رواية انذار بالعشق الفصل الاربعون 40 بقلم مريم غريب

رواية انذار بالعشق الفصل الاربعون 40 بقلم مريم غريب
( 40 )
_ ثقة ! _
إنتظر “عمر” حتي وضعت “ليلي” فوق الطاولة صينية تحمل فنجان قهوة له و كأس عصير لـ”ساره” ثم إستدارت مغادرة قاعة الجلوس لتجعلهما ينفردا ببعض قليلا …
ترك “عمر” الكرسي الذي كان يجلس عليه ، و إنتقل جالسا علي الفور إلي جانب “ساره” فوق الآريكة ، أمسك بيديها المرتجفتين و قال مهدئا من روعها :
-إيه يا ساره ! ليه الخوف ده كله ؟ إنتي هنا في آمن مكان . إنتي وسط أهلك
إنقبضت أصابعها حول كفيه بقوة ، رفعت وجهها إليه ليري عيناها الدامعتين .. شاهد فيهما إستجداء صامت ، فتوسلها عاقدا حاجبيه بشدة :
-ساره ردي عليا . إنتي ساكتة ليه ؟ إنتي خايفة مني أنا كمان ؟ و لا خايفة تتكلمي معايا ؟ إطمني يا ساره مافيش أي سبب يخليكي تخافي مني . أنا جاي عشان أساعدك
-كل كلمة قولتها كانت صح ! .. نطقت “ساره” بصعوبة و قد إنهمرت دموعها الحبيسة
شد “عمر” علي فكه و هو ينظر لها بإنفعال مبطن ، لتكمل بصوت مرتجف النبرات :
-أخويا ! إللي رباني . إللي كبرت معاه .. إللي حبيته أكتر من نفسي . إللي حماني من كل الناس طول عمري ده كله . جه في الأخر و آآ … و إختنق صوتها من شدة الألم المطبق علي صدرها
-ششش ماتكمليش ! .. قالها “عمر” بصوت أجش ، و مد أنامله مزيلا قطرات دموعها و هو يستطرد :
-أنا عارف كل حاجة
و هنا غطت فمها بكفها لتكبت شهقة قوية أعقبها عويل حاد لم يقدر “عمر” علي تحمله …
-ساره ! .. تمتم بنبرة معذبة
-أرجوكي كفاية . أنا مش جاي عشان نتكلم في إللي حصل صدقيني
ردت عليه و صدرها لا يزال يغص ببكائها المرير :
-أومال إنت جاي ليه ؟ أكيد عايز تسمع و تفهم .. بس أنا مش هقدر أفهمك أكتر من كده . كل إللي بتفكر فيه صح . لو عايز تمشي إمشي يا عمر أنا مش هزعل منك
تجهم وجهه في هذه اللحظة ليقول محتدا :
-إيه إللي إنتي يتقوليه ده ؟ أد كده إنتي شايفاني واطي و ندل عشان تقوليلي الكلام ده ؟!!
هزت رأسها نافيا و قالت بصوت أبح :
-لأ . بس ده الطبيعي .. إنت مش محتاج تبرر و لا كنت محتاج تيجي لحد هنا . أنا عذراك
زمجر غاضبا من إنطباعها الخاطئ عنه و قال بخشونة :
-إنتي كنتي فكراني ههرب يعني لو عرفت إللي حصل ؟ لعلمك أنا بقالي إسبوع رايح جاي علي مستشقي باباكي هو إللي ماكنش سامحلي أشوفك . إلا إنهاردة بس . و حاجة كمان .. أنا كنت جاي و ماعنديش النية خالص إني أفتح كلام في أي حاجة حصلت
ساره منتحبة بحرقة :
-أومال إنت حيت لـيه ؟ لو سألتني هقولك مش عايزاك تسيبني يا عمر . أنا كنت خايفة و حاسة بغربة مع كل حد شوفته من ساعة ما فوقت . لكن إنهاردة لما شوفتك إرتحت . أنا بحبك و بطمن معاك يا عمر . مابقتش واثقة في أي حد غيرك !!
