْطِنَ يحتوي الكلماتِ الزائفة، فلكلِّ موجودٍ رصيدٌ يُستهلك من عمره، حتى الحقائقُ المحتجبةُ في ستارِ الزيف. لم يتخذ رمزي قرارًا بشأن الأزمة، وكأنه انغمس في المشكلات الأخيرة لدرجةٍ ردعته عن التفكيرِ الصواب، ولم يُرشد أفرادَ العائلة، مُحفّظًا إياهم نفس الإجابة ليسير الجميع على نفس خط التماثل.
كان منشغلًا مع بعض الرجال يشرب شاي الزردة، وإزاءهم بعض نساء البدو المنتقبات، المرتديات أنقبةً سوداء، يبدين كأنهنّ نسخٌ من قماشٍ واحد، لا يميّزهنّ إلا الوجوه، ذاهباتٍ إلى جنازةٍ في بلدةٍ قريبةٍ تتراوح المسافة إليها عشرة كيلومترات.
خرجت چيهان من البوابة بخطىً ثائرة، ووقفت من على بُعد عشرين مترًا، موازيةً لرمزي، شابكةً ذراعيها في بعضهما بسخطٍ ملموس. أحسّ “رمزي” برغبتها في الحوار معه، فاستأذن من الرجال ونهض، وهو يقول:
_لو تسمحوا يا رچالة، رايح مشوار ومعاود.
ردّ الرجال بتحية وداعٍ مؤقتة، قائلين:
_خذ راحتك يا رمزي.
= الله معك يا رچال.
وصل رمزي إلى “چيهان”، فتباعدت عن المكان وهو يتبعها، تختار بعينيها المكان الملائم للعتاب. وحينما وجدته، توقّفت مكانها، وشبكت ذراعيها في بعضهما بملامح مُكفهرة، وسألته بنبرةٍ حادّة، غير مستوعبةٍ خداعه لها طوال هذه المدة، قائلةً بصخب:
_بتكدب عليا كل الفترة دي ومفهمني إن جدتك عايشة وتطلع ميتة من سبع سنين، وكمان ملهاش بيوت برا بلدها؟ ازاي كنت مغفلة ومشيت وراك وأنا معمية؟ يعني إيه يعني تطلع ميتة؟ ازاي كنا عايشين مع بعض لواحدنا في بيت طويل عريض؟ ازاي بجد؟!
استدار “رمزي” حوله بهدف الاطمئنان إن كان الرجال قد لاحظوا جدالهم المحتدم، أم أنهم منشغلون في الضحك والمزاح، وصُنع المزيد من شاي الزردة. لكنه تيقّن أن الأنظار لا تزال متلاهية في متاع الصحراء، ثم أعاد نظره إليها، وقال بثبات:
_وطي صوتك يا چيهان، العالم كلها لحد النهارده فاكرينا أخوات، وكلامك ده يخليهم يعيدوا النظر فيه!
جزت “چيهان” على أسنانها، متحررةً من رداء الفتاة اللطيفة الهادئة، إلى امرأةٍ ذات صوتٍ مسموع وشخصية جريئة، ممانعةٍ لابتكار الأكاذيب، قائلةً بفظاظة:
_دي حاجة كفيلة تثبت إنك كداب، إنت ليه بتضيعلي وقتي وعمري على الفاضي؟ مبسوط من اللي بيحصل؟
أدار رمزي وجهه ناحية الخيام بخوفٍ متزايد كلما ارتفع صخبها، واشتدّ عنادها، متابعةً باحتدام:
_رد عليا! مبسوط من القرف اللي احنا بقينا فيه؟
لم يجيبها رمزي، بل رمقها بنظرات طالحة، وبأسلوبها الفظّ ألهبت شعلَة الشيطان الراقد في مُهجته. كان يقاوم حتى لا تتأذى بغضبه، ذاك الذي إن خرج ظهرت معه قسوةٌ لعينة وتصرفاتٌ شنيعة لن تتحمّلها. دخلت “چيهان” من بوابة الدار، وهي تقول بقهرٍ:
_إنت دمرتلي حياتي، حسبي الله ونعم الوكيل.