-بالراحة طيب يا ساره ! .. قالها “عمر” بتوتر حين شاهد تطور حالتها العصبية و وجهها الذي تلون بحمرة قاتمة
وضع يده علي كتفها و أمالها صوبه لتستقر رأسها علي صدره ، ثم قال بهدوء و هو يداعب خدها بلطف :
-إهدي لو سمحتي . مين قال إني هاسيبك ؟ أنا معاكي . إطمني . هكون معاكي طالما إنتي عايزة كده . و الله ما هخذلك أبدا . بحق ثقتك فيا دي .. بس هدي نفسك عشان خاطري !
نظمت “ساره” أنفاسها المهتاجة بجهد ، كانت تشعر بالسكينة الشديدة و هي تريح رأسها فوق صدره الآن .. لقد ذهب عنها الخوف ، رغم أنه رجل كبقية الرجال ، لكنها تثق به إلي أبعد الحدود ، رغم أنه حاول إستغلالها من قبل ، إلا أنه تراجع ممتثلا لقسمها عليه
منذ ذلك الوقت علمت أن بإمكانها الإطمئنان به ، و معه …
-ممكن تسمعيني شوية بقي عشان الوقت إتأخر و لازم أقوم أمشي !
إرتعدت “ساره” حين سمعت منه ذلك ، إبتعدت عنه ممسكة بسترته الجلدية بكلتا يداها و هي تهتف ملتاعة :
-بتقول إيه ؟ هتمشي و تسيبني لوحدي هنا ؟؟!!!
هدئها “عمر” محيطا وجهها بكفاه :
-متخافيش يا ساره . خايفة من إيه أصلا ؟ دول أهلك . كل حاجة بتثبت ده
إحتقن وجهها و هي ترد عابسة :
-أنا ماعرفهمش . مش واثقة فيهم و مش عايزة أقعد معاهم
عمر مؤنبا :
-عيب عليكي يا ساره . طيب دي أحسن حاجة في عيلتك إللي ظهروا دول هي مدام ليلي . معقول مش حاسة ناحيتها بالأمان ؟ دي بتفكرني بأمي و الله . كانت رقيقة و طيبة زيها كده
عضت “ساره” علي شفتها مقاومة مشاعر أثارتها كلماته عن تلك المرأة ، فهي لا تستطيع إنكار كم أغدقت عليها من حب و حنان خلال الأيام الماضية ، لكنها لم تفعل إلا أن صدتها عنها بكل قوتها متمسكة بخيوط الشرنقة التي صنعتها لنفسها
أن تمنح ثقتها لأناس جدد لم يسبق لها التعرف عليهم و التعامل معهم ذلك أمر بالغ الصعوبة ، خاصة بعد ما مرت به …
-إوعديني إنك تتعاملي معاها كويس .. قالها “عمر” بجدية
-علي الأقل هي يا ساره . صدقيني بتحبك . دي أمك إفهمي بقي !
تنفست “ساره” بعمق و أنزلقت قبضتاها من صدره إلي يديه ، تمسكت بهما من جديد و دفنت وجهها بتجويف عنقه متمتمة :
-طيب إحكيلي يا عمر .. لاقيتهم إزاي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
شحب وجه “نزار” ، ثم أحمـّر بخطورة شديدة بعد ما أحدثت كلمات والده أثرها فيه …
هب واقفا و هو يهدر و قد تحول غضبه المسبق إلي ثورة عمياء :
-إغتصبها !!
إغتصبها و سايبه ؟ عادي كده ؟ خلاص مش هنعرف ناخد حقنا مستنيين غيرنا ياخده و إحنا قاعدين ؟؟؟؟؟
وقف “كمال” بدوره و هو يقول بحزم :
-وطي صوتك يابني آدم . قولتلك ماينفعش أختك تسمع حاجة عن الموضوع ده
نزار هاتفا بعنف :
-إن شاالله تولع . مش رجعتلكوا خلاص ؟ فرحانين بيها دلوقتي و هي راجعة بمصيبة زي دي و في الأخر بدل ما ناخد حقنا و ننهي الموضوع بأي شكل رايح تسلم الكلب ده للبوليس . يعني قواضي و محاكم و فضيحة . فضيحة يا دكتور كمال و كنت عايز تخبي عليا لحد إمتي ؟ أدي إللي جالنا من ورا ساره و من تصمميكوا علي رجوعها
كمال بغضب شديد :
-أختك مالهاش ذنب . دي ضحية ناس مجرمين إستغلوها و قضوا علي إنسانيتها و سرقوا أبسط حقوقها في الحياة . عايزنا نعمل فيها إيه إحنا كمان ؟ مش كفاية عيشنا محرومين منها ؟ دي بنتي . فاهم يعني إيه ؟ صلبي
نزار بقساوة مجحفة :
-صلبك ! أنا لو مكانك أتبرأ منها أو لو رجولتي نقحت عليا أوي أموتها و أعيش راسي مرفوعة وسط الفضايح دي كلها
و دوت الصفعة في هدوء الغرفة … و ران الصمت مع بقاء النظرات المشحونة بين الأب و الإبن ، رفع “نزار” يده متحسسا خده الملتهب بصدمة ، كان تعبير وحشي يستعر بعيني “كمال” المتسعتين غضبا …
-كلمة تانية و هترأ منك إنت ! .. غمغم “كمال” بشراسة
-إنت زودتها أوي . و أنا ماعدتش هسكتلك . من هنا و رايح ماشوفكش تدخل في أي حاجة بتدور هنا . ماسمعش حسك يعلا في بيتي تاني . ده أخر تحذير ليك .. و زجره بنظرة عنيفة ، ثم إستدار خارجا و هو يصفق باب المكتب خلفه
بينما وقف “نزار” محدقا في إثره بنفس التعبير الصادم ….