مال الفؤادُ ميلَ الاستياءِ المَقشوب بصدمةٍ عاتية، تركتْ حياتَها واختُطفت منها بلا إرادة، تُجرّ من ذراعيها على دروبٍ زُرعت بالأسلاك الشائكة. جُرح بدنها، وانبتر شريانُ الحياة، وفي نهاية المسار أفقٌ محصورٌ أحاقه الظلامُ من كلّ زواياه، تيفعَت فيه الأفاعي السامة، وترقد في مَجثمٍ لم يكن يومًا شبيهًا لها.
صعدت إلى الأعلى والدموع في عينيها من وطأة صدمتها فيه، إلى أن اتبعها وصعد خلفها، ليكونا أكثر حرية في الحديث بعيدًا عن مسامع أهالي الحي.
خطت چيهان إلى الصالة بغير استعداد لسماع أكاذيبه الجديدة؛ فبماذا سيقنعها هذه المرة، مستغلًا نقاوة روحها؟
وقفت في المنتصف، مستقيمةَ الرأس، الحنق لم يملكها، بل هي من ملكته بقوّتها. فأوصد “رمزي” الباب وراءه، ووقف حيالها بشجاعة، وقال بلين:
_أنا معترف إني كدبت عليكي، لكن أنا مكدبتش عشان أنا كداب وغاوي كدب! أنا عملت كل ده عشان عارف ومتأكد إنك مستحيل ترضي تعيشي معايا في بيت زي ده لواحدنا، كان لازم يكون في عزول بينا عشان تكوني مرتاحة، وده اللي أنا عملته، لكن أنا مش كداب!
صرخت “چيهان” في وجهه، وبكت بحزنٍ يلتهم قلبها، قائلةً بتكذيب:
_لا كداب، من ساعة ما عرفتك وأنا كل يوم بكتشف فيك مصيبة أكبر من اللي قبلها… مرة ساحر ومرة حرامي بتسرق الموتوسيكل اللي مش من حقك تسرقه، وكمان توديني في بيت مش بتاعك أصلًا، لأ وتقنعني إن جدتك اللي ماتت من سبع سنين، لسه عايشة، لكن ربنا لما أراد إنك تتكشف اتكشفت….
ثم صاحت أشدَّ من قبل، مجلجلةً المحيطَ بصوتها:
_أنا وإنت مينفعش نكون مع بعض، اللي احنا فيه ده غلط وستين غلط، وأنا مش راضية عنه! إنت دمرتلي حياتي وبعدتني عن أهلي وخربت مستقبلي الدراسي اللي كنت برسمه… إنت مين وطلعتلي امتى وازاي؟ أنا كنت مرتاحة من قبل ما أعرفك!
سألها “رمزي” بنبرةٍ هادئة، تحمل في طيّاتها سؤالًا مزّق روحه، فقابَلها بعتاب:
_بعد كل اللي عملته عشانك وبتقوليلي دمرتلك حياتك؟
خرج عن صمته، وهو يسترسل بصياحٍ سال كالرّياح الهادرة:
_لو في حدا خرب حياة حدا، إنتي ياللي خربتي حياتي وجلبتي عاليها واطيها من يوم ما وصلتيها…..
رفع كمَّ ذراعه الأيمن بانفعالٍ قائظ، وأشار إلى عروق يده الجاحظة، مضيفًا بعينينِ اتّسعتا تأججًا:
_هذول يچروا في دمي، ما في ولا شبر فيني يبعد عنهم، العقود والعهود اللي بيني وبين أبوي تكفي تخلص حياتي بأي وجت… دمي مربوط بزعيمهم، عمري بيضيع وآني أحميكي مع إن ما كان مطلوب مني أحميكي، اللي مثلك كان من زمان مات، بس آني ياللي حميتك بأماني عشان تعيشي سالمة وما حدا يجدر يجربلك….
وبينما تنزلق دموع چيهان على وجنتيها، استرسل بصراخٍ لا يتخطّى صداهُ دائرتَهما:
_جولت للناس إنك أختي عشان ما حد يظنك ظن شين، ما رضيت أجل منك وأخلي الناس تبصلك بنظرة شينة! رايدة ترچعي لأهلك؟ ارچعي يا چيهان، بس أبوي هيوصلك ثاني وثالث، ومليون، عارفة ليش؟
تضاربت نبضاتُ قلبها، وتزايدت أنفاسُها بارتعاب، وهي تُصغي لحديثه الصاخب، ليردف بنفس الانفعال:
_الإچابة اللي كنتي نفسك تعرفيها، بس چه الوجت أجولهالك… عشان اللي منكم هي اللي عرضتك علينا لما عرفت إن أبويا طالب بكرية بنفس مواصفاتك.
شنَّت الحكاية منذ أشهرٍ مديدة، في عالمٍ عُرف فيه الشر بأفعالٍ تطغى وتجور على الحقوق الإنسانية، لكن العجيب أن الشر لم يكن مجرّد قولٍ أو فعلٍ مُتدنّس، بل أجسادٌ بشرية تتحرّك، تتجلى في هيئة إنسانٍ طبيعي، يتعايش بين الآخرين، وفي أعماقه أبالسةٌ ملعونة تترجَّل معه في كل مراحل حياته.
يبثّ الفساد، لا بمفرده، بل استجابةً لمطالب الطالحين الذين كلفوه بحفر بؤرةٍ خاصة لضحايا لم يكن لهم يدٌ في أمراضهم النفسية العويصة.
مصعب، لعنه الله، الساحر المُدمّر، الذي نبت جسده من دماء الشر، وقلبه جافٌ، أقسى من الحجر، كان الناس دائمًا يقولون: “خَفْ مَن لا يخاف الله”، لأن أقصى درجات الخشية، وأشدها، هي الخوف من الخالق… الوحيد الذي يستحق أن نرتعب من لقائه، أما البشر، فهم مثلنا، خُلقوا من طين، لا يزيدون عنّا خصائص بشرية، ولا ينقصون… الجميع سواسية!
في إحدى لياليه المطلية بحُلكة الضلال، كُلِّف بمطلبٍ خاص لا بد من تنفيذه، فالثراء لا يأتي هباءً، ولا من العدم، بل بالسعي، والمكابدة، والبيع المهلك للضمير.
يسعى ليحصد، ويكدّ ليغتنم، طالبًا معيشةً فارهة، مرصّعةً بحبّات الغِنى الفاحش ولو على حساب أرواح الآخرين.
في حجرته الحالكة بالمظالم، الملطّخة بدماء الضحايا، جاءه طلب: فتاةٌ عذراء، لم يسبق لها الزواج، بشرتها أفتح بدرجتين من القمحية، مائلة للبياض، طولها مئة وخمس وستون سنتيمترًا، من برجٍ ناري، وكأنهم بمطلبهم ذاك، قصدوا چيهان تحديدًا دون غيرها.
وبينما مصعب غارقٌ في أنهار الحيرة والتردّد، كانت إحدى الخبيثات في داره تُكلّفه بتجديد سحرٍ سفليّ شرس لقريبتها، قريبةٌ لم تصل رحمها، ولم تسعَ لصلاحها، بل دفعها الحقد إلى أقصى دروب الكفر.
جلس “مصعب” على الأرض، تحيط به أدوات السحر اللعينة، ونظر إليها، والتمنّي يخفق في فؤاده لو أنها تعاونه في إيجاد فتاة بالمواصفات المطلوبة، ثم قال لها:
_جوليلي، لا تعرفي بنية عذراء ما تزوچت جبْل، تكون بهالمواصفات؟
مدّها بورقةٍ دُوِّنَت فيها التفاصيل، فالتقطتها وابتسمت بفخر، وكأنّ الحلّ لا يكمن إلا في قبضتها، قائلةً بتأكيد:
_حظك حلو يا سي مصعب، چيهان فيها كل المواصفات دي، سبحان الله كأنها متقسمة على مقاسها بالظبط.
ضحك “مصعب”، وانشرح فؤاده كمن انزاحت الحَجَرة العُتُلة من فوق صدره، ثم سألها عن چيهان، قائلًا:
_چيهان أخت ريم اللي تجصديها؟
أجابته المرأة بكل تأكيد:
_أيوه هي، متتعزش عن اللي خلقها، شوف إنت عايز إيه وأنا معاك بس هتعملي خصم لسنة قدام!