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
وقفت “ساره” في شرفة غرفتها تراقب رحيل “عمر” بتعبير حزين علي وجهها …
كانت متعبة جدا اليوم ، و النعاس ما برح يداهمها خلال النصف ساعة الفائتة .. بالكاد رأته و هو يلوّح لها مبتسما قبل أن يستقل سيارته و ينطلق بعيدا
كانت تريد تأمل مساحة البيت المترف و إستكشافه من مكانها ، لكن عيناها لم تقويا علي التحديق أكثر ، و في اللحظة التالية سمعت صوت “ليلي” و شعرت بيديها و هي تحط بشالا من الصوف فوق كتفيها :
-يلا يا حبيبتي عشان نقفل الشباك ده . الجو برد عليكي . من بكره هنصلح الإزاز إللي إنكسر ده و أوضتك هتبقي حاجة تانية إن شاء الله .. يلا !
نظرت لها “ساره” مطولا ، رن بأذنها الوعد الذي قطعته لـ”عمر” … تنهدت بعمق ، و مشت معها بطواعية إلي الفراش
دثرتها “ليلي” جيدا و مسحت علي شعرها بحنان ، أعطتها كأسا من الحليب و هي تقول بلطف :
-خدي إشربي ده . اللبن هايهدي أعصابك خالص و هايساعدك علي النوم
أخذت “ساره” الكأس منها و شربته علي دفعات ، أعادته لها فارغا ، فإبتسمت “ليلي” برضا و قالت :
-بركاتك يا عمر باشا . ده أنا هاجبهولك كل يوم طالما خلاكي ترضي علينا كده .. و ضحكت بمرح ، ثم طبعت قبلة علي جبهتها و همست برقة :
-تصبحي علي خير يا حبيبتي !
و أخيرا أصبحت “ساره” وحيدة
تثاءبت بقوة و قد ساعدتها الإنارة الخافتة علي الإسترخاء التام ، لتغط في النوم فورا مستعينة بصورة “عمر” لتمنحها شيئا من الهدوة و راحة البال ، فقد عاد إليها مجددا و بعودته بث فيها شعورها المفقود بالأمان
و هي التي ظنت أن الحياة قد إنتهت … لقد أثبت أنها مخطئة بمنتهي السهولة !!
فتحت عينيها فيما بعد ، لم تكد تنهل من ذلك الحلم الوردي الذي لطالما تاقت لرؤيته .. أحست أنها لم تنم سوي بضعة ثوان ، لتستيقظ الآن علي إثر أيدي تحاوط كتفاها و تهزانها في محاولة لإيقاظها
دب الذعر فيها تلقائيا ، فتشنج جسمها و كادت تصرخ ، لولا كف إمتد بسرعة البرق و كمم فمها …
كانت تموت رعبا في تلك اللحظات و قد تصبب وجهها عرقا بارد كالثلج من شدة الخوف الذي إجتاحها ، لم تستطع رؤية شئ في ضوء الغرفة الضئيل جدا
لكنها إستمعت إلي الصوت الذي سارع لتهدئتها :
-ماتخافيش يا ساره . أنا هيام ……… !!!!!!!!!!!
يتبــــع …