وافق “مصعب” على مطلبها، لم يُمانع كما اعتاد. سيمنحها خصمًا لمدة عام، يُجدّد لها أعماله الدنيئة بلا مقابلٍ مادي، فقال بابتسامةٍ يملؤها الأمل، شغوفًا بإنهاء المهمة:
_عشان بتساعديني، بسويلك خصم لسنة كاملة، بس بعدين باخذ اللي آني أبغاه، وبطلب منك صورتها، أبي أشوف تنفع ولا ما تنفع.
كان رمزي يُصغي إلى الحوار المتبادل بينهما، واقفًا خارج الحجرة، متشوقًا لمعرفة الفتاة التي رغب مصعب في التضحية بها، وتقديم دمائها الطازجة إلى خُدّامه.
وقد تمّ الاتفاق بين المرأة المجهولة ومصعب، فبدأ يقرأ طلاسمه، وهو يشبك أصابعه في أصابع الملعونة، يُجريان التعهّد اللازم تنفيذه في القريب العاجل،
فارتعدت أصابع الكافرة، وتسللت إلى جسدها برودةٌ دالّة على انتهاء عقدهما.
كانت صدمة عارمة جعلت “چيهان” تَطأ وجهها بصفعةٍ قاسية، غير مستوعبةٍ ما قاله، وخطت إلى الأمام بذهنٍ مشتّت، تسأله بصراخ:
_يعني إيه اللي مننا هي اللي عرضتني عليكم؟ يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
لا بد أن تخرج الحقيقة إلى العلن، تلك التي سعت چيهان لفهمها، وهي تتساءل في كل مرة: لماذا لا يُسمَح لها بالعودة إلى أسرتها؟
ألم تكفِ عائلةٌ بهذا العدد لحمايتها من شروره؟
تنحنح “رمزي” بصوته، وتنهد بعمق، وأجاب بوضوح:
_يعني اللي من لحمكم ودمكم هي السبب في اللي إنتي فيه، ومش إنتي لوحدك! أختك اللي عانت خمس سنين تعطيلات، وما في ولا چوازة كملت… چواب سؤالي يمكن يخليكي ما تشوفيني مرة ثانية، لأنّي خنت العهد، واللي يخون العهود مصيره الهلاك!
جلست “چيهان” على الأريكة، برأسٍ يدور بها كالمخمورة التائهة، المتخبطة في كل ركن. رفعت كفّها إلى رأسها، وهي تنتحب بعدم اقتناع، تسأل بانهيار:
_مين؟ مين اللي عملت فيا كل ده؟ هونت عليها ازاي وهي عايزة تشوفني مدبوحة عشان شوية كنوز وأثار؟ أنا وريم مأذيناش حد في حاجة، الناس كلها بتحبنا والله… كلهم بلا استثناء….
بسطت يدها اليمنى على صدرها بتوجّس، تتعالى حرارتها بقساوة، وتلهث وكأنّ الأكسجين لا يصل إلى رئتيها. عيناها متّسعتان على مصراعيهما، متابعةً بنشيجٍ مسموع:
_ليه؟ عملنالها إيه؟ أذيتها في إيه؟ شافت مني إيه وحش أنا وريم؟ مستقبلي ضاع، حياتي اتخربت يا رب، عمري بيضيع قصاد عيني… أنا تعبانة أوي، يا رب أموت عشان أرتاح… يا رب!
مدَّ “رمزي” المنديل المجفف إليها، مؤكّدًا لها أن لا أحد في هذه الحياة يستطيع حمايتها من مصعب سواه، قائلًا:
_لسه شايفة إني دمرتلك حياتك وأنا بتأذي بسببك وعشانك؟
تناولت چيهان المنديل الورقي، وجفّفت دموعها المنهمرة من شلالِ الأسى، كأنه منبعٌ لا يجف، كسيلٌ من الدموع المتواصلة.
أما “رمزي”، الذي أفشى سرًا لم يكن عليه كشفه، مستعدٌّ لتلقّي عقوبته العنيفة؛ فإن انكسرت العهود، تشتّتت الحيوات، وبدأت بدايات الهلاك، فاستمع إلى بكائها، وواصل بتعابير هادئة:
_أنا اختارت الموت عن إني أختارك ضحية! ورجوعك دلوقتي معناه إنك هتكوني تحت المراقبة، وهيقدر يوصلك ولو كنتي وسط عيلتك كلها!
ثم تنهّد، وتابع باستقامةٍ حقيقيةٍ تحوي في مضمونها نُصحًا: إن رغبت العمل به، فازت ناجية، وإن تهاونت، خسرت حصاد ما زرعته في الفترات الماضية:
_أنا الوحيد اللي عارف مصلحتك، عايزة تمشي ورايا وتصدقيني صدقيني، مش عايزة إنتي اللي هتخسري!
خرج في صمت، وأُرتِج الباب وراءه، لعلّها تفكر بعقلانية، وتَزِن كلماته بذهنٍ متفتّح، لتُدرِك مدى خطورة إيابها إلى عائلتها في وقتٍ خطير قد يجذبها إلى هاوية الدمار.
الدقيقة هنا تتحرك بسيوفٍ باترةٍ للأعناق، إن لم يتّخذ المرء احتياطاته اللازمة لصدّ مداهمات مصعب في أي لحظة غير مرتقبة.
حديثه كان واضحًا عن “منى”، لأوّل مرةٍ ينكشفُ ستارها محدثًا ضربةً صاعقة، فكيف هانت عليها صلة الدماء، وشاركت في قتلها، وهي تُقدّمها عرضًا مغريًا لمصعب؟
كان أطفال العائلة صغارًا، يلهون سويًّا دون ضغينةٍ مدفونة في قلوبهم، يحبذون قضاء أوقاتهم معًا.
لم تتذكّر چيهان أنها تشاجرت مع منى يومًا، أو سبّتها، أو ارتكبت ذنبًا في حقّها… لكن! وإن كانت قد ارتكبت، فلا شيء يبرر الشرّ الدفين في أعماقها.
فلم يقتصر أذاها المريض على چيهان فقط، بل شمل أختها أيضًا، تلك التي عاشت خمس سنواتٍ من المعاناة الشديدة: في التعليم، الحب، الزواج، وتكوين العلاقات الاجتماعية.
اِنهارت حياتها، فقدت صحتها، وتباعدن عنها صديقاتها، ينفرن منها، فانقطع حبل الوداد، كل شيء ينهار، وهي في كل مرة تزداد طغيانًا وظلمًا، وكأنها نُسِلت من نسل مصعب، وترعرعت على يداه المتدنسة بأرواح الطاهرين.
في الأسفل، وبينما خرج “رمزي” من دار الخال فهيم، تقابل بحَسِن الملامح <ناجي>، فعانقه بتحيّة، وعبّر رمزي عن رغبته في اصطحابه إلى رحلةٍ قصيرة، فقال مسرعًا:
_تعال ويّاي مشوار عالسريع يا ناچي!
سأله “ناجي” بفضول عن وجهتهما، قائلًا:
_وين رايحين يا رمزي؟ ترى ما فطرت بعد للحين.
بقبضةٍ جبرية، جذب “رمزي” يديه عنوة، واقتاده إلى الخيام ليبدآ رحلتهما التي جاء من أجلها خصيصًا، مجيبًا:
_تعال بس، بعدين بأكلك. المشوار مهم مرة وما ينفع يتأچل!
ثم حرَّر حبل الجمل، وربت على ظهره بضرباتٍ حانية لينهض بدهاء الإبل، وبلياقة الشباب، قفز رمزي مسرعًا إلى ظهره، جالسًا في المقدمة، يتبعه ناجي وراءه، والجمل ما زال في طور النهوض شيئًا فشيئًا حتى استقام كليًّا، فحرّكه رمزي في الاتجاه المطلوب، منغمسين في أعماق الصحراء، وكأن الغموض يلوح في الأفق بتلك اللحظات المُبهمة.
تيهٌ تخبئ في تفاصيلها أهدافًا وخططًا للوصول إلى نفق إيبار، نفقٌ مغروس تحت الأرض بعمق خمسين ألف متر، يمتد بمساحة نهايتها مجهولة، لا يعرف دروبه أحد، إذ يختبئ بين أنفاقٍ عدة أشهرها النفق الرئيسي “بيارون” القائم على حافة اليابسة، يظهر للجميع بمشهدٍ مهيب، حتى شيخ القبيلة ذاته يهابه، ذاك الذي تاهت ابنته الكبرى “سهير” في أروقته الداجية، وبعد ليلةٍ واحدة من اختفائها، وجدها أهل البلدة ملقاةً ذبيحةً بين أشجار سرايا العمدة.
كانت الضحايا عديدة، وكل من تجرأ على دخوله بأسلحته تبخّر داخل ظُلماته، وكأنه فصّ ملح وذاب بلا أثر.
تعددت الحكايات الشنيعة حول نفق بيارون، الذي لا يبلغ في الأصل ربع كوارث نفق إيبار الغائر في أعماق الأرض. لا يعلم دروبه سوى مصعب، رمزي، والجدّ الملعون “قُصيان”… رجلٌ سودانيّ الجنسية، ذو ملامح بشعة، وُلد وعاش ساحرًا لعينًا، يرغب في تلقين جميع أبنائه مبادئ السحر وأسراره، وكل من رفض إكمال مسيرته، غادر الحياة على يديه، ما عدا مصعب، الابن الوحيد الذي وافق ورحّب بأن يكون خليفته في الأرض، مستكملاً أعماله بعد الممات.
وحين التقى بزوجته “فطيمة”، سقطت ضحية في مكيدة غرامه، لكنها لم تُعجب بأسلوب حياته القاسي، فأضاعت عشرين عامًا تحاول إصلاحه دون جدوى، إذ كان يوطأها ويهين كرامتها بأبشع الألفاظ. حتى عندما أنجبت “رمزي”، كان يعنّفها كلما حاولت أن تبعد فلذة كبدها عن مهاوي الشرك بالله، وكلما نصحته، انهال عليها مصعب بالضرب.
تذكّر رمزي ما حدث بينهما وهو في الثامنة من عمره، صغيرًا قد ورث جمال والدته ونقاء بشرتها، لكن مصعب بجشعه استخسر أن يمتلك طباعها التقية. وفي يومٍ لم تشرق فيه الشمس، كانت “فطيمة” تحتضن طفلها وتخبره، قائلة:
_لا تسمع له يا رمزي، اچري على الكُتّاب بسرعة، ولو سألك جالّك كنت وين؟ جولُّه كنت ألعب مع أولاد الحارة!
لم تكد تُنهي جملتها حتى وجدت “مصعب” قبالتها، يرمقها بعيونٍ حمراء اكتسبت جمرة الشياطين، يخطو نحوها بهدوء ما قبل العاصفة، ثم انهال عليها بالضرب، جاذبًا شعراتها وهي تتأوه، لتجده ينطق بأنياب الذئب المطبقة:
_تبغيه يعصاني يا فطيمة؟
أجابته “فطيمة” بشجاعةِ امرأةٍ عفيفة، تمقت الموبقات التي تردي بصاحبها في هاوية الجحيم:
_أحسن ما يعصى ربه ويموت كافر.
صفعها “مصعب” صفعةً حارّة على وجهها بإهانة، متسائلًا بعتابٍ صاخب:
_تجصدي إني كافر؟ آني كافر؟ والله لأفرچيكي الكافر وش بيسوي، لأفرچيكي!
وقف رمزي بعيدًا خلف الجدار يبكي، ووالده يوطأ والدته وهي تنتحب مستغيثة، فلا حَلّ في يد الصغير سوى مشاهدة انفجارات بركانية إن اقترب منها لطخته بنيرانها. رفعت “فطيمة” يديها إلى عنان السماء، ويداه تتخبطان وجهها ورأسها بعنف، قائلة باستغاثة ربانية:
_لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين… ربي أني مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين… يا رب فرّچها!
ضحَّت بأعوامِ شبابها الزاهية من أجله، وتخلّت عن رضا عائلتها الذين اعترضوا على هذه الزيجة، كان الحبّ مرآةً مشروخة، ترى فيها ذاتًا تُقهَر تحت ظلاله المحدّبة. نصحها الجميع بالتخلّي عنه، لكن دون جدوى، فقد بلغ الحبّ آفاقه.
طالت رحلة رمزي وناجي التي استغرقت أربع ساعات بين الرمال، ذهابًا إلى أحد معارف رمزي في العاصمة “موط”.
لم يكن ناجي يعلم لِمَ اختار رمزي السفر بالجمل، متخليًا عن الوسائل الحديثة، وكأنهما يعيشان في عصر الجاهلية، ويتحركان وسط الرياح الساخنة في الصحراء بدلًا من الطرق المستقيمة المؤهلة للسفر. وبينما كان رمزي يتحرك في الساعة الأخيرة وقد شارفا على بلوغ أولى أطراف خيط إيبار، حامت الأفكار حول رأس ناجي كأنها سمكة قرشٍ شرسة تنهشه، ما جعله طوال الطريق يُمعن في الاستفسار عن أسرار رمزي وچيهان.
لكن رمزي كان على شفا الانفجار، ورغم ذلك تماسك، وحكم رباطة جأشه، وظلّ يتتبع الطريق بعينيه كي لا يغفل عن الاتجاهات في صحراء بلا معالم. فسأله “ناجي” للمرة المئة بتطفل، قائلًا:
_ليش آني بالذات اللي جولتلي إن چيهان مرتك، ورحت تجول لأبوي والعيلة كلها إنها أختك؟ ما تخاف أفضح السالفة؟
زفر رمزي بانزعاج وصمت، فاسترسل “ناجي” قائلًا:
_ومن هم ذولا اللي يحاربوك يا رمزي؟ هو إنت بينك وبين أبوك مصعب عداوة؟
انبثقت صرخات “رمزي” من شدّة الكدر، وقال بوعيدٍ ينذر بالعاصفة:
_إن ما سكَت بزعلَك زعل ما يرضيك يا ناچي، وآني ما ودي أعملها، إكمنك غالي عليّ!
لم يكترث “ناجي” بوعيد رمزي، وبدا مطمئنًا لمرافقته، وإن أوحت كلماته اللاذعة بغير ذلك، فتابع بإصرار:
_وآني ما راح أخلّيك لحالك يا رمزي إلا لما تشرحلي كل شي، وبعدها جولي وش تبغى من نفج إيبار؟
ردّ “رمزي” بصوتٍ حاد، بعدما نفدت محاولاته لإرغامه على الصمت:
_إنت ياللي اختارت يا ناچي.
صمت ناجي واكتفى بالصمت لخمس دقائق، لكن ما حدث كان غير متوقّع؛ إذ بدا الجمل يعلو بهما وكأنه دمية تمتلك مفاصل متمددة، يتزايد ارتفاعه بشكلٍ ملحوظ. تشبّث “ناجي” بكفّيه في كتفي رمزي، وهو يلهث ككلبٍ مرتاع، وقد اتّسع بؤبؤاه وجفّت المياه من حلقه ارتعابًا، وقال بصراخ:
_لا يا رمزي بحجْ أبوك! لا يا رمزي! الچمل ظهره جاعد يعلى بينا… لا يا رمزي، لا!
ظلّ الجمل يتعالى حتى بلغ ارتفاعه خمسة أمتار، وأصبح “ناجي” يرى الرمال من منظورٍ شاهق، وكأنه على قمة هضبة، ويداه تزدادان تشبثًا برمزي، مسترسلًا بنواح:
_أبوس يدك يا رمزي، الچمل جرّب يطلع فينا للفضا!
بلغ طول الجمل عشرة أمتار، ثم التف بوجهه إلى ناجي وتلفّظ بكلمةٍ غامضة، جعلت المياه تتسرّب من جسده كطفلٍ صغير تبوّل فزعًا، فقال “رمزي” بهدوء، كمن اعتاد هذه الأمور:
_جلبك ضعيف مرّة يا ناچي… هذي سالفة خفافي!
فقد ناجي وعيه، وسرعان ما عاد الجمل إلى حجمه الأصلي في مشهدٍ هزلي جمع بين فرض السيطرة والرعب… عاش حياته ظنًا منه أنه رجل قوي لا يهاب، لكن في موقف هزيل من وجهة نظر رمزي، تيقن أن النساء أكثر شجاعة منه.
لكن الحقيقة أن من صنع هذا المشهد المفزع لم يكن رمزي، نظرًا لأنه فقد قدراته الروحانية التي ميزته عن باقي البشر، بل يبدو أن من كان وراء الكواليس يراقب الحوارات، مترصدًا خطوط السير، فأراد إرهاب الاثنين، لكنه خاب في مواجهة رمزي الباسل الذي لم يتأثر بما يعيشه من واقعٍ شنيع.
يتبع..

